باب "لا يقال " السلام على الله"
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ
- الكتاب
- فتح المجيد شرح كتاب التوحيد
- المؤلف
- عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي (المتوفى: 1285هـ)
- المحقق
- محمد حامد الفقي
- الناشر
- مطبعة السنة المحمدية، القاهرة، مصر
- الطبعة
- السابعة، 1377هـ/1957م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
في الصحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: " كنا إذا كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: "باب لا يقال: السلام على الله".
قوله: "في الصحيح عن ابن مسعود إلخ".
هذا الحديث رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث شقيق بن سلمة عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: " كنا إذا جلسنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة قلنا: السلام على الله قبل عباده; السلام على فلان وفلان " 1. الحديث وفي آخره ذكر التشهد الأخير.
رواه الترمذي من حديث الأسود بن يزيد عن ابن مسعود.
وذكر في الحديث سبب النهي عن ذلك بقوله: " فإن الله هو السلام ومنه السلام " 2. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا انصرف من الصلاة المكتوبة يستغفر ثلاثا ويقول: " اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت 1 البخاري: كتاب صفة الصلاة (835) : باب ما يتخير من الدعاء بعد التشهد وليس بواجب، ومسلم: كتاب الصلاة (402) (58) : باب التشهد في الصلاة: باب تخيير الدعاء بعد الصلاة على النبي، وابن ماجة: في إقامة الصلاة (899) : باب ما جاء في التشهد من حديث شقيق بن سلمة عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-.
2 الترمذي: في الصلاة (289) : باب ما جاء في التشهد.
من حديث الأسود بن يزيد عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
وأخرجه النسائي أيضا (2/ 237 , 238) من هذا الطريق أيضا.
يا ذا الجلال والإكرام " 1.
الصلاة قلنا: السلام على الله قبل عباده، السلام على فلان وفلان.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تقولوا: السلام على الله؛ فإن الله هو السلام " 2.
وفي الحديث: " إن هذا هو تحية أهل الجنة لربهم تبارك وتعالى " 3.
وفي التنزيل ما يدل على أن الرب -تبارك وتعالى- يسلم عليهم في الجنة 4. كما قال تعالى: ﴿سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ 5.
ومعنى قوله: "إن الله هو السلام" إن الله سالم من كل نقص ومن كل تمثيل، فهو الموصوف بكل كمال، المنزه عن كل عيب ونقص.
قال العلامة ابن القيم في بدائع الفوائد: " السلام اسم مصدر.
وهو من ألفاظ الدعاء.
يتضمن الإنشاء والإخبار، فجهة الخبر فيه لا تناقض الجهة الإنشائية، وهو معنى السلام المطلوب عند التحية.
وفيه قولان مشهوران:
الأول: أن السلام هنا هو الله عز وجل.
ومعنى الكلام: نزلت بركته عليكم ونحو ذلك.
فاختير في هذا المعنى من أسمائه عز وجل اسم "السلام" دون غيره من الأسماء.
الثاني: أن السلام مصدر بمعنى السلامة، وهو المطلوب المدعو به عند التحية.
ومن حجة أصحاب هذا القول: أنه يأتي منكرا، فيقول المسلم: "سلام عليكم"، ولو كان اسما من أسماء الله لم يستعمل كذلك.
ومن حجتهم: أنه ليس المقصود من السلام هذا المعنى، وإنما المقصود منه الإيذان بالسلامة خبرا ودعاء".
قال العلامة ابن القيم -رحمه الله-: وفصل الخطاب أن يقال: الحق في مجموع القولين.
فكل
باب" قول: " اللهم اغفر لي إن شئت"
في الصحيح عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا يقل أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، ليعزم المسألة فإن الله لا مكره له " 1. قوله: "باب قول: اللهم اغفر لي إن شئت".
يعني أن ذلك لا يجوز لورود النهي عنه في حديث الباب.
1 البخاري: الدعوات (6339) , ومسلم: الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار (2679) , والترمذي: الدعوات (3497) , وأبو داود: الصلاة (1483) , وأحمد (2/463 ,2/486) , ومالك: النداء للصلاة (494) .
قوله: "في الصحيح عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا يقل أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت.
ليعزم المسألة فإن الله لا مكره له ". بخلاف العبد؛ فإنه قد يعطي السائل مسألته لحاجته إليه، أو لخوفه أو رجائه، فيعطيه مسألته وهو كاره.
فاللائق بالسائل للمخلوق أن يعلق حصول حاجته على مشيئة المسئول; مخافة أن يعطيه وهو كاره، بخلاف رب العالمين؛ فإنه –تعالى- لا يليق به ذلك لكمال غناه عن جميع خلقه، وكمال جوده وكرمه، وكلهم فقير إليه، محتاج لا يستغني عن ربه طرفة عين، وعطاؤه كلام.
وفي الحديث: " يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار.
أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض؟ فإنه لم يغض ما في يمينه; وفي يده الأخرى القسط يخفضه ويرفعه " 1 2. يعطي تعالى لحكمة ويمنع لحكمة وهو الحكيم الخبير.
فاللائق بمن سأل الله أن يعزم المسألة، فإنه لا يعطي عبده شيئا عن كراهة ولا عن عظم مسألة.
وقد قال بعض الشعراء فيمن يمدحه:
ويعظم في عين الصغير صغارها ... ويصغر في عين العظيم العظائم
وهذا بالنسبة إلى ما في نفوس أرباب الدنيا، وإلا فإن العبد يعطي تارة ويمنع أكثر، ويعطي كرها، والبخل عليه أغلب.
وبالنسبة إلى حاله هذه فليس عطاؤه بعظيم، وأما ما يعطيه الله تعالى عباده فهو دائم مستمر، يجود بالنوال قبل السؤال من حين وضعت النطفة
في الرحم.
فنعمه على الجنين في بطن أمه دارّة، يربيه أحسن تربية، فإذا وضعته أمه عطف عليه والديه ورباه بنعمه حتى يبلغ أشده، يتقلب في نعم الله مدة حياته، فإن كانت حياته على الإيمان والتقوى، ازدادت نعم الله تعالى عليه إذا توفاه أضعاف أضعاف ما كان عليه في الدنيا من النعم التي لا يقدر قدرها إلا الله، مما أعده الله تعالى لعباده المؤمنين المتقين.
وكل ما يناله العبد في الدنيا من النعم، وإن كان بعضها على يد مخلوق فهو بإذن الله وإرادته وإحسانه إلى عبده، فالله تعالى هو المحمود على النعم كلها، فهو الذي شاءها وقدّرها وأجراها عن كرمه وجوده وفضله، فله النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن.
قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ 1. وقد يمنع سبحانه عبده إذا سأله لحكمة وعلم بما يصلح عبده من العطاء والمنع، وقد يؤخر ما سأله عبده لوقته المقدر، أو ليعطيه أكثر.
فتبارك الله رب العالمين.
ولمسلم: " وليعظم الرغبة؛ فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه " 2.
فيه مسائل:
الأولى: النهي عن الاستثناء في الدعاء.
الثانية: بيان العلة في ذلك.
الثالثة: قوله: " ليعزم المسألة".
الرابعة: إعظام الرغبة.
الخامسة: التعليل لهذا الأمر.
وقوله: "ولمسلم: "وليعظم الرغبة" أي في سؤاله ربه حاجته; فإنه يعطي العظائم كرما وجودا وإحسانا.
فالله تعالى لا يتعاظمه شيء أعطاه، أي ليس شيء عنده بعظيم، وإن عظم في نفس المخلوق؛ لأن سائل المخلوق لا يسأله إلا ما يهون عليه بذله بخلاف رب العالمين، فإن عطاءه كلام ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ 3. فسبحان من لا يقدر الخلق قدره، لا إله غيره ولا رب سواه.