فتح المجيد شرح كتاب التوحيدصفحات 456-493
أهل الأثرالأرشيف العلمي

باب " لا يرد من سأل بالله

صفحات 456-493
عن هذه الطبعة
عَلَم
عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ
الكتاب
فتح المجيد شرح كتاب التوحيد
المؤلف
عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي (المتوفى: 1285هـ)
المحقق
محمد حامد الفقي
الناشر
مطبعة السنة المحمدية، القاهرة، مصر
الطبعة
السابعة، 1377هـ/1957م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من سأل بالله فأعطوه، قوله: "باب لا يرد من سأل بالله".
ظاهر الحديث1 النهي عن رد السائل إذا سأل بالله، لكن هذا العموم يحتاج إلى تفصيل بحسب ما ورد في الكتاب والسنة، فيجب إذا سأل السائل ما له فيه حق كبيت المال أن يجاب فيعطى منه على قدر حاجته وما يستحقه وجوبا، وكذلك إذا سأل المحتاج من في ماله فضل فيجب أن يعطيه على حسب حاله ومسألته، خصوصا إذا سأل من لا فضل عنده، فيستحب أن يعطيه على قدر حال المسئول ما لا يضر به ولا يضر عائلته، وإن كان مضطرا وجب أن يعطيه ما يدفع ضرورته.
ومقام الإنفاق من أشرف مقامات الدين، وتفاوت الناس فيه بحسب ما جبلوا عليه من الكرم والجود وضدهما من البخل والشح.
فالأول محمود في الكتاب والسنة.
والثاني مذموم فيهما.
وقد حث الله تعالى عباده على الإنفاق لعظم نفعه وتعديه وكثرة ثوابه.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌالشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ 2.
وقال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ 3.
وذلك الإنفاق من خصال البر المذكورة في قوله تعالى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ 1 تقدم تخريجه برقم (301) . 2 سورة البقرة آية: 267-268. 3 سورة الحديد آية: 7.

وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ} 1 الآية.
فذكره بعد ذكر أصول الإيمان وقبل ذكر الصلاة.
ذلك- والله أعلم- لتعدي نفعه.
وذكره –تعالى- في الأعمال التي أمر بها عباده، وتعبدهم بها ووعدهم عليها الأجر العظيم.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ 2. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحث أصحابه على الصدقة حتى النساء، نصحا للأمة وحثا لهم على ما ينفعهم عاجلا وآجلا.
وقد أثنى الله سبحانه على الأنصار -رضي الله عنهم- بالإيثار، فقال تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ 3. والإيثار من أفضل خصال المؤمن كما تفيده هذه الآية الكريمة، وقد قال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً﴾ 4. والآيات والأحاديث في فضل الصدقة كثيرة جدا، ومن كان سعيه للآخرة رغب في هذا ورغّب، وبالله التوفيق.
قوله: " من دعاكم فأجيبوه ". هذا من حقوق المسلمين بعضهم على بعض: إجابة دعوة المسلم، وتلك من أسباب الألفة والمحبة بين المسلمين.
قوله: " ومن صنع إليكم معروفا فكافئوه ". ندبهم صلى الله عليه وسلم على المكافأة على المعروف؛ فإن المكافأة على المعروف من المروءة التي يحبها الله ورسوله، كما دل عليه هذا الحديث، ولا يهمل المكافأة على المعروف إلا اللئام من الناس.
وبعض اللئام يكافئ على الإحسان بالإساءة، كما يقع كثيرا من بعضهم.
نسأل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة، بخلاف حال أهل التقوى والإيمان فإنهم يدفعون السيئة بالحسنة طاعة لله

ومحبة لما يحبه لهم ويرضاه، كما قال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَوَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِوَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ 1. وقال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ 2. وهم الذين سبقت لهم من الله تعالى السعادة.
لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له، حتى تُروا أنكم قد كافأتموه "3. رواه أبو داود والنسائي بسند صحيح.
فيه مسائل: الأولى: إعاذة من استعاذ بالله.
الثانية: إعطاء من سأل الله.
الثالثة: إجابة الدعوة.
الرابعة: المكافأة على الصنيعة.
الخامسة: أن الدعاء مكافأة لمن لم يقدر إلا عليه.
السادسة: قوله: حتى تروا أنكم قد كافأتموه.
قوله: " فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له ". أرشدهم صلى الله عليه وسلم إلى أن الدعاء في حق من لم يجد المكافأة مكافأة للمعروف، فيدعو له على حسب معروفه.
قوله: "تُروا- بضم التاء تظنوا- أنكم قد كافأتموه" ويحتمل أنها مفتوحة بمعنى تعلموا.
ويؤيده ما في سنن أبي داود من حديث ابن عمر: "حتى تعلموا" 4. فتعين الثاني للتصريح به.
وفيه: "من سألكم بالله فأجيبوه" 5. أي إلى ما سأل.
فيكون بمعنى: أعطوه.
وعند أبي داود في رواية أبي نُهيك عن ابن عباس: " من سألكم بوجه الله فأعطوه " 6. وفي رواية عبيد الله القواريري لهذا الحديث: "ومن سألكم بالله" 7، كما في حديث ابن عمر.

باب: " لا يسأل بوجه الله إلا الجنة

عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يسأل بوجه الله إلا الجنة " 1. رواه أبو داود.
قوله: "باب لا يُسأل بوجه الله إلا الجنة".
ذكر فيه حديث جابر رواه أبو داود عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يسأل بوجه الله إلا الجنة ". 1 ضعيف: أبو داود: كتاب الزكاة (1671) : باب كراهية المسألة بوجه الله عز وجل.
وضعفه ابن القطان وغيره كما في فيض القدير (2/ 220) . وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (6366) .

وهنا سؤال: وهو أنه قد ورد في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم عند منصرفه من الطائف حين كذبه أهل الطائف ومن في الطائف من أهل مكة، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم بالدعاء المأثور: " اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس.
أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني، أو إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يك بك غضب عليّ فلا أبالي، غير أن عافيتك هي أوسع لي ". وفي آخره: " أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن يحل عليّ غضبك، أو ينزل بيّ سخطك.
لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بالله " 1 2. والحديث المروي في الأذكار: " اللهم أنت أحق من ذُكر وأحق من عُبد " - 3 وفي آخره -: " أعوذ بنور وجهك فيه مسائل: الأولى: النهي عن أن يسأل بوجه الله إلا غاية المطالب.
الثانية: إثبات صفة الوجه.
الذي أشرقت له السماوات والأرض ". وفي حديث آخر: " أعوذ بوجه الله الكريم، وباسم الله العظيم، وبكلماته التامة من شر السامة واللامة، ومن شر ما خلقت، أي رب ومن شر هذا اليوم ومن شر ما بعده، ومن شر الدنيا والآخرة " 4. وأمثال ذلك في الأحاديث المرفوعة بالأسانيد الصحيحة أو الحسان.
فالجواب: أن ما ورد من ذلك فهو في سؤال ما يقرب إلى الجنة أو ما يمنعه من الأعمال التي تمنعه من الجنة، فيكون قد سأل بوجه الله وبنور وجهه ما يقرب إلى الجنة كما في الحديث الصحيح: " اللهم إني أسألك الجنة وما يقرب إليها من قول وعمل، وأعوذ بك من النار وما يقرب إليها من قول وعمل " 5. بخلاف ما يختص بالدنيا كسؤال المال والرزق والسعة في المعيشة رغبة في الدنيا، مع قطع النظر عن كونه أراد بذلك ما يعينه على عمل الآخرة.
فلا ريب أن الحديث يدل على المنع من أن يسأل حوائج دنياه بوجه الله، وعلى هذا فلا تعارض بين الأحاديث كما لا يخفى.
والله أعلم.
وحديث الباب من جملة الأدلة المتواترة في الكتاب والسنة على إثبات الوجه لله تعالى؛ فإنه صفة كمال، وسلبه غاية النقص والتشبيه بالناقصات، كسلبهم جميع الصفات أو بعضها.
فوقعوا في أعظم مما فروا منه، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا.
وطريقة أهل السنة والجماعة سلفا وخلفا: الإيمان بما وصف الله به نفسه في كتابه، ووصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم في سنته على ما يليق بجلال الله وعظمته، فيثبتون له ما أثبته لنفسه في كتابه، وأثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم وينفون عنه مشابهة المخلوق، فكما أن ذات الرب لا تشبه الذوات فصفاته كذلك لا تشبه الصفات، فمن نفاها فقد سلبه الكمال.

باب: ما جاء في "لو"

... باب: " ما جاء في اللّوِّ" وقول الله تعالى: ﴿يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ 1.
قوله: "باب ما جاء في اللو".
أي من الوعيد والنهي عنه عند الأمور المكروهة، كالمصائب إذا جرى بها القدر لما فيه من الإشعار بعدم الصبر والأسى على ما فات، مما لا يمكن استدراكه، فالواجب التسليم للقدر، والقيام بالعبودية الواجبة وهو الصبر على ما أصاب العبد مما يكره.
والإيمان بالقدر أصل من أصول الإيمان الستة.
وأدخل المصنف -رحمه الله- أداة التعريف على "لو"، وهذه في هذا المقام لا تفيد تعريفا كنظائرها؛ لأن المراد هذا اللفظ كما قال الشاعر: رأيت الوليد بن اليزيد مباركا ... شديدا بأعباء الخلافة كاهله وقوله: "وقول الله عز وجل: ﴿يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ ". قاله بعض المنافقين يوم أحد؛ لخوفهم وجزعهم وخورهم.
قال ابن اسحاق: فحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عبد الله بن الزبير قال: قال الزبير: " لقد رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين اشتد الخوف 1 سورة آل عمران آية: 154.

علينا أرسل الله علينا وقوله: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ 1. النوم.
فما منا رجل إلا ذقنه في صدره، قال: فوالله إني لأسمع قول معتب بن قشير ما أسمعه إلا كالحلم: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا.
فحفظتها منه، وفي ذلك أنزل الله عز وجل: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ لقول معتب " 2. رواه ابن أبي حاتم.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ 3 أي هذا قدر مقدّر من الله عز وجل، وحكم حتم لازم لا محيد عنه ولا مناص منه.
وقوله: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ الآية.
قال العماد ابن كثير: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ : أي لو سمعوا مشورتنا عليهم بالقعود وعدم الخروج ما قتلوا مع من قتل.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ فَادْرَأُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ 4 أي إذا كان القعود يسلم به الشخص من القتل والموت، فينبغي لكم أن لا تموتوا، والموت لا بد آت إليكم، ولو كنتم في بروج مشيدة، فادفعوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين.
قال مجاهد عن جابر بن عبد الله: "نزلت هذه الآية في عبد الله بن أبيّ وأصحابه" يعني أنه هو الذي قال ذلك.
وأخرج البيهقي عن أنس أن أبا طلحة قال: " غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم أحد، فجعل يسقط سيفي وآخذه ويسقط وآخذه.
قال: والطائفة الأخرى - المنافقون- ليس لها هم إلا أنفسهم، أجبن قوم وأرعبه، وأخذله للحق، ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ إنما هم أهل ريب وشك بالله عز وجل ". قوله: ﴿قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ يعني لا يغشاهم النعاس عن القلق والجزع والخوف ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ 5. قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: " لما ذكر ما وقع من عبد الله بن أبيّ في غزوة أحد قال: فلما انخذل يوم أحد وقال: "يدع رأيي ورأيه ويأخذ برأي الصبيان؟ " أو كما قال.. انخذل معه خلق كثير، كان كثير منهم لم ينافق قبل ذلك.
فأولئك كانوا مسلمين وكان معهم إيمان، هو الضوء الذي ضرب الله به المثل.
فلو ماتوا قبل المحنة والنفاق لماتوا على الإسلام، ولم يكونوا من المؤمنين حقا الذين امتحنوا فثبتوا على المحنة، ولا من المنافقين حقا الذين ارتدوا عن الإيمان بالمحنة.
وهذا حال كثير من المسلمين في زماننا أو أكثرهم، إذا ابتلوا بالمحنة التي

يتضعضع فيها أهل الإيمان ينقص إيمانهم كثيرا، وينافق كثير منهم.
ومنهم من يظهر الردة إذا كان العدو غالبا، وقد رأينا من هذا ورأى غيرنا من هذا ما فيه عبرة.
وإذا كانت العافية، أو كان المسلمون ظاهرين على عدوهم كانوا مسلمين، وهم مؤمنون بالرسل باطنا وظاهرا، لكنه إيمان لا يثبت على المحنة، ولهذا يكثر في هؤلاء ترك الفرائض وانتهاك المحارم، وهؤلاء من الذين قالوا آمنا، فقيل لهم: ﴿لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ 1 أي الإيمان المطلق الذي أهله هم المؤمنون حقا؛ فإن هذا هو الإيمان إذا أطلق في كتاب الله تعالى، كما دل عليه الكتاب والسنة، فلم يحصل لهم ريب عند المحن التي تقلقل الإيمان في القلوب".
انتهى.
قوله: وقد رأينا من هذا ورأى غيرنا ما فيه عبرة.
قلت: ونحن كذلك رأينا من ذلك ما فيه عبرة عند غلبة العدو، من إعانتهم العدو على المسلمين، والطعن في الدين، وإظهار العداوة والشماتة، وبذل الجهد في إطفاء نور الإسلام، وذهاب أهله، وغير ذلك مما يطول ذكره.
والله المستعان.
قوله: "في الصحيح" أي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "احرص.. الحديث" 2. وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أنني فعلت لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان " 3. اختصر المصنف -رحمه الله- هذا الحديث، وتمامه: عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك ". أي في معاشك ومعادك.
والمراد الحرص على فعل الأسباب التي تنفع العبد في دنياه وأخراه مما شرعه الله تعالى لعباده من الأسباب الواجبة والمستحبة والمباحة، ويكون العبد في حال فعله السبب مستعينا بالله وحده دون كل ما سواه ليتم له سببه وينفعه، ويكون اعتماده على الله تعالى في ذلك; لأن الله تعالى هو الذي خلق السبب والمسبب، ولا ينفعه سبب إلا إذا نفعه الله به، فيكون اعتماده في فعل السبب على الله تعالى.
ففعل السبب سنة، والتوكل على الله توحيد.
فإذا جمع بينهما تم له مراده بإذن الله.
قوله: "ولا تعجزن" النون نون التأكيد الخفيفة، نهاه صلى الله عليه وسلم عن العجز

وذمه، والعجز مذموم شرعا وعقلا، وفي الحديث: " الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني " 1 2. فأرشده صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث إذا أصابه ما يكره أن لا يقول: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا، ولكن يقول: قد قَدَّرَ الله وما شاء فعل، أي هذا قدر الله، والواجب التسليم للقدر والرضى به، واحتساب الثواب عليه.
قوله: "فإن "لو" تفتح عمل الشيطان" أي لما فيها من التأسف على ما فات والتحسر ولوم القدر، وذلك ينافي الصبر والرضى، والصبر واجب، والإيمان بالقدر فرض، قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ 3. قال أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب رضي الله عنه: " الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد ". وقال الإمام أحمد: "ذكر الله الصبر في تسعين موضعا من القرآن".
قال شيخ الإسلام رحمه الله- وذكر حديث الباب بتمامه- ثم قال في معناه: لا تعجز عن مأمور، ولا تجزع عن مقدور، ومن الناس من يجمع كلا الشرين، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالحرص على النافع والاستعانة بالله، والأمر يقتضي الوجوب، وإلا فالاستحباب، ونهى عن العجز وقال: " إن الله يلوم على العجز " 4. والعاجر ضد "الذين هم ينتصرون" فالأمر بالصبر والنهي عن العجز مأمور به في مواضع كثيرة; وذلك لأن الإنسان بين أمرين: أمر أُمر بفعله، فعليه أن يفعله ويحرص عليه ويستعين الله ولا يعجز.
وأمرٌ أصيب به من غير فعله.
فعليه أن يصبر عليه ولا يجزع منه.
ولهذا قال بعض العقلاء- ابن المقفع أو غيره-: الأمور أمران: أمر فيه حيلة فلا تعجز عنه، وأمر لا حيلة فيه فلا تجزع منه.

وهذا في جميع الأمور لكن عند المؤمن: الذي فيه حيلة هو ما أمره الله به، وأحبه له؛ فإن الله لم يأمره إلا بما فيه حيلة له، إذ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، وقد أمره بكل خير له فيه حيلة.
وما لا حيلة له فيه هو ما أصيب به من غير فعله.
واسم الحسنات والسيئات يتناول قسمين: فالأفعال مثل قوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلا مِثْلَهَا﴾ 1. ومثل قوله تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لَأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ 2. ومثل قوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ 3. ومثل قوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ 4 إلى آيات كثيرة من هذا الجنس والله أعلم.
فيه مسائل: الأولى: تفسير الآيتين في آل عمران.
الثانية: النهي الصريح عن قول: " لو " إذا أصابك شيء.
الثالثة: تعليل المسألة بأن ذلك يفتح عمل الشيطان.
الرابعة: الإرشاد إلى الكلام الحسن.
الخامسة: الأمر بالحرص على ما ينفع، مع الاستعانة بالله.
السادسة: النهي عن ضد ذلك، وهو العجز.
والقسم الثاني.
ما يجري على العبد بغير فعله من النعم والمصائب.
كما قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ 5. والآية قبلها، فالحسنة في هاتين الآيتين: النعم.
والسيئة: المصائب، هذا هو الثاني من القسمين.
وأظن شيخ الإسلام -رحمه الله- ذكره في هذا الموضع، ولعل الناسخ أسقطه والله أعلم.
ثم قال -رحمه الله-: " فإن الإنسان ليس مأمورا أن ينظر إلى القدر عندما يؤمر به من الأفعال، ولكن عندما يجري عليه من المصائب التي لا حيلة له في دفعها، فما أصابك بفعل الآدميين أو بغير فعلهم، فاصبر عليه وارض وسلم.
قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ 6. ولهذا قال آدم لموسى: "أتلومني على أمر قَدّره الله عليّ قبل أن أخلق بأربعين سنة؟ فحج آدم موسى" 7؛ لأن موسى قال له: "لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة" 8. فلامه على المصيبة التي حصلت بسبب فعله، لا لأجل كونها ذنبا.
وأما كونه لأجل الذنب- كما يظنه طوائف من الناس- فليس مرادا بالحديث؛ فإن آدم -عليه السلام- كان قد تاب من الذنب.
والتائب من الذنب كمن لا ذنب له.
ولا يجوز لوم التائب باتفاق الناس".
انتهى.

قال العلامة ابن القيم رحمه الله: تضمن هذا الحديث أصولا عظيمة من أصول الإيمان: أحدها: أن الله سبحانه موصوف بالمحبة وأنه يحب حقيقة.
الثاني: أنه يحب مقتضى أسمائه وصفاته وما يوافقها، فهو القوي ويحب المؤمن القوي، وهو وتر ويحب الوتر، وجميل يحب الجمال; وعليم يحب العلماء، ونظيف يحب النظافة، ومؤمن يحب المؤمنين، ومحسن يحب المحسنين، وصابر يحب الصابرين، وشاكر يحب الشاكرين.
ومنها: أن محبته للمؤمنين تتفاضل، فيحب بعضهم أكثر من بعض.
ومنها: أن سعادة الإنسان في حرصه على ما ينفعه في معاشه ومعاده.
والحرص هو بذل الجهد واستفراغ الوسع.
فإذا صادف ما ينتفع به الحريص كان حرصه محمودا، وكماله كله في مجموع هذين الأمرين: أن يكون حريصا، وأن يكون حرصه على ما ينتفع به، فإن حرص على ما لا ينفعه أو فعل ما ينفعه من غير حرص؛ فإنه من الكمال بقدر ما فاته من ذلك، فالخير كله في الحرص على ما ينفع.
ولما كان حرص الإنسان وفعله إنما هو بمعونة الله ومشيئته وتوفيقه أمره أن يستعين بالله ليجتمع له مقام ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ 1. فإن حرصه على ما ينفعه عبادة لله تعالى.
ولا يتم إلا بمعونته فأمره أن يعبده وأن يستعين به.
فالحريص على ما ينفعه، المستعين بالله ضد العاجز.
فهذا إرشاد له قبل وقوع المقدور إلى ما هو من أعظم أسباب حصوله، وهو الحرص عليه مع الاستعانة بمن أزمة الأمور بيده ومصدرها منه ومردها إليه.
فإن فاته ما لم يقدر له فله حالتان: عجز.
وهو مفتاح عمل الشيطان; فيلقيه العجز إلى "لو" ولا فائدة من "لو" هاهنا، بل هي مفتاح اللوم والعجز والسخط والأسف والحزن، وذلك كله من عمل الشيطان.
فنهاه صلى الله عليه وسلم عن افتتاح عمله بهذا الافتتاح، وأمره بالحالة الثانية، وهي النظر إلى القدر وملاحظته، وأنه لو قدر له لم يفته ولم يغلبه عليه أحد، قلم يبق له هاهنا أنفع من شهود القدر، ومشيئة الرب النافذة التي توجب وجوب المقدور، وإن انتفت امتنع وجوده; ولهذا قال: " فإن غلبك أمر فلا تقل: لو أني فعلت كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل "2. فأرشده إلى ما ينفعه في الحالتين: حالة حصول المطلوب، وحالة فواته، فلهذا كان هذا الحديث مما لا يستغني عنه العبد أبدا، بل هو أشد إليه ضرورة، وهو يتضمن إثبات القدر والكسب والاختيار، والقيام بالعبودية ظاهرا وباطنا في حالتي حصول المطلوب وعدمه، وبالله التوفيق.

"باب النهي عن سب الريح"

عن أبي بن كعب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا تسبوا الريح، فإذا رأيتم ما تكرهون فقولوا: اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح وخير ما فيها، وخير ما أمرت به، ونعوذ بك من شر هذه الريح وشر ما فيها، وشر ما أمرت به " 1. صححه الترمذي.
فيه مسائل: الأولى: النهي عن سب الريح.
الثانية: الإرشاد إلى الكلام النافع إذا رأى الإنسان ما يكره.
الثالثة: الإرشاد إلى أنها مأمورة.
الرابعة: أنها قد تؤمر بخير وقد تؤمر بشر.
قوله: "باب النهي عن سب الريح".
" عن أبي بن كعب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا تسبوا الريح، فإذا رأيتم ما تكرهون فقولوا: اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح وخير ما فيها، وخير ما أمرت به، ونعوذ بك من شر هذه الريح وشر ما فيها، وشر ما أمرت به ". صححه الترمذي".
لأنها- أي الريح- إنما تهب عن إيجاد الله تعالى وخلقه لها وأمره; لأنه هو الذي أوجدها وأمرها، فمسبتها مسبة للفاعل، وهو الله سبحانه، كما تقدم في النهي عن سب الدهر، وهذا يشبهه.
ولا يفعله إلا أهل الجهل بالله ودينه وبما شرعه لعباده، فنهى أهل الإيمان عما يقوله أهل الجهل والجفاء، وأرشدهم إلى ما يجب أن يقال عند هبوب الرياح، فقال: " إذا رأيتم ما تكرهون فقولوا: اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح وخير ما فيها، وخير ما أمرت به " 2. يعني إذا رأيتم ما تكرهون من الريح إذا هبت، فارجعوا إلى ربكم بالتوحيد وقولوا: " اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح وخير ما فيها، وخير ما أمرت به، ونعوذ بك من شر هذه الريح وشر ما فيها، وشر ما أمرت به ". ففي هذا عبودية لله وطاعة له ولرسوله، واستدفاع للشرور به، وتعرض لفضله ونعمته، وهذه حال أهل التوحيد والإيمان، خلافا لحال أهل الفسوق والعصيان الذين حُرموا ذوق طعم التوحيد الذي هو حقيقة الإيمان.
1 صحيح: الترمذي: كتاب الفتن (2252) : باب ما جاء في النهي عن سب الرياح وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وأحمد (5/123) . وصححه الألباني لشواهده وطرقه في صحيح الجامع (7192) . 2 الترمذي: الفتن (2252) , وأحمد (5/123) .

باب: قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاساً يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الأَمْ رِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ 1.
قوله: "باب قول الله تعالى: ﴿ظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية".
وهذه الآية ذكرها الله تعالى في سياق قوله تعالى في ذكر وقعة أُحد: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاساً يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ﴾ . يعني أهل الإيمان والثبات والتوكل الصادق، وهم الجازمون بأن الله تعالى ينصر رسوله صلى الله عليه وسلم وينجز له مأموله، ولهذا قال: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ يعني لا يغشاهم النعاس من الجزع والقلق والخوف ﴿يظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ ، كما قال تعالى: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً﴾ 2.
وهكذا هؤلاء اعتقدوا أن المشركين لما ظهروا تلك الساعة ظنوا أنها الفيصلة، وأن الإسلام 1 سورة آل عمران آية: 154. 2 سورة الفتح آية: 12.

قد باد وأهله، وهذا شأن أهل الريب والشك إذا حصل أمر من الأمور الفظيعة تحصل لهم هذه الأمور الشنيعة.
عن ابن جريج قال: " قيل لعبد الله بن أبي: قُتل بنو الخزرج اليوم.
قال: وهل لنا من الأمور من شيء؟ ". قال العلامة ابن القيم -رحمه الله تعالى- في الكلام على ما تضمنته وقعة أُحد1: وقد فسر هذا الظن الذي لا يليق بالله سبحانه بأنه لا ينصر رسوله، وأن أمره سيضمحل وأنه يسلمه للقتل، وفسر بظنهم أن ما أصابهم لم يكن بقضاء الله وقدره ولا حكمة له وقوله: ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ 2. قال ابن القيم في الآية الأولى: " فسر هذا الظن بأنه سبحانه لا ينصر رسوله، وأن أمره سيضمحل، وفسر بأن ما أصابه لم يكن بقدر الله وحكمته، ففسر بإنكار الحكمة، وإنكار القدر، وإنكار أن يتم أمر رسوله وأن يظهره الله على الدين كله.
وهذا هو ظن السوء الذي ظن المنافقون والمشركون في سورة الفتح.
وإنما كان هذا ظن السوء؛ لأنه ظن غير ما يليق به سبحانه، وما يليق بحكمته وحمده ووعده الصادق.
فمن ظن أنه يُديلُ الباطل على الحق إدالة مستقرة يضمحل معها الحق، أو أنكر أن يكون ما جرى بقضائه وقدره، أو أنكر أن يكون قدره لحكمة بالغة يستحق عليها الحمد، بل زعم أن ذلك لمشيئة مجردة، فيه.
ففسر بإنكار الحكمة، وإنكار القدر، وإنكار أن يتم أمر رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن يظهره على الدين كله.
وهذا هو ظن السوء الذي ظنه المنافقون والمشركون في سورة الفتح حيث يقول: " ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ 3. وإنما كان هذا هو ظن السوء وظن الجاهلية- وهو المنسوب إلى أهل الجهل- وظن غير الحق؛ لأنه ظن غير ما يليق بأسمائه الحسنى وصفاته العليا، وذاته المبرأة من كل عيب وسوء، وخلاف ما يليق بحكمته وحمده وتفرده بالربوبية والإلهية، وما يليق بوعده الصادق الذي لا يخلفه، وبكلمته التي سبقت لرسله أنه ينصرهم ولا يخذلهم، ولجنده بأنهم هم الغالبون.
فمن ظن به أنه لا ينصر رسله ولا يتم أمره ولا يؤيده، ويؤيد حزبه ويعليهم ويظفرهم بأعدائهم ويظهرهم، وأنه لا ينصر دينه وكتابه، وأنه يُديل الشرك على التوحيد، والباطل على الحق إدالة مستقرة، يضمحل معها التوحيد والحق اضمحلالا لا يقوم بعده أبدا، فقد ظن بالله ظن السوء، ونسبه إلى خلاف ما يليق بجلاله وكماله وصفاته ونعوته؛ فإن حمده وعزته وحكمته وإلهيته تأبى ذلك، وتأبى أن يُذل حزبه وجنده، وأن تكون

فذلك ظن الذين كفروا، فويل للذين كفروا من النار.
وأكثر الناس يظنون بالله ظن السوء فيما يختص بهم، وفيما يفعله بغيرهم، ولا يسلم من ذلك إلا من عرف الله وأسماءه وصفاته، وموجب حكمته وحمده، فليعتن اللبيب الناصح لنفسه بهذا، وليتب إلى الله وليستغفره من ظنه بربه ظن السوء.
ولو فتّشت من فتشت لرأيت عنده تعنتا على القدر وملامة له، وأنه كان ينبغي أن يكون كذا وكذا، فمستقل ومستكثر وفتش نفسك هل أنت سالم؟ فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة ... وإلا فإني لا إخالك ناجيا النصرة المستقرة والظفر الدائم لأعدائه المشركين به العادلين به.
فمن ظن به ذلك فما عرفه ولا عرف أسماءه ولا عرف صفاته وكماله.
وكذلك من أنكر أن يكون ذلك بقضائه وقدره، فما عرفه ولا عرف ربوبيته وملكه وعظمته.
وكذلك من أنكر أن يكون قدر ما قدره من ذلك وغيره لحكمة بالغة وغاية محمودة يستحق الحمد عليها، وأن ذلك إنما صدر عن مشيئة مجردة عن حكمته، وغاية مطلوبه هي أحب إليه من فواتها، وأن تلك الأسباب المكروهة له المفضية إليها، لا يخرج تقديرها عن الحكمة؛ لإفضائها إلى ما يحب وإن كانت مكروهة له، فما قدرها سدى ولا شاءها عبثا ولا خلقها باطلا.
﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ 1.
وأكثر الناس يظنون بالله غير الحق ظن السوء فيما يختص بهم، وفيما يفعله بغيرهم، ولا يسلم من ذلك إلا من عرف الله وعرف أسماءه وصفاته، وعرف موجب حكمته وحمده.
فمن قنط من رحمته وأيس من روحه فقد ظن به ظن السوء.
ومن جوّز عليه أن يعذب أولياءه مع إحسانهم وإخلاصهم، ويسوي بينهم وبين أعدائه فقد ظن به ظن السوء.
ومن ظن أنه يترك خلقه سدى معطلين عن الأمر والنهي، لا يرسل إليهم رسله ولا ينزل عليهم كتبه، بل يتركهم هَمَلا كالأنعام، فقد ظن به ظن السوء.
ومن ظن أنه لن يجمع عبيده بعد موتهم للثواب والعقاب في دار يجازى المحسن فيها بإحسانه والمسيء بإساءته، ويبين لخلقه حقيقة ما اختلفوا فيه، ويظهر للعالمين كلهم صدقه وصدق رسله، وأن أعداءه كانوا هم الكاذبين فقد ظن به ظن السوء.
ومن ظن أنه يضيع عليه عمله الصالح الذي عمله خالصا لوجهه على امتثال أمره، ويبطله عليه فيه مسائل: الأولى: تفسير آية آل عمران.
الثانية: تفسير آية الفتح.
بلا سبب من العبد، وأنه يعاقبه بما لا صنع له فيه ولا اختيار له ولا قدرة ولا إرادة له في حصوله، بل يعاقبه على فعله هو سبحانه به، أو ظن به أنه يجوز عليه أن يؤيد أعداءه الكاذبين عليه بالمعجزات التي يؤيد بها أنبياءه ورسله، ويجريها على أيديهم ليضلوا بها عباده، وأنه يحسن منه كل شيء حتى تعذيب من أفنى عمره في طاعته فيخلده في الجحيم 1 سورة ص آية: 27.

في أسفل سافلين، وينعم من استنفد عمره في عداوته وعداوة رسله ودينه فيرفعه إلى أعلى عليين، وكلا الأمرين في الحسن عنده سواء، ولا يعرف امتناع أحدهما ووقوع الآخر إلا بخبر صادق، وإلا فالعقل لا يقضي بقبح أحدهما وحسن الآخر، فقد ظن به ظن السوء.
ومن ظن أنه أخبر عن نفسه وصفاته وأفعاله بما ظاهره باطل وتشبيه وتمثيل، وترك الحق لم يخبر به وإنما رمز إليه رموزا بعيدة، وأشار إليه إشارات ملغزة ولم يصرح به، وصرح دائما بالتشبيه والتمثيل والباطل، وأراد من خلقه أن يتعبوا أذهانهم وقواهم وأفكارهم في تحريف كلامه عن مواضعه، وتأويله على غير تأويله، ويتطلبوا له وجوه الاحتمالات المستكرهة والتأويلات التي هي بالألغاز والأحاجي1 أشبه منها بالكشف والبيان، وأحالهم في معرفة أسمائه وصفاته على عقولهم وآرائهم لا على كتابه، بل أراد منهم أن لا يحملوا كلامه على ما يعرفونه من خطابهم ولغتهم، مع قدرته على أن يصرح لهم بالحق الذي ينبغي التصريح به، ويريحهم من الألفاظ التي توقعهم في اعتقاد الباطل فلم يفعل; بل سلك بهم خلاف طريق الهدى والبيان، فقد ظن به ظن السوء؛ فإنه إن قال: إنه غير قادر على التعبير عن الحق باللفظ الصريح الذي عبر به هو وسلفه فقد ظن بقدرته العجز، وإن قال: إنه قادر ولم يبين، وعدَل عن البيان وعن التصريح بالحق إلى ما يوهم، بل يوقع في الباطل المحال والاعتقاد الفاسد، فقد ظن بحكمته ورحمته ظن السوء.

ومن ظن أنه هو وسلفه عبروا عن الحق بصريحه دون الله ورسوله، وأن الهدى والحق في كلامهم وعباراتهم، وأما كلام الله فإنما يؤخذ من ظاهره التشبيه والتمثيل والضلال، وظاهر كلام المتهوكين والحيارى هو الهدى والحق، فهذا أسوأ الظن بالله.
فكل هؤلاء من الظانين بالله ظن السوء، ومن الظانين بالله غير الحق ظن الجاهلية.
ومن ظن به أن يكون في مُلكه ما لا يشاء ولا يقدر على إيجاده وتكوينه، فقد ظن بالله ظن السوء.
ومن ظن أنه كان معطلا من الأزل إلى الأبد عن أن يفعل، ولا يوصف حينئذ بالقدرة على الفعل، ثم صار قادرا عليه بعد أن لم يكن قادرا، فقد ظن به ظن السوء.
ومن ظن أنه لا يسمع ولا يبصر ولا يعلم الموجودات، ولا عدد السماوات ولا النجوم، ولا بني آدم وحركاتهم وأفعالهم، ولا يعلم شيئا من الموجودات في الأعيان، فقد ظن به ظن السوء.
ومن ظن به أنه لا سمع له ولا بصر ولا علم ولا إرادة، ولا كلام يقوم به، وأنه لا يكلم أحدا من الخلق ولا يتكلم أبدا، ولا قال، ولا يقول، ولا له أمر ولا نهي يقوم به، فقد ظن به ظن السوء.

ومن ظن به أنه ليس فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه، وأن نسبة ذاته إلى عرشه كنسبتها إلى أسفل سافلين; وإلى الأمكنة التي يرغب عن ذكرها، وأنه أسفل كما أنه أعلى، وأن من قال: سبحان ربي الأسفل كان كمن قال: سبحان ربي الأعلى، فقد ظن به أقبح الظن وأسوأه.
الثالثة: الإخبار بأن ذلك أنواع لا تحصر.
الرابعة: أنه لا يسلم من ذلك إلا من عرف الأسماء والصفات وعرف نفسه.
ومن ظن أنه يحب الكفر والفسوق والعصيان، ويحب الفساد كما يحب الإيمان والبر والطاعة والإصلاح، فقد ظن به السوء.
ومن ظن به أنه لا يحب ولا يرضى، ولا يغضب ولا يسخط، ولا يوالي ولا يعادي، ولا يقرب من أحد من خلقه، ولا يقرب منه أحد، وأن ذوات الشياطين في القرب من ذاته كذوات الملائكة المقربين وأوليائه المفلحين، فقد ظن به ظن السوء.
ومن ظن به أنه يسوي بين المتضادين، أو يفرق بين المتساويين من كل وجه، أو يحبط طاعات العمر المديد الخالصة الصواب بكبيرة واحدة تكون بعدها، فيخلد فاعل تلك الطاعات في الجحيم أبد الآبدين بتلك الكبيرة، ويحبط بها جميع طاعاته ويخلده في العذاب كما يخلد من لم يؤمن به طرفة عين، واستنفد ساعات عمره في مساخطة ومعاداة رسله ودينه، فقد ظن به ظن السوء.
ومن ظن به أن له ولدا أو شريكا، أو أن أحدا يشفع عنده بدون إذنه، أو أن بينه وبين خلقه وسائط يرفعون حوائجهم إليه، وأنه نصب لعباده أولياء من دونه يتقربون بهم إليه، ويتوصلون بهم إليه، ويجعلونهم وسائط بينه وبينهم، فيدعونهم ويخافونهم ويرجونهم فقد ظن به أقبح الظن وأسوأه.
ومن ظن به أنه ينال ما عنده بمعصيته ومخالفته، كما يناله بطاعته والتقرب إليه، فقد ظن به خلاف حكمته، وخلاف موجب أسمائه وصفاته، وهو من ظن السوء.
ومن ظن به أنه إذا ترك شيئا من أجله لم يعوضه خيرا منه، أو من فعل شيئا لأجله لم يعطه أفضل منه، فقد ظن به ظن السوء.
ومن ظن به أنه يغضب على عبده ويعاقبه ويحرمه بغير جرم، ولا سبب من العبد إلا بمجرد المشيئة ومحض الإرادة، فقد ظن به ظن السوء.
ومن ظن به أنه إذا صدقه في الرغبة والرهبة، وتضرع إليه وسأله واستعان به، وتوكل عليه أنه يخيبه ولا يعطيه ما سأله، فقد ظن به ظن السوء، وظن به خلاف ما هو أهله.
ومن ظن أنه يثيبه إذا عصاه كما يثيبه إذا أطاعه، وسأله ذلك في دعائه، فقد ظن به خلاف ما تقتضيه حكمته وحمده، وخلاف ما هو أهله وما لا يفعله.

ومن ظن به أنه إذا أغضبه وأسخطه وأوضع في معاصيه، ثم اتخذ من دونه أولياء ودعا من دونه ملكا أو بشرا حيا أو ميتا يرجو بذلك أن ينفعه عند ربه ويخلصه من عذابه، فقد ظن به ظن السوء.
فأكثر الخلق بل كلهم- إلا من شاء الله- يظنون بالله غير الحق وظن السوء؛ فإن غالب بني آدم يعتقد أنه مبخوس الحق ناقص الحظ، وأنه يستحق فوق ما شاءه الله وأعطاه.
ولسان حاله يقول: ظلمني ربي ومنعني ما أستحقه ونفسه تشهد عليه بذلك، وهو بلسانه ينكره ولا يتجاسر على التصريح به.
ومن فتش نفسه وتغلغل في معرفة طواياها، رأى ذلك فيها كامنا كمون النار في الزناد، فاقدح زناد من شئت ينبئك شراره عما في زناده، ولو فتشت من فتشت لرأيت عنده تعنتا "وتعتبا" على القدر وملامة له، واقتراحا عليه خلاف ما جرى به، وأنه كان ينبغي أن يكون كذا وكذا، فمستقل ومستكثر، وفتش نفسك هل أنت سالم من ذلك؟ فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة ... وإلا فإني لا إخالك ناجيا فليعتن اللبيب الناصح لنفسه بهذا الموضع، وليتب إلى الله ويستغفره في كل وقت من ظنه بربه ظن السوء، وليظن السوء بنفسه التي هي مادة كل سوء ومنبع كل شر، المركبة على الجهل والظلم.
فهي أولى بظن السوء من أحكم الحاكمين، وأعدل العادلين، وأرحم الراحمين الغني الحميد، الذي له الغنى التام، والحمد التام، والحكمة التامة، المنزه عن كل سوء في ذاته وصفاته وأفعاله وأسمائه، فذاته لها الكمال المطلق من كل وجه، وصفاته كذلك، وأفعاله كلها حكمة ومصلحة ورحمة وعدل، وأسماؤه كلها حسنى.
فلا تظنن بربك ظن سوء ... فإن الله أولى بالجميل ولا تظنن بنفسك قط خيرا ... فكيف بظالم جان جهول وقل: يانفس مأوى كل سوء ... أترجو الخير من ميت بخيل وظن بنفسك السوأى ... تجدها كذاك وخيرها كالمستحيل وما بك من تقى فيها وخير ... فتلك مواهب الرب الجليل وليس لها ولا منها ولكن ... ن الرحمن فاشكر للدليل اهـ. قوله: ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ 1. قال ابن جرير في تفسيره: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ الظانين بالله أنه لن ينصرك وأهل الإيمان بك على أعدائك، ولن يُظهر كلمته فيجعلها العليا على كلمة الكافرين به.
وذلك كان السوء من ظنونهم التي ذكرها الله في هذا الموضع.
يقول -تعالى ذكره-: على المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الذين ظنوا هذا الظن دائرة السوء.
يعني دائرة العذاب تدور عليهم به.
واختلف القراء في قراءة ذلك: فقرأته عامة قراء الكوفة ﴿دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ بفتح السين.
وقرأ بعض قراء البصرة "دائرة السوء" بالضم.
وكان الفراء يقول: الفتح أفشى في السين.
وقلّ ما تقول العرب "دائرة السوء" بضم السين.
وقوله: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ﴾ 1 يعني ونالهم الله بغضب منه ولعنهم.
يقول: وأبعدهم فأقصاهم من رحمته ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ﴾ 1 يقول: وأعد لهم جهنم يصلونها يوم القيامة ﴿وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ يقول: وساءت جهنم منزلا يصير إليه هؤلاء المنافقون والمنافقات والمشركون والمشركات.
وقال العماد ابن كثير -رحمه الله تعالى-: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ 1 أي يتهمون الله في حكمه، ويظنون بالرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه أن يقتلوا ويذهبوا بالكلية؛ ولهذا قال تعالى: ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ . وذكر في معنى الآية الأخرى نحوا مما ذكره ابن جرير -رحمهما الله تعالى-.
قوله: " قال ابن القيم -رحمه الله تعالى-" الذي ذكره المصنف في المتن قدمته لاندراجه في كلامه الذي سقته من أوله إلى آخره.

باب: " ما جاء في منكري القدر"

وقال ابن عمر: " والذي نفس ابن عمر بيده، لو كان لأحدهم مثل أُحد ذهبا، ثم أنفقه في سبيل الله ما قبله الله منه، حتى يؤمن بالقدر ". ثم استدل بقول النبي صلى الله عليه وسلم: " الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره " 1. رواه مسلم.
قوله: "باب ما جاء في منكري القدر" أي من الوعيد الشديد ونحو ذلك.
1 مسلم: الإيمان (8) , والترمذي: الإيمان (2610) , والنسائي: الإيمان وشرائعه (4990) , وأبو داود: السنة (4695) , وابن ماجه: المقدمة (63) , وأحمد (1/27 ,1/28) .

أخرج أبو داود عن عبد العزيز ابن أبي حازم عن أبيه عن ابن عمر -رضي الله عنهما- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " القدرية مجوس هذه الأمة، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم " 1 2. وعن عمر مولى غُفرة عن رجل من الأنصار عن حذيفة - وهو ابن اليمان- رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لكل أمة مجوس، ومجوس هذه الأمة الذين يقولون: لا قدر، من مات منهم فلا تشهدوا جنازته ومن مرض منهم فلا تعودوه، وهم شيعة الدجال، وحق على الله أن يلحقهم بالدجال " 3 4. قوله: "وقول ابن عمر: والذي نفسي بيده" إلخ.
حديث ابن عمر أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن يحيى بن يعمر قال: " كان أول من تكلم في القدر بالبصرة معبد الجهني، فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري حاجين، أو معتمرين.
فقلنا: لو لقينا أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر؟ فوفق الله تعالى لنا عبد الله بن عمر داخلا في المسجد، فاكتنفته أنا وصاحبي، فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إليّ، فقلت: أبا عبد الرحمن، إنه قد ظهر قِبلنا أناس يقرءون القرآن، ويتقفّرون العلم5 يزعمون أن لا قدر، وأن الأمر أُنف،

فقال: إذا لقيت أولئك فأخبرهم أني منهم بريء، وأنهم مني برآء.
والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا، فأنفقه في سبيل الله ما قبله الله منه، حتى يؤمن بالقدر.
ثم قال: حدثني عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: " بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه.
وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا.
قال: صدقت.
فعجبنا له يسأله ويصدقه.
قال: فأخبرني عن الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره.
قال: صدقت.
قال: فأخبرني عن الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
قال: فأخبرني عن الساعة؟ قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل.
قال فأخبرني عن أماراتها؟ قال: أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان.
قال: فانطلق.
فلبثت ثلاثا.
وفي رواية: مليا.
ثم قال: يا عمر أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم.
قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم " 1. ففي هذا الحديث أن الإيمان بالقدر من أصول الإيمان الستة المذكورة، فمن لم يؤمن بالقدر خيره وشره فقد ترك أصلا من أصول الدين وجحده، فيشبه من قال الله فيهم: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ 2 الآية.
قوله: "وعن عبادة" قد تقدم ذكره في باب فضل التوحيد، وحديثه هذا رواه أبو داود ورواه

الإمام أحمد بكماله1 قال: حدثنا الحسن بن سوار حدثنا ليث عن معاوية عن أيوب بن زياد; حدثني عبادة بن الوليد بن عبادة حدثني أبي قال: دخلت على عبادة وهو مريض أتخايل فيه الموت، فقلت: يا أبتاه أوصني واجتهد لي، فقال: أجلسوني.
قال: يا بني إنك لن تجد طعم الإيمان، ولن تبلغ حقيقة العلم بالله حتى تؤمن بالقدر خيره وشره.
قلت: يا أبتاه فكيف لي أن أعلم ما خير القدر وشره؟ قال: تعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك.
يا بني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن أول ما خلق الله القلم; فقال له: اكتب.
فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة.
يا بني، إن مت ولست على ذلك دخلت النار " ورواه الترمذي بسنده المتصل إلى عطاء ابن أبي رباح عن الوليد بن عبادة عن أبيه، وقال: حسن صحيح وغريب 2. وفي هذا الحديث ونحوه: بيان شمول علم الله تعالى وإحاطته بما كان ويكون في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ 34.34

وقد قال الإمام أحمد -رحمه الله- لما سئل عن القدر قال: "القدر قدرة الرحمن".
واستحسن ابن عقيل هذا من أحمد -رحمه الله-.
والمعنى: أنه لا يمنع عن قدرة الله شيء، ونفاة القدر قد جحدوا كمال قدرة الله

فيه مسائل: الأولى: بيان فرض الإيمان بالقدر.
الثانية: بيان كيفية الإيمان.
الثالثة: إحباط عمل من لم يؤمن به.
الرابعة: الإخبار أن أحدا لا يجد طعم الإيمان حتى يؤمن به.
الخامسة: ذكر أول ما خلق الله.
السادسة: أنه جرى بالمقادير في تلك الساعة إلى قيام الساعة.
السابعة: براءته صلى الله عليه وسلم ممن لم يؤمن به.
تعالى فضلوا عن سواء السبيل.
وقد قال بعض السلف: " ناظروهم بالعلم، فإن أقروا به خصموا وإن جحدوه كفروا".
قوله: "وفي المسند وسنن أبي داود عن ابن الديلمي" وهو أبو بسر - بالسين المهملة، وبالباء المضمومة-.
ويقال: أبو بشر- بالشين المعجمة وكسر الباء- وبعضهم صحح الأول.
واسمه: عبد الله بن فيروز.
ولفظ أبي داود: قال: " لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه، عذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم، ولو أنفقت مثل أحد ذهبا ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولو مت على غير هذا لكنت من أهل النار " 1. قال: فأتيت عبد الله بن مسعود فقال مثل ذلك، ثم أتيت حذيفة بن اليمان فقال مثل ذلك، قال ثم أتيت زيد بن ثابت، قال: فحدثني عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك2.
وأخرجه ابن ماجه.
وقال العماد ابن كثير -رحمه الله-: عن سفيان عن منصور عن ربعي بن حراش عن رجل عن علي ابن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربع: يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله بعثني بالحق، ويؤمن بالبعث بعد الموت، ويؤمن بالقدر خيره وشره " 3. وكذا رواه الترمذي عن النضر بن شميل عن شعبة عن منصور به.
ورواه من حديث أبي داود الطيالسي عن شعبة عن ربعي عن علي فذكره.
وقد ثبت في صحيح مسلم من رواية عبد الله بن وهب وغيره عن أبي هانئ الخولاني عن أبي عبد الرحمن الحبلى عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة.
- زاد ابن وهب-: وكان عرشه على الماء " 4. رواه الترمذي وقال: حديث حسن غريب.
وكل هذه الأحاديث وما في معناها فيها الوعيد الشديد على عدم الإيمان بالقدر، وهي الحجة على نفاة القدر من المعتزلة وغيرهم.
ومن مذهبهم: تخليد أهل المعاصي في النار، وهذا الذي اعتقدوه من أكبر الكبائر وأعظم المعاصي.
وفي الحقيقة إذا اعتبرنا إقامة الحجة عليهم بما تواترت به نصوص الكتاب والسنة من إثبات القدر، فقد حكموا على أنفسهم بالخلود في النار إن لم يتوبوا.
وهذا لازم لهم على مذهبهم هذا، وقد خالفوا ما تواترت به أدلة الكتاب والسنة من إثبات القدر، وعدم تخليد أهل الكبائر من الموحدين في النار5.

الثامنة: عادة السلف في إزالة الشبهة بسؤال العلماء.
التاسعة: إن العلماء أجابوه بما يزيل شبهته، وذلك أنهم نسبوا الكلام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقط.

باب: " ما جاء في المصورين"

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قال الله تعالى: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا ذرة أو ليخلقوا حبة، أو ليخلقوا شعيرة " 1. أخرجاه.
ولهما عن عائشة -رضي الله عنها- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أشد الناس عذابا يوم القيام الذين يضاهئون بخلق الله " 2. ولهما عن ابن عباس سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " كل مصور في النار، يُجعل له بكل صورة صورها نفس يعذب بها في جهنم " 3. ولهما عنه مرفوعا: " من صور صورة في الدنيا، كُلِّفَ أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ " 4. قوله: "باب ما جاء في المصورين" أي من عظيم عقوبة الله لهم وعذابه.
وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم من العلة: وهي المضاهاة بخلق الله؛ لأن الله تعالى له الخلق والأمر، فهو رب كل شيء ومليكه، وهو خالق كل شيء وهو الذي صور جميع المخلوقات، وجعل فيها الأرواح التي تحصل بها الحياة، كما قال تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْأِنْسَانِ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ﴾ 5.
فالمصور لما صور الصورة على شكل ما خلقه الله تعالى من إنسان وبهيمة صار مضاهئا لخلق الله.
فصار ما صوره عذابا له يوم القيامة، وكلف أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ، فكان أشد الناس عذابا; لأن ذنبه من أكبر الذنوب.
فإذا كان هذا فيمن صور صورة على مثال ما خلقه الله تعالى من الحيوان، فكيف بحال من سوّى المخلوق برب العالمين وشبهه بخلقه، وصرف له شيئا من العبادة التي ما خلق الله الخلق إلا ليعبدوه وحده بما لا يستحقه غيره من كل عمل يحبه الله من العبد ويرضاه؟ فتسوية المخلوق بالخالق بصرف حقه لمن لا يستحقه من خلقه، وجعله شريكا له فيما اختص به تعالى وتقدس، هو أعظم ذنب عُصي الله تعالى به.
ولهذا أرسل رسله وأنزل كتبه لبيان هذا الشرك 1 البخاري: التوحيد (7559) , ومسلم: اللباس والزينة (2111) , وأحمد (2/232) . 2 البخاري: كتاب اللباس (5954) : باب ما وطئ من التصوير.
ومسلم: كتاب اللباس والزينة (2106) (92) : باب تحريم تصوير صورة الحيوان.
3 أخرجه البخاري بنحوه: كتاب البيوع (2225) : باب بيع التصاوير التي ليس فيها روح.
ومسلم: كتاب اللباس والزينة (2110) (99) : باب تحريم تصوير صورة الحيوان واللفظ له.
4 البخاري: التعبير (7042) , ومسلم: اللباس والزينة (2110) , والترمذي: اللباس (1751) , والنسائي: الزينة (5358 ,5359) , وأبو داود: الأدب (5024) , وأحمد (1/216 ,1/241) . 5 مسلم: الجنائز (969) , والترمذي: الجنائز (1049) , والنسائي: الجنائز (2031) , وأبو داود: الجنائز (3218) , وأحمد (1/96) . 5 سورة السجدة آية: 7-8-9.

والنهي عنه، وإخلاص العبادة بجميع أنواعها لله تعالى.
فنجى الله تعالى رسله ومن أطاعهم، وأهلك من جهد التوحيد، واستمر على الشرك والتنديد، فما أعظمه من ذنب! ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ 1. ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ 2. قوله: "ولمسلم عن أبي الهياج الأسدي- حيان بن حصين- قال: قال لي علي رضي الله عنه" هو أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب رضي الله عنه.
قوله: " " ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أن لا تدع صورة إلا طمستها، ولا قبرا مشرفا إلا سويته "3.

فيه مسائل: الأولى: التغليظ الشديد في المصورين.

الثانية: التنبيه على العلة وهو ترك الأدب مع الله.
لقوله: " ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي "1. فيه تصريح بأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عليا لذلك.
أما الصور فلمضاهاتها لخلق الله.
وأما تسوية القبور فلما في تعليتها من الفتنة بأربابها وتعظيمها، وهو من ذرائع الشرك ووسائله.
فصرف الهمم إلى هذا وأمثاله من مصالح الدين ومقاصده وواجباته.
ولما وقع التساهل في هذه الأمور وقع المحذور، وعظمت الفتنة بأرباب القبور، وصارت محطا لرحال العابدين المعظمين لها.
فصرفوا لها جلّ العبادة: من الدعاء والاستعانة والاستغاثة، والتضرع لها، والذبح لها، والنذور، وغير ذلك من كل شرك محظور.
قال العلامة ابن القيم -رحمه الله-: 2 ومن جمع بين سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في القبور وما أمر به ونهى عنه، وما كان عليه أصحابه، وبين ما عليه أكثر الناس اليوم.
رأى أحدهما مضادا للآخر، مناقضا له بحيث لا يجتمعان أبدا.
فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة إلى القبور، وهؤلاء يصلون عندها وإليها.
ونهى عن اتخاذها مساجد، وهؤلاء يبنون عليها المساجد، ويسمونها مشاهد مضاهاة لبيوت الله.
ونهى عن إيقاد السرج عليها، وهؤلاء يوقفون الوقوف على إيقاد القناديل عليها.
ونهى عن أن تتخذ عيدا، وهؤلاء يتخذونها أعيادا ومناسك، ويجتمعون لها كاجتماعاتهم للعيد أو أكثر، وأمر بتسويتها.
كما روى مسلم في صحيحه عن أبي الهياج الأسدي- فذكر حديث الباب- وحديث ثمامة بن شُفَي وهو عند مسلم أيضا قال: " كنا مع فضالة بن عبيد بأرض الروم بدردس، فتوفي صاحب لنا، فأمر فضالة بقبره فسوي، ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بتسويتها "3. وهؤلاء يبالغون في مخالفة هذين الحديثين، ويرفعونها عن الأرض كالبيت; ويعقدون عليها القباب.
ونهى عن تجصيص القبر والبناء عليه.

الثالثة: التنبيه على قدرته وعجزهم لقوله: " فليخلقوا ذرة أو حبة أو شعيرة ". الرابعة: التصريح بأنهم أشد الناس عذابا.

الخامسة: أن الله يخلق بعدد كل صورة نفسا يعذب بها المصور في جهنم.

السادسة: أنه يكلف أن ينفخ فيها الروح.

السابعة: الأمر بطمسها إذا وجدت.
كما روى مسلم في صحيحه عن جابر رضي الله عنه قال: " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تجصيص القبر وأن يعقد عليه، وأن يبنى عليه " 1. ونهى عن الكتابة عليها، كما روى أبو داود في سننه.
عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " نهى عن تجصيص القبور، وأن يكتب عليها " 2. قال الترمذي: " حديث حسن صحيح ". وهؤلاء يتخذون عليها الألواح، ويكتبون عليها القرآن وغيره، ونهى أن يزاد عليها غير ترابها.
كما روى أبو داود عن جابر أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم " نهى أن يجصص القبر، أو يكتب عليه، أو يزاد عليه " 3. وهؤلاء يزيدون عليه الآجر والجص والأحجار4.
قال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون الآجر على قبورهم.
والمقصود: أن هؤلاء المعظمين للقبور المتخذينها أعيادا، الموقدين عليها السرج; الذين يبنون عليها المساجد والقباب مناقضون لما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم محادون لما جاء به، وأعظم ذلك اتخاذها مساجد، وإيقاد السرج عليها، وهو من الكبائر.
وقد صرح الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم بتحريمه.
قال أبو محمد المقدسي: " ولو أُبيح اتخاذ السرج عليها لم يلعن من فعله، ولأن فيه تضييعا للمال في غير فائدة، وإفراطا في تعظيم القبور أشبه تعظيم الأصنام.
قال: ولا يجوز اتخاذ المساجد على القبور لهذا الخبر، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد.
يحذر ما صنعوا " 5. متفق عليه.
ولأن تخصيص القبور بالصلاة عندها يشبه تعظيم الأصنام بالسجود لها والتقرب إليها، وقد روينا أن ابتداء عبادة الأصنام تعظيم الأموات باتخاذ صورهم، والتمسح بها والصلاة عندها".
انتهى.
وقد آل الأمر بهؤلاء الضلال المشركين إلى أن شرعوا للقبور حجا.
ووضعوا لها مناسك حتى صنف بعض غلاتهم في ذلك كتابا وسماه "مناسك حج المشاهد" مضاهاة منه القبور بالبيت الحرام، ولا يخفى أن هذا مفارقة لدين الإسلام، ودخول في دين عباد الأصنام، فانظر إلى هذا التباين العظيم بين ما شرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقصده، من النهي عما تقدم ذكره في القبور، وبين ما شرعه هؤلاء وقصدوه، ولا ريب أن في ذلك من المفاسد ما يعجز عن حصره.
فمنها: تعظيمها الموقع في الافتتان بها.
ومنها: اتخاذها أعيادا.
ومنها: السفر إليها.
ومنها: مشابهة عباد الأصنام بما يفعل عندها من العكوف عليها والمجاورة عندها وتعليق الستور عليها وسدانتها، وعُبّادها يرجحون المجاورة عندها على المجاورة عند المسجد الحرام، ويرون سدانتها أفضل من خدمة المساجد، والويل عندهم لقيِّمها ليلة يطفئ القنديل المعلق عليها.
ومنها: النذر لها ولسدنتها.
ومنها: اعتقاد المشركين فيها أن بها يكشف البلاء وينصر على الأعداء، ويستنزل غيث السماء، وتفرج الكروب، وتقضى الحوائج، وينصر المظلوم، ويجار الخائف إلى غير ذلك.
ومنها: الدخول في لعنة الله ورسوله باتخاذ المساجد عليها وإيقاد السرج عليها.
ومنها: الشرك الأكبر الذي يفعل عندها.
ومنها: إيذاء أصحابها بما يفعله المشركون بقبورهم.
فإنهم يؤذيهم ما يفعل عند قبورهم، ويكرهونه غاية الكراهية، كما أن المسيح -عليه السلام- يكره ما يفعله النصارى عند قبره، وكذلك غيره من الأنبياء والأولياء والمشايخ يؤذيهم ما يفعله أشباه النصارى عند قبورهم.
ويوم القيامة يتبرءون منهم، كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْماً بُوراً﴾ 6. قال الله تعالى للمشركين: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ﴾ 7. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ 8 الآية وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ 9. ومنها: 10 إماتة السنن وإحياء البدع.
ومنها: تفضيلها على خير البقاع وأحبها إلى الله، فإن عُبّاد القبور يقصدونها مع التعظيم والاحترام والخشوع ورقة القلب، والعكوف بالهمة على الموتى بما لا يفعلونه في المساجد، ولا يحصل لهم فيها نظيره ولا قريبا منه.
ومنها: 11 أن الذي شرعه الرسول صلى الله عليه وسلم عند زيارة القبور إنما هو تذكّر الآخرة، والإحسان إلى المزور بالدعاء له، والترحم عليه، والاستغفار له، وسؤال العافية له; فيكون الزائر محسنا إلى نفسه وإلى الميت.
فقلب هؤلاء المشركون الأمر وعكسوا الدين، وجعلوا المقصود بالزيارة الشرك بالميت، ودعاءه والدعاء به، وسؤاله حوائجهم، واستنزال البركة منه، ونصره لهم على الأعداء، ونحو ذلك.
فصاروا مسيئين إلى أنفسهم وإلى الميت.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهى الرجال عن زيارة القبور سدا للذريعة.
فلما تمكن التوحيد في قلوبهم أذن لهم في زيارتها على الوجه الذي شرعه، ونهاهم أن يقولوا هُجرا، ومن أعظم الهجر: الشرك عندها قولا وفعلا.
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " زوروا القبور؛ فإنها تذكر الموت " 12 13. وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: " مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبور المدينة، فأقبل عليهم بوجهه فقال: السلام عليكم يا أهل القبور، يغفر الله لنا ولكم، أنتم سلفنا ونحن بالأثر " 14. رواه أحمد والترمذي وحسنه15.
فهذه الزيارة التي شرعها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته، وعلمهم إياها، هل تجد فيها شيئا مما يعتمده أهل الشرك والبدع؟ أم تجدها مضادة لما هم عليه من كل وجه؟ وما أحسن ما قال مالك بن أنس -رحمه الله-: "لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها".
ولكن كلما ضعف تمسك الأمم بعهود أنبيائهم ونقص إيمانهم، عوضوا عن ذلك بما أحدثوه من البدع والشرك.
ولقد جرد السلف الصالح التوحيد وحموا جانبه، حتى كان أحدهم إذا سلم على النبي صلى الله عليه وسلم ثم أراد الدعاء استقبل القبلة، وجعل ظهره إلى جدار القبر ثم دعا16 ونص على ذلك الأئمة الأربعة: أنه يستقبل القبلة وقت الدعاء حتى لا يدعو عند القبر، فإن الدعاء عبادة.
وفي الترمذي وغيره: " الدعاء هو العبادة " 17. فجرد السلف العبادة لله، ولم يفعلوا عند القبور منها إلا ما أذن فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الدعاء لأصحابها، والاستغفار لهم والترحم عليهم.
وأخرج أبو داود عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تجعلوا بيوتكم قبورا، ولا تجعلوا قبري عيدا، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم " 18. وإسناده جيد ورواته ثقات مشيرا إلى قوله: " لا تجعلوا بيوتكم قبورا ". أي لا تعطلوها عن الصلاة فيها والدعاء والقراءة، فتكون بمنزلة القبور، فأمر بتحري النافلة في البيوت ونهى عن تحري النافلة عند القبور، وهذا ضد ما عليه المشركون من النصارى وأشباههم.
ثم إن19 في تعظيم القبور واتخاذها أعيادا من المفاسد العظيمة التي لا يعلمها إلا الله، ما يغضب لأجله كل من في قلبه وقار لله وغيرة على التوحيد، وتهجين وتقبيح للشرك، ولكن ما لجرح بميت إيلام.
فمن المفاسد: اتخاذها أعيادا والصلاة إليها والطواف بها وتقبيلها واستلامها، وتعفير الخدود على ترابها وعبادة أصحابها، والاستغاثة بهم، وسؤالهم النصر والرزق والعافية، وقضاء الدين، وتفريج الكربات، وإغاثة اللهفات وغير ذلك من أنواع الطلبات التي كان عباد الأوثان يسألونها أوثانهم.
فلو رأيت غلاة المتخذين لها عيدا، وقد نزلوا عن الأكوار والدواب إذا رأوها من مكان بعيد، فوضعوا لها الجباه، وقبّلوا الأرض، وكشفوا الرءوس، وارتفعت أصواتهم بالضجيج، وتباكوا حتى تسمع لهم النشيج، ورأوا أنهم قد أربوا في الربح على الحجيج، فاستغاثوا بمن لا يبدئ ولا يعيد، ونادوا ولكن من مكان بعيد، حتى إذا دنوا منها صلوا عند القبر ركعتين، ورأوا أنهم قد أحرزوا من الأجر، ولا أجر من صلى إلى القبلتين!! فتراهم حول القبر رُكّعا وسجدا يبتغون فضلا من الميت ورضوانا، وقد ملئوا أكفهم خيبة وخسرانا.
فلغير الله- بل للشيطان- ما يراق هناك من العبرات، ويرتفع من الأصوات، ويطلب من الميت من الحاجات، ويُسأل من تفريج الكربات، وإغاثة اللهفات، وإغناء ذوي الفاقات، ومعافاة ذوي العاهات والبليات، ثم انثنوا بعد ذلك حول القبر طائفين، تشبيها له بالبيت الحرام الذي جعله الله مباركا وهدى للعالمين.
ثم أخذوا في التقبيل والاستلام.
أرأيت الحجر الأسود وما يفعل به وفد البيت الحرام؟ ثم عفروا لديه تلك الجباه والخدود، التي يعلم الله أنها لم تعفر كذلك بين يديه في السجود، ثم كملوا مناسك حج القبر بالتقصير هناك والحِلاق، واستمتعوا بخلاقهم من ذلك الوثن إذ لم يكن لهم عند الله من خلاق، وقد قربوا لذلك الوثن القرابين، وكانت صلاتهم ونسكهم وقربانهم لغير الله رب العالمين، فلو رأيتهم يهنئ بعضهم بعضا ويقول: أجزل الله لنا ولكم أجرا وافرا وحظا، فإذا رجعوا سألهم غلاة المتخلفين أن يبيع أحدهم ثواب حجة القبر بحجة المتخلف إلى البيت الحرام، فيقول: لا، ولا بحجك كل عام.
هذا ولم نتجاوز فيما حكيناه عنهم، ولا استقصينا جميع بدعهم وضلالهم; إذ هي فوق ما يخطر بالبال، ويدور في الخيال، وهذا مبدأ عبادة الأصنام في قوم نوح كما تقدم.
وكل من شم أدنى رائحة من العلم والفقه يعلم أن من أهم الأمور، سد الذريعة إلى هذا المحظور.
وأن صاحب الشرع أعلم بعاقبة ما نهى عنه وما يئول إليه، وأحكم في نهيه عنه وتوعده عليه، وأن الخير والهدى في اتباعه وطاعته، والشر والضلال في معصيته ومخالفته.
اهـ كلامه -رحمه الله تعالى-20.

باب: " ما جاء في كثرة الحلف"

وقول الله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ 1.
عن أبي هريرة رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " الحلف منفقة للسلعة، ممحقة للكسب "2. أخرجاه.
قوله: "باب ما جاء في كثرة الحلف" أي من النهي عنه والوعيد.
"وقول الله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ ". قال ابن جرير: لا تتركوها بغير تكفير.
وذكر غيره من المفسرين عن ابن عباس يريد لا تحلفوا.
وقال آخرون: احفظوا أيمانكم عن الحنث فلا تحنثوا.
والمصنف أراد من الآية المعنى الذي ذكره ابن عباس، فإن القولين متلازمان، فيلزم من كثرة الحلف كثرة الحنث مع ما يدل عليه من الاستخفاف، وعدم التعظيم لله، وغير ذلك مما ينافي كمال التوحيد الواجب أو عدمه.
"عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " الحلف منفقة للسلعة، ممحقة للكسب ". أخرجاه".
أي البخاري ومسلم.
وأخرجه أبو داود والنسائي.
والمعنى: أنه إذا حلف على سلعته أنه أعطي فيها كذا وكذا، أو أنه اشتراها بكذا وكذا، وقد يظنه المشتري صادقا فيما حلف عليه فيأخذها بزيادة على قيمتها، والبائع كذاب وحلف طمعا في الزيادة، فيكون قد عصى الله تعالى، فيعاقب بمحق البركة، فإذا ذهبت بركة كسبه دخل عليه من النقص أعظم من تلك الزيادة التي دخلت عليه بسبب حلفه، وربما ذهب ثمن تلك السلعة رأسا.
وما عند الله لا ينال إلا بطاعته، وإن تزخرفت الدنيا للعاصي فعاقبتها اضمحلال وذهاب وعقاب.
1 سورة المائدة آية: 89.
2 البخاري: البيوع (2087) , ومسلم: المساقاة (1606) , والنسائي: البيوع (4461) , وأبو داود: البيوع (3335) , وأحمد (2/242 ,2/413) .

قوله: "وعن سلمان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ثلاثة لا يكلمهم الله ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: أُشَيْمِط زان، وعائل مستكبر، ورجل جعل الله بضاعته، لا يشتري إلا بيمينه، ولا يبيع إلا بيمينه " 1. رواه الطبراني بسند صحيح".
وسلمان: لعله سلمان الفارسي أبو عبد الله، أسلم مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، وشهد الخندق، روى عنه أبو عثمان النهدي وشرحبيل بن السمط وغيرهما.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: " سلمان منا أهل البيت2، إن الله يحب من أصحابي أربعة: عليا، وأبا ذر، وسلمان، والمقداد"?.
أخرجه الترمذي وابن ماجه.
قال الحسن: كان سلمان أميرا على ثلاثين ألفا يخطب بهم في عباءة يفترش نصفها ويلبس نصفها.
وتوفي في خلافة عثمان رضي الله عنه قال أبو عبيدة: سنة ست وثلاثين عن ثلاثمائة وخمسين سنة.
ويحتمل أنه سلمان بن عامر بن أوس الضبي.
قوله: "ثلاثة لا يكلمهم الله" 3 نفي كلام الرب -تعالى وتقدس- عن هؤلاء ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: أُشَيْمِط زان، وعائل مستكبر، ورجل جعل " الله" بضاعته لا يشتري إلا بيمينه، ولا يبيع إلا بيمينه ". رواه الطبراني بسند صحيح.
العصاة دليل على أنه يكلم من أطاعه.
وأن الكلام صفة من صفات كماله.
والأدلة على ذلك من الكتاب والسنة أظهر شيء وأبينه.
وهذا هو الذي عليه أهل السنة والجماعة من المحققين قيام الأفعال بالله سبحانه، وأن الفعل يقع بمشيئته تعالى وقدرته شيئا فشيئا، ولم يزل متصفا به.
فهو حادث الآحاد قديم النوع، كما يقول ذلك أئمة أصحاب الحديث وغيرهم من أصحاب الشافعي وأحمد وسائر الطوائف، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ 4. فأتى بالحروف الدالة على الاستقبال والأفعال الدالة على الحال والاستقبال أيضا.
وذلك في القرآن كثير.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: " فإذا قالوا لنا يعني النفاة: فهذا يلزمه أن تكون الحوادث قائمة به.
قلنا: ومن أنكر هذا قبلكم من السلف والأئمة؟ ونصوص القرآن والسنة تتضمن ذلك مع صريح العقل.
ولفظ الحوادث مجمل، فقد يراد به الأعراض والنقائص، والله

تعالى منزه عن ذلك، ولكن يقوم به ما يشاء من كلامه وأفعاله ونحو ذلك: مما دل عليه الكتاب والسنة.
والقول الصحيح: هو قول أهل العلم والحديث الذين يقولون: لم يزل الله متكلما إذا شاء، كما قال ابن المبارك وأحمد بن حنبل وغيرهما من أئمة السنة".
اهـ. قلت: ومعنى قيام الحوادث به تعالى: قدرته عليها وإيجاده لها بمشيئته وأمره.
والله أعلم.
قوله: " ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم".
لما عظم ذنبهم عظمت عقوبتهم، فعوقبوا بهذه الثلاث التي هي أعظم العقوبات.
قوله: "أشيمط زان" صغره تحقيرا له1؛ وذلك لأن داعي المعصية ضعف في حقه، فدل على أن الحامل له على الزنا: محبة المعصية والفجور، وعدم خوفه من الله.
وضعف الداعي إلى المعصية مع فعلها يوجب تغليظ العقوبة عليه; بخلاف الشاب، فإن قوة داعي الشهوة منه قد تغلبه مع خوفه من الله، وقد يرجع على نفسه بالندم، ولومها على المعصية فينتهي ويراجع.
وكذا العائل المستكبر ليست له ما يدعوه إلى الكبر؛ لأن الداعي إلى الكبر في الغالب كثرة المال والنعم والرياسة.
و "العائل" الفقير، لا داعي له إلى أن يستكبر، فاستكباره مع عدم الداعي إليه يدل على أن الكبر طبيعة له، كامن في قلبه، فعظمت عقوبته لعدم الداعي إلى هذا الخلق الذميم الذي هو من أكبر المعاصي.
قوله: "ورجل جعل الله بضاعته" بنصب الاسم الشريف، أي الحلف به، جعله بضاعته لملازمته له وغلبته عليه.
وهذه أعمال تدل على أن صاحبها إن كان موحدا فتوحيده ضعيف وأعماله ضعيفة، بحسب ما قام بقلبه وظهر على لسانه وعمله من تلك المعاصي العظيمة على قلة الداعي إليها.
نسأل الله السلامة والعافية، ونعوذ بالله من كل عمل لا يحبه ربنا ولا يرضاه.
قوله: "وفي الصحيح" أي صحيح مسلم.
وأخرجه أبو داود والترمذي، ورواه البخاري بلفظ "خيركم" 2.

قوله: "عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم- قال عمران؟ فلا أدري أذكر بعد قرنه مرتين أو ثلاثا؟ - ثم إن بعدكم قوما يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السِّمَن " 1. قوله: "خير أمتي قرني" لفضيلة أهل ذلك القرن في العلم والإيمان والأعمال الصالحة التي يتنافس فيها المتنافسون، ويتفاضل فيها العاملون، فغلب الخير فيها وكثر أهله، وقلّ الشر فيها وأهله، واعتز فيها الإسلام والإيمان، وكثر فيها العلم والعلماء.
"ثم الذين يلونهم" فضّلوا على من بعدهم لظهور الإسلام فيهم، وكثرة الداعي إليه والراغب فيه والقائم به.
وما ظهر فيه من البدع أنكر واستعظم وأُزيل، كبدعة الخوارج والقدرية والرافضة، فهذه البدع وإن كانت قد ظهرت فأهلها في غاية الذل والمقت والهوان والقتل فيمن عاند منهم ولم يتب.
قوله: " فلا أدري أذكر بعد قرنه مرتين أو ثلاثا؟ " هذا شك من راوي الحديث عمران بن حصين رضي الله عنه.
والمشهور في الروايات: أن القرون المفضلة ثلاثة، الثالث دون الأولين في الفضل، لكثرة البدع فيه، لكن العلماء متوافرون والإسلام فيه ظاهر والجهاد فيه قائم، ثم ذكر ما وقع بعد القرون الثلاثة من الجفاء في الدين، وكثرة الأهواء.
فقال: " "ثم إن بعدكم قوما يشهدون ولا يستشهدون " لاستخفافهم بأمر الشهادة وعدم تحريهم للصدق، وذلك لقلة دينهم وضعف إسلامهم.
قوله: "ويخونون ولا يؤتمنون" يدل على أن الخيانة قد غلبت على كثير منهم أو أكثرهم.
"وينذرون ولا يوفون" أي لا يؤدون ما وجب عليهم، فظهور هذه الأعمال الذميمة يدل على ضعف إسلامهم وعدم إيمانهم.
قوله: "ويظهر فيهم السمن" لرغبتهم في الدنيا، ونيل شهواتهم والتنعم بها، وغفلتهم

عن الدار الآخرة والعمل لها.
وفي حديث أنس: " لا يأتي على الناس زمان إلا والذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم "1. قال أنس: سمعته من نبيكم صلى الله عليه وسلم فما زال الشر يزيد في الأمة حتى ظهر الشرك وفيه عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته " 2. وقال إبراهيم: " " كانوا يضربوننا على الشهادة والعهد ونحن صغار" ". والبدع في كثير منهم حتى فيمن ينتسب إلى العلم ويتصدر للتعليم والتصنيف3.
قلت: بل قد دعوا إلى الشرك والضلال والبدع، وصنفوا في ذلك نظما ونثرا فنعوذ بالله من موجبات غضبه.
قوله: " وفيه عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته " 4". قلت: وهذه حال من صرف رغبته إلى الدنيا ونسي المعاد، فخف أمر الشهادة واليمين عنده تحملا وأداء؛ لقلة خوفه من الله وعدم مبالاته بذلك، وهذا هو الغالب على الأكثر.
والله المستعان.
فإذا كان هذا قد وقع في صدر الإسلام الأول فما بعده أكثر بأضعاف.
فكان الناس على حذر.
قوله: "قال إبراهيم -هو النخعي-: " كانوا يضربوننا على الشهادة والعهد ونحن صغار "

وذلك لكثرة علم التابعين، وقوة إيمانهم ومعرفتهم بربهم، وقيامهم بوظيفة فيه مسائل: الأولى: الوصية بحفظ الأيمان.
الثانية: الإخبار بأن الحلف منفقة للسلعة ممحقة للبركة.
الثالثة: الوعيد الشديد فيمن لا يبيع ولا يشتري إلا بيمينه.
الرابعة: التنبيه على أن الذنب يعظم مع قلة الداعي.
الخامسة: ذم الذين يحلفون ولا يستحلفون.
السادسة: ثناؤه صلى الله عليه وسلم على القرون الثلاثة أو الأربعة، وذكر ما يحدث.
السابعة: أن الذين يشهدون ولا يستشهدون.
الثامنة: كون السلف يضربون الصغار على الشهادة والعهد.
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأنه من أفضل الجهاد، ولا يقوم الدين إلا به.
وفي هذا رغبة في تمرين الصغار على طاعة ربهم ونهيهم عما يضرهم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.

فصول الكتاب · 8 فصل · 518 صفحة
الانتقال إلى صفحة
الشروح والتعليقات١
جارٍ التحميل