مقدمة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ
- الكتاب
- فتح المجيد شرح كتاب التوحيد
- المؤلف
- عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي (المتوفى: 1285هـ)
- المحقق
- محمد حامد الفقي
- الناشر
- مطبعة السنة المحمدية، القاهرة، مصر
- الطبعة
- السابعة، 1377هـ/1957م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
...
فتح المجيد شرح كتاب التوحيد
تأليف: عبد الله بن حسن آل الشيخ
تحقيق: محمد حامد الفقي
بسم الله الرحمن الر حيم
مفدمة
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين كالمبتدعة والمشركين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الأولين والآخرين، وقيوم السماوات والأرضين.
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وخيرته من خلقه أجمعين.
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد: فإن كتاب التوحيد الذي ألفه الإمام شيخ الإسلام "محمد بن عبد الوهاب"1 أجزل الله له الأجر والثواب، وغفر له ولمن أجاب دعوته إلي يوم يقوم الحساب قد جاء بديعا في معناه: من بيان التوحيد ببراهينه، وجمع جملا من أدلته لإيضاحه وتبيينه.
فصار علما للموحدين، وحجة على الملحدين.
فانتفع به الخلق الكثير، والجم الغفير.
فإن هذا الإمام -رحمه الله- في مبدأ منشئه قد شرح الله صدره للحق المبين، الذي بعث الله به المرسلين: من إخلاص العبادة بجميع أنواعها لله رب العالمين، وإنكار ما كان عليه الكثير من شرك المشركين، فأعلى الله همته، وقوى عزيمته، وتصدى لدعوة أهل نجد إلى التوحيد، الذي هو أساس الإسلام والإيمان، ونهاهم عن عبادة الأشجار والأحجار والقبور، والطواغيت والأوثان، وعن الإيمان بالسحرة والمنجمين والكهان، فأبطل الله بدعوته كل بدعة وضلالة يدعو إليها كل شيطان، وأقام الله به علم الجهاد، وأدحض به شبه المعارضين من أهل الشرك والعناد، ودان بالإسلام أكثر أهل تلك البلاد، الحاضر منهم والباد، وانتشرت دعوته ومؤلفاته في الآفاق، حتى أقر له بالفضل من كان من أهل الشقاق، إلا من استحوذ عليه الشيطان، وكره إليه الإيمان، فأصر على العناد والطغيان.
وقد أصبح أهل جزيرة العرب بدعوته، كما قال قتادة -رحمه الله- عن حال أول هذه الأمة: "إن المسلمين لما قالوا: "لا إله إلا الله" أنكر ذلك المشركون وكبرت عليهم، وضاق بها إبليس وجنوده، فأبى الله إلا أن يمضيها ويظهرها، ويفلجها وينصرها على من ناوأها، إنها كلمة من خاصم بها فلج، ومن قاتل
بها نصر، إنما يعرفها أهل هذه الجزيرة التي يقطعها الراكب في ليال قلائل، ويسير من الدهر في فئام من الناس، لا يعرفونها ولا يقرون بها".
وقد شرح الله صدور كثير من العلماء لدعوته، وسروا واستبشروا بطلعته، وأثنوا عليه نثرا ونظما.
فمن ذلك ما قاله عالم صنعاء: محمد بن إسماعيل الأمير1 في هذا الشيخ -رحمه الله تعالى-:
وقد جاءت الأخبار عنه بأنه ... يعيد لنا الشرع الشريف بما يبدي
وينشر جهرا ما طوى كل جاهل ... ومبتدع منه فوافق ما عندي
ويعمر أركان الشريعة هادما ... مشاهد ضل الناس فيها عن الرشد
أعادوا بها معنى سواع ومثله ... يغوث وود بئس ذلك من ود
وقد هتفوا عند الشدائد باسمها ... كما يهتف المضطر بالصمد الفرد
وكم عقروا في سوحها من عقيرة ... أهلت لغير الله جهرا على عمد
وكم طائف حول القبور مقبل ... ومستلم الأركان منهن بالأيدي
وقال شيخنا عالم الأحساء أبو بكر حسين بن غنام -رحمه الله تعالى- فيه: 2
لقد رفع المولى به رتبة الهدى ... بوقت به يعلى الضلال ويرفع
سقاه نمير الفهم مولاه فارتوى ... وعام بتيار المعارف يقطع
فأحيا به التوحيد بعد اندراسه ... وأوهى به من مطلع الشرك مهيع
سما ذروة المجد التي ما ارتقى لها ... سواه ولا حاذى فناها سميذع
وشمر في منهاج سنة أحمد ... يشيد ويحيي ما تعفى ويرفع
يناظر بالآيات والسنة التي ... أمرنا إليها في التنازع نرجع
فأضحت به السمحاء يبسم ثغرها ... وأمسى محياها يضيء ويلمع
وعاد به نهج الغواية طامسا ... وقد كان مسلوكا به الناس ترتع
وجرت به نجد ذيول افتخارها ... وحق لها بالألمعي ترفع
فآثاره فيها سوام سوافر ... وأنواره فيها تضيء وتلمع
وأما كتابه المذكور فموضوعه في بيان ما بعث به الله رسله: من توحيد العبادة، وبيانه بالأدلة من الكتاب والسنة، وذكر ما ينافيه من الشرك الأكبر، أو ينافي كماله الواجب من الشرك الأصغر ونحوه، وما يقرب من ذلك أو يوصل إليه.
وقد تصدى لشرحه حفيد المصنف، وهو الشيخ سليمان بن عبد الله -رحمه الله تعالى-1 فوضع عليه شرحا أجاد فيه وأفاد، وأبرز فيه من البيان ما يجب أن يطلب منه ويراد، وسماه "تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد".
وحيث أطلق "شيخ الإسلام" فالمراد به أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية، و "الحافظ" فالمراد به أحمد بن حجر العسقلاني.
ولما قرأت شرحه رأيته أطنب في مواضع، وفي بعضها تكرار يستغنى بالبعض منه عن الكل ولم يكمله، فأخذت في تهذيبه وتقريبه وتكميله، وربما أدخلت فيه بعض النقول المستحسنة تتميما للفائدة، وسميته "فتح المجيد بشرح كتاب التوحيد".
وأسأل الله أن ينفع به كل طالب للعلم ومستفيد، وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم، وموصلا من سعى فيه إلى جنات النعيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
"بسم الله الرحمن الرحيم"
ابتدأ كتابه بالبسملة اقتداء بالكتاب العزيز، وعملا بحديث:
" كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الر حيم فهو أقطع " 1 أخرجه ابن حبان من طريقين.
قال ابن الصلاح: " والحديث حسن" 2.
ولأبي داود وابن ماجه: " كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله، أو بالحمد فهو أقطع " 3.
ولأحمد: " كل أمر ذي بال لا يفتتح بذكر الله، فهو أبتر أو أقطع " 4. وللدارقطني عن أبي هريرة مرفوعا: " كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بذكر الله فهو أقطع " 5.
والمصنف قد اقتصر في بعض نسخه على البسملة، لأنها من أبلغ الثناء والذكر للحديث المتقدم. وكان النبي صلي الله عليه وسلم يقتصر عليها في مراسلاته، كما في كتابه لهرقل عظيم الروم6.
ووقع لي نسخة بخطه -رحمه الله تعالى- بدأ فيها بالبسملة، وثنى بالحمد والصلاة على النبي صلي الله عليه وسلم وآله.
وعلى هذا فالابتداء بالبسملة حقيقي، وبالحمدلة نسبي إضافي، أي بالنسبة إلى ما بعد الحمد يكون مبدوءا به.
والباء في "بسم الله" متعلقة بمحذوف، واختار كثير من المتأخرين كونه فعلا خاصا متأخرا.
أما كونه فعلا؛ فلأن الأصل في العمل للأفعال.
وأما كونه خاصا؛ فلأن كل مبتدئ بالبسملة في أمر يضمر ما جعل البسملة مبدأ له.
وأما كونه متأخرا، فلدلالته على الاختصاص، وأدخل في التعظيم، وأوفق للوجود; ولأن أهم ما يبدأ به ذكر الله تعالى.
وذكر العلامة ابن القيم -رحمه الله تعالى- لحذف العامل فوائد، منها: أنه موطن لا ينبغي أن يتقدم فيه غير ذكر الله.
ومنها: أن الفعل إذا حذف صح الابتداء بالبسملة في كل عمل وقول وحركة، فكان الحذف أعم.
انتهى ملخصا.
وباء "بسم الله" للمصاحبة.
وقيل: للاستعانة.
فيكون التقدير: بسم الله أؤلف حال
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . كوني مستعينا بذكره، متبركا به.
وأما ظهوره في: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ 1 وفي: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا﴾ 2؛ فلأن المقام يقتضي ذلك كما لا يخفى.
والاسم مشتق من السمو وهو العلو.
وقيل: من الوسم وهو العلامة؛ لأن كل ما سمي فقد نوه باسمه ووسم.
قوله: "الله" قال الكسائي والفراء: أصله الإله، حذفوا الهمزة، وأدغموا اللام في اللام، فصارتا لاما واحدة مشددة مفخمة.
قال العلامة ابن القيم -رحمه الله-: الصحيح: أنه مشتق، وأن أصله الإله كما هو قول سيبويه وجمهور أصحابه إلا من شذ.
وهو الجامع لمعاني الأسماء الحسنى والصفات العلى.
والذين قالوا بالاشتقاق إنما أرادوا أنه دال على صفة له تعالى.
وهي الإلهية كسائر أسمائه الحسنى، كالعليم والقدير،
والسميع، والبصير; ونحو ذلك.
فإن هذه الأسماء مشتقة من مصادرها بلا ريب، وهي قديمة، ونحن لا نعني بالاشتقاق إلا أنها ملاقية لمصادرها في اللفظ والمعنى، لا أنها متولدة منه تولد الفرع من أصله.
وتسمية النحاة للمصدر والمشتق منه: أصلا وفرعا، ليس معناه أن أحدهما متولد من الآخر، وإنما هو باعتبار أن أحدهما يتضمن الآخر وزيادة.
قال أبو جعفر ابن جرير: "الله" أصله "الإله" أسقطت الهمزة التي هي فاء الاسم فالتقت اللام التي هي عين الاسم واللام الزائدة وهي ساكنة فأدغمت في الأخرى، فصارتا في اللفظ لاما واحدة مشددة.
وأما تأويل "الله" فإنه على معنى ما روي لنا عن عبد الله بن عباس قال: "هو الذي يألهه كل شيء ويعبده كل خلق ". لما وساق بسنده عن الضحاك عن عبد الله بن عباس قال: " الله ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين ". فإن قال لنا قائل: وما دل على أن الألوهية هي العبادة وأن الإله هو المعبود، وأن له أصلا في فعل ويفعل، وذكر بيت رؤبة بن العجاج3: 1 سورة العلق آية: 1.
2 سورة هود آية: 41.
3 كذا في الأصل، والعبارة ناقصة.
ونصها: فإن قال لنا قائل: فهل لذلك في فعل ويفعل أصل كان منه بناء هذا الاسم؟ قيل: أما سماعا من العرب فلا، ولكن استدلالا.
فإن قال: وما دل على أن الألوهية هي العبادة وأن الإله هو المعبود, وأن له أصلا في فعل يفعل؟ قيل: لا تمانع العرب في الحكم لقول القائل يصف رجلا بعبادة الله ويطلب مما عند الله: "تأله فلان" بالصحة ولا خلاف.
ومن ذلك قول رؤبة.
إلخ.
لله در الغانيات المده ... سبحن واسترجعن من تألهي1"
يعني من تعبدي وطلبي الله بعملي.
ولا شك أن التأله التفعل، من أله يأله، وأن معنى "أله" إذا نطق به: عبد الله.
وقد جاء منه مصدر يدل على أن العرب قد نطقت منه بفعل يفعل بغير زيادة.
وذلك ما حدثنا به سفيان بن وكيع وساق السند إلى ابن عباس: "أنه قرأ ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ "3" قال: عبادتك.
ويقول: إنه كان يعبد ولا يعبد ". وساق بسند آخر عن ابن عباس: "ويذرك وآلهتك.
قال: إنما كان فرعون يعبد ولا يعبد".
وذكر مثله عن مجاهد، ثم قال: فقد بين قول ابن عباس ومجاهد هذا: أن "أله" "عبد" وأن الإلهة مصدره، وساق حديثا عن أبي سعيد مرفوعا: 2 " أن عيسى أسلمته أمه إلى الكتاب ليعلمه.
فقال له المعلم: اكتب بسم الله.
فقال عيسى: أتدري ما الله؟ الله إله الآلهة ".
قال العلامة ابن القيم -رحمه الله-: لهذا الاسم الشريف عشر خصائص لفظية، وساقها.
ثم قال: وأما خصائصه المعنوية فقد قال أعلم الخلق صلي الله عليه وسلم:
3 " لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك " وكيف نحصي خصائص اسم لمسماه كل كمال على الإطلاق، وكل مدح وحمد، وكل ثناء وكل مجد، وكل جلال وكل كمال، وكل عز وكل جمال، وكل خير وإحسان وجود وفضل وبر فله ومنه؟ فما ذكر هذا الاسم في قليل إلا كثره، ولا عند خوف إلا أزاله ولا عند كرب إلا كشفه، ولا عند هم وغم إلا فرجه، ولا عند ضيق إلا وسعه، ولا تعلق به ضعيف إلا أفاده القوة، ولا ذليل إلا أناله العز، ولا فقير إلا أصاره غنيا، ولا مستوحش إلا آنسه، ولا مغلوب إلا أيده ونصره، ولا مضطر إلا كشف ضره، ولا شريد إلا آواه.
فهو الاسم الذي تكشف به الكربات، وتستنزل به البركات، وتجاب به الدعوات، وتقال به العثرات، وتستدفع به السيئات،
وتستجلب به الحسنات.
وهو الاسم الذي قامت به الأرض والسماوات، وبه أنزلت الكتب، وبه أرسلت الرسل، وبه شرعت الشرائع، وبه قامت الحدود، وبه شرع الجهاد، وبه انقسمت الخليقة إلى السعداء والأشقياء، وبه خقت الحاقة، ووقعت الواقعة، وبه وضعت الموازين القسط ونصب الصراط، وقام سوق الجنة والنار، وبه عبد رب العالمين وحمد، وبحقه بعثت الرسل، وعنه السؤال في القبر ويوم البعث والنشور، وبه الخصام وإليه المحاكمة، وفيه الموالاة والمعاداة، وبه سعد من عرفه وقام بحقه،
وبه شقي من جهله وترك حقه; فهو سر الخلق والأمر.
وبه قاما وثبتا، وإليه انتهيا، فالخلق به وإليه ولأجله.
فما وجد خلق ولا أمر ولا ثواب ولا عقاب إلا مبتدئا منه ومنتهيا إليه.
وذلك موجبه ومقتضاه ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ 1 إلى آخر كلامه -رحمه الله تعالى-.
قوله: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ 2 قال ابن جرير: حدثني السري بن يحيى حدثنا عثمان بن زفر سمعت العرزمي يقول: "الرحمن بجميع الخلق، والرحيم بالمؤمنين".
وساق بسنده عن أبي سعيد - يعني الخدري - قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم3 " إن عيسى ابن مريم قال: الرحمن: رحمن الآخرة والدنيا.
والرحيم: رحيم الآخرة " 4.
قال ابن القيم -رحمه الله تعالى-: 5 " فاسمه "الله" دل على كونه مألوها معبودا.
يألهه الخلائق محبة وتعظيما وخضوعا، ومفزعا إليه في الحوائج والنوائب.
وذلك مستلزم لكمال ربوبيته ورحمته، المتضمنين لكمال الملك والحمد، وإلهيته وربوبيته ورحمانيته وملكه مستلزم لجميع صفات كماله؛ إذ يستحيل ثبوت ذلك لمن ليس بحي، ولا سميع، ولا بصير، ولا قادر، ولا متكلم، ولا فعال لما يريد، ولا حكيم في أقواله وأفعاله.
فصفات الجلال والجمال أخص باسم "الله"، وصفات الفعل والقدرة والتفرد بالضر والنفع "العطاء والمنع ونفوذ المشيئة وكمال القوة وتدبير أمر الخليقة أخص باسم الرب"، وصفات الإحسان والجود والبر والحنان والمنة والرأفة واللطف أخص باسم "الرحمن".
وقال -رحمه الله- أيضا: " "الرحمن" دال على الصفة القائمة به سبحانه.
"والرحيم" دال
على تعلقها بالمرحوم.
وإذا أردت فهم هذا فتأمل قوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً﴾ 1 ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ 2 ولم يجئ قط رحمان بهم".
وقال: "" إن أسماء الرب تعالى هي أسماء ونعوت.، فإنها دالة على صفات كماله، فلا تنافي فيها بين العلمية والوصفية، فالرحمن اسمه تعالى ووصفه، فمن حيث هو صفة
جرى تابعا لاسم الله ومن حيث هو اسم ورد في القرآن غير تابع; بل ورد الاسم العلم كقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ 3". انتهى ملخصا.
الحمد لله، وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم4.
قوله ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ معناه الثناء بالكلام على الجميل الاختياري على وجه التعظيم.
فمورده: اللسان والقلب.
والشكر يكون باللسان والجنان والأركان.
فهو أعم من الحمد متعلقا، وأخص منه سببا; لأنه يكون في مقابلة النعمة، والحمد أعم سببا وأخص متعلقا; لأنه يكون في مقابلة النعمة وغيرها.
فبينهما عموم وخصوص وجهي، يجتمعان في مادة وينفرد كل واحد عن الآخر في مادة.
قوله: "وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم" أصح ما قيل في معنى صلاة الله على عبده: ما ذكره البخاري -رحمه الله تعالى- عن أبي العالية قال: " صلاة الله على عبده ثناؤه عليه عند الملائكة ". وقرره ابن القيم -رحمه الله- ونصره في كتابيه: "جلاء الأفهام"، و"بدائع الفوائد".
قلت: وقد يراد بها الدعاء، كما في المسند عن علي مرفوعا: " الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه: اللهم اغفر له الله ارحمه "5.
قوله: "وعلى آله" أي أتباعه على دينه، نص عليه الإمام أحمد هنا وعليه أكثر الأصحاب.
وعلى هذا فيشمل الصحابة وغيرهم من المؤمنين 6.
باب: كتاب التوحيد
...
كتاب التوحيد
كتاب: مصدر كتب يكتب كتابا وكتابة وكتبا، ومدار المادة على الجمع.
ومنه: تكتب بنو فلان، إذا اجتمعوا.
والكتيبة لجماعة الخيل، والكتابة بالقلم لاجتماع الكلمات والحروف.
وسمي الكتاب كتابا: لجمعه ما وضع له.
والتوحيد نوعان: توحيد في المعرفة والإثبات، وهو توحيد الربوبية والأسماء والصفات.
وتوحيد في الطلب والقصد، وهو توحيد الإلهية والعبادة.
قال العلامة ابن القيم -رحمه الله-: " وأما التوحيد الذي دعت إليه الرسل ونزلت به الكتب فهو نوعان: توحيد في المعرفة والإثبات، وتوحيد في الطلب والقصد.
فالأول: هو إثبات حقيقة ذات الرب تعالى وصفاته وأفعاله وأسمائه وتكلمه بكتبه وتكليمه لمن شاء من عباده، وإثبات عموم قضائه وقدره وحكمته، وقد أفصح القرآن عن هذا النوع جد الإفصاح; كما في أول سورة الحديد، وسورة طه، وآخر الحشر، وأول تنزيل السجدة، وأول آل عمران، وسورة الإخلاص بكمالها، وغير ذلك.
النوع الثاني: ما تضمنته سورة: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ 1، وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ 2. وأول سورة تنزيل الكتاب وآخرها.
وأول سورة المؤمن ووسطها وآخرها، وأول سورة الأعراف وآخرها، وجملة سورة الأنعام، وغالب سور القرآن.
بل كل سورة في القرآن فهي متضمنة لنوعي التوحيد، شاهدة به داعية إليه.
فإن القرآن إما خبر عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله وأقواله، فهو التوحيد العلمي الخبري.
وإما دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له وخلع ما يعبد من دونه، فهو التوحيد الإرادي الطلبي.
وإما أمر ونهي، وإلزام بطاعته وأمره ونهيه، فهو حقوق التوحيد ومكملاته.
وإما خبر عن إكرام أهل التوحيد وما فعل بهم في الدنيا وما يكرمهم به في الآخرة، فهو
جزاء توحيده.
وإما خبر عن أهل الشرك وما فعل بهم في الدنيا من النكال، وما يحل بهم في العقبى من العذاب، فهو جزاء من خرج عن حكم التوحيد.
فالقرآن كله في التوحيد، وحقوقه وجزائه، وفي شأن الشرك وأهله وجزائهم".
انتهى.
قال شيخ الإسلام: " التوحيد الذي جاءت به الرسل إنما يتضمن إثبات الإلهية لله وحده بأن يشهد أن لا إله إلا الله، لا يعبد إلا إياه، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يوالي إلا له، ولا يعادي إلا فيه، ولا يعمل إلا لأجله.
وذلك يتضمن إثبات ما أثبته لنفسه من الأسماء والصفات.
قال تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ 6، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ 7، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ 8، وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ 9. وأخبر عن كل نبي من الأنبياء أنهم دعوا الناس إلى عبادة الله وحده لا شريك له.
وقال: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ 10، وقال عن المشركين: " ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ 11، ﴿وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ 12 وهذا في القرآن كثير.
وليس المراد بالتوحيد: مجرد توحيد الربوبية.
وهو اعتقاد أن الله وحده خلق العالم، كما يظن ذلك من يظنه من أهل الكلام والتصوف.
ويظن هؤلاء أنهم إذا أثبتوا ذلك بالدليل فقد أثبتوا غاية التوحيد.
وأنهم إذا شهدوا هذا وفنوا فيه فقد فنوا في غاية التوحيد، فإن الرجل لو أقر بما يستحقه الرب تعالى من الصفات، ونزهه عن كل ما ينزه عنه، وأقر بأنه وحده خالق كل شيء، لم يكن موحدا حتى يشهد أن لا إله إلا الله وحده، فيقر بأن الله وحده هو الإله المستحق للعبادة، ويلتزم بعبادة الله وحده لا شريك له، و"الإله" هو المألوه المعبود الذي يستحق العبادة.
وليس هو الإله بمعنى القادر على الاختراع.
فإذا فسر المفسر "الإله" بمعنى القادر على الاختراع واعتقد أن هذا المعنى هو أخص وصف الإله.
وجعل
إثبات هذا هو الغاية في التوحيد - كما يفعل ذلك من يفعله من متكلمة الصفاتية، وهو الذي يقولونه عن أبي الحسن وأتباعه - لم يعرفوا حقيقة التوحيد الذي بعث الله به رسوله صلي الله عليه وسلم، فإن مشركي العرب كانوا مقرين بأن الله وحده خالق كل شيء.
وكانوا مع هذا مشركين.
قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ 7. قالت طائفة من السلف: "تسألهم من خلق السماوات والأرض؟ فيقولون:
الله.
وهم مع هذا يعبدون غيره8 ". قال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَقُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ 9، فليس كل من أقر بأن الله تعالي رب كل شيء وخالقه يكون عابدا له دون ما سواه، داعيا له دون ما سواه، راجيا له خائفا منه دون ما سواه، يوالي فيه ويعادي فيه، ويطيع رسله ويأمر بما أمر به، وينهى عما نهى عنه.
وعامة المشركين أقروا بأن الله خالق كل شيء، وأثبتوا الشفعاء الذين يشركونهم به، وجعلوا له أندادا.
قال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُون قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ 10، وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ 11، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ 12، وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ 13. ولهذا كان أتباع هؤلاء14 من يسجد
للشمس والقمر والكواكب ويدعوها، ويصوم وينسك لها ويتقرأ إليها3.
ثم يقول: إن هذا ليس بشرك، إنما الشرك إذا اعتقدت أنها المدبرة لي، فإذا جعلتها سببا وواسطة لم أكن مشركا، ومن المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام أن هذا شرك"".
انتهى كلامه.
وقول الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ 4
قوله: " وقول الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ " بالجر عطف على التوحيد؛ ويجوز الرفع على الابتداء.
قال شيخ الإسلام: " العبادة هي طاعة الله بامتثال ما أمر الله به على ألسنة الرسل".
وقال أيضا: " العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة".
قال ابن القيم: " ومدارها على خمس عشرة قاعدة، من كملها كمل مراتب العبودية".
وبيان ذلك: أن العبادة منقسمة على القلب واللسان والجوارح.
والأحكام التي للعبودية خمسة: واجب ومستحب وحرام ومكروه ومباح.
وهن لكل واحد من القلب واللسان والجوارح.
وقال القرطبي: " أصل العبادة التذلل والخضوع، وسميت وظائف الشرع على المكلفين عبادات؛ لأنهم يلتزمونها ويفعلونها خاضعين متذللين لله تعالى"".
ومعنى الآية: أن الله تعالى أخبر أنه ما خلق الجن والإنس إلا لعبادته، فهذا هو الحكمة في خلقهم.
قلت: وهي الحكمة الشرعية الدينية.
قال العماد ابن كثير: " وعبادته هي طاعته بفعل المأمور وترك المحظور.
وذلك هو حقيقة دين الإسلام؛ لأن معنى الإسلام: الاستسلام لله تعالى، المتضمن غاية الانقياد والذل والخضوع".
انتهى.
وقال أيضا في تفسير هذه الآية: ومعنى الآية أن الله خلق الخلق ليعبدوه وحده لا شريك له.
فمن أطاعه جازاه أتم الجزاء، ومن عصاه عذبه أشد العذاب، وأخبر أنه غير
محتاج إليهم، بل هم الفقراء في جميع أحوالهم وهو خالقهم ورازقهم.
وقال علي ابن أبي طالب رضي الله عنه في الآية: " إلا لآمرهم أن يعبدوني وأدعوهم إلى عبادتي"?.
وقال مجاهد: "إلا لآمرهم وأنهاهم" اختاره الزجاج وشيخ الإسلام.
قال:
ويدل على هذا قوله: ﴿أَيَحْسَبُ الأِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً﴾ 1. قال الشافعي: "لا يؤمر ولا ينهى".
وقال في القرآن في غير موضع: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ ، فقد أمرهم بما خلقوا له وأرسل الرسل بذلك.
وهذا المعنى هو الذي قصد بالآية قطعا، وهو الذي يفهمه جماهير المسلمين ويحتجون بالآية عليه.
قال: وهذه الآية تشبه قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ﴾ 2. ثم قد يطاع وقد يعصى.
وكذلك ما خلقهم إلا لعبادته، ثم قد يعبدون وقد لا يعبدون، وهو سبحانه لم يقل: إنه فعل الأول: وهو خلقهم ليفعل بهم كلهم.
الثاني: وهو عبادته، ولكن ذكر أنه فعل الأول ليفعلوا هم الثاني، فيكونوا هم الفاعلين له، فيحصل لهم بفعله سعادتهم ويحصل ما يحبه ويرضاه منه ولهم.
انتهى.
ويشهد لهذا المعنى: ما تواترت به الأحاديث.
فمنها: ما أخرجه مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلي الله عليه وسلم قال:
" يقول الله تعالى لأهون أهل النار عذابا: لو كانت لك الدنيا وما فيها ومثلها معها أكنت مفتديا بها؟ فيقول: نعم.
فيقول: قد أردت منك أهون من هذا وأنت في صلب آدم، أن لا تشرك - أحسبه قال: ولا أدخلك النار - فأبيت إلا الشرك " 3 فهذا المشرك قد خالف ما أراده الله تعالى منه: من توحيده وأن لا يشرك به شيئا، فخالف ما أراده الله منه فأشرك به غيره.
وهذه هي الإرادة الشرعية الدينية كما تقدم.
فبين الإرادة الشرعية الدينية والإرادة الكونية القدرية عموم وخصوص مطلق، يجتمعان في حق المخلص المطيع، وتنفرد الإرادة الكونية القدرية في حق العاصي.
فافهم ذلك تنج من جهالات أرباب الكلام وتابعيهم.
وقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ 4. قال: وقوله: " ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ "
الطاغوت: مشتق من الطغيان، وهو مجاوزة الحد. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "الطاغوت الشيطان"1.
وقال جابر رضي الله عنه: "الطاغوت كهان كانت تنزل عليهم الشياطين" رواهما ابن أبي حاتم.
وقال مالك: "الطاغوت كل ما عبد من دون الله".
قلت: وذلك المذكور بعض أفراده، وقد حده العلامة ابن القيم حدا جامعا فقال: الطاغوت كل ما تجاوز به العبد حده: من معبود أو متبوع أو مطاع.
فطاغوت كل قوم: من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله، أو يعبدونه من دون الله، أو يتبعونه على غير بصيرة من الله، أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله.
فهذه طواغيت العال، م إذا تأملتها وتأملت أحوال الناس معها، رأيت أكثرهم أعرض عن عبادة الله تعالى إلى عبادة الطاغوت، وعن طاعة رسول الله صلي الله عليه وسلم إلى طاعة الطاغوت ومتابعته.
وأما معنى الآية: فأخبر تعالى أنه بعث في كل طائفة من الناس رسولا بهذه لكلمة: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ أي أعبدوا الله وحده واتركوا عبادة ما سواه، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا﴾ 2. وهذا معنى "لا إله إلا الله" فإنها هي العروة الوثقى.
قال العماد ابن كثير في هذه الآية: "" كلهم - أي الرسل - يدعو إلى عبادة الله وينهى عن عبادة ما سواه، فلم يزل سبحانه يرسل إلى الناس الرسل بذلك منذ حدث الشرك في بني آدم في قوم نوح الذين أرسل إليهم، وكان أول رسول بعثه الله تعالى إلى أهل الأرض إلى أن ختمهم بمحمد صلي الله عليه وسلم، الذي طبقت دعوته الإنس والجن في المشارق والمغارب، وكلهم كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ 3، وقال تعالى في هذه الآية الكريمة: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ
اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} 1 فكيف يسوغ لأحد من المشركين بعد هذا أن يقول: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ 2 فمشيئة الله تعالى الشرعية عنهم منفية؛ لأنه نهاهم عن ذلك على ألسن رسله، وأما مشيئته الكونية - وهي تمكينهم من ذلك قدرا - فلا حجة لهم فيها؛ لأنه تعالى خلق النار وأهلها من الشياطين والكفرة، وهو لا يرضى لعباده الكفر، وله في ذلك الحجة البالغة والحكمة القاطعة، ثم إنه تعالى قد أخبر أنه أنكر عليهم بالعقوبة في الدنيا بعد إنذار الرسل، فلهذا قال: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ انتهى.
قلت: وهذه الآية تفسير الآية التي قبلها.
وذلك قوله: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ فتدبر.
ودلت هذه الآية على أن الحكمة في إرسال الرسل، دعوتهم أممهم إلى عبادة الله وحده، والنهي عن عبادة ما سواه، وأن هذا هو دين الأنبياء والمرسلين وإن اختلفت شريعتهم.
كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾ 3، وأنه لا بد في الإيمان من عمل القلب والجوارح.
قال: قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ 4 قال مجاهد: "قضى" يعني وصى.
وكذا قرأ أبي بن كعب وابن مسعود وغيرهم.
ولابن جرير عن ابن عباس: "وقضى ربك، يعني أمر".
وقوله تعالى: ﴿أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ﴾ المعنى، أن تعبدوه وحده دون ما سواه، وهذا معنى "لا إله إلا الله".
قال ابن القيم -رحمه الله تعالى-: والنفي المحض ليس توحيدا، وكذلك الإثبات بدون النفي، فلا يكون التوحيد إلا متضمنا للنفي والإثبات.
وهذا هو حقيقة التوحيد.
وقوله: " ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ " أي وقضى أن تحسنوا بالوالدين إحسانا، كما قضى، بعبادته وحده لا شريك له.
كما قال تعالى في الآية الأخرى ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً َاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾ 5.
﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ 6.
وقوله: " ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا﴾ " أي لا تسمعهما قولا سيئا، حتى ولا التأفيف الذي هو أدنى مراتب القول السيء ﴿وَلا تَنْهَرْهُمَا﴾ أي لا يصدر منك إليهما فعل قبيح، كما قال عطاء ابن أبي رباح: " لا تنفض يديك عليهما".
ولما نهاه عن الفعل القبيح والقول القبيح أمره بالفعل الحسن والقول الحسن فقال: ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً﴾ أي لينا طيبا بأدب وتوقير.
وقوله: ﴿اخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ أي تواضع لهما ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا﴾ أي في كبرهما وعند وفاتهما ﴿كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾ .
وقد ورد في بر الوالدين أحاديث كثيرة، منها:
الحديث المروي من طرق عن أنس وغيره " أن رسول الله صلي الله عليه وسلم لما صعد المنبر قال: آمين، آمين، آمين.
فقالوا: يا رسول الله على ما أمنت؟ قال: أتاني جبريل فقال: يا محمد، رغم أنف امرئ ذكرت عنده فلم يصل عليك قل: آمين، فقلت: آمين.
ثم قال: رغم أنف امرئ دخل عليه شهر رمضان ثم خرج ولم يغفر له، قل: آمين، فقلت: آمين.
ثم قال: رغم أنف امرئ أدرك أبويه أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة، قل: آمين، فقلت آمين " 1. وروى الإمام
أحمد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلي الله عليه وسلم: " رغم أنف، ثم رغم أنف، ثم رغم أنف رجل أدرك والديه، أحدهما أو كلاهما، لم يدخل الجنة " 1. قال العماد ابن كثير: صحيح من هذا الوجه عن أبي بكرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: " ألا أنبئكم بأكبر الكبائر; قلنا: بلى يا رسول الله، قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين.
وكان متكئا فجلس فقال: ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور، فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت " 2 رواه البخاري ومسلم.
وعن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم:
" رضى الرب في رضى الوالدين، وسخطه في سخط الوالدين " 3 رواه الترمذي وصححه ابن حبان والحاكم.
عن أسيد الساعدي رضي الله عنه قال: " بينا نحن جلوس عند النبي صلي الله عليه وسلم إذ جاءه رجل من بني سلمة فقال: يا رسول الله، هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ فقال: نعم، الصلاة عليهما والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما " 5 رواه أبو داود وابن ماجه.
والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جدا.
وقوله: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ 6?قال العماد ابن كثير -رحمه الله-4
في هذه الآية: "" يأمر الله تعالى عباده بعبادته وحده لا شريك له فإنه الخالق الرازق المتفضل على خلقه في جميع الحالات، وهو المستحق منهم أن يوحدوه ولا يشركوا به شيئا من مخلوقاته"".
انتهى.
وهذه الآية هي التي تسمى آية الحقوق العشرة، وفي بعض النسخ المعتمدة من نسخ هذا الكتاب تقديم هذه الآية على آية الأنعام، ولهذا قدمتها لمناسبة كلام ابن مسعود الآتي لآية الأنعام، ليكون ذكره بعدها أنسب.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ 1 الآيات2.
قال العماد ابن كثير -رحمه الله-: " يقول تعالى لنبيه ورسوله محمد صلي الله عليه وسلم: " قل " لهؤلاء المشركين الذين عبدوا غير الله، وحرموا ما رزقهم الله، " تعالوا " أي هلموا وأقبلوا " أتل " أقص عليكم ﴿ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ 1 حقا، لا تخرصا ولا ظنا، بل وحيا منه وأمرا من عنده ﴿ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ وكان في الكلام محذوفا دل عليه السياق تقديره: وصاكم ألا تشركوا به شيئا، ولهذا قال في آخر الآية ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ﴾ اهـ.
قلت: فيكون المعنى: حرم عليكم ما وصاكم بتركه من الإشراك به، وفي المغني لابن هشام في قوله تعالى: " ألا تشركوا به شيئا" سبعة أقوال: أحسنها: هذا الذي ذكره ابن كثير، ويليه: بين لكم ذلك لئلا تشركوا، فحذفت الجملة من أحدهما، وهي " وصاكم " وحرف الجر وما قبله من الأخرى.
ولهذا إذا سئلوا عما يقول لهم رسول الله صلي الله عليه وسلم قالوا: يقول: " اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا واتركوا ما يقول آباؤكم "2 كما قال أبو سفيان لهرقل3 وهذا هو الذي فهمه أبو سفيان وغيره من قول رسول الله صلي الله عليه وسلم لهم!: " قولوا لا إله إلا الله تفلحوا " 4.
وقوله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ قال القرطبي: الإحسان إلى الوالدين برهما وحفظهما وصيانتهما وامتثال أمرهما، وإزالة الرق عنهما، وترك السلطنة عليهما، و " إحسانا " نصب على المصدرية، وناصبه فعل من لفظه تقديره: وأحسنوا بالوالدين إحسانا.
وقوله: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ 5 الإملاق: الفقر،
أي لا تئدوا بناتكم خشية العيلة والفقر، فإني رازقكم وإياهم، وكان منهم من يفعل ذلك بالذكور خشية الفقر، ذكره القرطبي.
وفي الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه: " قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك.
قلت: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك.
قلت: ثم أي؟ قال: أن تزاني بحليلة جارك " 1 ثم تلا رسول الله صلي الله عليه وسلم ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ 2.
وقوله: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ 3 قال ابن عطية: " نهي عام عن جميع أنواع الفواحش، وهي المعاصي.
و "ظهر" و "بطن" حالتان تستوفيان أقسام ما جعلتا له من الأشياء".
انتهى.
وقوله: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ﴾ في الصحيحين.
عن ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعا: " لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة " 4
وقوله: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ 5 قال ابن عطية: " ذلكم " إشارة إلى هذه المحرمات والوصية الأمر المؤكد المقرر.
وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ﴿لعل﴾ للتعليل أي إن الله تعالى وصانا بهذه الوصايا لنعقلها عنه ونعمل بها، وفي تفسير الطبري الحنفي: ذكر أولا " تعقلون " ثم " تذكرون " ثم " تتقون "؛ لأنهم إذا عقلوا تذكروا فخافوا واتقوا.
وقوله: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ 6 قال ابن عطية: هذا نهي عام عن القرب الذي يعم وجوه التصرف، وفيه سد الذريعة، ثم استثنى ما يحسن وهو السعي في نمائه.
قال مجاهد: التي هي أحسن: التجارة فيه.
وقوله: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ قال مالك وغيره: هو الرشد وزوال السفه مع البلوغ،
روي نحو هذا عن زيد بن أسلم والشعبي وربيعة وغيرهم.
وقوله: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾ قال ابن كثير: يأمر تعالى بإقامة العدل في الأخذ والإعطاء ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلا وُسْعَهَا﴾ أي من اجتهاد بأداء الحق وأخذه، فإن أخطأ بعد استفراغ الوسع وبذل جهده فلا حرج عليه.
وقوله: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ هذا أمر بالعدل في القول والفعل على القريب والبعيد.
قال الحنفي: العدل في القول في حق الولي والعدو لا يتغير في الرضى والغضب، بل يكون على الحق وإن كان ذا قربى فلا يميل إلى الحبيب والقريب ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ 1.
وقوله: ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا﴾ قال ابن جرير: وبوصية الله تعالى التي وصاكم بها فأوفوا.
وإيفاء ذلك بأن يطيعوه بما أمرهم به ونهاهم عنه.
وأن يعملوا بكتابه وسنة رسوله صلي الله عليه وسلم، وذلك هو الوفاء بعهد الله.
وكذا قال غيره.
وقوله: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ تتعظون وتنتهون عما كنتم فيه.
وقوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ 2 قال القرطبي: "" هذه آية عظيمة عطفها على ما تقدم.
فإنه نهى وأمر وحذر عن اتباع غير سبيله على ما بينته الأحاديث الصحيحة وأقاويل السلف.
و " أن " في موضع نصب.
أي أتلو أن هذا صراطي، عن الفراء والكسائي.
ويجوز أن يكون خفضا.
أي وصاكم به وبأن هذا صراطي.
قال: والصراط الطريق الذي هو دين الإسلام.
" مستقيما " نصب على الحال ومعناه مستويا قيما لا اعوجاج فيه.
فأمر باتباع طريقه الذي طرقه على لسان محمد صلي الله عليه وسلم وشرعه، ونهايته الجنة، وتشعبت منه طرق، فمن سلك الجادة نجا، ومن خرج إلى تلك الطرق أفضت به إلى النار.
قال الله تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ أي تميل".
انتهى.
وروى الإمام أحمد والنسائي والدارمي وابن أبي حاتم والحاكم - وصححه - عن ابن مسعود رضي الله عنه قال:
" خط رسول الله صلي الله عليه وسلم خطا بيده، ثم قال: هذا سبيل الله مستقيما، ثم خط خطوطا عن يمين ذلك الخط وعن شماله ثم قال: وهذه سبل ليس منها سبيل إلا وعليه شيطان يدعو إليه " 1 ثم قرأ ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ الآية.
وعن مجاهد: ولا تتبعوا السبل، قال: البدع والشهوات.
قال ابن القيم -رحمه الله-: ولنذكر في الصراط المستقيم قولا وجيزا، فإن الناس قد تنوعت عباراتهم عنه بحسب صفاته ومتعلقاته، وحقيقته شيء واحد، وهو طريق الله الذي نصبه لعباده موصلا لهم إليه، ولا طريق إليه سواه، بل الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا طريقه الذي نصبه على ألسن رسله، وجعله موصلا لعبادة الله، وهو إفراده بالعبادة، وإفراد رسله بالطاعة، فلا يشرك به أحدا في عبادته ولا يشرك برسوله صلي الله عليه وسلم أحدا في طاعته.
فيجرد التوحيد، ويجرد متابعة الرسول صلي الله عليه وسلم وهذا كله
قال ابن مسعود: من أراد أن ينظر إلى وصية محمد صلي الله عليه وسلم التي عليها خاتمه فليقرأ قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً﴾ 2 الآية.
مضمون "شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله" فأي شيء فسر به الصراط المستقيم فهو داخل في هذين الأصلين.
ونكتة ذلك، أن تحبه بقلبك وترضيه بجهدك كله، فلا يكون في قلبه موضع إلا معمورا بحبه، ولا يكون لك إرادة إلا متعلقة بمرضاته.
فالأول يحصل بتحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، والثاني يحصل بتحقيق شهادة أن محمدا رسول الله.
وهذا هو الهدى ودين الحق، وهو معرفة الحق والعمل به، وهو معرفة ما بعث الله به رسوله والقيام به، وقل ما شئت من العبارات التي هذا آخيتها3 وقطب رحاها.
قال: وقال سهل بن عبد الله: " عليكم بالأثر والسنة، فإني أخاف أنه سيأتي عن قليل زمان إذا ذكر إنسان النبي صلي الله عليه وسلم والاقتداء به في جميع أحواله ذموه ونفروا عنه وتبرءوا منه وأذلوه وأهانوه " اهـ4.
قوله: "قال ابن مسعود: من أراد أن ينظر إلى وصية محمد صلي الله عليه وسلم التي عليها خاتمه فليقرأ " ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ - إلى قوله-: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً﴾ الآية".
قوله: "ابن مسعود" هو عبد الله بن مسعود بن غافل - بمعجمة وفاء - ابن حبيب الهذلي أبو عبد الرحمن، صحابي جليل من السابقين الأولين، وأهل بدر وأحد والخندق وبيعة الرضوان ومن كبار علماء الصحابة، أمره عمر على الكوفة، ومات سنة اثنتين وثلاثين رضي الله عنه.
وهذا الأثر رواه الترمذي وحسنه، وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني بنحوه.
وقال بعضهم: معناه من أراد أن ينظر إلى الوصية التي كأنها كتبت وختم عليها فلم تغير ولم تبدل فليقرأ " قل تعالوا " إلى آخر الآيات، شبهها بالكتاب الذي كتب ثم ختم فلم يزد فيه ولم ينقص.
فإن النبي صلي الله عليه وسلم لم يوص إلا بكتاب الله، كما قال فيما رواه مسلم: " وإني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله " 1، وقد روى عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: "أيكم يبايعني على هؤلاء الآيات الثلاث؟ ثم تلا قوله: " ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ 2 حتى فرغ من الثلاث الآيات".
ثم قال: " من وفى بهن فأجره على الله، ومن انتقص منهن شيئا فأدركه الله به في الدنيا كانت عقوبته، ومن أخره إلى الآخرة كان أمره إلى الله إن شاء آخذه وإن شاء عفا عنه " 3. رواه ابن أبي حاتم والحاكم وصححه ومحمد بن نصر في الاعتصام4.
قلت: ولأن النبي صلي الله عليه وسلم لم يوص أمته إلا بما وصاهم الله تعالى به على لسانه.
وفي كتابه الذي أنزله ﴿تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ 5 وهذه الآيات وصية الله تعالى ووصية رسوله صلى الله عليه وسلم.
قوله: " وعن معاذ بن جبل قال: "كنت رديف النبي صلي الله عليه وسلم على حمار، فقال لي: " يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد؟ وما حق العباد على الله؟ قلت: الله ورسوله أعلم.
قال: حق الله على العباد: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا.
وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا قلت: يا رسول الله، أفلا أبشر الناس؟ قال: لا تبشرهم فيتكلوا " أخرجاه في الصحيحين".
هذا الحديث في الصحيحين من طرق.
وفي بعض رواياته نحو مما ذكره المصنف.
و"معاذ بن جبل" رضي الله عنه هو ابن عمرو بن أوس الأنصاري الخزرجي أبو عبد الرحمن، صحابي مشهور من أعيان الصحابة، شهد بدرا وما بعدها.
وكان إليه المنتهى في العلم والأحكام والقرآن رضي الله عنه.
وقال النبي صلي الله عليه وسلم: " معاذ يحشر يوم القيامة أمام العلماء برتوة " 1. 2 أي بخطوة، قال في القاموس: "" والرتوة الخطوة وشرف من الأرض، وسويعة من الزمان، والدعوة، والفطرة، ورمية بسهم أو نحو ميل أو مدى البصر.
والراتي العالم الرباني".
انتهى.
وقال في النهاية: إنه يتقدم العلماء برتوة أي برمية سهم.
وقيل: بميل.
وقيل: مد البصر.
وهذه الثلاثة أشبه بمعنى الحديث.
مات معاذ سنة ثماني عشرة بالشام في طاعون عمواس.
وقد استخلفه النبي صلي الله عليه وسلم على أهل مكة يوم الفتح يعلمهم دينهم.
قوله: "كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم" فيه جواز الإرداف على الدابة، وفضيلة معاذ رضي الله عنه.
قوله: "على حمار" في رواية: اسمه عفير، قلت: أهداه إليه المقوقس صاحب مصر.
وفيه: تواضعه صلي الله عليه وسلم لركوب الحمار والإرداف عليه، خلافا لما عليه أهل الكبر.
قوله: "أتدري ما حق الله على العباد" أخرج السؤال بصيغة الاستفهام؛ ليكون أوقع
في النفس وأبلغ في فهم المتعلم.
و"حق الله على العباد" هو ما يستحقه عليهم.
و " حق العباد على الله " معناه أنه متحقق لا محالة؛ لأنه قد وعدهم ذلك جزاء لهم على توحيده ﴿وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ 1.
قال شيخ الإسلام: كون المطيع يستحق الجزاء هو استحقاق إنعام وفضل، ليس هو استحقاق مقابلة، كما يستحق المخلوق على المخلوق، فمن الناس من يقول: لا معنى للاستحقاق، إلا أنه أخبر بذلك ووعده صدق، ولكن أكثر الناس يثبتون استحقاقا زائدا على هذا، كما دل عليه الكتاب والسنة.
قال تعالى: ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ 2 لكن أهل السنة يقولون: هو الذي كتب على نفسه الرحمة وأوجب على نفسه الحق، لم يوجبه عليه مخلوق.
والمعتزلة يدعون أنه واجب عليه بالقياس على المخلوق، وأن العباد هم الذين أطاعوه بدون أن يجعلهم مطيعين له، وأنهم يستحقون الجزاء بدون أن يكون هو الموجب، وغلطوا في ذلك، وهذا الباب غلطت فيه الجبرية والقدرية أتباع جهم، والقدرية النافية.
قوله: "قلت: الله ورسوله أعلم" فيه حسن الأدب من المتعلم، وأنه ينبغي لمن سئل عما لا يعلم أن يقول ذلك، بخلاف أكثر المتكلفين.
قوله: "أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا" أي يوحدوه بالعبادة.
ولقد أحسن العلامة ابن القيم رحمه الله حيث عرف العبادة بتعريف جامع فقال:
وعبادة الرحمن غاية حبه ... مع ذل عابده هما قطبان
وعليهما فلك العبادة دائر ... ما دار حتى قامت القطبان
"ومداره بالأمرأمر رسوله ... لا بالهوى والنفس والشيطان5 "34
قوله: "ولا يشركوا به شيئا" أي يوحدوه بالعبادة، فلا بد من التجرد من الشرك في العبادة، من لم يتجرد من الشرك لم يكن آتيا بعبادة الله وحده، بل هو مشرك قد جعل لله ندا.
وهذا معنى قول المصنف -رحمه الله-:
"وفيه أن العبادة هي التوحيد؛ لأن الخصومة فيه، وفي بعض الآثار الإلهية: " إني والجن والإنس في نبأ عظيم، أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر سواي، خيري إلى العباد نازل، وشرهم إلي صاعد، أتحبب إليهم بالنعم، ويتبغضون إلي بالمعاصي ".
قوله: " وحق العباد على الله ألا يعذب من لا يشرك به شيئا " قال الحافظ: " اقتصر على نفي الإشراك؛ لأنه يستدعي التوحيد بالاقتضاء، ويستدعي إثبات الرسالة
باللزوم؛ إذ من كذب رسول الله صلي الله عليه وسلم فقد كذب الله، ومن كذب الله فهو مشرك، وهو مثل قول القائل: ومن توضأ صحت صلاته، أي مع سائر الشروط".
اهـ.
قوله: "أفلا أبشر الناس" فيه استحباب بشارة المسلم بما يسره، وفيه ما كان عليه الصحابة من الاستبشار بمثل هذا.
قاله المصنف -رحمه الله-.
قوله: "لا تبشرهم فيتكلوا" أي يعتمدوا على ذلك فيتركوا التنافس في الأعمال.
وفي رواية: "فأخبر بها معاذ عند موته تأثما" أي تحرجا من الإثم.
قال الوزير أبو المظفر: "لم يكن يكتمها إلا عن جاهل يحمله جهله على سوء الأدب بترك الخدمة في الطاعة، فأما الأكياس الذين إذا سمعوا بمثل هذا زادوا في الطاعة، ورأوا أن زيادة النعم تستدعي زيادة الطاعة، فلا وجه لكتمانها عنهم".
وفي الباب من الفوائد غير ما تقدم: الحث على إخلاص العبادة لله، وأنها لا تنقع مع الشرك، بل لا تسمى عبادة.
والتنبيه على عظمة حق الوالدين، وتحريم عقوقهما.
والتنبيه على عظمة الآيات المحكمات في سورة الأنعام.
وجواز كتمان العلم للمصلحة.
قوله: "أخرجاه" أي البخاري ومسلم.
و"البخاري" -رحمه الله- هو الإمام محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن بردزبه الجعفي مولاهم، الحافظ الكبير صاحب الصحيح والتاريخ والأدب المفرد وغير ذلك من مصنفاته.
روى عن الإمام أحمد بن حنبل والحميدي وابن المديني وطبقتهم.
وروى عنه مسلم والنسائي والترمذي والفربري راوي الصحيح.
ولد سنة أربع وتسعين ومائة، ومات سنة ست وخمسين ومائتين.
و"مسلم" -رحمه الله- هو ابن حجاج بن مسلم أبو الحسين القشيري النيسابوري، صاحب الصحيح والعلل والوجدان وغير ذلك.
روى عن أحمد بن حنبل ويحيي بن معين وأبي خيثمة وابن أبي شيبة وطبقتهم، وروى عن البخاري.
وروى عنه الترمذي وإبراهيم بن محمد بن سفيان راوي الصحيح وغيرهما، ولد سنة أربع ومائتين ومات سنة إحدى وستين ومائتين بنيسابور رحمهما الله.
الخامسة: أن الرسالة عمت كل أمة.
السادسة: أن دين الأنبياء واحد.
السابعة: المسألة الكبيرة أن عبادة الله لا تحصل إلا بالكفر بالطاغوت، ففيه معنى قوله: " ﴿مَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ 1.
الثامنة: أن الطاغوت عام في كل ما عبد من دون الله.
التاسعة: عظم شأن ثلاث الآيات المحكمات في سورة الأنعام عند السلف وفيها عشر مسائل2.
أولها: النهي عن الشرك.
العاشرة: الآياث المحكمات في سورة الإسراء وفيها ثمانية عشر مسألة بدأها الله بقوله: " ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولاً﴾ 3 وختمها بقوله: ﴿وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً﴾ 4 ونبهنا الله سبحانه على عظم شأن هذه المسائل بقوله: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾ .
الحادية عشرة: آية سورة النساء التي تسمى آية الحقوق العشرة، بدأها الله تعالى بقوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ 5.
الثانية عشرة: التنبيه على وصية رسول الله صلي الله عليه وسلم عند موته.
الثالثة عشرة: معرفة حق الله علينا.
الرابعة عشرة: معرفة حق العباد عليه إذا أدوا حقه.
الخامسة عشرة: أن هذه المسألة لا يعرفها6 أكثر الصحابة.
السادسة عشرة: جواز كتمان العلم للمصلحة.
السابعة عشرة: استحباب بشارة المسلم بما يسره.7
الثامنة عشرة: الخوف من الاتكال على سعة رحمة الله.
التاسعة عشرة: قول المسئول عما لا يعلم: "الله ورسوله أعلم".
العشرون: جواز تخصيص بعض الناس بالعلم1 دون بعض.
الحادية والعشرون: تواضعه صلي الله عليه وسلم لركوب الحمار، مع الإرداف عليه.
الثانية والعشرون: جواز الإرداف على الدابة.
الثالثة والعشرون: فضيلة معاذ بن جبل.
الرابعة والعشرون: عظم شأن هذه المسألة.
البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا) . وقوله: (وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه) وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ليبلغ الشاهد منكم الغائب) .
باب: فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب
...
باب" فضل التوحيد1 وما يكفر من الذنوب"
وقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ 2.
قوله: "باب بيان فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب" "باب" خبر مبتدأ محذوف تقديره هذا.
"قلت" ويجوز أن يكون مبتدأ خبره محذوف تقديره هذا.
و"ما" يجوز أن تكون موصولة والعائد محذوف، أي وبيان الذي يكفره من الذنوب، ويجوز أن تكون مصدرية، أي وتكفيره الذنوب، وهذا الثاني أظهر.
قوله: "وقول الله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ 1 في قرة العيون: والمراد بالتوحيد توحيد العبادة، وهو إفراد الله تعالى بأنواع العبادة الباطنة والظاهرة.
كالدعاء والذبح والنذر ونحوه كما قال تعالى: 40: 14 (فادعوا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون) . وقال تعالى: 40: 65 (فادعوه مخلصين له الدين) .
2 سورة الأنعام آية: 82.
وَهُمْ مُهْتَدُونَ} ". قال ابن جرير: حدثني المثني - وساق بسنده - عن الربيع بن أنس قال: "الإيمان الإخلاص لله وحده".
وقال ابن كثير في الآية: أي هؤلاء الذين أخلصوا العبادة لله وحده، ولم يشركوا به شيئا هم الآمنون يوم القيامة، المهتدون في الدنيا والآخرة.
وقال زيد بن أسلم وابن إسحاق: هذا من الله على فصل القضاء بين إبراهيم وقومه.
وعن ابن مسعود: "لما نزلت هذه الآية قالوا: فأينا لم يظلم نفسه؟ فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: ليس بذلكم، ألم تسمعوا إلى قول لقمان: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ 1 ". وساقه البخاري بسنده2 فقال: حدثنا عمر بن حفص بن غياث حدثنا أبي حدثنا الأعمش حدثني إبراهيم عن علقمة عن عبد الله رضي الله عنه قال: "لما نزلت ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ 3 قلنا: يا رسول الله، أينا لا يظلم نفسه؟ قال: ليس كما تقولون، لم يلبسوا إيمانهم بظلم، بشرك.
أولم تسمعوا إلى قول لقمان لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ?4.
ولأحمد بنحوه عن عبد الله قال: "لما نزلت ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ 5 شق ذلك على أصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله، فأينا لا يظلم نفسه؟ قال: إنه ليس الذي تعنون، ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح: ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ 6 إنما هو الشرك".
وعن عمر أنه فسره بالذنب، فيكون المعنى: الأمن من كل عذاب.
وقال الحسن والكلبي: "أولئك لهم الأمن، في الآخرة، وهم مهتدون في الدنيا" 7.
قال شيخ الإسلام: والذي شق عليهم أنهم ظنوا أن الظلم المشروط عدمه هو ظلم العباد نفسه، وأنه لا أمن ولا اهتداء إلا لمن لم يظلم نفسه، فبين لهم النبي صلي الله عليه وسلم ما دلهم على أن الشرك ظلم في كتاب الله، فلا يحصل الأمن والاهتداء إلا لمن لم يلبس إيمانه بهذا الظلم، فإن من لم يلبس إيمانه بهذا الظلم كان من أهل الأمن والاهتداء، كما كان من أهل الاصطفاء في قوله: " {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ
وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ} 1. وهذا لا ينفي أن يؤاخذ أحدهم بظلمه لنفسه بذنب إذا لم يتب كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ 2 وقد سأل أبو بكر الصديق رضي الله عنه النبي صلي الله عليه وسلم فقال: " يا رسول الله، أينا لم يعمل سوءا؟ فقال: يا أبا بكر ألست تنصب؟ ألست تحزن؟ أليس يصيبك اللأواء؟ فذلك ما تجزون به " 3 فبين أن المؤمن الذي إذا مات دخل الجنة قد يجزى بسيئاته في الدنيا بالمصائب. فمن سلم من أجناس الظلم الثلاثة: الشرك، وظلم العباد، وظلمه لنفسه بما دون الشرك، كان له الأمن التام والاهتداء التام، ومن لم يسلم من ظلمه لنفسه كان له الأمن والاهتداء المطلق، بمعنى أنه لا بد أن يدخل الجنة كما وعد بذلك في الآية الأخرى. وقد هداه الله إلى الصراط المستقيم الذي تكون عاقبته فيه إلى الجنة، ويحصل له من نقص الأمن والاهتداء بحسب ما نقص من إيمانه بظلمه لنفسه، وليس مراد النبي صلي الله عليه وسلم بقوله: " إنما هو الشرك " أن من لم يشرك الشرك الأكبر يكون له الأمن التام والاهتداء التام، فإن أحاديثه الكثيرة مع نصوص القرآن تبين أن أهل الكبائر معرضون للخوف; لم يحصل لهم الأمن التام والاهتداء التام اللذين يكونون بهما مهتدين إلى الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم; من غير عذاب يحصل لهم. بل معهم أصل الاهتداء إلى هذا الصراط، ومعهم أصل نعمة الله عليهم ولا بد لهم من دخول الجنة. وقوله: " إنما هو الشرك " إن أراد الأكبر، فمقصوده أن من لم يكن من أهله فهو آمن مما وعد به المشركون من عذاب الدنيا والآخرة، وإن كان مراده جنس الشرك، يقال: ظلم العبد نفسه، كبخله لحب المال ببعض الواجب هو شرك أصغر. وحبه ما يبغضه الله تعالى حتى يقدم هواه على محبة الله الشرك أصغر ونحو ذلك. فهذا فاته من الأمن والاهتداء بحسبه، ولهذا كان السلف يدخلون الذنوب في هذا الشرك بهذا الاعتبار انتهى ملخصا4.
وقال ابن القيم -رحمه الله-: قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ 5. قال الصحابة: "وأينا يا رسول الله لم يلبس إيمانه بظلم؟ قال: ذلك الشرك.
ألم تسمعوا قول العبد الصالح: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ 6 " لما أشكل عليهم المراد بالظلم فظنوا
أن ظلم النفس داخل فيه.
وأن من ظلم نفسه أي ظلم كان لم يكن آمنا ولا مهتديا. أجابهم -صلوات الله وسلامه عليه- بأن الظلم الرافع للأمن والهداية على الإطلاق هو الشرك. وهذا والله هو الجواب الذي يشفي العليل ويروي الغليل؛ فإن الظلم المطلق التام هو الشرك الذي هو وضع العبادة في غير موضعها. والأمن والهدى المطلق: هما الأمن في الدنيا والآخرة، والهدى إلى الصراط المستقيم. فالظلم المطلق التام رافع للأمن وللاهتداء المطلق التام، ولا يمنع أن يكون الظلم مانعا من مطلق الأمن ومطلق الهدى، فتأمله. فالمطلق للمطلق، والحصة للحصة. اهـ. ملخصا1.
قوله: "عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: "من شهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأنّ محمّداً عبده ورسوله، وأنّ عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنّة حقّ والنّار حقّ، أدخله الله الجنّة على ما كان من العمل ". أخرجاه".
عبادة بن الصامت بن قيس الأنصاري الخزرجي أبو الوليد أحد النقباء، بدري مشهور، مات بالرملة سنة أربع وثلاثين، وله اثنتان وسبعون سنة.
وقيل: عاش إلى خلافة معاوية رضي الله عنه.
قوله: " من شهد أن لا إله إلا الله " أي من تكلم بها عارفا لمعناها، عاملا بمقتضاها، باطنا وظاهرا، فلا بد في الشهادتين من العلم واليقين والعمل بمدلولها; كما قال الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ﴾ 1، وقوله: ﴿إِلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ 2. أما النطق بها من غير معرفة لمعناها ولا يقين ولا عمل بما تقتضيه: من البراءة من الشرك، وإخلاص القول والعمل: قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح فغير نافع بالإجماع3.
قال القرطبي في المفهم على صحيح مسلم: " باب لا يكفي مجرد التلفظ بالشهادتين، بل لا بد من استيقان القلب هذه الترجمة تنبيه على فساد مذهب غلاة المرجئة، القائلين بأن التلفظ بالشهادتين كاف في الإيمان.
وأحاديث هذا الباب تدل على فساده، بل هو مذهب معلوم الفساد من الشريعة لمن وقف عليها؛ ولأنه يلزم منه تسويغ النفاق، والحكم للمنافق بالإيمان الصحيح.
وهو باطل قطعا" اهـ.
وفي هذا الحديث ما يدل على هذا.
وهو قوله: "من شهد" فإن الشهادة لا تصح إلا إذا كانت عن علم ويقين وإخلاص وصدق.
قال النووي: "هذا حديث عظيم جليل الموقع; وهو أجمع - أو من أجمع - الأحاديث المشتملة على العقائد.
فإنه صلي الله عليه وسلم جمع فيه ما يخرج من ملل الكفر على اختلاف عقائدهم وتباعدها.
فاقتصر صلي الله عليه وسلم في هذه الأحرف على ما يباين جميعهم"اهـ.
ومعنى "لا إله إلا الله" لا معبود بحق إلا الله.
وهو في غير موضع من القرآن، ويأتيك في قول البقاعي صريحا.
قوله: " وحده " تأكيد للإثبات ﴿لا شَرِيكَ لَهُ﴾ 1 تأكيد للنفي.
قاله الحافظ.
كما قال تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ 2 وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ 3، وقال: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ 4، فأجابوه ردا عليه بقولهم: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ 5، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ 6.
فتضمن ذلك نفي الإلهية عما سوى الله، وهي العبادة.
وإثباتها لله وحده لا شريك له، والقرآن من أوله إلى آخره يبين هذا ويقرره ويرشد إليه.
فالعبادة بجميع أنواعها إنما تصدر عن تأله القلب بالحب والخضوع والتذلل رغبا ورهبا، وهذا كله لا يستحقه إلا الله تعالى، كما تقدم في أدلة هذا الباب وما قبله.
فمن صرف من ذلك شيئا لغير الله فقد جعله لله ندا، فلا ينفعه مع ذلك قول ولا عمل.
"ذكر كلام العلماء في معنى "لا إله إلا الله ".
قد تقدم كلام ابن عباس، وقال الوزير أبو المظفر في الإفصاح: قوله: "شهادة أن لا إله
إلا الله" يقتضي أن يكون الشاهد عالما بأنه لا إله إلا الله، كما قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ﴾ 1 قال: واسم "الله" بعد "إلا" من حيث إنه الواجب له الإلهية، فلا يستحقها غيره سبحانه.
قال: وجملة الفائدة في ذلك: أن تعلم أن هذه الكلمة مشتملة على الكفر بالطاغوت والإيمان بالله، فإنك لما نفيت الإلهية وأثبت الإيجاب لله سبحانه كنت ممن كفر بالطاغوت وآمن بالله.
وقال ابن القيم في البدائع2 ردا لقول من قال: إن المستثنى مخرج من المستثنى منه.
قال ابن القيم: بل هو مخرج من المستثنى منه وحكمه، فلا يكون داخلا في المستثنى; إذ لو كان كذلك لم يدخل الرجل في الإسلام بقوله: "لا إله إلا الله"؛ لأنه لم يثبت الإلهية لله تعالى، وهذه أعظم كلمة تضمنت بالوضع نفي الإلهية عما سوى الله، وإثباتها له بوصف الاختصاص، فدلالتها على إثبات إلهيته أعظم من دلالة قولنا: "الله إله" ولا يستريب أحد في هذا البتة.
انتهى بمعناه.
وقال أبو عبد الله القرطبي في نفسيره: "لا إله إلا الله": أي لا معبود إلا هو.
وقال الزمخشري: الإله من أسماء الأجناس كالرجل والفرس، يقع على كل معبود بحق أو باطل، ثم غلب على المعبود بحق.
وقال شيخ الإسلام: الإله هو المعبود المطاع؛ فإن الإله هو المألوه، والمألوه هو الذي يستحق أن يعبد، وكونه يستحق أن يعبد هو بما اتصف به من الصفات التي تستلزم أن يكون هو المحبوب غاية الحب، المخضوع له غاية الخضوع، قال: فإن الإله هو المحبوب المعبود الذي تألهه القلوب بحبها، وتخضع له وتذل له، وتخافه وترجوه، وتنيب إليه في شدائدها، وتدعوه في مهماتها، وتتوكل عليه في مصالحها، وتلجأ إليه وتطمئن بذكره، وتسكن إلى حبه، وليس ذلك إلا لله وحده، ولهذا كانت "لا إله إلا الله" أصدق الكلام، وكان أهلها أهل الله وحزبه، والمنكرون لها أعداءه وأهل غضبه ونقمته، فإذا صحت صح بها كل مسألة وحال وذوق، وإذا لم يصححها العبد فالفساد لازم له في علومه وأعماله.
وقال ابن القيم: "الإله" هو الذي تألهه القلوب محبة وإجلالا وإنابة، وإكراما وتعظيما وذلا وخضوعا وخوفا ورجاء وتوكلا.
وقال ابن رجب: "الإله" هو الذي يطاع فلا يعصى، هيبة له وإجلالا، ومحبة وخوفا ورجاء، وتوكلا عليه، وسؤالا منه ودعاء له، ولا يصلح هذا كله إلا لله عز وجل، فمن أشرك مخلوقا في شيء من هذه الأمور التي هي من خصائص الإلهية كان
ذلك قدحا في إخلاصه في قول: "لا إله إلا الله" وكان فيه من عبودية المخلوق بحسب ما فيه من ذلك.
وقال البقاعي: لا إله إلا الله، أي انتفاء عظيما أن يكون معبود بحق غير الملك الأعظم؛ فإن هذا العلم هو أعظم الذكرى المنجية من أهوال الساعة، وإنما يكون علما إذا كان نافعا، وإنما يكون نافعا إذا كان مع الإذعان والعمل بما تقتضيه، وإلا فهو جهل صرف.
وقال الطيبي: "الإله" فعال بمعنى مفعول، كالكتاب بمعنى المكتوب، من أله إلهة أي عبد عبادة.
قال الشارح: وهذا كثير في كلام العلماء وإجماع منهم.
فدلت "لا إله إلا الله" على نفي الإلهية عن كل ما سوى الله تعالى كائنا ما كان، وإثبات الإلهية لله وحده دون كل ما سواه، وهذا هو التوحيد الذي دعت إليه الرسل ودل عليه القرآن من أوله إلى آخره، كما قال تعالى عن الجن: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَداً﴾ 1، فلا إله إلا الله لا تنفع إلا من عرف مدلولها نفيا وإثباتا، واعتقد ذلك وقبله وعمل به.
وأما من قالها من غير علم واعتقاد وعمل، فقد تقدم في كلام العلماء أن هذا جهل صرف، فهي حجة عليه بلا ريب.
فقوله في الحديث: "وحده لا شريك له" تأكيد وبيان لمضمون معناها.
وقد أوضح الله ذلك وبينه في قصص الأنبياء والمرسلين في كتابه المبين، فما أجهل عباد القبور بحالهم! وما أعظم ما وقعوا فيه من الشرك المنافي لكلمة الإخلاص لا إله إلا الله! فإن مشركي العرب ونحوهم جحدوا لا إله إلا الله لفظا ومعنى، وهؤلاء المشركون أقروا بها لفظا وجحدوها معنى، فتجد أحدهم يقولها وهو يأله غير الله بأنواع العبادة، كالحب والتعظيم، والخوف والرجاء، والتوكل والدعاء، وغير ذلك من أنواع العبادة.
بل زاد شركهم على شرك العرب بمراتب،
فإن أحدهم إذا وقع في شدة أخلص الدعاء لغير الله تعالى، ويعتقدون أنه أسرع فرجا لهم من الله، بخلاف حال المشركين الأولين; فإنهم كانوا يشركون في الرخاء، وأما في الشدائد فإنما يخلصون لله وحده، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ 1 الآية. فبهذا يتبين أن مشركي أهل هذه الأزمان أجهل بالله وبتوحيده من مشركي العرب ومن قبلهم2.
"وقوله: "وأن محمدا عبده ورسوله" أي وشهد بذلك، وهو معطوف على ما قبله على نية تكرار العامل، ومعنى "العبد" هنا المملوك العابد، أي أنه مملوك لله تعالى.
والعبودية الخاصة وصفه، كما قال تعالى: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ 3 فأعلى مراتب العبد العبودية الخاصة والرسالة، فالنبي صلي الله عليه وسلم أكمل الخلق في هاتين الصفتين الشريفتين.
وأما الربوبية والإلهية فهما حق الله تعالى، لا يشركه في شيء منهما ملك مقرب ولا نبي مرسل.
وقوله: "عبده ورسوله" أتى بهاتين الصفتين وجمعهما دفعا للإفراط والتفريط، فإن كثيرا ممن يدعي أنه من أمته أفرط بالغلو قولا وفعلا، وفرط بترك متابعته، واعتمد على الآراء المخالفة لما جاء به، وتعسف في تأويل أخباره وأحكامه بصرفها عن مدلولها والصدوف عن الانقياد لها مع اطراحها؛ فإن شهادة أن محمدا رسول الله تقتضي الإيمان به وتصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، الانتهاء عما عنه نهى وزجر; وأن يعظم أمره ونهيه،
ولا يقدم عليه قول أحد كائنا من كان1.
والواقع اليوم وقبله - ممن يتنسب إلى العلم من القضاة والمفتين -.
خلاف ذلك، والله المستعان.
وروى الدارمي في مسنده عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه أنه كان يقول: " إنا لنجد صفة رسول الله صلي الله عليه وسلم: إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميته المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخاب بالأسواق، ولا يجزي بالسيئة مثلها، ولكن يعفو ويتجاوز، ولن أقبضه حتى يقيم الملة المتعوجة بأن يشهد أن لا إله إلا الله، يفتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا2 ". قال عطاء بن يسار: وأخبرني أبو واقد الليثي أنه سمع كعبا يقول مثل ما قال ابن سلام3.
قوله: "وأن عيسى عبد الله ورسوله" أي خلافا لما يعتقده النصارى أنه الله أو ابن الله، أو ثالث ثلاثة، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ 4 فلا بد أن يشهد أن عيسى عبد الله ورسوله5 على علم ويقين بأنه مملوك لله،
خلقه من أنثى بلا ذكر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ 1 فليس ربا ولا إلها.
سبحان الله عما يشركون.
قال تعالى: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاًِيًّا قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ2﴾ . وقال: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً﴾ 3، ويشهد المؤمن أيضا ببطلان قول أعدائه اليهود: إنه ولد بغي، لعنهم الله تعالى.
فلا يصح إسلام أحد علم ما كانوا يقولونه حتى يبرأ من قول الطائفتين جميعا في عيسى عليه السلام، ويعتقد ما قاله الله تعالى فيه: أنه عبد الله ورسوله.
قوله: "وكلمته" إنما سمي عيسى -عليه السلام- كلمة لوجوده بقوله تعالى: " كن " كما قاله السلف من المفسرين.
قال الإمام أحمد في الرد على الجهمية4: "بالكلمة التي ألقاها إلى