باب " ما جاء في السحر"
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ
- الكتاب
- فتح المجيد شرح كتاب التوحيد
- المؤلف
- عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي (المتوفى: 1285هـ)
- المحقق
- محمد حامد الفقي
- الناشر
- مطبعة السنة المحمدية، القاهرة، مصر
- الطبعة
- السابعة، 1377هـ/1957م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
وقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ 1.
قوله: "باب ما جاء في السحر" أي والكهانة.
السحر في اللغة: عبارة عما خفي ولطُف سببه، ولهذا جاء الحديث: 2 " إن من البيان لسحرا " 3. وسمي السحر سحرا؛ لأنه يقع خفيا آخر الليل.
قال أبو محمد المقدسي في الكافي: "" السحر عزائم ورُقى وعقد يؤثر في القلوب والأبدان، فيمرض ويقتل، ويفرق بين المرء وزوجه".
قال الله تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ 4.
وقال سبحانه: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ 5.
يعني السواحر اللاتي يعقدن في سحرهن وينفثن في عقدهن.
ولولا أن للسحر حقيقة لم يأمر الله بالاستعاذة منه.
وعن عائشة -رضي الله عنها-: أن النبي صلي الله عليه وسلم سُحر حتى إنه ليخيل إليه 1 سورة البقرة آية: 102.
2 جزء من حديث.
أخرجه البخاري: كتاب النكاح (5146) : باب الخطبة.
من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-.
وأخرجه مسلم: كتاب الجمعة (869) (47) : باب تخفيف الصلاة والخطبة.
3 رواه مالك وأحمد والبخاري وأبو داود والترمذي عن ابن عمر.
4 سورة البقرة آية: 102.
5 سورة الفلق آية: 4.
أنه يفعل الشيء وما يفعله، وأنه قال لها ذات يوم: " أتاني ملكان، فجلس أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي، فقال: ما وجع الرجل؟ قال: مطبوب.
قال: ومن طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم في مشط ومِشاطة وفي جَف طلعة ذكر في بئر ذروان " 2 رواه البخاري.
قال: "وقول الله تعالى: ﴿عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ 3". قال ابن عباس: "من نصيب".
قال قتادة: وقد علم أهل الكتاب فيما عهد إليهم: أن الساحر لا خلاق له في الآخرة.
وقال الحسن: ليس له دين.
فدلت الآية على تحريم السحر، وكذلك هو محرم في جميع أديان الرسل -عليهم السلام-، كما قال تعالى: ﴿وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ 4. وقد نص أصحاب أحمد أنه يكفر بتعلمه وتعليمه.
وروى عبد الرزاق 5عن صفوان بن سليم قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: " من تعلم شيئا من السحر قليلا كان أو كثيرا كان آخر عهده من الله " 6. وهذا مرسل.
واختلفوا: هل يكفر الساحر أو لا؟ فذهب طائفة من السلف إلى أنه يكفر.
وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد -رحمهم الله-.
قال أصحابه: إلا أن يكون سحره بأدوية وتدخين وسقي شيء يضر فلا يكفر.
وقال الشافعي: " إذا تعلم السحر قلنا له: صف لنا سحرك، فإن وصف ما يوجب الكفر; مثل ما اعتقده أهل بابل من التقرب إلى الكواكب السبعة، وأنها تفعل ما يلتمس منها فهو كافر، وإن كان لا يوجب الكفر فإن اعتقد إباحته كفر".
اهـ. وقد سماه الله كفرا بقوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ 7. وقوله: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ 8. قال ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ : وذلك أنهما علما الخير والشر والكفر والإيمان، فعرفا أن السحر من الكفر.
قال: "وقوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ 9 " تقدم الكلام عليهما في الباب قبله.
وفيه أن السحر من الجبت.
قاله المصنف -رحمه الله-.1
قوله: "قال عمر رضي الله عنه: " الجبت: السحر.
والطاغوت: الشيطان " هذا الأثر رواه ابن أبي حاتم وغيره.
قوله: "وقال جابر: " الطواغيت: كهان كان ينزل عليهم الشيطان، في كل حي واحد ". هذا الأثر رواه ابن أبي حاتم بنحوه مطولا عن وهب بن منبه قال: سألت جابر بن عبد الله عن الطواغيت التي كانوا يتحاكمون إليها، فقال: إن في جهينة واحدا، وفي أسلم واحدا، وفي هلال واحدا، وفي كل حي واحدا، وهم كهان كانت تنزل عليهم الشياطين "1.
قوله: "قال جابر" هو ابن عبد الله بن حرام الأنصاري2.
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: " اجتنبوا السبع الموبقات.
قوله: "الطواغيت كهان" أراد أن الكهان من الطواغيت: فهو من أفراد المعنى.
قوله: "كان ينزل عليهم الشيطان" أراد الجنس لا الشيطان الذي هو إبليس خاصة، بل تنزل عليهم الشياطين ويخاطبونهم ويخبرونهم بما يسترقون من السمع، فيصدقون مرة ويكذبون مائة.
قوله: "في كل حي واحد" الحي واحد الأحياء، وهم القبائل; أي في كل قبيلة كاهن يتحاكمون إليه ويسألونه عن الغيب، وكذلك كان الأمر قبل مبعث النبي صلي الله عليه وسلم فأبطل الله ذلك بالإسلام وحرست السماء بكثرة الشهب.
قوله: "وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: " اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق; وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات ".
كذا أورده المصنف غير معزو.
وقد رواه البخاري ومسلم.
قوله: "اجتنبوا" أي أبعدوا، وهو أبلغ من قوله: دعوا واتركوا؛ لأن النهي عن القربان أبلغ، كقوله: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ 1.
قوله: "الموبقات" بموحدة وقاف.
أي المهلكات.
وسميت هذه موبقات؛ لأنها تهلك فاعلها في الدنيا بما يترتب عليها من العقوبات، وفي الآخرة من العذاب.
وفي حديث ابن عمر عند البخاري في الأدب المفرد والطبري في التفسير، وعبد الرزاق مرفوعا وموقوفا قال:
الكبائر تسع- وذكر السبعة المذكورة- وزاد: والإلحاد في الحرم، وعقوق الوالدين" 2. ولابن أبي حاتم عن علي قال: " الكبائر- فذكر السبع- إلا مال اليتيم، وزاد: العقوق، والتعرب بعد الهجرة، وفراق الجماعة، ونكث الصفقة ".
قال الحافظ: ويحتاج عندي هذا الجواب عن الحكمة في الاقتصار على سبع.
ويجاب: بأن مفهوم العدد ليس بحجة وهو ضعيف، أو بأنه أعلم أولا بالمذكورات، ثم أعلم بما زاد. فيجب الأخذ بالزائد، أو أن الاقتصار وقع بحسب المقام بالنسبة إلى السائل.
وقد أخرج الطبراني وإسماعيل القاضي عن ابن عباس أنه قيل له: " الكبائر سبع ". قال: "هن أكثر من سبع وسبع". وفي رواية: "هي إلى سبعين أقرب". وفي رواية: "إلى السبعمائة"3.
قوله: "قال الشرك بالله" هو أن يجعل لله ندا يدعوه ويرجوه، ويخافه كما يخاف الله، بدأ به؛ لأنه أعظم ذنب عصى الله به، كما في الصحيحين عن ابن مسعود: " سألت النبي صلي الله عليه وسلم أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك " 4. الحديث.
وأخرج الترمذي بسنده عن صفوان بن عسال قال: " قال يهودي لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا النبي، فقال له صاحبه: لا تقل نبي، إنه لو سمعك لكان له أربع أعين، فأتيا رسول الله صلي الله عليه وسلم فسألاه عن تسع آيات بينات، فقال النبي صلي الله عليه وسلم: لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تمشوا ببريء إلى ذي سلطان ليقتله، ولا تسحروا، ولا تأكلوا الربا، ولا تقذفوا محصنة، ولا تولوا للفرار يوم الزحف، وعليكم خاصة اليهود أن لا تعدوا في السبت.
فقبلا يديه ورجليه.
وقالا: نشهد أنك نبي " 1 الحديث.
وقال: حسن صحيح.
قوله: "السحر" تقدم معناه.
وهذا وجه مناسبة الحديث للترجمة.
وقوله: " " وقتل النفس التي حرم الله " أي حرم قتلها.
وهي نفس المسلم المعصوم.
قوله: " إلا بالحق" أي بأن تفعل ما يوجب قتلها، كالشرك، والنفس بالنفس، والزاني بعد الإحصان، وكذا قتل المعاهد، كما في الحديث: " من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة " 2.
واختلف العلماء فيمن قتل مؤمنا متعمدا، وهل له توبة أم لا؟ فذهب ابن عباس وأبو هريرة وغيرهما إلى أنه لا توبة له، استدلالا بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا﴾ 3وقال ابن عباس: " نزلت هذه الآية وهي آخر ما نزل، وما نسخها شيء".
وفي رواية: "لقد نزلت في آخر ما نزل، وما نسخها شيء حتى قبض رسول الله صلي الله عليه وسلم وما نزل وحي" 4
وروي في ذلك آثار تدل لما ذهب إليه هؤلاء، كما عند الإمام أحمد والنسائي وابن المنذر عن معاوية: سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: " كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت كافرا، أو الرجل يقتل مؤمنا متعمدا ?"5.
وذهب جمهور الأمة سلفا وخلفا إلى أن القاتل له توبة فيما بينه وبين الله، فإن تاب وأناب وعمل صالحا بدل الله سيئاته حسنات، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامايُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناًإِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾ 6. الآيات.
قوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً﴾ 7 قال أبو هريرة وغيره: " هذا جزاؤه إن جازاه".
وقد روي عن ابن عباس ما يوافق قول الجمهور، فروى عبد بن حميد والنحاس عن سعيد بن عبادة أن ابن عباس رضي الله عنه كان يقول: "لمن قتل مؤمنا توبة".
وكذلك ابن عمر -رضي الله عنهما-.
وروى مرفوعا: "أن جزاءه جهنم إن جازاه".
قوله: "وأكل الربا" أي تناوله بأي وجه كان، كما قال تعالى: ﴿الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس﴾ 1 الآيات.
قال ابن دقيق العيد: "" وهو مجرب لسوء الخاتمة، نعوذ بالله من ذلك".
قوله: "وأكل مال اليتيم" يعني التعدي فيه.
وعبر بالأكل؛ لأنه أعم وجوه الانتفاع، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾ 2.
قوله: " والتولي يوم الزحف " أي الإدبار عن الكفار وقت التحام القتال، وإنما يكون كبيرة إذا فر إلى غير فئة أو غير متحرف لقتال. كما قيد به في الآية3.
وعن جندب مرفوعا: " حد الساحر ضربه بالسيف " 4. رواه الترمذي، وقال: الصحيح أنه موقوف.
قوله: "وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات" وهو بفتح الصاد: المحفوظات من الزنا، وبكسرها: الحافظات فروجهن منه، والمراد بالحرائر العفيفات، والمراد رميهن بزنا أو لواط.
والغافلات، أي عن الفواحش وما رمين به.
فهو كناية عن البريئات; لأن الغافل بريء عما بُهت به.
والمؤمنات، أي بالله تعالى احترازا من قذف الكافرات.
قوله: "وعن جندب مرفوعا: " حد الساحر ضربه بالسيف ". رواه الترمذي وقال: الصحيح أنه موقوف".
قوله: "عن جندب" ظاهر صنيع الطبراني في الكبير أنه جندب بن عبد الله البجلي.
لا جندب الخير الأزدي قاتل الساحر؛ فإنه رواه في ترجمة جندب البجلي من طريق خالد العبد عن الحسن عن جندب عن النبي صلي الله عليه وسلم.
وخالد العبد ضعيف.
قال
الحافظ: والصواب أنه غيره.
وقد رواه ابن قانع والحسن بن سفيان من وجهين عن الحسن عن جندب الخير: "أنه جاء إلى ساحر فضربه بالسيف حتى مات; وقال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول ... فذكره".
وجندب الخير: هو جندب بن كعب، وقيل: جندب بن زهير، وقيل: هما واحد، كما قال ابن حبان: أبو عبد الله الأزدي الغامدي صحابي.
روى ابن السكن من حديث بريدة أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: " يضرب ضربة واحدة فيكون أمة واحدة ".
قوله: " " حد الساحر ضربه بالسيف ". وروي بالهاء وبالتاء، وكلاهما صحيح.
وبهذا الحديث أخذ مالك وأحمد وأبو حنيفة فقالوا: يقتل الساحر.
وروي ذلك عن عمر، وعثمان، وابن عمر، وحفصة، وجندب بن عبد الله، وجندب بن كعب،
وفي صحيح البخاري عن بَجالة بن عَبْدة قال: " كتب عمر بن الخطاب: أن اقتلوا كل ساحر وساحرة.
قال: فقتلنا ثلاث سواحر ". وصح عن حفصة -رضي الله عنها- " أنها أمرت بقتل جارية سحرتها، فقتلت ". وكذلك صح عن جندب.
وقيس بن سعد، وعمر بن عبد العزيز.
ولم ير الشافعي القتل عليه بمجرد السحر إلا إن عمل في سحره ما يبلغ الكفر.
وبه قال ابن المنذر، وهو رواية عن أحمد.
والأول أولى للحديث ولأثر عمر، وعمل به الناس في خلافته من غير نكير.
قال "وفي صحيح البخاري عن بجالة بن عبدة قال: " كتب عمر بن الخطاب: أن اقتلوا كل ساحر وساحرة.
قال: فقتلنا ثلاث سواحر " 1.
هذا الأثر رواه البخاري كما قال المصنف -رحمه الله-، لكن لم يذكر قتل السواحر.
قوله: "عن بجالة" بفتح الموحدة بعدها جيم، ابن عبدة بفتحتين، التميمي العنبري بصري ثقة.
قوله: "كتب إلينا عمر بن الخطاب: أن اقتلوا كل ساحر وساحرة".
وظاهره أنه يقتل من غير استتابة.
وهو كذلك على المشهور عن أحمد، وبه قال مالك؛ لأن علم السحر لا يزول بالتوبة.
وعن أحمد يستتاب; فإن تاب قبلت توبته.
وبه قال الشافعي؛ لأن ذنبه لا يزيد عن الشرك، والمشرك يستتاب وتقبل توبته، ولذلك صح إيمان سحرة فرعون وتوبتهم.
قوله: "وصح عن " حفصة أنها أمرت بقتل جارية لها سحرتها فقتلت ". هذا الأثر رواه مالك في الموطأ.
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية البقرة.
الثانية: تفسير آية النساء.
الثالثة: تفسير الجبت والطاغوت. والفرق بينهما.
الرابعة: أن الطاغوت قد يكون من الجن وقد يكون من الإنس.
الخامسة: معرفة السبع الموبقات المخصوصات بالنهي.
السادسة: أن الساحر يكفر.
وحفصة: هي أم المؤمنين بنت عمر بن الخطاب تزوجها النبي صلي الله عليه وسلم بعد خنيس بن حذافة، وماتت سنة خمس وأربعين.
قوله: "وكذلك صح عن جندب" أشار المصنف بهذا إلى قتله الساحر كما رواه البخاري في تاريخه عن أبي عثمان النهدي قال: "كان عند الوليد رجل يلعب، فذبح إنسانا وأبان رأسه فعجبنا، فأعاد رأسه، فجاء جندب الأزدي فقتله". ورواه البيهقي في الدلائل مطولا. وفيه: "فأمر به الوليد فسجن". فذكر القصة بتمامها ولها طرق كثيرة.
قوله: "قال أحمد: عن ثلاثة من أصحاب النبي صلي الله عليه وسلم". أحمد: هو الإمام ابن محمد بن حنبل1.
قوله: "عن ثلاثة" أي صح قتل الساحر عن ثلاثة، أو جاء قتل الساحر عن ثلاثة من أصحاب النبي صلي الله عليه وسلم يعني عمر، وحفصة، وجندبا.
والله أعلم.
السابعة: أنه يُقتل ولا يستتاب.
الثامنة: وجود هذا في المسلمين على عهد عمر، فكيف بعده؟
باب: " بيان شيء من أنواع السحر"
قال أحمد: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا عوف عن حيان بن العلاء حدثنا قوله: باب "بيان شيء من أنواع السحر".
قلت: ذكر الشارح -رحمه الله تعالى- هاهنا شيئا من الخوارق وكرامات الأولياء، وذكر ما اغتر به كثير من الناس من الأحوال الشيطانية التي غرت كثيرا من العوام والجهال، وظنوا أنها تدل على ولاية من جرت على يديه ممن هو من أولياء الشيطان لا من أولياء الرحمن، ثم قال: "" ولشيخ الإسلام كتاب "الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان" فراجعه".
انتهى.
قال -رحمه الله تعالى-: "قال أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا عوف عن حيان بن العلاء، حدثنا قَطَن بن قبيصة عن أبيه أنه سمع النبي صلي الله عليه وسلم قال: " إنّ العيافة، والطرق، والطيرة من الجبت " قال عوف: العيافة: زجر الطير، والطرق: الخط يخط في الأرض، والجبت: قال الحسن: "رنة الشيطان".
إسناده جيد.
ولأبي داود والنسائي وابن حبان في صحيحه: المسند منه".
قوله: "قال أحمد" هو الإمام أحمد بن محمد بن حنبل.
ومحمد بن جعفر هو المشهور بغندر الهذلي البصري، ثقة مشهور، مات سنة ست ومائتين.
وعوف هو ابن أبي جميلة - بفتح الجيم - العبدي البصري، المعروف بعوف الأعرابي، ثقة مات سنة ست أو سبع وأربعين، وله ست وثمانون سنة.
قطن بن قبيصة عن أبيه أنه سمع النبي صلي الله عليه وسلم قال: " إن العيافة والطرق والطيرة من الجبت " 1.
قال عوف: "العيافة: زجر الطير.
والطرق: الخط يخط بالأرض "2.
والجبت: قال الحسن: " رنة الشيطان".
إسناد جيد.
وحيان بن العلاء هو بالتحتية، ويقال: حيان بن مخارق، أبو العلاء البصري، مقبول.
وقطن، بفتحتين أبو سهل البصري صدوق.
قوله: "عن أبيه" هو قبيصة - بفتح أوله - ابن مخارق - بضم الميم - أبو عبد الله الهلالي.
صحابي، نزل البصرة.
1ضعيف.
أحمد (3/477) , (5/60) ، وأبو داود: كتاب الطب (3907) : باب في الخط وزجر الطير, والنسائي في الكبرى كما في تحفة الأشراف (8/275) ، وابن حبان (1426-موارد) . وضعفه الألباني في تخريج رياض الصالحين (1668) .
2 هو ما يسمونه خط الرمل وعلمه, وهو ذائع بين أهل العصر, ولبعضهم فيه تأليف، وقد يتعيش به كثير من المتكهنين يغرون به البله والجهلة; زاعمين أنهم يطلعون على المغيبات وهم كاذبون; فإن هذا العلم بل الجهل لا يقصد به إلا خداع الناس، وأكل أموالهم بالباطل, وقد بحثت في قواعده فوجدته -كما ذكرت لك- رجما بالغيب، وهو من الجبت كما في الحديث.
فيجب على المؤمنين بالله الكفر به.
ومثله ما يسمونه علم قراءة الكف، وقراءة الفنجان، ومناجاة حب البن ونحوه.
كل ذلك دجل وسحر واستمتاع كل من شياطين الجن والإنس ببعضهم.
نسأل الله العافية للمسلمين من هذه الأمراض الفتاكة.
قوله: " إن العيافة والطرق والطيرة من الجبت ". قال عوف: العيافة: زجر الطير، والتفاؤل بأسمائها وأصواتها وممرها، هو من عادات العرب، وكثير في أشعارهم.
يقال: عاف يعيف عيفا، إذا زجر وحدس وظن.
قوله: "والطرق: الخط يخط بالأرض" كذا فسره عوف، وهو كذلك.
وقال أبو السعادات: هو الضرب بالحصى الذي يفعله النساء.
وأما الطيرة فيأتي الكلام عليها في بابها إن شاء الله تعالى.
قوله: "من الجبت" أي السحر.
قال القاضي: والجبت في الأصل الفشل الذي لا خير فيه، ثم استعير لما يعبد من دون الله، وللساحر والسحر.
قوله: "قال الحسن: رنة الشيطان" قلت: ذكر إبراهيم بن محمد بن مفلح أن في تفسير بقي بن مخلد أن إبليس رن أربع رنات: رنة حين لُعن، ورنة حين أُهبط;
ولأبي داود والنسائي وابن حبان في صحيحه المسند منه.
وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: " من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر، زاد ما زاد " 1. رواه أبو داود، وإسناده صحيح.
ورنة حين ولد رسول الله صلي الله عليه وسلم، ورنة حين نزلت فاتحة الكتاب.
قال سعيد بن جبير: "لما لعن الله تعالى إبليس تغيرت صورته عن صورة الملائكة، ورن رنة، فكل رنة منها في الدنيا إلى يوم القيامة ". رواه ابن أبي حاتم.
وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: "لما فتح رسول الله صلي الله عليه وسلم مكة رن إبليس رنة اجتمعت إليه جنوده".
رواه الحافظ الضياء في المختارة.
الرنين: الصوت.
وقد رن يرن رنينا، وبهذا يظهر معنى قول الحسن -رحمه الله تعالى-.
1حسن.
أبو داود: كتاب الطب (3905) : باب في النجوم، وأحمد (1/277,311) ، وابن ماجة كتاب الأدب (3726) : باب تعلم النجوم.
وصححه الألباني في صحيح الجامع (5950) ، وفي الصحيحة (793) .
قوله: "ولأبي داود وابن حبان في صحيحه: المسند منه" ولم يذكر التفسير الذي فسره به عوف.
وقد رواه أبو داود بالتفسير المذكور بدون كلام الحسن.
قوله: "وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: " من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر، زاد ما زاد ". رواه أبو داود بإسناد صحيح".
وكذا صححه النووي والذهبي ورواه أحمد وابن ماجه.
قوله: "من اقتبس" قال أبو السعادات: " قبست العلم واقتبسته إذا علمته" اهـ1.
قوله: "شعبة" أي طائفة من علم النجوم.
والشعبة الطائقة.
ومنه الحديث: ? " الحياء شعبة من الإيمان " 2. أي جزء منه.
وللنسائي من حديث أبي هريرة: " من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك.
ومن تعلق شيئا وكل إليه " 3.
قوله: "فقد اقتبس شعبة من السحر" المحرم تعلمه.
قال شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-: " فقد صرح رسول الله صلي الله عليه وسلم بأن علم النجوم من السحر".
وقال تعالى: ﴿وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ 4.
قوله: "زاد ما زاد" أي كلما زاد من تعلم علم النجوم زاد في الإثم الحاصل بزيادة الاقتباس5 من شعبه، فإن ما يعتقده في النجوم من التأثير باطل، كما أن تأثير
السحر باطل1.
قوله: "وللنسائي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: " من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر.
ومن سحر فقد أشرك.
ومن تعلق شيئا وكل إليه " هذا حديث ذكره المصنف من حديث أبي هريرة وعزاه للنسائي.
وقد رواه النسائي مرفوعا وحسنه ابن مفلح.
قوله: "وللنسائي" هو الإمام الحافظ أحمد بن شعيب بن علي بن سنان بن بحر بن دينار أبو عبد الرحمن صاحب السنن وغيرها.
وروى عن محمد بن المثنى وابن بشار وقتيبة وخلق، وكان إليه المنتهى في العلم بعلل الحديث، مات سنة ثلاث وثلاثمائة، وله ثمان وثمانون سنة رحمه الله تعالى.
قوله: "من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر" اعلم أن السحرة إذا أرادوا عمل السحر عقدوا الخيوط ونفثوا على كل عقدة، حتى ينعقد ما يريدون من السحر، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ 2 يعني السواحر اللاتي يفعلن ذلك، والنفث هو النفخ مع الريق، وهو دون التفل.
والنفث فعل الساحر، فإذا تكيفت نفسه بالخبث والشر الذي يريده المسحور، ويستعين عليه بالأرواح الخبيثة نفخ في تلك العقدة نفخا معه ريق، فيخرج من نفسه الخبيثة نفس ممازج للشر والأذى مقارن للريق الممازج لذلك، وقد يتساعد هو والروح الشيطانية على أذى المسحور فيصيبه بإذن الله الكوني القدري لا الشرعي، قاله ابن القيم -رحمه الله تعالى-.
قوله: " " ومن سحر فقد أشرك " نص في أن الساحر مشرك؛ إذ لا يتأتى السحر بدون الشرك كما حكاه الحافظ عن بعضهم.
قوله: " ومن تعلق شيئا وكل إليه " أي من تعلق قلبه شيئا; بحيث يعتمد عليه ويرجوه، وكله الله إلى ذلك الشيء.
1 فمن تعلق على ربه وإلهه وسيده ومولاه رب كل شيء ومليكه، كفاه ووقاه وحفظه وتولاه، فنعم المولى ونعم النصير.
قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ 2. ومن تعلق على السحرة والشياطين وغيرهم من المخلوقين، وكله الله إلى من تعلقه فهلك، ومن تأمل ذلك في أحوال الخلق ونظر بعين البصيرة رأى ذلك عيانا، وهذا من جوامع الكلم.
والله أعلم.
قال: "وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: " ألا هل أنبئكم ما العَضْه؟ هي النميمة: القالة بين الناس ". رواه مسلم".
هي النميمة: القالة بين الناس "3 رواه مسلم.
ولهما عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: " إن من البيان لسحرا " 4.
قوله: "ألا هل أنبئكم" أخبركم و "العضه" بفتح المهملة وسكون المعجمة; قال أبو السعادات: هكذا يروى في كتب الحديث.
والذي في كتب الغريب "ألا أنبئكم ما العِضَه" بكسر العين وفتح الضاد.
قال الزمخشري: أصلها "العضهة" فعلة من العضه وهو البهت.
فحذفت لامه، كما حذفت من السنة والسفه، وتجمع على "عضين"، ثم فسره بقوله: "هي النميمة: القالة بين الناس"، فأطلق عليها "العضه"؛ لأنها لا تنفك من الكذب والبهتان غالبا.
ذكره القرطبي.
وذكر ابن عبد البر عن يحيى ابن أبي كثير قال: "يفسد النمام والكذاب في ساعة ما لا يفسد الساحر في سنة".
وقال أبو الخطاب في عيون المسائل: ومن السحر السعي بالنميمة والإفساد بين الناس.
قال في الفروع: ووجهه أنه يقصد الأذى بكلامه وعمله على وجه المكر والحيلة، أشبه السحر، وهذا يعرف بالعرف والعادة أنه يؤثر وينتج ما يعمله السحر أو أكثر، فيعطى حكمه تسوية بين المتماثلين أو المتقاربين.
لكن يقال: الساحر إنما يكفر لوصف السحر وهو أمر خاص ودليله خاص، وهذا ليس بساحر.
وإنما يؤثر عمله ما يؤثره فيعطى حكمه إلا فيما اختص به من الكفر وعدم قبول التوبة.
انتهى ملخصا.
وبه يظهر مطابقة الحديث للترجمة.
وهو يدل على تحريم النميمة، وهو مجمع عليه.
قال ابن حزم -رحمه الله-: " اتفقوا على تحريم الغيبة والنميمة في غير النصيحة الواجبة".
وفيه دليل على أنها من الكبائر.
قوله: "القالة بين الناس".
قال أبو السعادات: أي كثرة القول وإيقاع الخصومة بين الناس.
ومنه الحديث: " فشت القالة بين الناس "1.
قال: "ولهما عن ابن عمر أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: " إن من البيان لسحرا ". البيان: البلاغة والفصاحة.
قال صعصعة
فيه مسائل:
الأولى: أن العيافة والطرق والطيرة من الجبت.
الثانية: تفسير العيافة والطرق.
الثالثة: أن علم النجوم نوع من السحر.
الرابعة: العقد مع النفث من ذلك.
الخامسة: أن النميمة من ذلك.
السادسة: أن من ذلك بعض الفصاحة.
بن صوحان: "صدق نبي الله؛ فإن الرجل يكون عليه الحق وهو ألحن بالحجج من صاحب الحق، فيسحر القوم ببيانه فيذهب بالحق".
وقال ابن عبد البر: " تأولته طائفة على الذم؛ لأن السحر مذموم، وذهب أكثر أهل العلم وجماعة أهل الأدب إلى أنه على المدح؛ لأن الله تعالى مدح البيان.
قال: وقد قال عمر بن عبد العزيز لرجل سأله عن حاجة فأحسن المسألة فأعجبه قوله.
قال: "هذا والله السحر الحلال"".
انتهى.
والأول أصح، والمراد به البيان الذي فيه تمويه على السامع وتلبيس، كما قال بعضهم:
في زخرف القول تزيين لباطله ... والحق قد يعتريه سوء تعبير
مأخوذ من قول الشاعر:
تقول هذا مُجاج النحل تمدحه ... وإن تشأ قلت ذا قيء الزنابير
مدحا وذما وما جاوزت وصفهما ... والحق قد يعتريه سوء تعبير
قوله: " إن من البيان لسحرا ". هذا من التشبيه البليغ؛ لكون ذلك يعمل عمل السحر، فيجعل الحق في قالب الباطل، والباطل في قالب الحق، فيستميل به قلوب الجهال، حتى يقبلوا الباطل وينكروا الحق، ونسأل الله الثبات والاستقامة على الهدى.
وأما البيان الذي يوضح الحق ويقرره، ويبطل الباطل ويبينه، فهذا هو الممدوح، وهكذا حال الرسل وأتباعهم، ولهذا علت مراتبهم في الفضائل وعظمت حسناتهم.
وبالجملة فالبيان لا يحمد إلا إذا لم يخرج إلى حد الإسهاب والإطناب،
وتغطية الحق، وتحسين الباطل.
فإذا خرج إلى هذا فهو مذموم، وعلى هذا تدل الأحاديث كحديث الباب وحديث: " إن الله يبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل بلسانه كما تتخلل البقرة بلسانها " 1. رواه أحمد وأبو داود.
باب: " ما جاء في الكهان ونحوهم"
روى مسلم في صحيحه عن بعض أزواج النبي صلي الله عليه وسلم عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: " من قوله: "باب ما جاء في الكهان ونحوهم".
"الكاهن" هو الذي يأخذ عن مسترق السمع، وكانوا قبل المبعث كثيرا.
وأما بعد المبعث فإنهم قليل؛ لأن الله تعالى حرس السماء بالشهب، وأكثر ما يقع في هذه الأمة ما يخبر به الجن أولياءهم من الإنس عن الأشياء الغائبة بما يقع في الأرض من الأخبار، فيظنه الجاهل كشفا وكرامة1، وقد اغتر بذلك كثير من الناس يظنون المخبر لهم بذلك عن الجن وليا لله، وهو من أولياء الشيطان، كما قال تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً 1 والواقع أن ذلك من تآلف روح الشيطان القرين مع روح قرينه الإنسان الخبيث، فيتناجيان ويتكلم الشيطان مع قرينه بما يحب من الأخبار التي يتلقاها الشيطان عن الشيطان الآخر قرين الإنسان الآخر.
وهكذا فإن لكل إنسان قرينا من الشيطان كما جاء ذلك في القرآن والسنة.
فيخبر شيطان الإنس بما أوحى إليه شيطان الجن من أخبار السائل وأحواله في منزله وخصوصية نفسه مما ألقاه إليه الشيطان القرين, فيظن الجهلة والمغفلون أن ذلك عن صلاح وتقوى وكرامات، وأنه بصلاحه قد كشف الحجاب عنه.
وهذا من أضل الضلال ومن أعظم الخذلان، وإن اعتقده وخدع به كثير ممن ينتسب إلى ظاهر العلم والصلاح.
يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الأِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الأِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} 1.
قوله: " روى مسلم في صحيحه عن بعض أزواج النبي صلي الله عليه وسلم عن النبي صلي الله عليه وسلم قال:
" من أتى عرافا فسأله عن شيء فصدقه بما يقول، لم تقبل له صلاة أربعين يوما ".
قوله: "عن بعض أزواج النبي صلي الله عليه وسلم" هي حفصة، ذكره أبو مسعود الثقفي؛ لأنه ذكر هذا الحديث في الأطراف في مسندها.
قوله: " من أتى عرافا" سيأتي بيان العراف إن شاء الله تعالى.
وظاهر هذا الحديث أن الوعيد مرتب على مجيئه وسؤاله، سواء صدقه أو شك في خبره.
فإن في بعض روايات الصحيح: " من أتى عرافا فسأله عن شيء، لم تقبل له صلاة أربعين ليلة ".
قوله: " لم تقبل له صلاة" إذا كانت هذه حال السائل، فكيف بالمسئول؟ قال النووي وغيره: معناه أنه لا ثواب له فيها، وإن كانت مجزئة بسقوط الفرض عنه، ولا بد من هذا التأويل في هذا الحديث; فإن العلماء متفقون على أنه لا يلزم من أتى العراف إعادة صلاة أربعين ليلة.
اهـ ملخصا.
وفي الحديث النهي عن إتيان الكاهن ونحوه قال القرطبي: " يجب على من قدر على ذلك من محتسب وغيره أن يقيم من يتعاطى شيئا من ذلك من الأسواق وينكر عليهم أشد النكير، وعلى من يجيء إليهم، ولا يغتر بصدقهم في بعض الأمور، ولا بكثرة من يجيء إليهم ممن ينتسب إلى العلم؛ فإنهم غير راسخين في العلم، بل من الجهال بما في إتيانهم من المحذور".
وعن أبي هريرة عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: " من أتى
كاهنا فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد صلي الله عليه وسلم " 1 رواه أبو داود.
وللأربعة والحاكم –وقال: صحيح على شرطهما- عن النبي صلي الله عليه وسلم2: " من أتى عرافا أو كاهنا فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد صلي الله عليه وسلم "3.
قال: "عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: " من أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلي الله عليه وسلم ". رواه أبو داود"4.
وفي رواية أبي داود: " أو أتى امرأة - قال مسدد: امرأته حائضا- أو أتى امرأة.
قال مسدد: امرأته في دبرها - فقد برئ مما أنزل على محمد صلي الله عليه وسلم ". فناقل هذا الحديث من السنن حذف منه هذه الجملة، واقتصر على ما يناسب الترجمة.
قال: "وللأربعة والحاكم- وقال: صحيح على شرطهما- عن النبي صلي الله عليه وسلم: " من أتى عرافا أو كاهنا فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد صلي الله عليه وسلم ".
هكذا بيض المصنف لاسم الراوي.
وقد رواه أحمد والبيهقي والحاكم عن أبي هريرة مرفوعا.
قوله " من أتى كاهنا" قال بعضهم: لا تعارض بين هذا وبين حديث: " من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة ". هذا على قول من يقول: هو كفر دون كفر، أما على قول من يقول بظاهر الحديث فيسأل عن وجه الجمع بين الحديثين.
وظاهر الحديث أنه يكفر متى اعتقد صدقه بأي وجه كان.
وكان غالب الكهان قبل النبوة إنما كانوا يأخذون عن الشياطين.
قوله: " فقد كفر بما أنزل على محمد صلي الله عليه وسلم".
قال القرطبي: " المراد بالمنزل الكتاب والسنة".
اهـ. وهل الكفر في هذا الموضع كفر دون كفر، فلا ينقل عن الملة، أم يتوقف فيه فلا يقال: يخرج عن الملة ولا لا يخرج؟ وهذا أشهر الروايتين عن أحمد رحمه الله تعالى.
قال: "ولأبي يعلى بسند جيد عن ابن مسعود مثله موقوفا": أبو يعلى اسمه أحمد بن علي بن المثنى الموصلي الإمام صاحب التصانيف كالمسند وغيره.
روى عن يحيى بن معين وأبي خيثمة وأبي بكر ابن أبي شيبة وخلق، وكان من الأئمة
الحفاظ; مات سنة سبع وثلاثمائة.
وهذا الأثر رواه البزار أيضا ولفظه: " من أتى كاهنا أو ساحرا فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد صلي الله عليه وسلم " 1. وفيه دليل على كفر الكاهن والساحر؛ لأنهما يدعيان علم الغيب وذلك كفر، والمصدق لهما يعتقد ذلك ويرضى به، وذلك كفر أيضا2.
قال: "وعن عمران بن حصين رضي الله عنه مرفوعا: 3 " ليس منا من تَطير أو تُطيِّر له، أو تَكهن أو تُكهِّن له، أو سَحر أو سُحر له.
ومن أتى كاهنا فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أُنزل على محمد" (رواه البزار بإسناد جيد) .
ورواه الطبراني في الأوسط بإسناد حسن من حديث ابن عباس دون قوله: " ومن أتى" إلى آخره.
قال البغوي: " العراف: الذي يدعي معرفة الأمور بمقدمات يستدل بها على المسروق ومكان الضالة ونحو ذلك".
له.
ومن أتى كاهنا فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد صلي الله عليه وسلم ". رواه البزار بإسناد جيد، ورواه الطبراني في الأوسط بإسناد حسن من حديث ابن عباس دون قوله: " ومن أتى كاهنا " " إلى آخره".
قوله: "ليس منا"4 فيه وعيد شديد يدل على أن هذه الأمور من الكبائر، وتقدم أن الكهانة والسحر كفر.
قوله: "من تطير" أي فعل الطيرة "أو تطير له" أي قبل قول المتطير له وتابعه، كذا معنى "أو تكهن أو تكهن له" كالذي يأتي الكاهن ويصدقه ويتابعه، وكذلك من عمل الساحر له السحر.
فكل من تلقى هذه الأمور عمن تعاطاها فقد برئ منه رسول الله صلي الله عليه وسلم؛ لكونها إما شركا كالطيرة، أو كفرا كالكهانة والسحر.
فمن رضي بذلك وتابع عليه فهو كالفاعل لقبوله الباطل واتباعه.
قوله: "رواه البزار" هو أحمد بن عمرو بن عبد الخالق، أبو بكر البزار البصري صاحب
المسند الكبير.
وروى عن ابن بشار وابن المثنى وخلق، مات سنة اثنتين وتسعين ومائتين.
قوله: "قال البغوي إلى آخره" البغوي - بفتحتين - هو الحسين بن مسعود الفراء الشافعي، صاحب التصانيف وعالم أهل خراسان، كان ثقة فقيها زاهدا، مات في شوال سنة ست عشرة وخمسمائة رحمه الله تعالى.
وقيل: هو الكاهن.
والكاهن: هو الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل.
وقيل: الذي يخبر عما في الضمير.
وقال أبو العباس ابن تيمية: " العراف اسم للكاهن والمنجم والرمال ونحوهم ممن يتكلم في معرفة الأمور بهذه الطرق".
قوله: "العرّاف: الذي يدعي معرفة الأمور" ظاهره: أن العراف هو الذي يخبر عن الوقائع كالسرقة وسارقها والضالة ومكانها.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: " إن العراف اسم للكاهن والمنجم والرمال ونحوهم، كالحازر الذي يدعي علم الغيب أو يدعي الكشف".
وقال أيضا: " والمنجم يدخل في اسم العراف، وعند بعضهم هو معناه".
وقال أيضا: " والمنجم يدخل في اسم الكاهن عند الخطابي وغيره من العلماء، وحكى ذلك عن العرب.
وعند آخرين: هو من جنس الكاهن، وأسوأ حالا منه، فيلحق به من جهة المعنى".
وقال الإمام أحمد: " العرافة طَرَف من السحر.
والساحر أخبث".
وقال أبو السعادات: "" العراف المنجم، والحازر الذي يدعي علم الغيب، وقد استأثر الله تعالى به".
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: " من اشتهر بإحسان الزجر عندهم سموه عائفا وعرافا".
والمقصود من هذا: معرفة أن من يدعي معرفة علم الشيء من المغيبات فهو إما داخل في
اسم الكاهن، وإما مشارك له في المعنى فيلحق به.
وذلك أن إصابة المخبر ببعض الأمور الغائبة في بعض الأحيان يكون بالكشف.
ومنه ما هو من الشياطين، ويكون بالفأل والزجر والطيرة والضرب بالحصى والخط في الأرض والتنجيم والكهانة والسحر، ونحو هذا من علوم الجاهلية، ونعني بالجاهلية كل من ليس من أتباع الرسل -عليهم السلام-، كالفلاسفة والكهان والمنجمين، وجاهلية العرب الذين كانوا قبل مبعث النبي صلي الله عليه وسلم؛ فإن هذه علوم لقوم ليس لهم علم بما جاءت به الرسل صلي الله عليه وسلم1، وكل هذه الأمور يسمى صاحبها كاهنا أو عرافا أو في معناهما، فمن أتاهم فصدقهم يما يقولون لحقه الوعيد.
وقد ورث هذه العلوم عنهم أقوام فادعوا بها علم الغيب الذي استأثر الله بعلمه، وادعوا أنهم أولياء وأن ذلك كرامة.
ولا ريب أن من ادعى الولاية، واستدل بإخباره ببعض المغيبات فهو من أولياء الشيطان لا من أولياء الرحمن، إن الكرامة أمر يجريه الله على يد عبده المؤمن التقي، إما بدعاء أو أعمال صالحة لا صنع للولي فيها، ولا قدرة له عليها، بخلاف من يدعي أنه ولي ويقول للناس: اعلموا أني أعلم المغيبات; فإن هذه الأمور قد تحصل بما ذكرنا من الأسباب، وإن كانت أسبابا محرمة كاذبة في الغالب، ولهذا قال النبي صلي الله عليه وسلم في وصف الكهان: " فيكذبون معها مائة كذبة " 2. فبين أنهم يصدقون مرة ويكذبون مائة، وهكذا حال من سلك سبيل الكهان ممن يدعي الولاية والعلم بما في ضمائر الناس، مع أن نفس دعواه دليل على كذبه؛ لأن في دعواه الولاية تزكية النفس المنهي عنها بقوله تعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ 3. وليس هذا من شأن الأولياء؛ فإن شأنهم الإزراء على نفوسهم وعيبهم لها; وخوفهم من ربهم، فكيف يأتون الناس ويقولون: اعرفوا أننا أولياء، وأنا نعلم الغيب؟ وفي ضمن
ذلك طلب المنزلة في قلوب الخلق واقتناص الدنيا بهذه الأمور. وحسبك بحال الصحابة والتابعين -رضي الله عنهم-، وهم سادات الأولياء، أفكان عندهم من هذه الدعاوى والشطحات شيء؟ لا والله، بل كان أحدهم لا يملك نفسه من البكاء إذا قرأ القرآن، كالصديق رضي الله عنه، وكان عمر رضي الله عنه
وقال ابن عباس - في قوم يكتبون أبا جاد وينظرون في النجوم-: " ما أرى مَن فعل ذلك له عند الله من خلاق ".
يسمع نشيجه من وراء الصفوف يبكي في صلاته، وكان يمر بالآية في ورده من الليل فيمرض منها ليالي يعودونه، وكان تميم الداري يتقلب على فراشه ولا يستطيع النوم إلا قليلا خوفا من النار، ثم يقوم إلى صلاته. ويكفيك في صفات الأولياء ما ذكره الله تعالى في صفاتهم في سورة الرعد والمؤمنين والفرقان والذاريات والطور1.
فالمتصفون بتلك الصفات هم الأولياء الأصفياء، لا أهل الدعوى والكذب ومنازعة رب العالمين فيما اختص به من الكبرياء والعظمة وعلم الغيب، بل مجرد دعواه علم الغيب كفر، فكيف يكون المدعي لذلك وليا لله؟ ولقد عظم الضرر واشتد الخطب بهؤلاء المفترين الذين ورثوا هذه العلوم عن المشركين، ولبسوا بها على خفافيش القلوب.
نسأل الله السلامة والعافية في الدنيا والآخرة.
قوله: "وقال ابن عباس في قوم يكتبون أبا جاد إلى آخره".
هذا الأثر رواه الطبراني عن ابن عباس مرفوعا.
وإسناده ضعيف.
ولفظه: " رُبّ معلم حروف أبي جاد دارس في
النجوم ليس له عند الله خلاق
فيه مسائل:
الأولى: لا يجتمع تصديق الكاهن مع الإيمان بالقرآن.
الثانية: التصريح بأنه كفر.
الثالثة: ذكر من تُكُهِّن له.
الرابعة: ذكر من تُطير له.
الخامسة: ذكر من سُحر له.
السادسة: ذكر من تعلم أبا جاد.
السابعة: ذكر الفرق بين الكاهن والعراف.
يوم القيامة " 1ورواه أحمد بن زنجويه عنه بلفظ: " رب ناظر في النجوم، ومتعلم حروف أبي جاد ليس له عند الله خلاق ".
قوله: "ما رأى" يجوز فتح الهمزة بمعنى: لا أعلم.
ويجوز ضمها بمعنى: لا أظن.
وكتابة "أبي جاد" وتعلمها لمن يدعي بها علم الغيب هو الذي يسمى علم الحرف2، وهو الذي جاء فيه الوعيد، فأما تعلمها للتهجي وحساب الجمل فلا بأس به.
قوله: "وينظرون في النجوم" أي ويعتقدون أن لها تأثيرا كما سيأتي في باب التنجيم.
وفيه من الفوائد عدم الاغترار بما يؤتاه أهل الباطل من معارفهم وعلومهم، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ 3.
باب: " ما جاء في النُّشْرة"
عن جابر أن رسول الله صلي الله عليه وسلم سئل عن النُّشرة؟ فقال: " هي من عمل الشيطان ?" 1.
رواه أحمد بسند جيد.
وأبو داود وقال: سئل أحمد عنها فقال: ابن مسعود يكره هذا كله.
قوله: "باب ما جاء في النشرة".
بضم النون; كما في القاموس.
قال أبو السعادات: النشرة ضرب من العلاج والرقية، 1 أحمد (3/294) . وأبو داود: كتاب الطب (3868) : باب في النشرة.
وقال ابن مفلح في الآداب الشرعية (3/73) : "إسناده جيد" اهـ. وحسنه الحافظ في الفتح (10/233) .
يعالج به من يظن أن به مسا من الجن، سميت نشرة؛ لأنه ينشر بها عنه ما خامره من الداء، أي يكشف ويزال.
قال الحسن: النشرة من السحر.
وقد نشرت عنه تنشيرا، ومنه الحديث: " فلعل طبا أصابه، ثم نشره بقل أعوذ برب الناس " أي رقاه.
وقال ابن الجوزي: " النشرة حل السحر عن المسحور، ولا يكاد يقدر عليه إلا من يعرف السحر".
قال: "عن جابر -رضي الله عنهما- أن رسول الله صلي الله عليه وسلم: " سئل عن النشرة؟ فقال: هي من الشيطان ". رواه أحمد بسند جيد، وأبو داود وقال: سئل أحمد عنها، فقال: ابن مسعود يكره هذا كله".
هذا الحديث رواه أحمد ورواه عنه أبو داود في سننه.
والفضل بن زياد في كتاب المسائل عن عبد الرزاق عن عقيل بن معقل بن منبه عن جابر فذكره.
قال ابن مفلح: إسناد جيد.
وحسن الحافظ إسناده.
قوله: "سئل عن النشرة" والألف واللام في "النشرة" للعهد، أي النشرة المعهودة التي كان أهل الجاهلية يصنعونها هي من عمل الشيطان.
قوله: "وقال: سئل أحمد عنها فقال: ابن مسعود يكره هذا كله" أراد أحمد
وفي البخاري عن قتادة: " قلت لابن المسيب: رجل به طب أو يؤخذ عن امرأته، أيُحل عنه أو يُنْشر؟ قال: لا بأس به، إنما يريدون به الإصلاح، فأما ما ينفع فلم ينه عنه ". اهـ.
وروي عن الحسن أنه قال: " لا يحل السحر إلا ساحر ".
-رحمه الله- أن ابن مسعود يكره النشرة التي هي من عمل الشيطان كما يكره تعليق التمائم مطلقا.
قوله: "وللبخاري عن قتادة: قلت لابن المسيب: " رجل به طب أو يؤخذ عن امرأته أيُحَل عنه، أو يُنَشّر؟ قال: لا بأس به، إنما يريدون به الإصلاح، فأما ما ينفع فلم يُنه عنه ".
قوله: "عن قتادة" هو ابن دعامة- بكسر الدال- الدوسي، ثقة فقيه من أحفظ التابعين.
قالوا: إنه ولد أكمه، مات سنة بضع عشرة ومائة.
قوله: "رجل به طب" بكسر الطاء أي سحر، يقال: طُبّ الرجل- بالضم- إذا سحر.
ويقال: كنوا عن السحر بالطب تفاؤلا، كما يقال للديغ: سليم.
وقال ابن الأنباري: " الطب من الأضداد، يقال لعلاج الداء: طب، والسحر من الداء يقال له: طب".
قوله: "يؤخّذ" بفتح الواو مهموزة وتشديد الخاء المعجمة وبعدها ذال معجمة.
أي يحبس عن امرأته ولا يصل إلى جماعها.
والأخذة- بضم الهمزة- الكلام الذي يقوله الساحر.
قوله: "أيُحل" بضم الياء وفتح الحاء مبني للمفعول.
قوله: "أو ينشر" بتشديد المعجمة.
قوله: "لا بأس به" يعني أن النشرة لا بأس بها؛ لأنهم يريدون بها الإصلاح، أي إزالة السحر، ولم ينه عما يراد به الإصلاح، وهذا من ابن المسيب يحمل على نوع من النشرة لا يعلم أنه سحر.
قوله: "وروى الحسن أنه قال: " لا يَحُل السحر إلا ساحر " هذا الأثر ذكره ابن الجوزي في جامع المسانيد.
والحسن هو ابن أبي الحسن واسمه: يسار- بالتحتية والمهملة- البصري الأنصاري مولاهم، ثقة فقيه، إمام من خيار التابعين.
مات سنة عشر ومائة رحمه الله، وقد قارب التسعين.
قال ابن القيم: " النشرة حل السحر عن المسحور.
وهي نوعان: " أحدهما" حل بسحر مثله، وهو الذي من عمل الشيطان.
وعليه يُحمل قول الحسن، فيتقرب الناشر والمنتشر إلى الشيطان بما يحب، فيبطل عمله عن المسحور.
" والثاني" النشرة بالرقية والتعوذات والأدوية والدعوات المباحة.
فهذا جائز".
فيه مسائل:
الأولى: النهي عن النشرة.
الثانية: الفرق بين المنهي عنه والمرخص فيه عما يزيل الإشكال.
قوله: "قال ابن القيم: النشرة حل السحر عن المسحور.
وهي نوعان: حل بسحر مثله، وهو الذي من عمل الشيطان إلى آخره".
ومما جاء في صفة النشرة الجائزة: ما رواه ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ليث ابن أبي سليم قال: "بلغني أن هؤلاء الآيات شفاء من السح
بإذن الله، تقرأ في إناء فيه ماء، ثم يصب على رأس المسحور1 الآية التي في سورة يونس: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ 2. وقوله: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ 3 إلى آخر الآيات الأربع.
وقوله: ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ 4.
وقال ابن بطال: " في كتاب وهب بن منبه: أنه يأخذ سبع ورقات من سدر أخضر فيدقه بين حجرين، ثم يضربه بالماء ويقرأ فيه آية الكرسي والقواقل، ثم يحسو منه ثلاث حسوات، ثم يغتسل به يذهب عنه كل ما به، هو جيد للرجل إذا حبس عن أهله".
قلت: قول العلامة ابن القيم: " والثاني النشرة بالرقية والتعوذات والدعوات والأدوية المباحة فهذا جائز" يشير -رحمه الله- إلى مثل هذا، وعليه يحمل كلام من أجاز النشرة من العلماء.
والحاصل: أن ما كان منه بالسحر فيحرم، وما كان بالقرآن والدعوات والأدوية المباحة فجائز.
والله أعلم.
باب: " ما جاء في التطير"
قوله: "باب ما جاء في التطير".
أي من النهي عنه والوعيد فيه، مصدر تَطيّر يتطير، و "الطِّيرة" بكسر الطاء وفتح الياء، وقد تسكن: اسم مصدر من تطير طيرة، كما يقال تخير خيرة، ولم يجئ في المصادر على هذه الزنة غيرهما، وأصله التطير بالسوانح والبوارح من الطير والظباء وغيرهما، وكان ذلك يصدهم عن مقاصدهم، فنفاه الشارع وأبطله، وأخبر أنه لا تأثير له في جلب نفع ولا دفع ضر.
قال المدائني: "سألت رؤبة بن العجاج قلت: ما السانح؟ قال: ما ولاك ميامنه.
قلت: فما البارح؟ قال: ما ولاك مياسره.
والذي يجيء من أمامك فهو الناطح والنطيح، والذي يجيء من خلفك فهو القاعد والقعيد".
ولما كانت الطيرة من الشرك المنافي لكمال التوحيد الواجب لكونها من إلقاء الشيطان وتخويفه ووسوسته1 ذكرها المصنف -رحمه الله- في كتاب التوحيد تحذيرا مما ينافي كمال التوحيد الواجب.
وقول الله تعالى: ﴿أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ 2.
وقوله: ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ 3.
قوله: "وقول الله تعالى: ﴿أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ الآية" ذكر تعالى هذه الآية في سياق قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ الآية.
المعنى: أن آل فرعون كانوا إذا أصابتهم الحسنة -أي الخُصْب والسعة والعافية، كما فسره مجاهد وغيره- قالوا: لنا هذه، أي نحن الجديرون والحقيقون به، ونحن أهله.
وإن تصبهم سيئة.
أي بلاء وقحط تطيروا بموسى ومن معه، فيقولون: هذا بسبب موسى وأصحابه أصابنا بشؤمهم.
فقال الله تعالى: ﴿أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ . قال ابن عباس: "طائرهم: ما قضى 1 وذلك بتعلق القلب بها خوفا وطمعا, ومنافاتها للتوكل على الله الذي لا ينفع ولا يضر غيره, واعتقاد النفع والضر في طائر ونحوه لا علم عنده ولا قصد, وإنما تذهب وتجيء في ضرورة معايشها وشئونها.
فاعتقاد أن لهذه الحركات ذات اليمين وذات الشمال أثرا في جلب خير أو دفع ضر من سخف العقول وفساد الفطر, وتمكن الخرافات والجهل وعمى القلوب.
وهذا اعتقاد المنجمين في النجوم التي سخرها الله تعالى تجري في بروجها ومداراتها المستقر لها, اعتقدوا لها تأثيرا في الكون، وهو اعتقاد الصابئة الذين أرسل الله إليهم إبراهيم عليه السلام.
2 سورة الأعراف آية: 131.
3 سورة يس آية: 19.
عليهم وقدر لهم".
وفي رواية: "شؤمهم عند الله ومن قِبَله" أي إنما جاءهم الشؤم من قبله بكفرهم وتكذيبهم بآياته ورسله.
قوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ 1 أي أن أكثرهم جهال لا يدرون.
ولو فهموا وعقلوا لعلموا أنه ليس فيما جاء به موسى -عليه السلام- إلا الخير والبركة والسعادة والفلاح لمن آمن به واتبعه.
قوله: " وقوله تعالى: ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ الآية" المعنى- والله أعلم-: حظكم وما نابكم من شر معكم، بسبب أفعالكم وكفركم ومخالفتكم الناصحين، ليس هو من أجلنا ولا بسببنا.
بل ببغيكم وعدوانكم.
فطائر الباغي الظالم معه، فما وقع به من الشر فهو سببه الجالب له.
وذلك بقضاء الله وقدره وحكمته وعدله; كما قال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ 2. ويحتمل أن يكون المعنى: طائركم معكم.
أي راجع عليكم، فالتطير الذي حصل لكم إنما يعود عليكم.
وهذا من باب القصاص في الكلام.
ونظيره قوله -عليه الصلاة والسلام-:
" إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم " 34. ذكره ابن القيم رحمه الله.
قوله تعالى: ﴿أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾ 5 أي من أجل أنَّا ذكرناكم وأمرناكم بتوحيد الله قابلتمونا بهذا الكلام؟ ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ 6. قال قتادة: " أإن ذكرناكم بالله تطيرتم بنا؟ "
ومناسبة الآيتين للترجمة: أن التطير من عمل أهل الجاهلية والمشركين.
وقد ذمهم الله تعالى به ومقتهم; وقد نهى رسول الله صلي الله عليه وسلم عن التطير وأخبر أنه شرك.
كما سيأتي في أحاديث الباب.
قال: "وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: " لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صَفَر " 7. أخرجاه.
زاد مسلم: " ولا نوء ولا غول " 8".
قال أبو السعادات: "العدوى" اسم من الإعداء.
كالدعوى.
يقال: أعداه الداء يعديه إعداء: إذا أصابه مثل ما بصاحب الداء.34
وقال غيره: "لا عدوى" هو اسم من الإعداء، وهو مجاوزة العلة من صاحبها إلى غيره، والمنفي نفس سراية العلة أو إضافتها إلى العلة.
والأول هو الظاهر.
وفي رواية لمسلم: أن أبا هريرة كان يحدث بحديث لا عدوى، ويحدث عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: " لا يُورد مُمرِض على مُصِح " 1. ثم إن أبا هريرة اقتصر على حديث: " لا يورد ممرض على مصح ". وأمسك عن حديث: " لا عدوى "، فراجعوه وقالوا: سمعناك تحدث به، فأبى أن يعترف به.
قال أبو مسلمة- الراوي عن أبي هريرة-: فلا أدري أنسي أبو هريرة أو نسخ أحد القولين الآخر؟
وقد روى حديث: " لا عدوى " جماعة من الصحابة: أنس بن مالك، وجابر بن عبد الله; والسائب بن يزيد، وابن عمر وغيرهم، وفي بعض روايات هذا الحديث: " وفِرّ من المجذوم كما تفر من الأسد " 2.
وقد اختلف العلماء في ذلك.
وأحسن ما قيل فيه: قول البيهقي، وتبعه ابن الصلاح وابن القيم وابن رجب وابن مفلح وغيرهم: أن قوله: " لا عدوى " على الوجه الذي يعتقده أهل الجاهلية من إضافة الفعل إلى غير الله تعالى، وإن هذه الأمور تعدي بطبعها.
وإلا فقد يجعل الله بمشيئته مخالطة الصحيح من به شيء من الأمراض سببا لحدوث ذلك، ولهذا قال: " فر من المجذوم كما تفر من الأسد ". وقال: " لا يورد ممرض على مصح ". وقال في الطاعون: " من سمع به في أرض فلا يقدم عليه " 3. وكل ذلك بتقدير الله تعالى.
ولأحمد والترمذي عن ابن مسعود مرفوعا: " لا يعدي شيء قالها ثلاثا، فقال أعرابي: يا رسول الله إن النُّقْبَة4 من الجَرَب تكون بمِشْفَر البعير أو بذنبه في الإبل العظيمة
فتجرب كلها؟ فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: " فمن أجرب الأول؟ لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر، خلق الله كل نفس وكتب حياتها ومصائبها ورزقها " 5. فأخبر صلي الله عليه وسلم أن ذلك كله بقضاء الله وقدره، والعبد مأمور باتقاء أسباب الشر إذا كان في عافية.
فكما أنه يؤمر أن لا يلقي نفسه في الماء وفي النار، مما جرت العادة أنه يهلك أو يضر، فكذلك اجتنب مقاربة المريض كالمجذوم، والقدوم على بلد الطاعون؛ فإن هذه كلها أسباب للمرض والتلف،4
فالله سبحانه هو خالق الأسباب ومسبباتها، لا خالق غيره ولا مقدر غيره.
وأما إذا قوي التوكل على الله والإيمان بقضاء الله وقدره، فقويت النفس على مباشرة بعض هذه الأسباب اعتمادا على الله ورجاء منه أن لا يحصل به ضرر، ففي هذه الحال تجوز مباشرة ذلك، لا سيما إذا كانت مصلحة عامة أو خاصة، وعلى هذا يحمل الحديث الذي رواه أبو داود والترمذي.
" أن النبي صلي الله عليه وسلم أخذ بيد مجذوم فأدخلها معه في القصعة، ثم قال: كل بسم الله ثقة بالله وتوكلا عليه" 1. وقد أخذ به الإمام أحمد.
وروي ذلك عن عمر وابنه وسلمان -رضي الله عنهم-.
ونظير ذلك ما روي عن خالد بن الوليد رضي الله عنه أنه أكل السم.
ومنه مَشي سعد ابن أبي وقاص وأبي مسلم الخولاني على متن البحر.
قال ابن رجب -رحمه الله-.
قوله: "ولا طيرة" قال ابن القيم -رحمه الله تعالى-: " يحتمل أن يكون نفيا أو نهيا أي لا تطيروا، ولكن قوله في الحديث: " لا عدوى ولا صفر ولا هامة " يدل على أن المراد النفي وإبطال هذه الأمور التي كانت الجاهلية تعانيها، والنفي في هذا أبلغ من النهي؛ لأن النفي يدل على بطلان ذلك وعدم تأثيره، والنهي إنما يدل على المنع منه".
وفي صحيح مسلم عن معاوية بن الحكم أنه قال لرسول الله صلي الله عليه وسلم: " ومنا أناس يتطيرون.
قال: ذلك شيء يجده أحدكم في نفسه فلا يصدنكم " 2. فأخبر أن تأذيه وتشاؤمه بالطيرة إنما هو في نفسه وعقيدته، لا في المتطير به، فوهمه وخوفه وإشراكه هو الذي يطيره ويصده لما رآه وسمعه، فأوضح صلي الله عليه وسلم لأمته الأمر، وبيّن لهم فساد الطيرة؛ ليعلموا أن الله سبحانه لم يجعل لهم عليها علامة، ولا فيها دلالة، ولا نصبها سببا لما يخافونه ويحذرونه، ولتطمئن قلوبهم، وتسكن نفوسهم إلى وحدانيته تعالى التي أرسل بها رسله، وأنزل بها كتبه، وخلق لأجلها السماوات والأرض، وعمر الدارين الجنة والنار بسبب التوحيد، فقطع صلي الله عليه وسلم علق الشرك من قلوبهم؛ لئلا يبقى فيها علقة منها، ولا يتلبسوا بعمل من أعمال أهل النار البتة.
فمن استمسك بعروة التوحيد الوثقى، واعتصم بحبله المتين، وتوكل على الله، قطع هاجس الطيرة من قبل استقرارها، وبادر خواطرها من قبل استمكانها.
قال عكرمة: " كنا جلوسا عند ابن عباس، فمر طائر يصيح، فقال رجل من القوم: خير خير.
فقال له ابن عباس: لا خير ولا شر ". فبادره بالإنكار عليه لئلا يعتقد تأثيره في الخير والشر.
وخرج طاوس مع صاحب له في سفر، فصاح غراب، فقال الرجل: خير.
فقال طاوس: وأي خير عند هذا؟ لا تصحبني.
اهـ ملخصا.
وقد جاءت أحاديث ظن بعض الناس أنها تدل على جواز الطيرة، كقوله صلي الله عليه وسلم: " الشؤم في ثلاث: في المرأة، والدابة، والدار " 1. ونحو هذا.
قال ابن القيم -رحمه الله تعالى-: " إخباره صلي الله عليه وسلم بالشؤم في هذه الثلاثة ليس فيه إثبات الطيرة التي نفاها الله سبحانه، وإنما غايته أن الله سبحانه قد يخلق منها أعيانا مشئومة على من قاربها وساكنها، وأعيانا مباركة لا يلحق من قاربها منها شؤم ولا شر، وهذا كما يعطي سبحانه الوالدين ولدا مباركا يريان الخير على وجهه، ويعطي غيرهما ولدا مشئوما يريان الشر على وجهه، وكذلك ما يعطاه العبد من ولاية وغيرها، فكذلك الدار والمرأة والفرس.
والله سبحانه خالق الخير والشر والسعود والنحوس، فيخلق بعض هذه الأعيان سعودا مباركة، ويقضي بسعادة من قاربها وحصول اليمن والبركة له.
ويخلق بعضها نحوسا يتنحس بها من قاربها.
وكل ذلك بقضائه وقدره، كما خلق سائر الأسباب وربطها بمسبباتها المتضادة والمختلفة، كما خلق المسك وغيره من الأرواح الطيبة ولذذ بها من قاربها من الناس.
وخلق ضدها وجعلها سببا لألم من قاربها من الناس، والفرق بين هذين النوعين مدرك بالحس، فكذلك في الديار والنساء والخيل.
فهذا لون والطيرة الشركية لون".
انتهى.
قوله: "ولا هامة" بتخفيف الميم على الصحيح.
قال الفراء: الهامة طير من طير الليل.
كأنه يعني البومة.
قال ابن الأعرابي: " كانوا يتشاءمون بها إذا وقعت على بيت أحدهم، يقول: نَعَتْ إليّ نفسي أو أحدا من أهل داري، فجاء الحديث بنفي ذلك وإبطاله".
قوله: "ولا صفر" بفتح الفاء، روى أبو عبيدة في غريب الحديث عن رؤبة أنه قال: " هي حية تكون في البطن تصيب الماشية والناس، وهي أعدى من الجرب عند العرب.
وعلى هذا فالمراد بنفيه ما كانوا يعتقدونه من العدوى".
وممن قال بهذا: سفيان بن عيينة والإمام أحمد والبخاري وابن جرير.
وقال آخرون: المراد به شهر صفر، والنفي لما كان أهل الجاهلية يفعلونه في النسيء، وكانوا يحلون المحرم ويحرمون صفر مكانه، وهو قول مالك.
وروى أبو داود عن محمد بن راشد عمن سمعه يقول: أن أهل الجاهلية يتشاءمون بصفر، ويقولون: إنه شهر مشئوم; فأبطل النبي صلي الله عليه وسلم ذلك.
قال ابن رجب: ولعل هذا القول أشبه الأقوال، والتشاؤم بصفر هو من جنس الطيرة المنهي عنها، وكذلك التشاؤم بيوم من الأيام كيوم الأربعاء، وتشاؤم أهل الجاهلية بشوال في النكاح فيه خاصة.
قوله: "ولا نوء" النوء واحد الأنواء، وسيأتي الكلام عليه في بابه إن شاء الله تعالى.
قوله: "ولا غول" هو بالضم اسم، وجمعه أغوال وغيلان، وهو المراد هنا.
قال أبو السعادات: الغول واحد الغيلان، وهو جنس من الجن والشياطين كانت العرب تزعم أن الغول في الفلاة تتراءى للناس، تتلون تلونا في صور شتى وتغولهم، أي تضلهم عن الطريق وتهلكهم، فنفاه النبي صلي الله عليه وسلم وأبطله.
فإن قيل: ما معنى النفي وقد قال النبي صلي الله عليه وسلم: 1 " إذا تغولت الغيلان فبادروا بالأذان " 2؟ أجيب عنه: بأن ذلك كان في الابتداء، ثم دفعها الله عن عباده.
أو يقال: المنفي ليس وجود الغول، بل ما يزعمه العرب من تصرفه في نفسه، أو يكون المعنى بقوله: "لا غول " أنها لا تستطيع أن تضل أحدا مع ذكر الله والتوكل عليه.
ويشهد له الحديث الآخر: " لا غول ولكن السعالي سحرة الجن " أي ولكن في الجن سحرة لهم تلبيس وتخييل.
ومنه الحديث: " إذا تغولت الغيلان فبادروا بالأذان ". أي ادفعوا شرها بذكر الله.
وهذا يدل على أنه لم يرد بنفيها أو عدمها.
ومنه حديث أبي أيوب: " كان لي تمر في سَهوة فكانت الغول تجيء فتأخذ".
ولهما عن أنس قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: " لا عدوى ولا طيرة، ويعجبني الفأل.
قالوا: وما الفأل؟ قال: الكلمة الطيبة " 3.
قوله: ولهما عن أنس قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: " لاعدوى ولا طيرة، ويعجبني الفأل، قالوا: وما الفأل؟ قال: الكلمة الطيبة".
قوله: "ويعجبني الفأل" قال أبو السعادات: الفأل، مهموز فيما يسر ويسوء، والطيرة لا تكون إلا فيما يسوء، وربما استعملت فيما يسر.
يقال: تفاءلت بكذا وتفاولت، على التحقيق والقلب، وقد أولع الناس بترك الهمزة تخفيفا، وإنما أحب الفأل؛ لأن الناس إذا أمّلوا فائدة الله ورجوا عائدته عند كل سبب ضعيف أو قوي فهم على خير، وإذا قطعوا آمالهم ورجاءهم من الله تعالى كان ذلك من الشر.
وأما الطيرة فإن فيها سوء الظن بالله وتوقع البلاء.
والتفاؤل: أن يكون رجل مريض فيسمع آخر يقول: يا سالم، أو يكون طالب ضالة فيسمع آخر يقول: يا واجد، فيقع في ظنه أنه يبرأ من مرضه ويجد ضالته.
ومنه الحديث: " قيل يا رسول الله ما الفأل؟ قال: الكلمة الطيبة ".
قوله: "قالوا: وما الفأل؟ قال: الكلمة الطيبة".
بيّن صلي الله عليه وسلم أن الفأل يعجبه، فدل على أنه ليس من الطيرة المنهي عنها.
قال ابن القيم -رحمه الله تعالى-: ليس في الإعجاب بالفأل ومحبته شيء من الشرك، بل ذلك إبانة عن مقتضى الطبيعة وموجب الفطرة الإنسانية التي تميل إلى ما يوافقها ويلائمها، كما أخبرهم صلي الله عليه وسلم: " أنه حبب إليه من الدنيا النساء والطي?"1، وكان يحب الحلواء والعسل، ويحب حسن الصوت بالقرآن والأذان ويستمع إليه، ويحب معالي الأخلاق ومكارم الشيم.
وبالجملة يحب كل كمال وخير وما يفضي إليهما، والله سبحانه قد جعل في غرائز الناس الإعجاب بسماع الاسم الحسن ومحبته، وميل نفوسهم إليه، وكذلك جعل فيها الارتياح والاستبشار والسرور باسم الفلاح والسلام والنجاح والتهنئة والبشرى والفوز والظفر ونحو ذلك، فإذا قرعت هذه الأسماء الأسماع استبشرت بها النفوس وانشرح لها الصدر، وقوي بها القلب، وإذا سمعت أضدادها أوجب لها ضد هذه الحال.
فأحزنها ذلك، وأثار لها خوفا وطيرة وانكماشا وانقباضا عما قصدت له وعزمت عليه; فأورث لها ضررا في الدنيا ونقصا في الإيمان ومقارفة الشرك.
وقال الحليمي: " وإنما كان صلي الله عليه وسلم يعجبه الفأل؛ لأن التشاؤم سوء ظن بالله تعالى بغير سبب محقق، والتفاؤل حسن ظن به، والمؤمن مأمور بحسن الظن بالله تعالى على كل حال".
قوله: " ولأبي داود بسند صحيح عن عقبة بن عامر قال: " ذكرت الطيرة عند رسول الله صلي الله عليه وسلم فقال: أحسنها الفأل، ولا ترد مسلما، فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك ".
قوله: "عن عقبة بن عامر" هكذا وقع في نسخ التوحيد، وصوابه: عن عروة بن عامر كذا أخرجه أحمد وأبو داود وغيرهما.
وهو مكي اختلف في نسبه; فقال أحمد: عن عروة بن عامر القرشي، وقال غيره: الجهني.
واختلف في صحبته، فقال الماوردي: له صحبة، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين.
وقال المزي: لا صحبة له تصح.
قوله: "فقال: أحسنها الفأل" قد تقدم أن النبي صلي الله عليه وسلم كان يعجبه الفأل.
وروى الترمذي وصححه عن أنس رضي الله عنه: " أن النبي صلي الله عليه وسلم كان إذا خرج لحاجته يحب أن يسمع: يا نجيح، يا راشد " 1. وروى أبو داود عن بريدة: " أن النبي صلي الله عليه وسلم كان لا يتطير من شيء، وكان إذا بعث عاملا سأله عن اسمه، فإذا أعجبه فرح به، وإن كره اسمه رئي كراهية ذلك في وجهه " 2. وإسناده حسن.
وهذا فيه استعمال الفأل.
قال ابن القيم: " أخبر صلي الله عليه وسلم أن الفأل من الطيرة وهو خيرها، فأبطل الطيرة، وأخبر أن الفأل منها ولكنه خير منها، ففصل بين الفأل والطيرة لما بينهما من الامتياز والتضاد، ونفع أحدهما ومضرة الآخر، ونظير هذا: منعه من الرقى بالشرك، وإذنه في الرقية إذا لم يكن فيها شرك؛ لما فيها من المنفعة الخالية من المفسدة".
قوله: "ولا ترد مسلما" قال الطيبي: " تعريض بأن الكافر بخلافه".
قوله: " اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت ". أي لا تأتي الطيرة بالحسنات ولا تدفع المكروهات، بل أنت وحدك لا شريك لك الذى تأتي بالحسنات وتدفع السيئات.
و "الحسنات" هنا النعم، و "السيئات" المصائب؛ كقوله: {وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ
عِنْدِكَ قُل كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} 1. ففيه نفي تعليق القلب بغير الله في جلب نفع أو دفع ضر، وهذا هو التوحيد، وهو دعاء مناسب لمن وقع في قلبه شيء من الطيرة، وتصريح بأنها لا تجلب نفعا ولا تدفع ضرا، ويعد من اعتقدها سفيها مشركا.
قوله: "ولا حول ولا قوة إلا بك" استعانة بالله تعالى على فعل التوكل، وعدم الالتفات إلى الطيرة التي قد تكون سببا لوقوع المكروه عقوبة لفاعلها.
وذلك الدعاء إنما يصدر عن حقيقة التوكل الذي هو أقوى الأسباب في جلب الخيرات ودفع المكروهات.
و"الحول" التحول والانتقال من حال إلى حال.
و "القوة" على ذلك بالله وحده لا شريك له.
ففيه التبري من الحول والقوة والمشيئة بدون حول الله وقوته ومشيئته.
وهذا هو التوحيد في الربوبية، وهو الدليل على توحيد الإلهية الذي هو إفراد الله تعالى بجميع أنواع العبادة، وهو توحيد القصد والإرادة، وقد تقدم بيان ذلك بحمد الله.
قوله: "وعن ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعا: " الطيرة شرك، الطيرة شرك، وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل " 2. رواه أبو داود والترمذي وصححه.
وجعل آخره من قول ابن مسعود".
ورواه ابن ماجه وابن حبان.
ولفظ أبي داود: " الطيرة شرك، الطيرة شرك، الطيرة شرك ثلاثا ". وهذا صريح في تحريم الطيرة، وأنها من الشرك لما فيها من تعلق القلب على غير الله تعالى.
قال ابن حمدان: " تكره الطيرة".
وكذا قال غيره من أصحاب أحمد.
قال ابن مفلح: " والأولى القطع بتحريمها؛ لأنها شرك، وكيف يكون الشرك مكروها الكراهية الاصطلاحية؟ "
قال في شرح السنن: " وإنما جعل الطيرة من الشرك؛ لأنهم كانوا يعتقدون أن يُذْهِبُه بالتوكل "3. رواه أبو داود والترمذي وصححه.
وجعل آخره من قول ابن مسعود.
ولأحمد من حديث ابن عمرو: " مَنْ رَدَّته الطيرة عن حاجته فقد أشرك.
قالوا: فما كفارة ذلك؟
الطيرة تجلب لهم نفعا أو تدفع عنهم ضرا إذا عملوا بموجبها، فكأنهم أشركوا مع الله تعالى".
قوله: "وما منا إلا" قال أبو القاسم الأصبهاني والمنذري: " في الحديث إضمار.
التقدير: وما منا إلا وقد وقع في قلبه شيء من ذلك".
اهـ.
وقال الخلخالي: " حذف المستثنى لما يتضمنه من الحالة المكروهة.
وهذا من أدب الكلام".
قوله: "ولكن الله يذهبه بالتوكل" أي لكن لما توكلنا على الله في جلب النفع ودفع الضر أذهبه الله عنا بتوكلنا عليه وحده.
قوله: "وجعل آخره من قول ابن مسعود" قال ابن القيم: " وهو من الصواب; فإن الطيرة نوع من الشرك".
قال: " ولأحمد من حديث ابن عمرو: مَنَ رَدَّته الطيرة عن حاجته فقد أشرك.
قالوا: فما كفارة ذلك؟ قال: أن تقول: " اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك".
هذا الحديث رواه أحمد والطبراني عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وفي إسناده ابن لهيعة1 وبقية رجاله ثقات.
قوله: "من حديث ابن عمرو" وهو عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل السهمي أبو محمد. وقيل: أبو عبد الرحمن; أحد السابقين المكثرين من الصحابة وأحد العبادلة الفقهاء، مات في ذي الحجة ليالي الحرة على الأصح بالطائف2.
قوله: " من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك ". وذلك أن الطيرة هي التشاؤم بالشيء المرئي أو المسموع، فإذا رده شيء من ذلك عن حاجته التي عزم عليها كإرادة السفر ونحوه، فمنعه عما أراده وسعى فيه ما رأى وما سمع تشاؤما، فقد دخل في الشرك.
كما تقدم، فلم يخلص توكله على الله بالتفاته إلى ما سواه فيكون للشيطان منه نصيب.
قوله: "فما كفارة ذلك؟ " إلى آخره.
فإذا قال ذلك وأعرض عما وقع في قلبه، ولم يلتفت
إليه، كفّر الله عنه ما وقع في قلبه ابتداء لزواله عن قلبه بهذا الدعاء المتضمن للاعتماد على الله وحده، والإعراض عما سواه.
وتضمن الحديث أن الطيرة لا تضر من كرهها ومضى في طريقه، وأما من لا يخلص توكله على الله واسترسل مع الشيطان في ذلك، فقد يعاقب بالوقوع فيما يكره؛ لأنه أعرض عن واجب الإيمان بالله، وأن الخير كله بيده، فهو الذي يجلبه لعبده بمشيئته وإرادته، وهو الذي يدفع عنه الضر وحده بقدرته ولطفه وإحسانه، فلا خير إلا منه، وهو الذي يدفع الشر عن عبده، فما أصابه من ذلك فبذنبه، كما قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ 1.
قوله: "وله من حديث الفضل بن عباس: " إنما الطيرة ما أمضاك أو ردك ".
فيه مسائل:
الأولى: التنبيه على قوله: " ألا إنما طائركم عند الله"، مع قوله: ﴿طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ .
الثانية: نفي العدوى.
الثالثة: نفي الطيرة.
الرابعة: نفي الهامة.
الخامسة: نفي الصفر.
السادسة: أن الفأل ليس من ذلك، بل مستحب.
السابعة: تفسير الفأل.
الثامنة: أن الواقع في القلوب من ذلك مع كراهته لا يضر، بل يذهبه الله بالتوكل.
التاسعة: ذكر ما يقول من وجده.
العاشرة: التصريح بأن الطيرة شرك.
الحادية عشرة: تفسير الطيرة المذمومة.
هذا الحديث عند الإمام أحمد من حديث الفضل بن عباس قال: " خرجت مع رسول الله صلي الله عليه وسلم يوما، فبرّح ظبي، فمال في شقه فاحتضنته، فقلت: يا رسول الله تطيرت، فقال: إنما الطيرة ما أمضاك أو ردك ". وفي إسناده انقطاع، أي بين مسلمة راويه وبين الفضل.
وهو الفضل بن العباس بن عبد المطلب ابن عم النبي صلي الله عليه وسلم.
قال ابن معين: قتل يوم اليرموك.
وقال غيره: قتل يوم مرج الصفر سنة ثلاث عشرة وهو ابن اثنتين وعشرين سنة.
وقال أبو داود: قتل بدمشق.
كان عليه درع رسول الله صلي الله عليه وسلم.
قوله: " إنما الطيرة ما أمضاك أو ردك ". هذا حد الطيرة المنهي عنها: أنها ما يحمل الإنسان على المضي فيما أراده، ويمنعه من المضي فيه كذلك.
وأما الفأل الذي كان يحبه النبي صلي الله
عليه وسلم فيه نوع بشارة، فيسر به العبد ولا يعتمد عليه بخلاف ما يمضيه أو يرده، فإن للقلب عليه نوع اعتماد.
فافهم الفرق والله أعلم.