باب " ما جاء في السحر"
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ
- الكتاب
- فتح المجيد شرح كتاب التوحيد
- المؤلف
- عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي (المتوفى: 1285هـ)
- المحقق
- محمد حامد الفقي
- الناشر
- مطبعة السنة المحمدية، القاهرة، مصر
- الطبعة
- السابعة، 1377هـ/1957م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
انتفاء الإيمان عند انتفائه; وفي الآية الأخرى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ 1. فجعل دليل صحة الإسلام التوكل، وكلما قوي إيمان العبد كان توكله أقوى، وإذا ضعف الإيمان ضعف التوكل، وإذا كان التوكل ضعيفا كان دليلا على ضعف الإيمان ولا بد.
والله تعالى يجمع بين التوكل والعبادة، وبين التوكل والإيمان وبين التوكل والتقوى، وبين التوكل والإسلام، وبين التوكل والهداية.
وقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ 2.
فظهر أن التوكل أصل لجميع مقامات الإيمان والإحسان، ولجميع أعمال الإسلام، وأن منزلته منها كمنزلة الجسد من الرأس، فكما لا يقوم الرأس إلا على البدن فكذلك لا يقوم الإيمان ومقاماته وأعماله إلا على ساق التوكل.
قال شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-: وما رجا أحد مخلوقا ولا توكل عليه إلا خاب ظنه فيه؛ فإنه مشرك ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ 3.
قال الشارح -رحمه الله تعالى-: قلت: لكن التوكل على الله قسمان: أحدهما: التوكل في الأمور التي لا يقدر عليها إلاّ الله، كالذين يتوكلون على الأموات والطواغيت في رجاء مطالبهم من نصر، أو حفظ أو رزق أو شفاعة.
فهذا شرك أكبر.
الثاني: التوكل في الأسباب الظاهرة، كمن يتوكل على أمير أو سلطان فيما أقدره الله تعالى عليه من رزق، أو دفع أذى ونحو ذلك، فهو نوع شرك أصغر.
والوكالة الجائزة هي توكيل الإنسان الإنسان في فعل ما يقدر عليه نيابة عنه، لكن ليس له أن يعتمد عليه في حصول ما وُكل فيه، بل يتوكل على الله في تيسير أمره الذي يطلبه بنفسه أو نائبه، وذلك من جملة الأسباب التي يجوز فعلها، ولا يعتمد عليها بل يعتمد على المسبب الذي أوجد السبب والمسبب.
قال: "وقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ الآيات".
قال ابن عباس في الآية: "المنافقون لا يدخل في قلوبهم شيء من ذكر الله عند أداء فرائضه، ولا يؤمنون بشيء من آيات الله، ولا يتوكلون على الله، ولا يصلون إذا غابوا،
ولا يؤدون زكاة أموالهم، فأخبر الله أنهم ليسوا بمؤمنين، ثم وصف المؤمنين فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ ، فأدوا فرائضه" 1. رواه ابن جرير وابن أبي حاتم.
ووجل القلب من الله يستلزم القيام بفعل ما أمر به وترك ما نهى
وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ 2.
عنه.
قال السدي: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ 3 هو الرجل يريد أن يظلم، أو قال: يهم بمعصية، فيقال له: اتق الله، اتّق الله، فيجل قلبه4.
رواه ابن أبي شيبة وابن جرير.
قوله: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً﴾ 5. استدل الصحابة -رضي الله عنهم- والتابعون، ومن تبعهم من أهل السنة بهذه الآية ونظائرها على زيادة الإيمان ونقصانه.
قال عمير بن حبيب الصحابي: " إن الإيمان يزيد وينقص، فقيل له: وما زيادته ونقصانه؟ قال: إذا ذكرنا الله وخشيناه فذلك زيادته، وإذا غفلنا ونسينا وضيعنا فذلك نقصانه ". رواه ابن سعد.
وقال مجاهد: "الإيمان يزيد وينقص وهو قول وعمل".
رواه ابن أبي حاتم.
وحكى الإجماع على ذلك الشافعي وأحمد وأبو عبيد وغيرهم رحمهم الله تعالى.
قوله: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أي يعتمدون عليه بقلوبهم مفوضين إليه أمورهم، فلا يرجون سواه ولا يقصدون إلا إياه، ولا يرغبون إلا إليه، يعلمون أن ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه المتصرف في الملك وحده، والمعبود وحده لا شريك له.
وفي الآية وصف المؤمنين حقا بثلاث مقامات من مقامات الإحسان، وهي: الخوف، وزيادة الإيمان، والتوكل على الله وحده.
وهذه المقامات تقتضي كمال الإيمان وحصول أعماله الباطنة والظاهرة.
مثال ذلك الصلاة، فمن أقام الصلاة وحافظ عليها وأدى الزكاة كما أمره الله استلزم ذلك العمل بما يقدر عليه من الواجبات وترك جميع المحرمات، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ 6.
قال: وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ . قال ابن القيم "-
رحمه الله-: " أي الله وحده كافيك وكافي أتباعك، فلا تحتاجون معه إلى أحد".
وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ 1.
وقيل: المعنى حسبك الله وحسبك المؤمنون.
قال ابن القيم -رحمه الله-: " وهذا خطأ محض لا يجوز حمل الآية عليه; فإن الحسب والكفاية لله وحده كالتوكل والتقوى والعبادة.
قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ 2. ففرق بين الحسب والتأييد، فجعل الحسب له وحده، وجعل التأييد له بنصره وبعباده، وأثنى على أهل التوحيد من عباده حيث أفردوه بالحسب، فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ 3. ولم يقولوا: حسبنا الله ورسوله.
ونظير هذا قوله سبحانه: ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ 4. فتأمل كيف جعل الإيتاء لله والرسول، وجعل الحسب له وحده، فلم يقل: وقالوا: حسبنا الله ورسوله، بل جعله خالص حقه، كما قال: ﴿إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ . فجعل الرغبة إليه وحده، كما قال تعالى: ﴿إِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ 5. فالرغبة والتوكل والإنابة والحسب لله وحده، كما أن العبادة والتقوى والسجود والنذر والحلف لا يكون إلا له سبحانه وتعالى".
انتهى.
وبهذا يتبين مطابقة الآية للترجمة.
فإذا كان هو الكافي لعبده وجب ألا يتوكل إلا عليه، ومتى التفت بقلبه إلى سواه وكله الله إلى من التفت إليه، كما في الحديث: " من تعلق شيئا وكل إليه " 6.
قال: "وقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ ".
قال ابن القيم -رحمه الله- وغيره: أي كافيه.
ومن كان الله كافيه وواقيه فلا مطمع فيه لعدوه، ولا يضره إلا أذى لا بد منه، كالحر والبرد والجوع والعطش.
وأما أن يضره بما يبلغ به مراده منه فلا يكون أبدا، وفرق بين الأذى الذي هو في الظاهر إيذاء وفي الحقيقة إحسان وإضرار بنفسه; وبين الضرر الذي يتشفى به منه.
قال بعض السلف: " جعل الله
لكل عمل جزاء من نفسه، وجعل جزاء التوكل عليه نفس كفايته، فقال: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ فلم يقل: فله كذا وكذا من الأجر كما قال في
وعن ابن عباس قال: " حسبنا الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم صلى الله عليه وسلم حين ألقي في النار، وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا له: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ 1 " رواه البخاري والنسائي2.
الأعمال، بل جعل نفسه سبحانه كافي عبده المتوكل عليه وحسبه وواقيه.
فلو توكل العبد على الله حق توكله، وكادته السموات والأرض ومن فيهن، لجعل الله له مخرجا، وكفاه رزقه ونصره".
انتهى.
وفي أثر رواه أحمد في الزهد عن وهب بن منبه قال: "قال الله عز وجل في بعض كتبه: بعزتي إنه من اعتصم بي فكادته السماوات بمن فيهن والأرضون بمن فيهن، فإني أجعل له من ذلك مخرجا، ومن لم يعتصم بي فإني أقطع يديه من أسباب السماء، وأخسف من تحت قدميه الأرض، فأجعله في الهواء ثم أكله إلى نفسه، كفى بي لعبدي مآلا.
إذا كان عبدي في طاعتي أعطيه قبل أن يسألني، وأستجيب له قبل أن يدعوني، فأنا أعلم بحاجته التي نرفق به منه".
وفي الآية دليل على فضل التوكل، وأنه أعظم الأسباب في جلب المنافع ودفع المضار؛ لأن الله تعالى علق الجملة الأخيرة على الأولى تعليق الجزاء على الشرط، فيمتنع أن يكون وجود الشرط كعدمه؛ لأن الله تعالى رتب الحكم على الوصف المناسب له، فعلم أن توكله هو سبب كون الله حسبا له.
وفيها: تنبيه على القيام بالأسباب مع التوكل؛ لأنه تعالى ذكر التقوى ثم ذكر التوكل; كما قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ 3. فجعل التوكل مع التقوى الذي هو قيام الأسباب المأمور بها.
فالتوكل بدون القيام بالأسباب المأمور بها عجز محض، وإن كان مشوبا بنوع من التوكل، فلا ينبغي للعبد أن يجعل توكله عجزا ولا عجزه توكلا، بل يجعل توكله من جملة الأسباب التي لا يتم المقصود إلا بها كلها.
ذكره ابن القيم بمعناه.
قال: "وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: " حسبنا الله ونعم الوكيل ". قالها
إبراهيم صلى الله عليه وسلم حين ألقي في النار، وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا له: {إِنَّ النَّاسَ قَدْ
جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} 1 رواه البخاري.
قوله "حسبنا الله" أي كافينا، فلا نتوكل إلا عليه.
قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ 2.
قوله: ﴿وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ أي نعم الموكول إليه، كما قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ 3 ومخصوص "نعم" محذوف تقديره "هو".
قال ابن القيم -رحمه الله-: " هو حسب من توكل عليه وكافي من لجأ إليه، وهو الذي يؤمن خوف الخائف، ويجير المستجير، فمن تولاه واستنصر به وتوكل عليه; وانقطع بكليته إليه تولاه وحفظه وحرسه وصانه.
ومن خافه واتقاه، أمنه مما يخاف ويحذر، ويجلب إليه ما يحتاج إليه من المنافع".
قوله: "قالها إبراهيم صلى الله عليه وسلم حين ألقي في النار".
قال تعالى: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ﴾ 4.
قوله: "وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا له: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ ". وذلك بعد منصرف قريش والأحزاب من أُحد "بلغه أن أبا سفيان ومن معه قد أجمعوا الكرة عليهم، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم في سبعين راكبا حتى انتهى إلى حمراء الأسد، فألقى الله الرعب في قلب أبي سفيان، فرجع إلى مكة بمن معه، ومر به ركب من عبد القيس فقال: أين تريدون؟ قالوا: نريد المدينة.
قال: فهل أنتم مبلغون محمدا عني رسالة؟ قالوا: نعم.
قال: فإذا وافيتموه فأخبروه أنا قد أجمعنا السير إليه وإلى أصحابه لنستأصل بقيتهم.
فمر الركب برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بحمراء الأسد، فأخبروه بالذي قال أبو سفيان.
فقال: حسبنا والله ونعم الوكيل ". ففي هاتين القصتين فضل هذه الكلمة العظيمة، وأنها قول الخليلين -عليهما الصلاة والسلام- في الشدائد.
وجاء في الحديث:
فيه مسائل:
الأولى: أن التوكل من الفرائض.
الثانية: أنه من شروط الإيمان.
الثالثة: تفسير آية الأنفال.
الرابعة: تفسير الآية في آخرها.
الخامسة: تفسير آية الطلاق.
السادسة: عظم شأن هذه الكلمة: أنها قول إبراهيم ومحمد صلى الله عليه وسلم في الشدائد.
" إذا وقعتم في الأمر العظيم فقولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل " 5.
باب: قول الله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾
1. قوله: " باب قول الله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ". قصد المصنف -رحمه الله- بهذه الآية التنبيه على أن الأمن من مكر الله من أعظم الذنوب، وأنه ينافي كمال التوحيد، كما أن القنوط من رحمة الله كذلك، وذلك يرشد إلى أن المؤمن يسير إلى الله بين الخوف والرجاء، كما دل على ذلك الكتاب والسنة، وأرشد إليه سلف الأمة والأئمة.
ومعنى الآية: أن الله -تبارك وتعالى- لما ذكر حال أهل القرى المكذبين للرسل بيّن أن الذي حملهم على ذلك هو الأمن من مكر الله وعدم الخوف منه، كما قال تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَائِمُونَ أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحىً وَهُمْ يَلْعَبُونَ أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ 2 أي الهالكون.
وذلك أنهم أمنوا مكر الله لما استدرجهم بالسراء والنعم، فاستبعدوا أن يكون ذلك مكرا.
قال الحسن -رحمه الله-: " من وسع الله عليه فلم ير أنه يمكر به فلا رأي له ".
وقال قتادة: " بَغَت القومَ أمر الله، وما أخذ الله قوما قط إلا عند سلوتهم ونعمتهم وغرتهم.
فلا تغتروا بالله " 3.
وفي الحديث: " إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب، فإنما هو استدراج " 4. رواه أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم.
وقوله: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ 5.
وقال إسماعيل بن رافع: " من الأمن من مكر الله إقامة العبد على الذنب يتمنى على الله المغفرة" " رواه ابن أبي حاتم.
1 سورة الأعراف آية: 99.
2 سورة الأعراف آية: 97-98-99.
3 307- صحيح.
أحمد (4/ 145) ، وابن جرير في تفسيره (7/ 115) . وحسنه العراقي في تخريج الإحياء (4/ 132) ، وصححه العلامة الألباني في الصحيحة (413) .
4 البخاري: التوحيد (7423) , وأحمد (2/335 ,2/339) .
5 سورة الحجر آية: 56.
وهذا هو تفسير المكر في قول بعض السلف: " يستدرجهم الله بالنعم إذا عصوه، ويملي لهم ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر".
وهذا هو معنى المكر والخديعة ونحو ذلك، ذكره ابن جرير بمعناه.
قال: "وقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ ". القنوط: استبعاد الفرج واليأس منه، وهو يقابل الأمن من مكر الله، وكلاهما ذنب عظيم، وتقدم ما فيه لمنافاته لكمال التوحيد.
وذكر المصنف -رحمه الله تعالى- هذه الآية مع التي قبلها تنبيها على أنه لا يجوز لمن خاف الله أن يقنط من رحمته، بل يكون خائفا راجيا، يخاف ذنوبه ويعمل بطاعته، ويرجو رحمته، كما قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ 1. وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ 2. فالرجاء مع المعصية وترك الطاعة غرور من الشيطان، ليوقع العبد في المخاوف مع ترك الأسباب المنجية من المهالك، بخلاف حال أهل الإيمان الذين أخذوا بأسباب النجاة خوفا من الله تعالى وهربا من عقابه; وطمعا في المغفرة ورجاء لثوابه.
والمعنى: أن الله تعالى حكى قول خليله إبراهيم -عليه السلام-، لما بشرته الملائكة بابنه إسحاق ﴿قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ 3؛ لأن العادة أن الرجل إذا كبر سنه وسن زوجته استبعد أن يولد له منها، والله على كل شيء قدير.
فقالت الملائكة: " ﴿بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ 4 الذي لا ريب فيه؛ فإن الله إذا أراد شيئا إنما يقول له: كن فيكون.
﴿فَلا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ﴾ 5 أي من الآيسين، فقال -عليه السلام-: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلا الضَّالُّونَ﴾ فإنه يعلم من قدرة الله ورحمته ما هو أبلغ من ذلك وأعظم; لكنه- والله أعلم- قال ذلك على وجه التعجب.
قوله: ﴿إِلا الضَّالُّونَ﴾ قال بعضهم: إلا المخطئون طريق الصواب، أو إلا الكافرون.
وعن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الكبائر فقال: " الشرك بالله واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله ".
كقوله: ﴿إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ 6.
قوله: "وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الكبائر؟ فقال: " الشرك بالله، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله " 1". هذا الحديث رواه البزار وابن أبي حاتم من طريق شبيب بن بشر عن عكرمة عن ابن عباس، ورجاله ثقات إلا شبيب بن بشر.
فقال ابن معين: ثقة.
ولينه أبو حاتم.
وقال ابن كثير: في إسناده نظر، والأشبه أن يكون موقوفا.
قوله: "الشرك بالله" هو أكبر الكبائر.
قال ابن القيم -رحمه الله-: " الشرك بالله هضم للربوبية وتنقص للإلهية، وسوء ظن برب العالمين".
انتهى.
ولقد صدق ونصح.
قال تعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ 2 وقال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ 3. ولهذا لا يغفره الله إلا بالتوبة منه.
قوله: "واليأس من روح الله" أي قطع الرجاء والأمل من الله فيما يخافه ويرجوه، وذلك إساءة ظن بالله، وجهل به وبسعة رحمته وجوده ومغفرته.
قوله: "والأمن من مكر الله" أي من استدراجه للعبد وسلبه ما أعطاه من الإيمان، نعوذ بالله من ذلك.
وذلك جهل بالله وبقدرته، وثقة بالنفس وعجب بها.
واعلم أن هذا الحديث لم يرد به حصر الكبائر في الثلاث، بل الكبائر كثيرة، وهذه الثلاث من أكبر الكبائر المذكورة في الكتاب والسنة، وضابطها ما قاله المحققون من العلماء: كل ذنب ختمه الله بنار أو لعنة أو غضب أو عذاب.
زاد شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: أو نفي الإيمان.
قلت: ومن برئ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم أو قال: " ليس منا من فعل كذا وكذا ".
وعن ابن عباس -رضي الله عنهما-: " هي إلى سبعمائة أقرب منها إلى سبع، غير أنه لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار ".
وعن ابن مسعود قال: " أكبر الكبائر: الإشراك بالله،
والأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله ". رواه عبد الرزاق1.
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية الأعراف.
الثانية: تفسير آية الحجر.
الثالثة: شدة الوعيد فيمن أمن مكر الله.
الرابعة: شدة الوعيد في القنوط.
قوله: وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: " أكبر الكبائر: الإشراك بالله، والأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله " رواه عبد الرزاق.
ورواه ابن جرير بأسانيد صحاح عن ابن مسعود رضي الله عنه.
قوله: "أكبر الكبائر الإشراك بالله" أي في ربوبيته أو عبادته.
وهذا بالإجماع.
قوله: "والقنوط من رحمة الله" قال أبو السعادات: هو أشد اليأس.
وفيه التنبيه على الرجاء والخوف، فإذا خاف فلا يقنط ولا ييأس، بل يرجو رحمة الله.
وكان السلف يستحبون أن يقوى في الصحة الخوف، وفي المرض الرجاء.
وهذه طريقة أبي سليمان الداراني وغيره.
قال: ينبغي للقلب أن يكون الغالب عليه الخوف، فإذا غلب الرجاء الخوف فسد القلب.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ 2. وقال: ﴿يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ﴾ 3. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ 4. وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ 5 الآية.
قدم الحذر على الرجاء في هذه الآية.
باب: " من الإيمان بالله: الصبر على أقدار الله"
قوله: "باب من الإيمان بالله الصبر على أقدار الله".
قال الإمام أحمد: ذكر الله تعالى الصبر في تسعين موضعا من كتابه.
وفي الحديث الصحيح: " الصبر ضياء " 1. رواه أحمد ومسلم.
وللبخاري ومسلم مرفوعا: " ما أعطي أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر " 2.
قال عمر رضي الله عنه: " وجدنا خير عيشنا بالصبر " 3رواه البخاري.
1 جزء من حديث أبي مالك الأشعري مسلم: كتاب الطهارة (223) (1) : باب فضل الوضوء، وأحمد (5/ 343 , 344) .
2 البخاري: الزكاة (1469) , ومسلم: الزكاة (1053) , والترمذي: البر والصلة (2024) , والنسائي: الزكاة (2588) , وأبو داود: الزكاة (1644) , وأحمد (3/93) , ومالك: الجامع (1880) , والدارمي: الزكاة (1646) .
3 البخاري معلقا (11/ 303) كتاب الرقاق.
وقال الحافظ في الفتح (11/ 303) : وقد وصله أحمد في كتاب الزهد بسند صحيح عن مجاهد قال: قال عمر ... " ا. هـ.
قال علي رضي الله عنه: " إن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد - ثم رفع صوته- فقال: ألا إنه لا إيمان لمن لا صبر له ". واشتقاقه: من صبر إذا حبس ومنع.
والصبر: حبس النفس عن الجزع، وحبست اللسان عن التشكي والتسخط، والجوارح عن لطم الخدود وشق الجيوب ونحوهما.
ذكره ابن القيم -رحمه الله-.
واعلم أن الصبر ثلاثة أقسام: صبر على ما أمر الله به، وصبر عما نهى عنه، وصبر على ما قدره من المصائب.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ 1. قال علقمة: " هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله، فيرضى ويسلم".
قوله: "وقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ ".
وأول الآية: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ 2 أي بمشيئته وإرادته وحكمته، كما قال في الآية الأخرى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ 3 وقال: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ 4. قوله: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ . قال ابن عباس في قوله: ﴿إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ "إلا بأمر الله" يعني عن قدره ومشيئته.
﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ أي من صابته مصيبة فعلم أنها بقدر الله فصبر واحتسب واستسلم لقضاء الله، هدى الله قلبه، وعوضه عما فاته من الدنيا هدى في قلبه، ويقينا صادقا.
وقد يخلف عليه ما كان أخذ منه.
قوله: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ 5 تنبيه على أن ذلك إنما يصدر عن علمه المتضمن لحكمته، وذلك يوجب الصبر والرضا.
قوله: "قال علقمة: " هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم ".
هذا الأثر رواه ابن جرير وابن أبي حاتم.
وعلقمة: هو ابن قيس بن عبد الله النخعي الكوفي.
ولد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وسمع من أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وسعد وابن مسعود وعائشة وغيرهم -رضي الله
عنهم-.
وهو من كبار التابعين وأجلائهم وعلمائهم وثقاتهم مات بعد الستين.
قوله: "هو الرجل تصيبه المصيبة" إلخ.
هذا الأثر رواه الأعمش عن أبي ظبيان، قال: كنا عند علقمة فقرئ عليه هذه الآية ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ 1 قال: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم.
هذا سياق ابن جرير.
وفي هذا دليل على أن الأعمال من مسمى الإيمان.
قال سعيد بن جبير: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ يعني يسترجع.
يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون.
وفي الآية بيان أن الصبر سبب لهداية القلب، وأنها ثواب الصابرين.
قوله: "وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت " 2". أي هما بالناس كفر حيث كانتا من أعمال الجاهلية، وهما قائمتان بالناس ولا يسلم منهما إلا من سلمه الله تعالى ورزقه علما وإيمانا يستضيء به.
لكن ليس من قام به شعبة من شعب الكفر يصير كافرا كالكفر المطلق، كما أنه ليس من قام به شعبة من شعب الإيمان يصير مؤمنا الإيمان المطلق.
وفرق بين الكفر المعرف باللام كما في قوله: " ليس بين العبد وبين الكفر أو الشرك إلا ترك الصلاة " 3 4 وبين كفر منكر في الإثبات.
قوله: "الطعن في النسب" أي عيبه، يدخل فيه أن يقال: هذا ليس ابن فلان مع ثبوت نسبه.
هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت "5.
ولهما عن ابن مسعود مرفوعا: " ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية " 6.
قوله: "والنياحة على الميت" أي رفع الصوت بالندب وتعداد فضائل الميت، لما فيه من التسخط على القدر المنافي للصبر، كقول النائحة: واعضداه، واناصراه، ونحو ذلك.
وفيه دليل على أن الصبر واجب، وأن من الكفر ما لا ينقل عن الملة.
قوله: "ولهما عن ابن مسعود مرفوعا: " ليس منا من ضرب الخدود; وشق
الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية ". هذا من نصوص الوعيد، وقد جاء عن سفيان الثوري وأحمد كراهية تأويلها ليكون أوقع في النفوس; وأبلغ في الزجر، وهو يدل على أن ذلك ينافي كمال الإيمان الواجب.
قوله: "من ضرب الخدود" وقال الحافظ: " خُص الخد لكونه الغالب، وإلا فضرب بقية الوجه مثله".
قوله: "وشق الجيوب" هو الذي يدخل فيه الرأس من الثوب، وذلك من عادة أهل الجاهلية حزنا على الميت.
قوله: "ودعا بدعوى الجاهلية" قال شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-: هو ندب الميت.
وقال غيره: هو الدعاء بالويل والثبور.
وقال ابن القيم -رحمه الله-: " الدعاء بدعوى الجاهلية كالدعاء إلى القبائل والعصبية، ومثله التعصب إلى المذاهب والطوائف والمشايخ، وتفضيل بعضهم على بعض، يدعو إلى ذلك ويوالي عليه ويعادي، فكل هذا من دعوى الجاهلية".
وعند ابن ماجه وصححه ابن حبان عن أبي أمامة: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن الخامشة وجهها، والشاقة جيبها، والداعية بالويل والثبور " 1.
وهذا يدل على أن هذه الأمور من الكبائر، وقد يعفى عن الشيء اليسير من ذلك إذا كان صدقا، وليس على وجه النوح والتسخط.
نص عليه أحمد -رحمه الله-؛ لما وقع لأبي بكر وفاطمة -رضي الله عنهما- لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وليس في هذه الأحاديث ما يدل على النهي عن البكاء، لما في الصحيح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما مات ابنه إبراهيم قال: " تدمع العين ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي الرب، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون " 2 3 وفي الصحيحين.
عن أسامة بن زيد رضي الله عنه " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انطلق إلى إحدى بناته4 ولها صبي في الموت، فرفع إليه ونفسه تقعقع كأنها شن، ففاضت عيناه، فقال سعد: ما هذا يا رسول الله؟ قال: هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء " 5.
قوله: "وعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافي به يوم القيامة " 1.
هذا الحديث رواه الترمذي والحاكم.
وحسنه الترمذي.
وأخرجه الطبراني والحاكم عن عبد الله بن مغفل.
وأخرجه ابن عدي عن أبي هريرة، والطبراني عن عمار بن ياسر.
قوله: " إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا ". أي يصب عليه البلاء والمصائب لما فرط من الذنوب منه، فيخرج منها وليس عليه ذنب يوافي به يوم القيامة.
قال شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-: المصائب نعمة؛ لأنها مكفرات للذنوب، وتدعو إلى الصبر فيثاب عليها.
وتقتضي الإنابة إلى الله والذل له; والإعراض عن الخلق، إلى غير ذلك من المصالح العظيمة.
فنفس البلاء يكفر الله به الذنوب والخطايا وهذا من أعظم النعم.
فالمصائب رحمة ونعمة في حق عموم الخلق، إلا أن يدخل صاحبها بسببها في معاصي أعظم مما كان قبل ذلك، فيكون شرا عليه من جهة ما أصابه في دينه، فإن من الناس من إذا ابتلي بفقر أو مرض أو وجع، حصل له من النفاق والجزع ومرض القلب والكفر الظاهر، وترك بعض الواجبات وفعل بعض المحرمات ما يوجب له الضرر في دينه، فهذا كانت العافية خيرا له من جهة ما أورثته المصيبة لا من جهة نفس المصيبة، كما أن من أوجبت له المصيبة صبرا وطاعة، كانت في حقه نعمة دينية، فهي بعينها فعل الرب عز وجل ورحمة للخلق، والله تعالى محمود عليها، فمن ابتلي فرزق الصبر كان الصبر عليه نعمة في دينه، وحصل له بعد ما كفر من خطاياه رحمة، وحصل له بثنائه على ربه صلاة ربه عليه، قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ 2. وحصل له غفران السيئات ورفع الدرجات.
فمن قام بالصبر الواجب حصل له ذلك.
انتهى ملخصا.
وقال صلى الله عليه وسلم: " إن عظم الجزاء مع عظم البلاء،
قوله: "وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه" أي أخر عنه العقوبة بذنبه.
"حتى يوافي به يوم القيامة" وهو بضم الياء وكسر الفاء منصوبا بحتى مبنيا للفاعل.
قال العزيزي:
أي لا يجازيه بذنبه في الدنيا حتى يجيء في الآخرة مستوفر الذنوب وافيها، فيستوفي ما يستحقه من العقاب.
وهذه الجملة هي آخر الحديث.
فأما قوله: " وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن عظم الجزاء مع عظم البلاء " إلى آخره"، فهو أول حديث آخر، لكن لما رواهما الترمذي بإسناد واحد وصحابي واحد جعلهما المصنف كالحديث الواحد.
وفيه التنبيه على حسن الرجاء وحسن الظن بالله فيما يقضيه لك، كما قال تعالى: " ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ 1.
قوله: "وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله تعالى إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضى، ومن سخط فله السخط ". حسنه الترمذي".
قال الترمذي: حدثنا قتيبة ثنا الليث عن يزيد ابن أبي حبيب عن سعد بن سنان عن أنس، فذكر الحديث السابق ثم قال: وبهذا الإسناد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن عظم الجزاء " الحديث.
ثم قال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.
ورواه ابن ماجه.
وإن الله تعالى إذا أحب قوما ابتلاهم.
فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط " 2. حسنه الترمذي.
وروى الإمام أحمد عن محمود بن لبيد رفعه: " إذا أحب الله قوما ابتلاهم، فمن صبر فله الصبر، ومن جزع فله الجزع " 3 قال المنذري: رواته ثقات.
قوله: "إن عظم الجزاء" بكسر العين وفتح الظاء فيها.
ويجوز ضمها مع سكون الظاء أي من كان ابتلاؤه أعظم كمية وكيفية.
وقد يحتج بهذا الحديث من يقول: إن المصائب يثاب عليها مع تكفير الخطايا.
ورجح ابن القيم أن ثوابها تكفير الخطايا فقط، إلا إذا كانت سببا لعمل صالح، كالصبر والرضا والتوبة والاستغفار، فإنه حينئذ يثاب على ما تولد منها، وعلى هذا يقال في معنى الحديث: إن عظم الجزاء مع عظم البلاء إذا صبر واحتسب.
قوله: "وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم" ولهذا ورد في حديث سعد " سئل صلى الله عليه وسلم أي الناس أشد بلاء؟ قال: الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل; يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلي على قدر
الثالثة: الطعن في النسب.
الرابعة: شدة الوعيد فيمن ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية.
الخامسة: علامة إرادة الله بعبده الخير.
السادسة: إرادة الله به الشر.
السابعة: علامة حب الله للعبد.
الثامنة: تحريم السخط.
التاسعة: ثواب الرضا بالبلاء.
قوله: "فمن رضي فله الرضا" أي من الله تعالى; والرضا قد وصف الله تعالى به نفسه في مواضع من كتابه كقوله تعالى: ﴿جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ 2. ومذهب السلف وأتباعهم من أهل السنة: إثبات الصفات التي وصف الله بها نفسه، ووصفه بها رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما يليق بجلاله وعظمته إثباتا بلا تمثيل وتنزيها بلا تعطيل، فإذا رضي الله تعالى عنه حصل له كل خير، وسلم من كل شر.
والرضى هو أن يسلم العبد أمره إلى الله، ويحسن الظن به، ويرغب في ثوابه، وقد يجد لذلك راحة وانبساطا محبة لله وثقة به، كما قال ابن مسعود رضي الله عنه: " إن الله بقسطه وعدله جعل الروح والفرح في اليقين والرضا، وجعل لهم الحزن في الشك والسخط ".
قوله: "ومن سخط" وهو بكسر الخاء، قال أبو السعادات: السخط: الكراهية للشيء وعدم الرضا به.
أي من سخط على الله فيما دبره فله السخط، أي من الله، وكفى بذلك عقوبة.
وقد يستدل به على وجوب الرضا، وهو اختيار ابن عقيل.
واختار القاضي عدم الوجوب، ورجحه شيخ الإسلام وابن القيم.1
قال شيخ الإسلام: ولم يجئ الأمر به كما جاء الأمر بالصبر، وإنما جاء الثناء على أصحابه.
قال:
وأما ما يروى: " من لم يصبر على بلائي ولم يرض بقضائي فليتخذ ربا سوائي " 1. فهذا إسرائيلي لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قال شيخ الإسلام: " وأعلى من ذلك- أي من الرضا- أن يشكر الله على المصيبة لما يرى من إنعام الله عليه بها".
اهـ والله أعلم.
باب: " ما جاء في الرياء"
وقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ 1.
قوله: "باب ما جاء في الرياء".
أي من النهي والتحذير.
قال الحافظ: " هو مشتق من الرؤية.
والمراد به إظهار العبادة لقصد رؤية الناس لها فيحمدون صاحبها.
والفرق بينه وبين السمعة: أن الرياء لما يُرى من العمل كالصلاة.
والسمعة لما يُسمع كالقراءة والوعظ والذكر، ويدخل في ذلك التحدث بما عمله".
قوله: "وقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ " أي ليس لي من الربوبية ولا من الإلهية شيء، بل ذلك كله لله وحده لا شريك له أوحاه إليّ ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ أي يخافه ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ . 1 سورة الكهف آية: 110.
قوله: "أحدا" نكرة في سياق النهي تعم، وهذا العموم يتناول الأنبياء والملائكة والصالحين والأولياء وغيرهم.
قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: أما اللقاء فقد فسره طائفة من السلف والخلف بما يتضمن المعاينة، وقالوا: لقاء الله يتضمن رؤيته سبحانه وتعالى يوم القيامة، وذكر الأدلة على ذلك.
قال ابن القيم -رحمه الله تعالى- في الآية: أي كما أن الله واحد لا إله سواه، فكذلك ينبغي أن تكون العبادة له وحده لا شريك له، فكما تفرد بالإلهية يجب أن يفرد بالعبودية، فالعمل الصالح: هو الخالص من الرياء المقيد بالسنة.
وفي الآية دليل على أن أصل الدين الذي بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم والمرسلين
وعن أبي هريرة مرفوعا: " قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه " 1. رواه مسلم.
قبله، هو إفراده تعالى بأنواع العبادة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ 2. والمخالف لهذا الأصل من هذه الأمة أقسام: إما طاغوت ينازع الله في ربوبيته وإلهيته; ويدعو الناس إلى عبادته، أو طاغوت يدعو الناس إلى عبارة الأوثان، أو مشرك يدعو غير الله ويتقرب إليه بأنواع العبادة أو بعضها، أو شاك في التوحيد: أهو حق أم يجوز أن يجعل لله شريك في عبادته؟ أو جاهل يعتقد أن الشرك دين يقرب إلى الله، وهذا هو الغالب على أكثر العوام لجهلهم وتقليدهم من قبلهم، لما اشتدت غربة الدين ونسي العلم بدين المرسلين.
قوله: وعن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا " قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه ". رواه مسلم.
قوله: "من عمل عملا أشرك معي فيه غيري".
أي من قصد بعمله غيري من المخلوقين تركته وشركه.
ولابن ماجه: " فأنا بريء وهو الذي أشرك "3. قال الطيبي: " الضمير المنصوب في قوله: "تركته" يجوز أن يرجع إلى العمل".
قال ابن رجب -رحمه الله-: 4 واعلم أن العمل لغير الله أقسام: فتارة يكون رياء محضا
كحال المنافقين.
كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلا قَلِيلاً﴾ 1. وهذا الرياء المحض لا يكاد يصدر عن مؤمن في فرض الصلاة والصيام.
وقد يصدر في الصدقة أو الحج الواجب أو غيرهما من الأعمال الظاهرة أو التي يتعدى نفعها، فإن الإخلاص فيها عزيز، وهذا العمل لا يشك مسلم أنه حابط، وأن صاحبه يستحق المقت من الله والعقوبة.
وتارة يكون العمل لله ويشاركه الرياء، فإن شاركه من أصله فالنصوص الصحيحة تدل على بطلانه.
وذكر أحاديث تدل على ذلك منها: هذا الحديث وحديث شداد بن أوس مرفوعا: " من صلى يرائي فقد أشرك، ومن صام يرائي فقد أشرك، ومن تصدق يرائي فقد أشرك، وإن الله عز وجل يقول: أنا خير قسيم لمن أشرك بي، فمن أشرك بي شيئا فإن جِدّة عمله وقليله وكثيره لشريكه الذي أشرك به.
أنا عنه غني " 2. رواه أحمد.
وذكر أحاديث في المعنى ثم قال: فإن خالط نية الجهاد مثلا نية غير الرياء، مثل أخذ أجرة الخدمة، أو أخذ شيء من الغنيمة أو التجارة نقص بذلك أجر جهاده ولم يبطل بالكلية.
قال ابن رجب: وقال الإمام أحمد -رحمه الله-: التاجر والمستأجر والمكري أجرهم على قدر ما يخلص من نياتهم في غزواتهم، ولا يكونون مثل من جاهد بنفسه وماله لا يخلط به غيره.
وقال أيضا فيمن يأخذ جُعل الجهاد: إذا لم يخرج لأجل الدراهم فلا بأس، كأنه خرج لدينه إن أُعطي شيئا أخذه.
وروى عن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- قال: " إذا أجمع أحدكم على الغزو فعوضه الله رزقا فلا بأس بذلك، وأما إن أحدكم أُعطي دراهم غزا وإن لم يعط لم يغز فلا خير في ذلك ".
وروي عن مجاهد -رحمه الله- أنه قال في حج الجمّال وحج الأجير، وحج التاجر: "هو تام لا ينقص من أجرهم شيء".
أي لأن قصدهم الأصلي كان هو الحج دون التكسب.
قال: وأما إن كان أصل العمل لله ثم طرأ عليه نية الرياء، فإن كان خاطرا ثم دفعه فلا يضره بغير خلاف، وإن استرسل معه فهل يحبط عمله أم لا فيجازى على أصل نيته؟ في ذلك اختلاف بين العلماء من السلف قد حكاه الإمام أحمد وابن جرير، ورجحا أن عمله لا يبطل بذلك، وأنه
وعن أبي سعيد مرفوعا: " ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ قالوا: بلى يا رسول الله.
قال: الشرك الخفي: يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل " 3 رواه أحمد.
يجازى بنيته الأولى، وهو مروي عن الحسن وغيره.
وفي هذا المعنى جاء حديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم: " أنه سئل عن الرجل يعمل العمل من
الخير يحمده الناس عليه، فقال: تلك عاجل بشرى المؤمن "1. رواه مسلم.
انتهى ملخصا.
قلت: وتمام هذا المقام يتبين في شرح حديث أبي سعيد إن شاء الله تعالى.
قوله: "وعن أبي سعيد رضي الله عنه مرفوعا: " ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ قالوا: بلى يا رسول الله.
قال: الشرك الخفي، يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل " 2. رواه أحمد".
وروى ابن خزيمة في صحيحه عن محمود بن لبيد قال: " خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا أيها الناس، إياكم وشرك السرائر، قالوا: يا رسول الله، وما شرك السرائر؟ قال: يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر الرجل إليه، فذلك شرك السرائر " 3.
قوله: "عن أبي سعيد الخدري" وتقدم.
قوله: "الشرك الخفي" سماه خفيا؛ لأن صاحبه يظهر أن عمله لله وقد قصد به غيره، أو شركه فيه بتزيين صلاته لأجله.
وعن شداد بن أوس قال: " كنا نعد الرياء على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية الكهف.
الثانية: الأمر العظيم في رد العمل الصالح إذا دخله شيء لغير الله.
الثالثة: ذكر السبب الموجب لذلك وهو كمال الغنى.
الرابعة: أن من الأسباب: أنه تعالى خير الشركاء.
الخامسة: خوف النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه من الرياء.
السادسة: أنه فسر ذلك بأن يصلي المرء لله لكن يزينها لما يرى من نظر رجل إليه.
الشرك الأصغر " 4. رواه ابن أبي الدنيا في كتاب الإخلاص، وابن جرير في التهذيب، والطبراني والحاكم وصححه.
قال ابن القيم: " وأما الشرك الأصغر فكيسير الرياء والتصنع للخلق والحلف بغير الله، وقول الرجل للرجل: ما شاء الله وشئت، وهذا من الله ومنك، وأنا بالله وبك، وما لي
إلا الله وأنت، وأنا متوكل على الله وعليك، ولولا الله وأنت لم يكن كذا وكذا.
وقد يكون هذا شركا أكبر بحسب حال قائله ومقصده".
انتهى.
ولا خلاف أن الإخلاص شرط لصحة العمل وقبوله، وكذلك المتابعة، كما قال الفضيل بن عياض -رحمه الله- في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ 1. قال: "أخلصه وأصوبه، قيل: يا أبا علي، ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل حتى يكون خالصا صوابا، فالخالص ما كان لله، والصواب ما كان على السنة".
وفي الحديث عن الفوائد: شفقة النبي صلى الله عليه وسلم على أمته ونصحه لهم، وأن الرياء أخوف على الصالحين من فتنة الدجال.
فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يخافه على سادات الأولياء مع قوة إيمانهم وعلمهم، فغيرهم ممن هو دونهم بأضعاف أولى بالخوف من الشرك أصغره وأكبره.
باب: " من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا"
وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ 1.
قوله: "باب من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا".
فإن قيل: فما الفرق بين هذه الترجمة وبين ترجمة الباب قبله؟
قلت: بينهما عموم وخصوص مطلق، يجتمعان في مادة، وهو ما إذا أراد الإنسان بعمله التزين عند الناس والتصنع لهم والثناء، فهذا رياء كما تقدم بيانه، كحال المنافقين.
وهو أيضا إرادة الدنيا بالتصنع عند الناس، وطلب المدحة منهم والإكرام.
ويفارق الرياء بكونه عمل عملا صالحا، أراد به عرضا من الدنيا، كمن يجاهد ليأخذ مالا، كما في الحديث.
" تعس عبد الدينار " 2. أو يجاهد للمغنم أو غير ذلك من الأمور التي ذكرها شيخنا عن ابن عباس رضي الله عنه وغيره من المفسرين في معنى قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ . وأراد المصنف -رحمه الله- بهذه الترجمة، وما بعدها أن العمل لأجل الدنيا شرك ينافي كمال 1 سورة هود آية: 15-16.
2 جزء من حديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري: كتاب الجهاد (2887) : باب الحراسة في الغزو في سبيل الله وسيأتي برقم (232) .
التوحيد الواجب، ويحبط الأعمال، وهو أعظم من الرياء، لأن مريد الدنيا قد تغلب إرادته تلك على كثير من عمله، وأما الرياء فقد يعرض له في عمل دون عمل، ولا يسترسل معه، والمؤمن يكون حذرا من هذا وهذا.
قال: "وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ".
قال ابن عباس رضي الله عنه: "من كان يريد الحياة الدنيا" أي ثوابها.
وزينتها: أي مالها.
نوف أي نوفر لهم ثواب أعمالهم بالصحة والسرور في المال والأهل والولد.
"وهم فيها لا يبخسون" لا ينقصون، ثم نسختها ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ 1 الآيتين. رواه النحاس في ناسخه.
قوله: "ثم نسختها" أي قيدتها. فلم تبق الآية على إطلاقها2.
وقال قتادة: " من كانت الدنيا همه وطلبته ونيته جازاه الله بحسناته في الدنيا، ثم يفضي إلى الآخرة وليس له حسنة يعطى بها جزاء.
وأما المؤمن فيجازى بحسناته في الدنيا ويثاب عليها في الآخرة " ذكره ابن جرير بسنده، ثم ساق حديث أبي هريرة 3 عن ابن المبارك عن حيوة بن شريح قال: حدثني الوليد ابن أبي الوليد أبو عثمان أن عقبة بن مسلم حدثه أن شُفيّ بن ماتع الأصبحي حدثه "أنه دخل المدينة فإذا هو برجل قد اجتمع عليه الناس، فقال: من هذا؟ فقالوا: أبو هريرة.
قال: فدنوت منه حتى قعدت بين يديه، وهو يحدث الناس.
فلما سكت وخلا قلت: أنشدك بحق وبحق لما حدثتني حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم عقلته وعلمته.
قال: فقال أبو هريرة: أفعل، لأحدثنك حديثا حدثنيه رسول الله
صلى الله عليه وسلم في هذا البيت ما فيه أحد غيري وغيره، ثم نَشَغ أبو هريرة نَشْغة1 ثم أفاق فقال: لأحدثنك حديثا حدثنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا البيت ما فيه غيري أحد وغيره.
ثم نَشَغ أبو هريرة نَشْغة أخرى، ثم مال خارا على وجهه; واشتد به طويلا.
ثم أفاق فقال: حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله -تبارك وتعالى- إذا كان يوم القيامة نزل إلى القيامة ليقضي بينهم، وكل أمة جاثية.
فأول من يدعو به رجل جمع القرآن، ورجل قُتل في سبيل الله، ورجل كثير المال.
فيقول الله تبارك وتعالى للقارئ: ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي؟ قال: بلى يا رب.
قال: فماذا عملت فيما علمت؟ قال: كنت أقوم آناء الليل وآناء النهار.
فيقول الله له: كذبت، وتقول له الملائكة: كذبت.
ويقول الله له: بل أردت أن يقال: فلان قارئ فقد قيل ذلك.
ويؤتى بصاحب المال فيقول الله له: ألم أوسّع عليك حتى لم أدعك تحتاج إلى أحد؟ قال: بلى يا رب، قال: فما عملت فيما آتيتك؟ قال: كنت أصل الرحم وأتصدق.
فيقول الله له: كذبت، وتقول له الملائكة: كذبت، ويقول الله: بل أردت أن يقال: فلان جواد، فقد قيل ذلك.
ويؤتى بالذي قتل في سبيل الله فيقال له: فبماذا قتلت؟ فيقول: أمرت بالجهاد في سبيلك فقاتلت حتى قتلت.
فيقول الله له: كذبت، وتقول له الملائكة: كذبت، ويقول الله له: بل أردت أن يقال: فلان جريء فقد قيل ذلك.
ثم ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ركبتي فقال: يا أبا هريرة، أولئك الثلاثة أول خلق الله تسعّر بهم النار يوم القيامة " 2.
وقد سئل شيخنا المصنف -رحمه الله- عن هذه الآية فأجاب بما حاصله: ذكر عن السلف فيها أنواع مما يفعله الناس اليوم ولا يعرفون معناه.
فمن ذلك: العمل الصالح الذي يفعله كثير من الناس ابتغاء وجه الله: من صدقة وصلاة، وصلة وإحسان إلى الناس، وترك ظلم، ونحو ذلك مما يفعله الإنسان أو يتركه خالصا لله، لكنه لا يريد ثوابه في الآخرة، إنما يريد أن يجازيه الله بحفظ ماله وتنميته، أو حفظ أهله وعياله، أو إدامة النعمة عليهم، ولا همة له في طلب الجنة والهرب من النار، فهذا يعطى ثواب عمله في الدنيا وليس له في الآخرة من نصيب.
وهذا النوع ذكره ابن عباس.
النوع الثاني: وهو أكبر من الأول وأخوف، وهو الذي ذكره مجاهد في الآية أنها نزلت فيه: وهو أن يعمل أعمالا صالحة ونيته رياء الناس، لا طلب ثواب الآخرة.
النوع الثالث: أن يعمل أعمالا صالحة يقصد بها مالا، مثل أن يحج لمال يأخذه أو يهاجر لدنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها، أو يجاهد لأجل المغنم، فقد ذكر أيضا هذا النوع في تفسير هذه الآية، كما يتعلم الرجل لأجل مدرسة أهله أو مكسبهم أو رياستهم، أو يتعلم القرآن ويواظب على الصلاة لأجل وظيفة المسجد، كما هو واقع كثيرا.
النوع الرابع: أن يعمل بطاعة الله مخلصا في ذلك لله وحده لا شريك له، لكنه على عمل يكفّره كفرا يخرجه عن الإسلام، مثل اليهود والنصارى إذا عبدوا الله، أو تصدقوا أو صاموا ابتغاء وجه الله والدار الآخرة، ومثل كثير من هذه الأمة الذين فيهم كفر أو شرك أكبر يخرجهم من الإسلام بالكلية، إذا أطاعوا الله طاعة خالصة يريدون بها ثواب الله في الدار الآخرة، لكنهم على أعمال تخرجهم من الإسلام وتمنع قبول أعمالهم، فهذا النوع أيضا قد ذكر في هذه الآية عن أنس بن مالك وغيره.
وكان السلف يخافون منها، فقال بعضهم: لو أعلم أن الله تقبل مني سجدة واحدة لتمنيت الموت؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ 1.
ثم قال: بقي أن يقال: إذا عمل الرجل الصلوات الخمس والزكاة والصوم والحج ابتغاء وجه الله، طالبا ثواب الآخرة، ثم بعد ذلك عمل أعمالا قاصدا بها الدنيا، مثل أن يحج فرضه لله، ثم يحج بعده لأجل الدنيا كما هو واقع، فهو لما غلب عليه منهما.
وقد قال بعضهم: القرآن كثيرا ما يذكر أهل الجنة الخلّص وأهل النار الخلص، ويسكت عن
صاحب الشائبتين، وهو هذا وأمثاله اهـ.
في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة، إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش،
قوله: "في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة، إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش.
طوبى لعبد أخذ بعنان فرسه في سبيل الله أشعث رأسه، مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع " 1.
قوله: "في الصحيح" أي صحيح البخاري.
قوله: "تعس" هو بكسر العين ويجوز الفتح، أي سقط، والمراد هنا هلك.
قاله الحافظ.
وقال في موضع آخر: وهو ضد سعد أي شقي.
قال أبو السعادات: يقال: تعس يتعس إذا عثر وانكب لوجهه، وهو دعاء عليه بالهلاك.
قوله: "عبد الدينار" هو المعروف من الذهب كالمثقال في الوزن.
قوله: "تعس عبد الدرهم" وهو من الفضة، قدره الفقهاء بالشعير وزنا، وعندنا منه درهم من ضرب بني أمية، وهو زنة خمسين حبة شعير وخُمسا حبة، سماه عبدا له؛ لكونه هو المقصود بعمله، فكل من توجه بقصده لغير الله فقد جعله شريكا له في عبوديته كما هو حال الأكثر.
قوله: "تعس عبد الخميصة" قال أبو السعادات: هي ثوب خز أو صوف معلم.
وقيل: لا تسمى خميصة إلا أن تكون سوداء معلَّمة، وتجمع على خمائص.
والخميلة بفتح الخاء المعجمة.
وقال أبو السعادات: ذات الخمل، ثياب لها خَمَل من أي شيء كان.
قوله: "تعس وانتكس" قال الحافظ: هو بالمهملة، أي عاوده المرض.
وقال أبو السعادات: أي انقلب على رأسه، وهو دعاء عليه بالخيبة.
قال الطيبي: فيه الترقي
بالدعاء عليه؛ لأنه إذا تعس انكب على وجهه.
وإذا انتكس انقلب على رأسه بعد أن سقط.
قوله: "وإذا شيك" أي أصابته شوكة "فلا انتقش" أي فلا يقدر على إخراجها بالمنقاش قاله أبو السعادات.
والمراد أن من كانت هذه حاله فإنه يستحق أن يدعى عليه بما يسوءه في العواقب، ومن كانت هذه حاله فلا بد أن يجد أثر هذه الدعوات في الوقوع فيما يضره في عاجل دنياه وآجل أخراه.
قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: فسماه النبي صلى الله عليه وسلم عبد الدينار والدرهم وعبد القطيفة وعبد الخميصة.
وذكر فيه ما هو دعاء بلفظ الخبر، وهو قوله: "تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش"، وهذه حال من إذا أصابه شر لم يخرج منه ولم يفلح؛ لكونه تعس وانتكس، فلا نال المطلوب، ولا خلص من المكروه، وهذه حال من عبد المال.
وقد وصف ذلك بأنه "إن أُعطي رضي، وإن مُنِع سخط" كما قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ 1. فرضاؤهم لغير الله، وسخطهم لغير الله، وهكذا حال من كان متعلقا منها برياسة أو صورة ونحو ذلك من أهواء نفسه، إن حصل له رضي، وإن لم يحصل له سخط، فهذا عبد ما يهواه من ذلك وهو رقيق له؛ إذ الرق والعبودية في الحقيقة هو رق القلب وعبوديته، فما استرق القلب واستعبده فهو عبده - إلى أن قال: -
وهكذا أيضا طالب المال، فإن ذلك يستعبده ويسترقه.
وهذه الأمور نوعان: فمنها ما يحتاج إليه العبد، كما يحتاج إلى طعامه وشرابه ومنكحه ومسكنه ونحو ذلك; فهذا يطلب من الله ويرغب إليه فيه.
فيكون المال عنده يستعمله في حاجته بمنزلة حماره الذي يركبه، وبساطه الذي يجلس عليه من غير أن يستعبده فيكون هلوعا.
ومنها: ما لا يحتاج إليه العبد، فهذا ينبغي أن لا يعلق قلبه بها، فإذا تعلق قلبه بها صار مستعبدا لها، وربما صار مستعبدا ومعتمدا على غير الله فيها، فلا يبقى معه حقيقة العبودية لله ولا حقيقة التوكل عليه، بل فيه شعبة من العبادة لغير الله وشعبة من التوكل على غير الله، وهذا من أحق الناس بقوله صلى الله عليه وسلم: " تعس عبد الدينار; تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة ". وهذا هو عبد لهذه الأمور ولو طلبها
طلبها من الله؛ فإن الله إذا أعطاه إياها رضي، وإن منعه إياها سخط، وإنما عبد الله من يرضيه ما يرضي الله ويسخطه ما يسخط الله، ويحب ما أحبه الله ورسوله ويبغض لله ورسوله، ويوالي أولياء الله ويعادي أعداء الله، فهذا الذي استكمل الإيمان.
انتهى ملخصا.
قوله: "طوبى لعبد" قال أبو السعادات: "طوبى" اسم الجنة، وقيل: هي شجرة فيها.
ويؤيد هذا ما روى ابن وهب بسنده عن أبي سعيد قال: "قال رجل: يا رسول الله وما طوبى؟ قال: شجرة في الجنة مسيرة مائة سنة، ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها".
ورواه الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى سمعت عبد الله بن لهيعة حدثنا دراج أبو السمح أن أبا الهيثم1 حدثه عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " أن رجلا قال: يا رسول الله، طوبى لمن رآك وآمن بك; قال: طوبى لمن رآني وآمن بي، وطوبى ثم طوبى ثم طوبى لمن آمن بي ولم يرني.
قال له رجل: وما طوبى؟ قال: شجرة في الجنة مسيرة مائة عام، ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها " 2.
وله شواهد في الصحيحين وغيرهما.
وقد روى ابن جرير عن وهب بن منبه هاهنا أثرا غريبا عجيبا.
قال وهب -رحمه الله-: "إن في الجنة شجرة يقال لها: طوبى يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها: زهرها رياط، وورقها برود3 وقضبانها عنبر، وبطحاؤها ياقوت، وترابها كافور، ووحلها مسك، يخرج من أصلها أنهار الخمر واللبن والعسل، وهي مجلس لأهل الجنة، بينما هم في مجلسهم إذ أتتهم الملائكة من ربهم يقودون نجبا مزمومة بسلاسل من ذهب، وجوهها كالمصابيح من حسنها، ووبرها كخز المرعزي من لينه، عليها رحال ألواحها من ياقوت، ودفوفها من ذهب وثيابها من سندس وإستبرق، فينيخونها ويقولون: إن ربنا أرسلنا إليكم لتزوروه وتسلموا عليه.
قال: فيركبونها، قال: فهي أسرع من الطائر، وأوطأ
من الفراش.
خَبّا من غير مِهنة، يسير الراكب إلى جنب أخيه وهو يكلمه ويناجيه، لا تصيب أُذن راحلة منها أُذن صاحبتها، ولا برك راحلة برك صاحبتها، حتى إن الشجرة لتنتحي عن طريقهم لئلا تفرق بين الرجل وأخيه.
قال: فيأتون إلى الرحمن الرحيم فيسفر لهم عن وجهه الكريم حتى ينظروا إليه، فإذا رأوه قالوا: اللهم أنت السلام ومنك السلام، وحق لك الجلال والإكرام.
قال: فيقول -تبارك وتعالى- عند ذلك: أنا السلام ومني السلام وعليكم حقت رحمتي ومحبتي، مرحبا بعبادي الذين خشوني بالغيب وأطاعوا أمري.
قال: فيقولون: ربنا إنا لم نعبدك حق عبادتك، ولم نقدرك حق قدرك، فائذن لنا بالسجود قدامك.
قال: فيقول الله: إنها ليست بدار نصب ولا عبادة، ولكنها دار ملك ونعيم، وإني قد رفعت عنكم نصب العبادة، فسلوني ما شئتم، بأن لكل رجل منكم أمنيته.
فيسألونه، حتى إن أقصرهم أمنية ليقول: ربي، تنافس أهل الدنيا في دنياهم فتضايقوا فيها، رب فآتني من كل شيء كانوا فيه من يوم خلقتها إلى أن انتهت الدنيا.
فيقول الله تعالى: لقد قَصّرت بك اليوم أمنيتك، ولقد سألت دون منزلتك، هذا لك مني وسأتحفك بمنزلتي؛ لأنه ليس في عطائي نكد ولا قِصَر يَدٍ.
قال: ثم يقول: اعرضوا على عبادي ما لم تبلغ أمانيهم ولم يخطر على بال.
قال: فيعرضون عليهم حتى تقصر بهم أمانيهم1 التي في أنفسهم، فيكون فيما يعرضون عليهم براذين مُقرّنة على كل أربعة منها سرير من ياقوتة واحدة، على كل سرير منها قبة من ذهب مفزعة، في كل قبة منها فرش من فرش الجنة مظاهرة، في كل قبة منها جاريتان من الحور العين، على كل جارية منهن ثوبان من ثياب الجنة، وليس في الجنة لون إلا وهو فيهما، ولا ريح طيب إلا قد عبق بهما، ينفذ ضوء وجوههما غلظ القبة، حتى يظن من يراهما أنهما من دون القبة، يرى مخهما من فوق سوقهما
كالسلك الأبيض في ياقوتة حمراء، يريان له من الفضل على صحابته كفضل الشمس على الحجارة أو أفضل، ويرى لهما مثل ذلك.
ثم يدخل عليهما فيحييانه ويقبلانه ويعانقانه ويقولان له: والله ما ظننا أن الله يخلق مثلك، ثم يأمر الله تعالى الملائكة فيسيرون بهم صفا في الجنة حتى ينتهي كل رجل منهم إلى منزلته التي أعدت له".
وقد روى هذا الأثر ابن أبي حاتم بسنده عن وهب بن منبه وزاد: "فانظروا إلى مواهب ربكم الذي وهب لكم، فإذا بقباب في الرفيق الأعلى، وغرف مبنية بالدر والمرجان أبوابها
من ذهب وسررها من ياقوت، وفرشها من سندس وإستبرق، ومنابرها من نور، يفور من أبوابها وعراصها نور مثل شعاع الشمس، عنده مثل الكوكب الدري في النهار المضيء، وإذا بقصور شامخة في أعلى عليين من الياقوت يزهو نورها، فلولا أنه مسخر إذا لالتمع الأبصار، فما كان من تلك القصور من الياقوت الأبيض فهو مفروش بالحرير الأبيض، وما كان منها من الياقوت الأخضر فهو مفروش بالسندس الأخضر، وما كان منها من الياقوت الأصفر فهو مفروش بالأرجوان الأصفر، مبوبة بالزمرد الأخضر والذهب الأحمر والفضة البيضاء، قوائمها وأركانها من الجوهر، وشُرَفها من قباب من لؤلؤ، وبروجها غرف من المرجان.
فلما انصرفوا إلى ما أعطاهم ربهم قربت لهم براذين من ياقوت أبيض منفوخ فيها الروح، تحتها الولدان المخلدون، بيد كل وليد منهم حكمة برذون من تلك البراذين، ولجمها وأعنتها من فضة بيضاء منظومة بالدر والياقوت، سرر موضونة مفروشة بالسندس والإستبرق، فانطلقت بهم تلك البراذين تزف، فينظرون رياض الجنة، فلما انتهوا إلى منازلهم وجدوا الملائكة قعودا على منابر من نور ينتظرونهم ليزوروهم ويصافحوهم ويهنئوهم كرامة ربهم، فلما دخلوا قصورهم وجدوا فيها جميع ما تطاول به عليهم وما سألوا وما تمنوا، وإذا على باب كل قصر من تلك القصور أربعة جنان: جنتان ذواتا أفنان، وجنتان مدهامتان، وفيهما عينان نضاختان، وفيهما من كل فاكهة زوجان، وحور مقصورات في الخيام.
فلما تبوءوا منازلهم واستقروا قرارهم قال لهم ربهم: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً قَالُوا نَعَمْ﴾ 1. قال: هل رضيتم ثواب ربكم؟ قالوا: ربنا رضينا فارض عنا.
قال: فبرضائي عنكم أحللتكم داري ونظرتم إلى وجهي، فعند ذلك قالوا: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ 2. وهذا سياق غريب وأثر عجيب، ولبعضه شواهد في الصحيحين3.
وقال خالد بن معدان: "إن في الجنة شجرة يقال لها: طوبى، ضُروع كلها، ترضع صبيان
أهل الجنة، وإن سَقْط المرأة يكون في نهر من أنهار الجنة يتقلب فيه حتى تقوم القيامة، فيبعث ابن أربعين سنة" رواه ابن أبي حاتم.
قوله: "أخذ بعنان فرسه في سبيل الله" أي في جهاد المشركين.
قوله: "أشعث" مجرور بالفتحة؛ لأنه اسم لا ينصرف للوصفية ووزن الفعل.
و "رأسه" مرفوع على الفاعلية، وهو طائر الشعر، شغله الجهاد في سبيل الله عن التنعم بالأدهان وتسريح الشعر.
قوله: "مغبرة قدماه" هو بالجر صفة ثانية لعبد.
قوله: "إن كان في الحراسة كان في الحراسة" هو بكسر الحاء أي حمى الجيش عن أن يهجم العدو عليهم.
قوله: "كان في الحراسة" أي غير مقصر فيها ولا غافل، وهذا اللفظ يستعمل في حق من قام بالأمر على وجه الكمال.
قوله: "وإن كان في الساقة كان في الساقة" أي في مؤخرة الجيش، يقلب نفسه في مصالح الجهاد، فكل مقام يقوم فيه إن كان ليلا أو نهارا، رغبة في ثواب الله وطلبا لمرضاته ومحبة لطاعته.
فيه مسائل:
الأولى: إرادة الإنسان الدنيا بعمل الآخرة.
الثانية: تفسير آية هود.
الثالثة: تسمية الإنسان المسلم عبد الدينار والدرهم والخميصة.
الرابعة: تفسير ذلك بأنه إن أُعطي رضي، وإن لم يُعط سخط.
الخامسة: قوله: "تعس وانتكس".
السادسة: قوله: "وإذا شيك فلا انتقش".
السابعة: الثناء على المجاهد الموصوف بتلك الصفات.
قال ابن الجوزي -رحمه الله-: " وهو خامل الذكر لا يقصد السمو ". وقال الخلخالي: " المعنى ائتماره بما أمر، وإقامته حيث أقيم، لا يفقد من مقامه، وإنما ذكر الحراسة والساقة؛ لأنهما أشد مشقة".
انتهى.
وفيه فضل الحراسة في سبيل الله.
قوله: "إن استأذن لم يؤذن له" أي إن استأذن على الأمراء ونحوهم لم يؤذن له؛ لأنه لا جاه له عندهم ولا منزلة؛ لأنه ليس من طلابها، وإنما يطلب ما عند الله لا يقصد بعمله سواه.
قوله: "وإن شفع" بفتح أوله وثانيه "لم يشفّع" بفتح الفاء مشددة.
يعني لو
ألجأته الحال إلى أن يشفع في أمر يحبه الله ورسوله لم تقبل شفاعته عند الأمراء ونحوهم.
وروى الإمام أحمد ومسلم عن أبي هريرة مرفوعا: " رب أشعث مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره
وروى الإمام أحمد أيضا عن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير قال: قال عثمان "-رضي الله عنه وهو يخطب على منبره-: " إني محدثكم حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
لم يكن يمنعني أن أحدثكم به إلا الظن بكم.
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: حرس ليلة في سبيل الله أفضل من ألف ليلة يقام ليلها ويصام نهارها " 2.
وروى الحافظ ابن عساكر في ترجمة عبد الله بن المبارك: قال عبد الله بن محمد قاضي نصيبين: حدثني محمد بن إبراهيم ابن أبي سكينة أنه أملى عليه عبد الله بن المبارك هذه الأبيات بطرسوس وواعده الخروج.
وأنشدها معه إلى الفضيل بن عياض في سنة سبع وسبعين ومائة.
قال:
يا عابد الحرمين لو أبصرتنا ... لعلمت أنك في العبادة تلعب
من كان يخضب خده بدموعه ... فنحورنا بدمائنا تتخضب
أو كان يتعب خيله في باطل ... فخيولهم يوم الصبيحة تتعب
ريح العبير لكم ونحن عبيرنا ... رَهَج السنابك والغبار الأطيب
ولقد أتانا من مقال نبينا ... قول صحيح صادق لا يكذب
لا يستوي غبار خيل الليل في ... أنف امرئ ودخان نار تلهب
هذا كتاب الله ينطق بيننا ... ليس الشهيد بميت لا يكذب
قال: فلقيت الفضيل بكتابه في المسجد الحرام، فلما قرأه ذرفت عيناه فقال: صدق أبو عبد الرحمن ونصحني، ثم قال: أنت ممن يكتب الحديث؟ قلت: نعم، قال لي: اكتب هذا الحديث، وأملى عليّ الفضيل بن عياض: حدثنا منصور بن المعتمر عن أبي صالح عن أبي هريرة: " أن رجلا قال: يا رسول الله علمني عملا أنال به ثواب المجاهدين في سبيل الله، فقال: هل تستطيع أن تصلي فلا تفتر، وتصوم فلا تفطر؟ فقال: يا رسول الله أنا أضعف من أن أستطيع ذلك، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: فوالذي نفسي بيده لو طُوِّقت ذلك ما بلغت، فضل المجاهدين في سبيل الله، أما علمت أن فرس المجاهد لَيْسَتَنُّ في طِوَله فيكتب له بذلك حسنات "؟ 3 41
باب: " من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم الله، فقد اتخذهم أربابا من دون الله"
وقال ابن عباس: " يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقولون: قال أبو بكر وعمر؟ ". قوله: "باب من أطاع من العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم الله، فقد اتخذهم أربابا من دون الله".
لقول الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ 1.
وتقدم تفسير هذا في أصل المصنف -رحمه الله- عند ذكر حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه.
قوله: "وقال ابن عباس -رضي الله عنهما- " يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقولون: قال أبو بكر وعمر؟ ".
قوله: "يوشك" بضم أوله وكسر الشين المعجمة أي يقرب ويسرع.
وهذا القول من ابن عباس -رضي الله عنهما- جواب لمن قال له: إن أبا بكر وعمر "-رضي الله 1 سورة التوبة آية: 31.
عنهما- لا يريان التمتع بالعمرة إلى الحج، ويريان أن إفراد الحج أفضل أو ما هو معنى هذا، وكان ابن عباس يرى أن التمتع بالعمرة إلى الحج واجب ويقول: " إذا طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة سبعة أشواط، فقد حل من عمرته شاء أم أبى "؛ لحديث سراقة بن مالك حين أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعلوها عمرة، ويحلوا إذا طافوا بالبيت وسعوا بين الصفا والمروة، فقال سراقة: " يا رسول الله ألِعامنا هذا أم للأبد؟ فقال: بل للأبد " 1. والحديث في الصحيحين.
وحينئذ فلا عذر لمن استفتى أن ينظر في مذاهب العلماء وما استدل به كل إمام، ويأخذ من أقوالهم ما دل عليه الدليل إذا كان له ملكة يقتدر بها على ذلك.
كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ 2.
وللبخاري ومسلم وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت، ولولا أن معي الهدي لأحللت " 3 4. هذا لفظ البخاري في حديث عائشة -رضي الله عنها-.
ولفظه في حديث جابر: " افعلوا ما أمرتكم به، فلولا أني سقت الهدي لفعلت مثل الذي أمرتكم " 5 في عدة أحاديث تؤيد قول ابن عباس.
وبالجملة فلهذا قال ابن عباس لما عارضوا الحديث برأي أبي بكر وعمر -رضي الله عنهما-: " يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء ". الحديث.
وقال الإمام مالك -رحمه الله تعالى-: " ما منا إلا راد ومردود عليه، إلا صاحب هذا القبر صلى الله عليه وسلم".
وكلام الأئمة في هذا المعنى كثير.
وما زال العلماء -رحمهم الله- يجتهدون في الوقائع، فمن أصاب منهم فله أجران، ومن أخطأ فله أجر، كما في الحديث6 7. لكن إذا استبان لهم الدليل أخذوا به وتركوا اجتهادهم.
وأما إذا لم
يبلغهم الحديث أو لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم عندهم في حديث، أو ثبت وله معارض أو مخصص ونحو ذلك، فحينئذ يسوغ للإمام أن يجتهد.
وفي عصر الأئمة الأربعة -رحمهم الله تعالى- إنما كان طلب الأحاديث ممن هي عنده باللقى والسماع، ويسافر الرجل في طلب الحديث إلى الأمصار عدة سنين.
ثم اعتنى الأئمة بالتصانيف ودونوا الأحاديث ورووها بأسانيدها، وبينوا صحيحها من حسنها من ضعيفها.
والفقهاء صنفوا في كل مذهب، وذكروا حجج المجتهدين، فسهل الأمر على طالب العلم، وكل إمام يذكر الحكم بدليله عنده، وفي كلام ابن عباس -رضي الله عنهما- ما يدل على أن من يبلغه الدليل فلم يأخذ به- تقليدا لإمامه- فإنه يجب الإنكار عليه بالتغليظ لمخالفته الدليل.
وقال الإمام أحمد: حدثنا أحمد بن عمر البزاز، حدثنا زياد بن أيوب، حدثنا أبو عبيدة الحداد عن مالك بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس قال: " ليس منا أحد إلا يؤخذ من قوله ويدع غير النبي صلى الله عليه وسلم ".
وعلى هذا فيجب الإنكار على من ترك الدليل لقول أحد من العلماء كائنا من كان، ونصوص الأئمة على هذا، وأنه لا يسوغ التقليد إلا في مسائل الاجتهاد التي لا دليل فيها يرجع إليه من كتاب ولا سنة، فهذا هو الذي عناه بعض العلماء بقوله: لا إنكار في مسائل الاجتهاد.
وأما من خالف الكتاب والسنة فيجب الرد عليه كما قال ابن عباس والشافعي ومالك وأحمد، وذلك مجمع عليه، كما تقدم في كلام الشافعي رحمه الله تعالى.
قوله: وقال الإمام أحمد: "عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته يذهبون إلى رأي سفيان، والله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ 1. صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم (فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} 2. أتدري ما الفتنة؟ الفتنة: الشرك، لعلّه إذا ردّ بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك ".
أتدري ما الفتنة؟ الفتنة: الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك".
هذا الكلام من الإمام أحمد -رحمه الله- رواه عنه الفضل بن زياد وأبو طالب.
قال الفضل عن أحمد: "نظرت في المصحف فوجدت طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم في ثلاث وثلاثين موضعا، ثم جعل يتلو
﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ الآية.
فذكر من قوله: الفتنة الشرك - إلى قوله: - فيهلك".
ثم جعل يتلو هذه الآية: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيما ً﴾ 1.
وقال أبو طالب عن أحمد وقيل له: "إن قوما يدعون الحديث ويذهبون إلى رأي سفيان وغيره، فقال: أعجب لقوم سمعوا الحديث وعرفوا الإسناد وصحته يدعونه ويذهبون إلى رأي سفيان وغيره، قال الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أتدري ما الفتنة؟ الفتنة: الكفر.
قال الله تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ 2 فيدعون الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتغلبهم أهواؤهم إلى الرأي".
ذكر ذلك عنه شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-.
قوله: "عرفوا الإسناد" أي إسناد الحديث وصحته، فإذا صح إسناد الحديث فهو صحيح عند أهل الحديث وغيرهم من العلماء.
وسفيان: هو الثوري الإمام الزاهد العابد الثقة الفقيه، وكان له أصحاب يأخذون عنه، ومذهبه مشهور يذكره العلماء -رحمهم الله- في الكتب التي يذكر فيها مذاهب الأئمة، كالتمهيد لابن عبد البر، والاستذكار له، وكتاب الإشراف على مذاهب الأشراف لابن المنذر، والمحلى لابن حزم، والمغني لأبي محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة الحنبلي.
وغير هؤلاء.
فقول الإمام أحمد -رحمه الله-: "عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته " إلخ إنكار منه لذلك، وأنه يؤول إلى زيغ القلوب الذي يكون به المرء كافرا.
وقد عمت البلوى بهذا المنكر خصوصا ممن ينتسب إلى العلم، نصبوا الحبائل في الصد عن الأخذ بالكتاب والسنة، وصدوا عن متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم وتعظيم أمره ونهيه، فمن ذلك قولهم:
لا يستدل بالكتاب والسنة إلا المجتهد.
والاجتهاد قد انقطع3 ويقول: هذا الذي قلدته أعلم منك بالحديث وبناسخه ومنسوخه، ونحو ذلك من الأقوال التي غايتها ترك متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن
الهوى، والاعتماد على قول من يجوز عليه الخطأ، وغيره من الأئمة يخالفه، ويمنع قوله بدليل، فما من إمام إلا والذي معه بعض العلم لا كله.
فالواجب على كل مكلف إذا بلغه الدليل من كتاب الله وسنة رسوله وفهم معنى ذلك: أن ينتهي إليه ويعمل به، وإن خالفه من خالفه، كما قال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ 1. وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ 2. وقد تقدم حكاية الإجماع على ذلك، وبيان أن المقلد ليس من أهل العلم، وقد حكى أيضا أبو عمر ابن عبد البر وغيره الإجماع على ذلك.
قلت: ولا يخالف في ذلك إلا جهال المقلدة، لجهلهم بالكتاب والسنة، ورغبتهم عنهما، وهؤلاء وإن ظنوا أنهم قد اتبعوا الأئمة فإنهم في الحقيقة قد خالفوهم، واتبعوا غير سبيلهم.
كما قدمنا من قول مالك والشافعي وأحمد، ولكن في كلام أحمد -رحمه الله- إشارة إلى أن التقليد قبل بلوغ الحجة لا يذم، وإنما ينكر على من بلغته الحجة وخالفهم لقوم إمام من الأئمة، وذلك إنما ينشأ عن الإعراض عن تدبر كتاب الله وسنة رسوله، والإقبال على كتب من تأخروا والاستغناء بها عن الوحيين، وهذا يشبه ما وقع من أهل الكتاب الذين قال الله فيهم: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ 3، كما سيأتي بيان ذلك في حديث عدي بن حاتم، فيجب على من نصح نفسه إذا قرأ كتب العلماء ونظر فيها، وعرف أقوالهم أن يعرضها على ما في الكتاب والسنة؛ فإن كل مجتهد من العلماء ومن تبعه وانتسب إلى مذهبه لا بد أن يذكر دليله، والحق في المسألة واحد، والأئمة مثابون على اجتهادهم، فالمنصف يجعل النظر في كلامهم وتأمله طريقا إلى معرفة المسائل واستحضارها ذهنا، وتمييزا للصواب من الخطأ بالأدلة التي يذكرها المستدلون، ويعرف بذلك من هو أسعد بالدليل من العلماء فيتبعه، والأدلة على هذا الأصل في كتاب الله أكثر وفي السنة كذلك، كما أخرج أبو داود بسنده عن أناس من أصحاب معاذ: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يبعث معاذا إلى اليمن قال: كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بكتاب الله تعالى.
قال: فإن لم تجد في كتاب الله؟ قال: فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: فإن لم تجد في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا في كتاب الله؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو.
قال: فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدره وقال:
الحمد لله الذي وفق رسولَ رسولِ الله لما يرضي رسول الله " 1. وساق بسنده عن الحارث بن عمر عن أناس من أصحاب معاذ بن جبل رضي الله عنه: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعثه إلى اليمن - بمعناه".
والأئمة -رحمهم الله- لم يقصروا في البيان، بل نهوا عن تقليدهم إذا استبانت السنة، لعلمهم أن من العلم شيئا لم يعلموه، وقد يبلغ غيرهم، وذلك كثير كما لا يخفى على من نظر في أقوال العلماء.
قال أبو حنيفة -رحمه الله-: " إذا جاء الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلى الرأس والعين، وإذا جاء عن الصحابة -رضي الله عنهم- فعلى الرأس والعين، وإذا جاء عن التابعين فنحن رجال وهم رجال".
وقال: " إذا قلت قولا وكتاب الله يخالفه فاتركوا قولي لكتاب الله". قيل: إذا كان قول رسول الله صلى الله عليه وسلم يخالفه؟ قال: " اتركوا قولي لخبر الرسول صلى الله عليه وسلم". وقيل: إذا كان قول الصحابة يخالفه؟ قال: " اتركوا قولي لقول الصحابة".
وقال الربيع: " سمعت الشافعي -رحمه الله- يقول: إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فخذوا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعوا ما قلت".
وقال: " إذا صح الحديث بما يخالف قولي فاضربوا بقولي الحائط".
عن عدي بن حاتم أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ
وقال مالك: " كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم".
وتقدم له مثل ذلك، فلا عذر لمقلد بعد هذا. ولو استقصينا كلام العلماء في هذا لخرج عما قصدناه من الاختصار، وفيما ذكرناه كفاية لطالب الهدى2.
قوله: "لعله إذا رد بعض قوله" أي قول الرسول صلى الله عليه وسلم "أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك" نبه -رحمه الله- أن رد قول الرسول صلى الله عليه وسلم سبب لزيغ القلب، وذلك هو الهلاك في الدنيا والآخرة كما قال تعالى: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ 3.
قال شيخ الإسلام -رحمه الله- في معنى قول الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ 1: " فإذا كان المخالف لأمره قد حذر من الكفر والشرك، أو من العذاب الأليم، دل على أنه قد يكون مفضيا إلى الكفر والعذاب الأليم، ومعلوم أن إفضاءه إلى العذاب الأليم هو مجرد فعل المعصية، فإفضاؤه إلى الكفر إنما هو لما يقترن به من الاستخفاف في حق الأمر; كما فعل إبليس لعنه الله تعالى"اهـ. وقال أبو جعفر ابن جرير -رحمه الله تعالى- عن الضحاك: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ قال: "يطبع على قلبه فلا يؤمن أن يظهر الكفر بلسانه فتضرب عنقه".
قال أبو جعفر ابن جرير: " أدخلت "عن" لأن معنى الكلام فليحذر الذين يلوذون عن أمره ويدبرون عنه معرضين".
قوله: "أو يصيبهم" في عاجل الدنيا عذاب من الله موجع على خلافهم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قوله: "عن عدي بن حاتم رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ 2 الآية.
(وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} 3. فقلت له: " إنا لسنا نعبدهم. قال: أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟ فقلت: بلى. قال: فتلك عبادتهم ". رواه أحمد والترمذي وحسنه4.
فقلت: "إنا لسنا نعبدهم.
قال: أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟ فقلت، بلى، قال: فتلك عبادتهم".
رواه أحمد والترمذي وحسنه".
هذا الحديث قد روي من طرق; فرواه ابن سعد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني، وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي.
قوله: "عن عدي بن حاتم" أي الطائي المشهور.
وحاتم: هو ابن عبد الله بن سعد بن الحشرج- بفتح الحاء- المشهور بالسخاء والكرم، قدم عدي على النبي صلى الله عليه وسلم