فتح المجيد شرح كتاب التوحيدصفحات 111-149
أهل الأثرالأرشيف العلمي

باب الخوف من الشرك.

صفحات 111-149
عن هذه الطبعة
عَلَم
عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ
الكتاب
فتح المجيد شرح كتاب التوحيد
المؤلف
عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي (المتوفى: 1285هـ)
المحقق
محمد حامد الفقي
الناشر
مطبعة السنة المحمدية، القاهرة، مصر
الطبعة
السابعة، 1377هـ/1957م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

الأمثال التي في محبة المخلوق للمخلوق: كالوصل، والهجر والتجني بلا سبب من المحب، وأمثال ذلك مما يتعالى الله عنه علوا كبيرا، فهو مخطئ أقبح الخطأ وأفحشه، وهو حقيق بالإبعاد والمقت". انتهى. وفي الصحيح عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: " من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه، وحسابه على الله " قوله في الصحيح: أي صحيح مسلم عن أبي مالك الأشجعي عن أبيه عن النبي صلي الله عليه وسلم فذكره. وأبو مالك: اسمه سعد بن طارق، كوفي ثقة مات في حدود الأربعين ومائة. وأبوه طارق بن أشيم - بالمعجمة والمثناة التحتية وزن أحمر - ابن مسعود الأشجعي، صحابي له أحاديث. قال مسلم: "لم يرو عنه غير ابنه". وفي مسند الإمام أحمد عن أبي مالك قال: وسمعته يقول للقوم: " من وحد الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله عز وجل " ورواه الإمام أحمد من طريق يزيد بن هارون قال: أخبرنا أبو مالك الأشجعي عن أبيه. ورواه أحمد عن عبد الله بن إدريس قال: سمعت أبا مالك قال: قلت لأبي - الحديث. ورواية الحديث بهذا اللفظ تفسر "لا إله إلا الله". قوله: " من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله " اعلم أن النبي صلي الله عليه وسلم علق عصمة المال والدم في هذا الحديث بأمرين: الأول: قول "لا إله إلا الله" عن علم ويقين، كما هو قيد في قولها في غير ما حديث كما تقدم. والثاني: الكفر بما يعبد من دون الله، فلم يكتف باللفظ المجرد عن المعنى. بل لا بد من قولها والعمل بها1.
قلت: وفيه معنى ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا﴾ 2. قال المصنف - رحمه الله تعالى -: "وهذا من أعظم ما يبين معنى لا إله إلا الله؛ فإنه لم يجعل

التلفظ بها عاصما للدم والمال، بل ولا معرفة معناها مع لفظها، بل ولا الإقرار بذلك، بل ولا كونه لا يدعو إلا الله وحده لا شريك له، بل لا يحرم ماله ودمه حتى يضيف إلى ذلك الكفر بما يعبد من دون الله، فإن شك أو تردد لم يحرم ماله ودمه.
فيا لها من مسألة ما أجلها ويا له من بيان ما أوضحه، وحجة ما أقطعها للمنازع! " انتهى.
قلت: وهذا هو الشرط المصحح لقوله: "لا إله إلا الله" فلا يصح قولها بدون هذا الخمس التي ذكرها المصنف - رحمه الله - أصلا.
قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ 1. وقال: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ 2 أمر بقتالهم حتى يتوبوا من الشرك ويخلصوا أعمالهم لله تعالى، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإن أبوا عن ذلك أو بعضه قوتلوا إجماعا.
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة مرفوعا: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله " 3 وفي الصحيحين عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة.
فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله " وهذان الحديثان تفسير الآيتين: آية الأنفال، وآية براءة.
وقد أجمع العلماء على أن من قال: "لا إله إلا الله" ولم يعتقد معناها ولم يعمل بمفتضاها، أنه يقاتل حتى يعمل بما دلت عليه من النفي والإثبات.
قال أبو سليمان الخطابي - رحمه الله - في قوله: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" معلوم أن المراد بهذا أهل عبادة الأوثان، دون أهل الكتاب؛ لأنهم يقولون: "لا إله إلا الله"، ثم يقاتلون ولا يرفع عنهم السيف".
وقال القاضي عياض: اختصاص عصمة المال والنفس بمن قال: "لا إله إلا الله" تعبير عن الإجابة إلى الإيمان، وأن المراد بذلك مشركو العرب وأهل الأوثان، فأما غيرهم ممن يقر بالتوحيد، فلا يكتفى في عصمته بقول: "لا إله إلا الله"؛ إذ كان بقولها في كفره.
انتهى ملخصا.
وقال النووي: لا بد مع هذا من الإيمان بجميع ما جاء به الرسول صلي الله عليه وسلم،

كما جاء في الرواية: " ويؤمنوا بي وبما جئت به ". وقال شيخ الإسلام لما سئل عن قتال التتار فقال: "كل طائفة ممتنعة عن التزام شرائع الإسلام الظاهرة من هؤلاء القوم أو غيرهم؛ فإنه يجب قتالهم حتى يلتزموا شرائعه، وإن كانوا مع ذلك ناطقين بالشهادتين وملتزمين بعض شرائعه؛ كما قاتل أبو بكر والصحابة - رضي الله عنهم - مانعي الزكاة، وعلى هذا اتفق الفقهاء بعدهم.
قال: فأيما طائفة امتنعت عن بعض الصلوات المفروضات، أو الصيام، أو الحج، أو عن التزام تحريم الدماء، أو الأموال، أو الخمر أو الميسر، أو نكاح ذوات المحارم، أو عن التزام جهاد الكفار، أو غير ذلك من التزام واجبات الدين ومحرماته التي لا عذر لأحد ومنها: قول الخليل - عليه السلام – للكفار: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ 1 فاستثنى من المعبودين ربه، وذكر سبحانه أن هذه البراءة وهذه الموالاة: هي تفسير شهادة أن لا إله إلا الله فقال: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ 2. ومنها: آية البقرة في الكفار الذين قال فيهم: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ 3 ذكر أنهم يحبون أندادهم كحب الله، 4 فدل على أنهم يحبون الله حبا عظيما ولم يدخلهم في الإسلام.
فكيف بمن أحب الند أكبر5 من حب الله؟ فكيف بمن لم يحب إلا الند وحده؟ ولم يحب الله؟ في جحودها أو تركها، التي يكفر الواحد بجحودها.
فإن الطائفة الممتنعة تقاتل عليها وإن كانت مقرة بها، وهذا مما لا أعلم فيه خلافا بين العلماء.
قال: وهؤلاء عند المحققين ليسوا بمنزلة البغاة، بل هم خارجون عن الإسلام".
انتهى.
قوله: "وحسابه على الله" أي الله تبارك وتعالى هو الذي يتولى حساب الذي يشهد بلسانه بهذه الشهادة، فإن كان صادقا جازاه بجنات النعيم، وإن كان منافقا عذبه العذاب الأليم.
وأما في الدنيا فالحكم على الظاهر، فمن أتى بالتوحيد ولم يأت بما ينافيه ظاهرا والتزم شرائع الإسلام وجب الكف عنه.
قلت: وأفاد الحديث أن الإنسان قد يقول: "لا إله إلا الله" ولا يكفر بما يعبدون ومنها: قوله صلي الله عليه وسلم: " من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله، حرم ماله ودمه، وحسابه على الله " 6 وهذا من أعظم ما يبين معنى: " لا إله إلا الله" فإنه لم يجعل التلفظ بها عاصما للذم والمال، بل ولا معرفة معناها مع لفظها، بل ولا الإقرار بذلك، بل ولا كونه لا يدعو إلا الله وحده لا شريك له، بل لا يحرم ماله ودمه حتى يضيف إلى ذلك الكفر بما يعبد من دون الله.
فإن شك أو توقف لم يحرم ماله ودمه.
فيا لها من مسألة ما أعظمها وأجلها! ويا له من بيان ما أوضحه، وحجة ما أقطعها للمنازع!.
من دون الله فلم يأت بما يعصم دمه وماله كما دل على ذلك الآيات المحكمات والأحاديث.
قوله: "وشرح هذه الترجمة ما بعدها من الأبواب"7 قلت: وذلك أن ما بعدها

من الأبواب فيه ما يبين التوحيد ويوضح معنى "لا إله إلا الله".
وفيه أيضا: بيان أشياء كثيرة من الشرك الأصغر والأكبر ما يوصل إلى ذلك من الغلو والبدع، مما تركه من مضمون "لا إله إلا الله"، فمن عرف ذلك وتحققه، تبين له معنى "لا إله إلا الله" وما دلت عليه من الإخلاص ونفي الشرك، وبضدها تتبين الأشياء، فبمعرفة الأصغر من الشرك يعرف ما هو أعظم منه من الشرك الأكبر المنافي للتوحيد، وأما الأصغر فإنما ينافي كماله، فمن اجتنبه فهو الموحد حقا، وبمعرفة وسائل الشرك والنهي عنها لتجتنب تعرف الغايات التي نهى عن الوسائل لأجلها، فإن اجتناب ذلك كله يستلزم التوحيد والإخلاص بل يقتضيه.
وفيه أيضا من أدلة التوحيد إثبات الصفات وتنزيه الرب تعالى عما لا يليق بجلاله، وكل ما يعرف بالله من صفات كماله وأدلة ربوبيته يدل على أنه هو المعبود وحده، وأن العبادة لا تصلح إلا له، وهذا هو التوحيد، ومعنى شهادة أن لا إله إلا الله

باب: "من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه"

وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ 1.
قوله: "باب من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما، لرفع البلاء أو دفعه" رفعه: إزالته بعد نزوله.
دفعه: منعه قل نزوله.
قال: "وقول الله تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾ ". قال ابن كثير: أي لا تستطيع شيئا من الأمر ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ أي الله كافي من توكل عليه ﴿عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ كما قال هود - عليه السلام - حين قال قومه: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ مِنْ دَابَّةٍ إِلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ 2.
قال مقاتل في معنى الآية: فسألهم النبي صلي الله عليه وسلم فسكتوا.
أي لأنهم لا يعتقدون ذلك فيها3.
1 سورة الزمر آية: 38.
2 سورة هود آية: 54-55-56. 3 في قرة العيون: فإذا كان آلهتهم التي يدعون من دون الله لا قدرة لها على كشف ضر أراده الله بعبده، أو إمساك رحمة أنزلها على عبده، فيلزمهم بذلك أن يكون الله تعالى هو معبودهم وحده لزوما لا محيد لهم عنه.
وذكر تعالى مثل هذا السؤال عن خليله إبراهيم لمن حاجه في الله فقال: 2: 258 (أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين) . فأقام الله تعالى الحجة على المشركين بما يبطل شركهم بالله وتسويتهم غيره به في العبادة بضرب الأمثال وغير ذلك, وهذا في القرآن كثير كقوله تعالى: 22: 73 (يا أيها الناس ضرب مثلا فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب) . وقال تعالى: (مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شيء وهو العزيز الحكيم وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون) . وقال: (والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون) . ذكر العماد ابن كثير - رحمه الله تعالى - في هذه الآية ما رواه ابن أبي حاتم عن قيس بن الحجاج عن حنش الصنعاني عن ابن عباس مرفوعا: "احفظ الله يحفظك, احفظ الله تجده تجاهك, تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة, إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله, واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يضروك، ولو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله لك لم ينفعوك, جفت الصحف ورفعت الأقلام واعمل لله بالشكر في اليقين، واعلم أن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا, وأن النصر مع الصبر, وأن الفرج مع الكرب, وأن مع العسر يسرا.

عن عمران بن حصين رضي الله عنه " أن النبي صلي الله عليه وسلم رأى رجلا في يده حلقة من صفر، فقال: ما هذا؟ قال من الواهنة.
فقال: انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهنا؛ فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدا " 1 رواه أحمد بسند لا بأس به.
وإنما كانوا يدعونها على معنى أنها وسائط وشفعاء عند الله، لا على أنهم يكشفون الضر، ويجيبون دعاء المضطر، فهم يعلمون أن ذلك لله وحده.
كما قال تعالى: ﴿إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُون ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ 2. قلت: فهذه الآية وأمثالها تبطل تعلق القلب بغير الله في جلب نفع أو دفع ضر، وأن ذلك شرك بالله.
وفي الآية بيان أن الله تعالى وسم أهل الشرك بدعوة غير الله والرغبة إليه من دون الله.
والتوحيد ضد ذلك.
وهو أن لا يدعو إلا الله، ولا يرغب إلا إليه، ولا يتوكل إلا عليه، وكذا جميع أنواع العبادة لا يصلح منها شيء لغير الله.
كما دل على ذلك الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها كما تقدم.

قال: "وعن عمران بن حصين "أن النبي صلي الله عليه وسلم رأى رجلا في يده حلقة من صفر فقال ما هذه؟ قال: من الواهنة.
قال: انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهنا; فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدا " رواه أحمد بسند لا بأس به".
قال الإمام أحمد: حدثنا خلف بن الوليد حدثنا المبارك عن الحسن قال: أخبرني عمران بن حصين "أن النبي صلي الله عليه وسلم أبصر على عضد رجل حلقة – قال: أراها من صفر - فقال: ويحك ما هذه؟ قال: من الواهنة.
قال: أما إنها لا تزيدك إلا وهنا.
انبذها عنك؛ فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدا " 1 رواه ابن حبان في صحيحه فقال: " فإنك إن مت وكلت إليها ". والحاكم، وقال: صحيح الإسناد. وأقره الذهبي. وقال الحاكم: أكثر مشايخنا على أن الحسن سمع من عمران. وقوله في الإسناد: "أخبرني عمران" يدل على ذلك2.
قوله: "عن عمران بن حصين" أي ابن عبيد بن خلف الخزاعي، أبو نجيد - بنون وجيم – مصغر، صحابي ابن صحابي، أسلم عام خيبر، ومات سنة اثنتين وخمسين بالبصرة.
قوله: "رأى رجلا" في رواية الحاكم: " دخلت على رسول الله صلي الله عليه وسلم وفي عضدي حلقة صفر، فقال: ما هذه؟ " الحديث.
فالمبهم في رواية أحمد هو عمران راوي الحديث.
قوله: "ما هذه" يحتمل أن الاستفهام للاستفسار عن سبب لبسها، ويحتمل أن يكون للإنكار، وهو أشهر.
قوله: "من الواهنة" قال أبو السعادات: 3 الواهنة عرق يأخذ في المنكب وفي اليد كلها، فيرقى منها.
وقيل: هو مرض يأخذ في العضد، وهي تأخذ الرجال دون النساء4 وإنما نهى عنها؛ لأنه إنما اتخذها على أنها تعصمه من الألم، وفيه اعتبار المقاصد5.
قوله: " انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهنا " النزع هو الجذب بقوة، أخبر أنها لا تنفعه بل تضره وتزيده ضعفا.
وكذلك كل أمر نهى عنه فإنه لا ينفع غالبا وإن نفع بعضه فضره أكبر من نفعه.
قوله: " فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدا " لأنه شرك.
والفلاح هو الفوز والظفر والسعادة.

قال المصنف - رحمه الله تعالى -: "فيه شاهد لكلام الصحابة: أن الشرك الأصغر أكبر الكبائر، وأنه لم يعذر بالجهالة.
وفيه الإنكار بالتغليظ على من فعل مثل ذلك".
قوله: "رواه أحمد بسند لا بأس به" هو الإمام أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد بن إدريس بن عبد الله بن حسان بن عبد الله بن أنس بن عوف بن قاسط بن مازن بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمى بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان الإمام العالم أبو عبد الله الذهلي ثم الشيباني المروزي، ثم البغدادي، إمام أهل عصره وأعلمهم بالفقه والحديث، وأشدهم ورعا ومتابعة للسنة، وهو الذي يقول فيه بعض أهل السنة: عن الدنيا ما كان أصبره، وبالماضين ما كان أشبهه، أتته الدنيا فأباها، والشبه فنفاها.
خرج به من مرو وهو حمل، فولد ببغداد سنة أربع وستين ومائة في شهر ربيع الأول.
وطلب أحمد العلم سنة وفاة مالك، وهي سنة تسع وسبعين، فسمع من هشيم وجرير بن عبد الحميد وسفيان بن عيينة ومعتمر بن سليمان ويحيى بن سعيد القطان ومحمد بن إدريس الشافعي ويزيد بن هارون وعبد الرزاق وعبد الرحمن بن مهدي وخلق لا يحصون بمكة والبصرة والكوفة وبغداد واليمن وغيرها من البلاد.
روى عنه ابناه صالح وعبد الله، والبخاري ومسلم وأبو داود وإبراهيم الحربي وأبو زرعة الرازي الدمشقي وعبد الله ابن أبي الدنيا وأبو بكر الأثرم وعثمان بن سعيد الدارمي وأبو القاسم البغوي، وهو آخر من حدث عنه، وروى عنه من شيوخه عبد الرحمن بن مهدي والأسود بن عامر، ومن أقرانه علي بن المديني ويحيى بن معين.
قال البخاري: مرض أحمد لليلتين خلتا من ربيع الأول ومات يوم الجمعة لاثنتي عشرة خلت منه.
وقال حنبل: مات يوم الجمعة في ربيع الأول سنة إحدى وأربعين ومائتين وله سبع وسبعون سنة.
وقال ابنه عبد الله والفضل بن زياد: مات في ثاني عشر ربيع الآخر - رحمه الله تعالى -.

وله عن عقبة بن عامر مرفوعا: " من تعلق تميمة فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له " 1 وفي رواية: " من تعلق تميمة فقد أشرك " 2. قوله: "وله عن عقبة بن عامر مرفوعا: " من تعلق تميمة فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له " وفي رواية3: " من تعلق تميمة فقد أشرك " 4. الحديث الأول رواه الإمام أحمد كما قال المصنف، ورواه أيضا أبو يعلى والحاكم، وقال: صحيح الإسناد وأقره الذهبي.
قوله: "وفي رواية" أي من حديث آخر رواه أحمد فقال: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث حدثنا عبد العزيز بن مسلم حدثنا يزيد ابن أبي منصور عن دجين الحجري عن عقبة بن عامر الجهني " أن رسول الله صلي الله عليه وسلم أقبل إليه رهط فبايع تسعة وأمسك عن واحد، فقالوا: يا رسول الله، بايعت تسعة وأمسكت عن هذا؟ فقال: إن عليه تميمة فأدخل يده فقطعها، فبايعه وقال: من تعلق تميمة فقد أشرك " ورواه الحاكم بنحوه.
ورواته ثقات.
ولابن أبي حاتم عن حذيفة " أنه رأى رجلا في يده خيط من الحمى فقطعه، قوله: "عن عقبة بن عامر" صحابي مشهور فقيه فاضل، ولي إمارة مصر لمعاوية ثلاث سنين، ومات قريبا من الستين.
قوله: " من تعلق تميمة "5 أي علقها متعلقا بها قلبه في طلب خير أو دفع شر.
قال المنذري: "خرزة كانوا يعلقونها يرون أنها تدفع عنهم الآفات، وهذا جهل وضلالة؛ إذ لا مانع ولا دافع غير الله تعالى".
وقال أبو السعادات: "التمائم جمع تميمة وهي خرزات كانت العرب تعلقها على أولادهم يتقون بها العين في زعمهم، فأبطلها الإسلام".
قوله: " فلا أتم الله له " دعاء عليه.
قوله: " ومن تعلق ودعة " بفتح الواو وسكون المهملة.
قال في مسند الفردوس: "شيء يخرج من البحر يشبه الصدف يتقون به العين".
قوله: " فلا ودع الله له " بتخفيف الدال.
أي لا جعله في دعة وسكون.
قال أبو السعادات: وهذا دعاء عليه.
قوله: "وفي رواية: من تعلق تميمة فقد أشرك" قال أبو السعادات: إنما جعلها شركا؛ لأنهم أرادوا دفع المقادير المكتوبة عليهم، وطلبوا دفع الأذى من غير الله الذي هو دافعه.
1 أحمد (4/154) ، والحاكم (4/ 216, ,417) ، وابن حبان (1413- موارد) . وإسناده ضعيف كما أشار إلى ذلك الألباني في الصحيحة (1/ 810) . 2 أحمد (4/156) ، والحاكم (4/219) وقال المنذري في الترغيب (4/307) ، والهيثمي في المجمع (5/103) : "ورواة أحمد ثقات" اهـ. وصححه الألباني في الصحيحة (492) . 3 ضعيف.
أحمد (4/ 154) والحاكم (4/ 216, ,417) وابن حبان (1413- موارد) وإسناده ضعيف كما أشار إلى ذلك الألباني في الصحيحة (1/ 810) . 4 في قرة العيون: وهذا الحديث فيه التصريح بأن تعليق التمائم شرك لما يقصده من علقها لدفع ما يضره أو جلب ما ينفعه، وهذا أيضا ينافي كمال الإخلاص الذي هو معنى لا إله إلا الله؛ لأن المخلص لا يلتفت قلبه لطلب نفع أو دفع ضر من سوى الله كما تقدم في قوله: (ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن) . فكمال التوحيد لا يحصل إلا بترك ذلك وإن كان من الشرك الأصغر فهو عظيم, فإذا كان هذا قد خفي على بعض الصحابة - رضي الله عنهم - في عهد النبوة فكيف لا يخفى على من هو دونهم في العلم والإيمان بمراتب بعد ما حدث من البدع والشرك؟ كما في الأحاديث الصحيحة، وتقدمت الإشارة إلى ذلك.
وهذا مما يبين معنى لا إله إلا الله أيضا فإنها نفت كل الشرك قليله وكثيره كما قال تعالى: 3: 18. 5 أحمد (4/154) .

قال المصنف - رحمه الله -: "ولابن أبي حاتم عن حذيفة أنه " رأى رجلا في يده خيط من الحمى فقطعه، وتلا قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ 1". قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن الحسين بن إبراهيم بن أشكاب حدثنا يونس بن محمد حدثنا حماد بن سلمة عن عاصم الأحول عن عروة قال: " دخل حذيفة على مريض، فرأى في عضده سيرا فقطعه أو انتزعه ثم قال: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ ". وابن أبي حات: م هو الإمام أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم محمد بن إدريس وتلا قوله: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ 2". فيه مسائل: الأولى: التغليظ في لبس الحلقة والخيط ونحوهما لمثل ذلك.
الثانية: أن الصحابي لو مات وهي عليه ما أفلح.
فيه شاهد لكلام الصحابة: إن الشرك الأصغر أكبر من الكبائر.
الثالثة: أنه لم يعذر بالجهالة.
الرابعة: أنها لا تنفع في العاجلة، بل تضر؛ لقوله " لا تزيدك إلا وهنا".
الرازي التميمي الحنظلي الحافظ، صاحب الجرح والتعديل والتفسير وغيرهما، مات سنة سبع وعشرين وثلاثمائة.
وحذيفة: هو ابن اليمان.
واسم اليمان: حسيل بمهملتين مصغرا، ويقال: حسل - بكسر ثم سكون - العبسي بالموحدة، حليف الأنصار، صحابي جليل من السابقين، ويقال له: صاحب السر3 وأبوه أيضا صحابي، مات حذيفة في أول خلافة علي رضي الله عنه سنة ست وثلاثين.
قوله: "رأى رجلا في يده خيط من الحمى" أي عن الحمى.
وكان الجهال يعلقون التمائم

والخيوط ونحوها لدفع الحمى1 وروى وكيع عن حذيفة: " أنه دخل على مريض يعوده فلمس عضده، فإذا فيه خيط، فقال: ما هذا؟ قال: شيء رقي لي فيه، فقطعه وقال: لو مت وهو عليك ما صليت عليك ". وفيه إنكار مثل هذا، وإن كان يعتقد أنه سبب، فالأسباب لا يجوز منها إلا ما أباحه الله تعالى ورسوله مع عدم الاعتماد عليها.
وأما التمائم والخيوط والحروز والطلاسم ونحو ذلك مما يعلقه الجهال فهو شرك يجب إنكاره وإزالته بالقول والفعل، وإن لم يأذن فيه صاحبه.
قوله: "وتلا قوله: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ 2" استدل حذيفة رضي الله عنه

الخامسة: الإنكار بالتغليظ على من فعل مثل ذلك. السادسة: التصريح بأن من تعلق شيئا وكل إليه1.
السابعة: التصريح بأن من تعلق تميمة فقد أشرك.
الثامنة: أن تعليق الخيط من الحمى من ذلك.
التاسعة: تلاوة حذيفة الآية دليل على أن الصحابة يستدلون بالآيات التي في الشرك الأكبر على الأصغر، كما ذكر ابن عباس في آية البقرة.
العاشرة: أن تعليق الودع عن العين من ذلك.
الحادية عشرة: الدعاء على من تعلق تميمة أن الله لا يتم له، ومن تعلق ودعة فلا ودع2 الله له.
أي ترك الله له.
بالآية على أن هذا شرك3 ففيه صحة الاستدلال على الشرك الأصغر بما أنزله الله في الشرك الأكبر؛ لشمول الآية له ودخول في مسمى الشرك، وتقدم معنى هذه الآية عن ابن عباس وغيره في كلام شيخ الإسلام وغيره.
والله أعلم.
وفي هذه الآثار عن الصحابة: ما يبين كمال علمهم بالتوحيد وما ينافيه أو ينافي كماله.

باب: ما جاء في الرقى والتمائم

في الصحيح عن أبي بشير الأنصاري رضي الله عنه " أنه كان مع رسول الله صلي الله عليه وسلم في بعض أسفاره فأرسل رسولا أن لا يبقين في رقبة بعير قلاة من وتر أو قلاة إلا قطعت "1. قوله: "باب ما جاء في الرقى والتمائم".
أي من النهي وما ورد عن السلف في ذلك.
قوله: "في الصحيح عن أبي بشير الأنصاري أنه كان مع النبي صلي الله عليه وسلم في بعض أسفاره فأرسل رسولا: "أن لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر أو قلادة إلا قطعت " هذا الحديث في الصحيحين.
قوله: "عن أبي بشير" بفتح أوله وكسر المعجمة، قيل: اسمه قيس بن عبيد قاله ابن سعد.
وقال ابن عبد البر: لا يوقف له على اسم صحيح، وهو صحابي شهد الخندق ومات بعد الستين.
ويقال: إنه جاوز المائة.
قوله: "في بعض أسفاره" قال الحافط: لم أقف على تعيينه.
قوله: "فأرسل رسولا" هو زيد بن حارثة.
روى ذلك الحارث ابن أبي أسامة في مسنده قاله الحافظ.
قوله: "أن لا يبقين" بالمثناة التحتية والقاف المفتوحتين، و"قلادة" مرفوع على أنه فاعل.
و "الوتر" بفتحتين، واحد أوتار القوس.
وكان أهل الجاهلية إذا اخلولق الوتر أبدلوه بغيره وقلدوا به الدواب؛ اعتقادا منهم أنه يدفع عن الدابة العين3.
قوله: " أو قلادة إلا قطعت " معناه: أن الراوي شك هل قال شيخه: قلادة من وتر 1 البخاري: الجهاد والسير (3005) , ومسلم: اللباس والزينة (2115) , وأبو داود: الجهاد (2552) , وأحمد (5/216) , ومالك: الجامع (1745) . 2 أبو داود: الطب (3883) , وابن ماجه: الطب (3530) , وأحمد (1/381) . 3 وأصل معنى القلادة: ما يوضع في العنق من الحلي والزينة للنساء، والحبل يوضع في عنق الدابة لتقاد به.
ومثل ذلك ما يعلقه بعض الناس اليوم على السيارات من صورة قرد ونحوه، وما يضعه بعضهم على أبواب البيوت والحوانيت من حدوة حمار أو حصان, وتعليق سنابل من الحنطة أو غير ذلك كله من عمل الجاهلية المنهي عنه أشد النهي، وقد يصل إلى الشرك الأكبر عند بعضهم حين يعتقد فيه أنه هو الذي يدفع حقيقة الضر والسوء.

أو قال: قلادة وأطلق ولم يقيده؟ ويؤيد الأول ما روي عن مالك: أنه سئل عن القلادة؟ فقال: "ما سمعت بكراهتها إلا في الوتر".
ولأبي داود: "ولا قلادة" بغير شك.
قال البغوي في شرح السنة: "تأول مالك أمره - عليه الصلاة والسلام - بقطع القلائد على أنه من أجل العين.
وذلك أنهم كانوا يشدون تلك الأوتار والتمائم ويعلقون عليها العوذ، يظنون أنها تعصمهم من الآفات، فنهاهم النبي صلي الله عليه وسلم عنها وأعلمهم أنها لا ترد من أمر الله شيئا".
قال أبو عبيد: "كانوا يقلدون الإبل الأوتار; لئلا تصيبها العين، فأمرهم النبي صلي الله عليه وسلم بإزالتها إعلاما لهم بأن الأوتار لا ترد شيئا".
وكذا قال ابن الجوزي وغيره.
قال الحافظ:.
"ويؤيده حديث عقبة بن عامر، رفعه: " من تعلق تميمة فلا أتم الله له " 1 رواه أبو داود.
وهي ما علق من القلائد خشية العين ونحو ذلك".
انتهى.
قال المصنف: "وعن ابن مسعود: سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: " إن الرقى والتمائم والتولة شرك " رواه أحمد وأبو داود".
وفيه قصة.
ولفظ أبي داود: " عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود قالت: "إن عبد الله رأى في عنقي خيطا; فقال: ما هذا؟ قلت: خيط رقي لي فيه.
قالت: فأخذه ثم قطعه ثم قال: أنتم آل عبد الله لأغنياء عن الشرك2 سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: إن الرقى والتمائم والتولة شرك فقلت: لقد كانت عيني تقذف، وكنت أختلف إلى فلان اليهودي، فإذا رقى سكنت.
فقال عبد الله: إنما ذلك عمل الشيطان، كان ينخسها بيده، فإذا كف عنها.
إنما كان يكفيك أن تقولي كما كان رسول الله صلي الله عليه

وسلم يقول: أذهب الباس، رب الناس، واشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما " ورواه ابن ماجه وابن حبان والحاكم وقال: صحيح، وأقره الذهبي1.
قوله: "إن الرقى".
قال المصنف: "هي التي تسمى العزائم، وخص منه الدليل ما خلا من الشرك، فقد رخص فيه رسول الله صلي الله عليه وسلم من العين والحمة" يشير إلى أن الرقى الموصوفة بكونها شركا هي التي يستعان فيها بغير الله، وأما إذا لم يذكر فيها إلا بأسماء الله وصفاته وآياته; والمأثور عن النبي صلي الله عليه وسلم فهذا حسن جائز أو مستحب.
قوله: "فقد رخص فيه رسول الله صلي الله عليه وسلم من العين والحمة" كما تقدم ذلك في باب من حقق التوحيد.
وكذا رخص في الرقى من غيرها; كما في صحيح مسلم عن عوف بن مالك: " كنا نرقى في الجاهلية، فقلنا: يا رسول الله كيف ترى في ذلك؟ فقال: اعرضوا علي رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم تكن شركا " 2 وفي الباب أحاديث كثيرة.
قال الخطابي: وكان عليه السلام قد رقى ورقي، وأمر بها وأجازها، فإذا كانت بالقرآن وبأسماء الله فهي مباحة أو مأمور بها، وإنما جاءت الكراهة والمنع فيما كان منها بغير لسان العرب، فإنه ربما كان كفرا أو قولا يدخله شرك.
قلت: من ذلك ما كان على مذاهب الجاهلية التي يتعاطونها، وأنها تدفع عنهم الآفات، ويعتقدون أن ذلك من قبل الجن ومعونتهم.
وبنحو هذا ذكر الخطابي.
وقال شيخ الإسلام: " كل اسم مجهول فليس لأحد أن يرقي به فضلا عن أن يدعو به، ولو عرف معناه؛ لأنه يكره الدعاء بغير العربية، وإنما يرخص لمن لا يحسن العربية، فأما جعل الألفاظ الأعجمية شعارا فليس من دين الإسلام3".

وقال السيوطي: " قد أجمع العلماء على جواز الرقى عند اجتماع ثلاثة شروط: أن تكون بكلام الله أو بأسمائه وصفاته، وباللسان العربي وما يعرف معناه، وأن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها بل بتقدير الله تعالى".
قوله: "والتمائم".
قال المصنف: "شيء يعلق على الأولاد من العين".
وقال الخلخالي: التمائم جمع تميمة، وهي ما يعلق بأعناق الصبيان من خرزات وعظام لدفع العين، وهذا منهي عنه؛ لأنه لا دافع إلا الله، ولا يطلب دفع المؤذيات إلا بالله وبأسمائه وصفاته.
فرخص فيه بعض السلف، وبعضهم لم يرخص فيه ويجعله من المنهي عنه، منهم ابن مسعود رضي الله عنه.
و"الرقى": هي التي تسمى العزائم، وخص منه الدليل ما خلا من الشرك، رخص فيه رسول الله صلي الله عليه وسلم من العين والحمة قال المصنف: "لكن إذا كان المعلق من القرآن فرخص فيه بعض السلف، وبعضهم لم يرخص فيه ويجعله من المنهي عنه.
منهم ابن مسعود".
اعلم أن العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم اختلفوا في جواز تعليق التمائم التي من القرآن وأسماء الله وصفاته، فقالت طائفة: يجوز ذلك، وهو قول عبد الله بن عمرو بن العاص1، وهو ظاهر ما روي عن عائشة.
وبه قال أبو جعفر الباقر وأحمد في رواية.
وحملوا الحديث على التمائم التي فيها شرك.
وقالت طائفة: لا يجوز ذلك.
وبه قال ابن مسعود وابن عباس.
وهو ظاهر قول حذيفة وعقبة بن عامر وابن عكيم، وبه قال جماعة من التابعين، منهم: أصحاب ابن مسعود وأحمد في رواية اختاره كثير من أصحابه، وجزم بها المتأخرون، واحتجوا بهذا الحديث وما في معناه2.

قلت: هذا هو الصحيح لوجوه ثلاثة تطهر للمتأمل: الأول: عموم النهي ولا مخصص للعموم. والثاني: سد الذريعة؛ فإنه يفضي إلى تعليق ما ليس كذلك. الثالث: و"التولة": شيء يصنعونه يزعمون أنه يحبب المرأة إلى زوجها، والرجل إلى امرأته. أنه إذا علق فلا بد أن يمتهنه المعلق بحمله معه في حال قضاء الحاجة والاستنجاء ونحو ذلك1.
وتأمل هذه الأحاديث وما كان عليه السلف -رضي الله تعالى عنهم- يتبين لك بذلك غربة الإسلام، خصوصا إن عرفت عظيم ما وقع فيه الكثير بعد القرون المفضلة من تعظيم القبور واتخاذ المساجد عليها، والإقبال إليها بالقلب والوجه، وصرف جل الدعوات والرغبات والرهبات وأنواع العبادات التي هي حق الله تعالى إليها من دونه، كما قال تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ 2 ونظائرها في القرآن أكثر من أن تحصر.
قوله: "التولة".
قال المصنف: "هي شيء يصنعونه يزعمون أنه يحبب المرأة إلى زوجها والرجل إلى امرأته".
وبهذا فسرها ابن مسعود راوي الحديث: كما في صحيح ابن حبان

والحاكم: " قالوا: يا أبا عبد الرحمن، هذه الرقى والتمائم قد عرفناها.
فما التولة؟ قال: شيء نصنعه للنساء يتحببن به إلى أزواجهن "1 قال الحافظ: " التولة - بكسر المثناة وفتح الواو واللام مخففا - شيء كانت المرأة تجلب به محبة زوجها، وهو ضرب من السحر1 والله أعلم". وكان من الشرك لما يراد به من دفع المضار وجلب المنافع من غير الله تعالى. قال المصنف: " وعن عبد الله بن عكيم مرفوعا: " من تعلق شيئا وكل إليه " رواه أحمد والترمذي". ورواه أبو داود والحاكم. وعبد الله بن عكيم هو بضم المهملة مصغرا، ويكنى أبا معبد الجهني الكوفي. قال البخاري: أدرك زمن النبي صلي الله عليه وسلم ولا يعرف له سماع صحيح. وكذا قال أبو حاتم. قال الخطيب: سكن الكوفة وقدم المدائن في حياة حذيفة، وكان ثقة. وذكر ابن سعد عن غيره أنه مات في ولاية الحجاج. قوله: " من تعلق شيئا وكل إليه " التعلق يكون بالقلب، ويكون بالفعل، ويكون بهما2.
وكل إليه أي وكله الله إلى ذلك الشيء الذي تعلقه، فمن تعلق بالله وأنزل 1تفسير ابن مسعود راوي الحديث عند ابن حبان (1412-موارد) ، والحاكم (4/418) وصححه ووافقه الذهبي.

حوائجه به والتجأ إليه، وفوض أمره إليه، كفاه وقرب إليه كل بعيد ويسر له كل عسير، ومن تعلق بغيره أو سكن إلى رأيه وعقله ودوائه وتمائمه ونحو ذلك، وكله الله إلى ذلك وخذله، وهذا معروف بالنصوص والتجارب.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ 1. قال الإمام أحمد: حدثنا هشام بن القاسم حدثنا أبو سعيد المؤدب حدثنا من سمع عطاء الخراساني قال: " لقيت وهب بن منبه -وهو يطوف بالبيت- فقلت: حدثني حديثا أحفظه عنك في مقامي هذا وأوجز.
قال: نعم، أوحى الله تبارك وتعالى إلى داود: يا داود، أما وعزتي وعظمتي لا يعتصم بي عبد من عبادي دون خلقي، أعرف ذلك من نيته، فتكيده السماوات السبع ومن فيهن والأرضون السبع ومن فيهن إلا جعلت له من بينهن مخرجا.
أما وعزتي وعظمتي لا يعتصم عبد من عبادي بمخلوق دوني، أعرف ذلك من نيته، إلا قطعت أسباب السماء من يده، وأسخت الأرض من تحت قدميه، ثم لا أبالي بأى أوديتها هلك ". قال المصنف: وروى الإمام أحمد عن رويفع قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: " يا رويفع; لعل الحياة ستطول بك، فأخبر الناس أن من عقد لحيته أو تقلد وترا أو استنجى برجيع دابة أو عظم، فإن محمدا بريء منه " الحديث.
رواه الإمام أحمد عن يحيى بن إسحاق والحسن بن موسى الأشيب كلاهما عن ابن لهيعة.
وفيه قصة اختصرها المصنف.
وهذا لفظ حسن: حدثنا ابن لهيعة حدثنا عياش بن عباس عن شييم بن بيتان قال: حدثنا رويفع بن ثابت قال: " كان أحدنا في زمن رسول الله صلي الله عليه وسلم يأخذ جمل أخيه على أن يعطيه النصف مما غنم وله النصف، حتى إن أحدنا ليصير له النصل والريش وللآخر القدح.
" ثم قال لي رسول الله صلي الله عليه وسلم - الحديث.
ثم رواه أحمد عن يحيى بن غيلان حدثني الفضل حدثنا عياش بن عباس أن شييم بن بيتان أخبره أنه سمع شيبان القتباني - الحديث2 ابن لهيعة فيه مقال.

وفي الإسناد الثاني شيبان القتباني، قيل: فيه مجهول.
وبقية رجالهما ثقات.
قوله: "فأخبر الناس" دليل على وجوب إخبار الناس، وليس هذا مختصا برويفع، بل كل من كان عنده علم ليس عند غيره مما يحتاج إليه الناس وجب إعلامهم به، فإن اشترك هو وغيره في علم ذلك فالتبليغ فرض كفاية.
قاله أبو زرعة في شرح سنن أبي داود.
قوله: " لعل الحياة ستطول بك " فيه علم من أعلام النبوة؛ فإن رويفعا طالت حياته إلى سنة ست وخمسين فمات ببرقة من أعمال مصر أميرا عليها، وهو من الأنصار، وقيل مات سنة ثلاث وخمسين.
قوله: "أن من عقد لحيته" بكسر اللام لا غير، والجمع لحى بالكسر والضم قاله الجوهري.
قال الخطابي: أما نهيه عن عقد اللحية فيفسر على وجهين: أحدهما: ما كانوا يفعلونه في الحرب، كانوا يعقدون لحاهم، وذلك من زي بعض الأعاجم يفتلونها ويعقدونها.
قال أبو السعادات: تكبرا وعجبا.
ثانيهما: أن معناه معالجة الشعر ليتعقد ويتجعد، وذلك من فعل أهل التأنيث.
وقال أبو زرعة ابن العراقي: والأولى حمله على عقد اللحية في الصلاة، كما دلت عليه رواية محمد بن الربيع.

وفيه: "أن من عقد لحيته في الصلاة"1.
قوله: "أو تقلد وترا" أي جعله قلادة في عنقه أو عنق دابته.
وفي رواية محمد بن الربيع: "أو تقلد وترا- يريد تميمة".
فإذا كان هذا فيمن تقلد وترا فكيف بمن تعلق بالأموات وسألهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات، الذي جاء النهي عنه وتغليظه في الآيات المحكمات؟ قوله: "أو استنجى برجيع دابة أو عظم فإن محمدا بريء منه" قال النووي: أي بريء من فعله.
وهذا خلاف الظاهر.
والنووي كثيرا ما يتأول الأحاديث بصرفها عن ظاهرها فيغفر الله تعالى له.
وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعا: " لا تستنجوا بالروث ولا العظام فإنه زاد إخوانكم من الجن " 2 وعليه لا يجزي الاستنجاء بهما كما هو ظاهر مذهب أحمد؛ لما روى ابن خزيمة والدارقطني عن أبي هريرة وعن سعيد بن جبير قال: " من قطع تميمة من إنسان كان كعدل رقبة " رواه وكيع.
وله عن إبراهيم قال: " كانوا يكرهون التمائم كلها، من القرآن وغير القرآن ". فيه مسائل: الأولى: تفسير الرقى والتمائم.
الثانية: تفسير التولة.
الثالثة: أن هذه الثلاث كلها من الشرك من غير استثناء.
الرابعة: أن الرقية بالكلام الحق من العين والحمة ليس من ذلك.
الخامسة: أن التميمة إذا كانت من القرآن فقد اختلف العلماء هل هي من ذلك أم لا؟.
السادسة: أن تعليق الأوتار على الدواب عن العين من ذلك.
السابعة: الوعيد الشديد على من تعلق وترا.
الثامنة: فضل ثواب من قطع تميمة من إنسان.
التاسعة: أن كلام إبراهيم لا يخالف ما تقدم من الاختلاف؛ لأن مراده أصحاب عبد الله.
" أن النبي صلي الله عليه وسلم نهى أن يستنجى بعظم أو روث، وقال: إنهما لا يطهران "3. قوله: " وعن سعيد بن جبير قال: " من قطع تميمة من إنسان كان كعدل رقبة " رواه وكيع" هذا عند أهل العلم له حكم الرفع؛ لأن مثل ذلك لا يقال بالرأي ويكون هذا مرسلا؛ لأن سعيدا تابعي4 وفيه فضل قطع التمائم لأنها شرك.
ووكيع: هو ابن الجراح بن وكيع الكوفي، ثقة إمام، صاحب تصانيف منها الجامع وغيره.
روى عنه الإمام أحمد وطبقته.
مات سنة سبع وتسعين ومائة.
قوله: "وله عن إبراهيم قال: " كانوا يكرهون التمائم كلها من القرآن وغير القرآن "

وإبراهيم: هو الإمام إبراهيم بن يزيد النخعي الكوفي، يكنى أبا عمران ثقة من كبار الفقهاء.
قال المزي: دخل على عائشة، ولم يثبت له سماع معها.
مات سنة ست وتسعين، وله خمسون سنة أو نحوها.
قوله: "كانوا يكرهون التمائم" إلى آخره، مراده بذلك أصحاب عبد الله بن مسعود، كعلقمة، والأسود وأبي وائل والحارث بن سويد، وعبيدة السلماني ومسروق والربيع بن خثيم، وسويد بن غفلة وغيرهم، وهم من سادات التابعين.
وهذه الصيغة يستعملها إبراهيم في حكاية أقوالهم كما بين ذلك الحافظ كالعراقي وغيره.

باب: " من تبرك بشجرة أو حجر ونحوهما"

وقول الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ 1.
قوله: "باب من تبرك بشجر أو حجر ونحوهما" كبقعة وقبر ونحو ذلك، أي فهو مشرك.
1 سورة النجم آية: 19-20.

قوله: "قول الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ الآيات".
وكانت اللات لثقيف، والعزى لقريش وبني كنانة، ومناة لبني هلال.
وقال ابن هشام: كانت لهذيل وخزاعة.
فأما "اللات" فقرأ الجمهور بتخفيف التاء، وقرأ ابن عباس وابن الزبير ومجاهد وحميد وأبو صالح ورويس بتشديد التاء.
فعلى الأولى قال الأعمش: سموا اللات من الإله، والعزى من العزيز.
قال ابن جرير: وكانوا قد اشتقوا اسمها من اسم الله تعالى، فقالوا: اللات مؤنثة منه، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا.
قال: وكذا العزى من العزيز.
وقال ابن كثير: اللات كانت صخرة بيضاء منقوشة عليها بيت بالطائف له أستار وسدنة، وحوله فناء معظم عند أهل الطائف، وهم ثقيف ومن تبعها يفتخرون به على من عداهم من أحياء العرب بعد قريش.
قال ابن هشام: فبعث رسول الله صلي الله عليه وسلم المغيرة بن شعبة فهدمها وحرقها بالنار.
وعلى الثانية قال ابن عباس: " كان رجلا يلت السويق للحاج، فلما مات عكفوا على قبره " ذكره البخاري.
قال ابن عباس: " كان يبيع السويق والسمن عند صخرة ويسلؤه عليها، فلما مات ذلك الرجل عبدت ثقيف تلك الصخرة إعظاما لصاحب السويق "1 وعن مجاهد نحوه وقال: " فلما مات عبدوه".
رواه سعيد بن منصور.
وكذا روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس: "أنهم عبدوه" وبنحو هذا قال جماعة من أهل العلم.
قلت: لا منافاة بين القولين؛ فإنهم عبدوا الصخرة والقبر تأليها وتعظيما.

ولمثل هذا بنيت المشاهد والقباب على القبور واتخذت أوثانا.
وفيه بيان أن أهل الجاهلية كانوا يعبدون الصالحين والأصنام.
وأما "العزى" فقال ابن جرير: كانت شجرة عليها بناء وأستار بنخلة - بين مكة والطائف - كانت قريش يعظمونها.
كما قال أبو سفيان يوم أحد: "لنا العزى ولا عزى لكم".
فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: " قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم " 1. وروى النسائي وابن مردويه عن أبي الطفيل قال: 2. " لما فتح رسول الله صلي الله عليه وسلم مكة بعث خالد بن الوليد إلى نخلة - وكانت بها العزى، وكانت على ثلاث سمرات - فقطع السمرات، وهدم البيت الذي كان عليها، ثم أتى النبي صلي الله عليه وسلم فأخبره.
فقال: ارجع فإنك لم تصنع شيئا، فرجع خالد، فلما أبصرته السدنة أمعنوا في الجبل وهم يقولون: يا عزى يا عزى، فأتاها خالد فإذا امرأة عريانة ناشرة شعرها تحفن التراب على رأسها فعمها بالسيف فقتلها.
ثم رجع إلى رسول الله صلي الله عليه وسلم فأخبره.
فقال: تلك العزى " قلت: وكل هذا وما هو أعظم منه يقع في هذه الأزمنة عند ضرائح الأموات وفي المشاهد.
وأما "مناة" فكانت بالمشلل عند قديد بين مكة والمدينة، وكانت خزاعة والأوس والخزرج يعظمونها ويهلون منها للحج.
وأصل اشتقاقها: من اسم الله المنان، وقيل: لكثرة ما يمنى - أي يراق - عندها من الدماء للتبرك بها.
قال البخاري -رحمه الله- في حديث عروة عن عائشة "-رضي الله عنها-: "إنها صنم بين مكة والمدينة".
قال ابن هشام: " فبعث رسول الله صلي الله عليه وسلم عليا فهدمها عام الفتح ". فمعنى الآية كما قال القرطبي: أن فيها حذفا تقديره: أفرأيتم هذه الآلهة، أنفعت أو ضرت، حتى تكون شركاء لله تعالى؟.
وقوله: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى﴾ 3 قال ابن كثير: تجعلون له ولدا وتجعلون ولده أنثى وتختارون لكم الذكور؟ قوله: ﴿تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ 4 أي جور وباطلة.
فكيف تقاسمون ربكم هذه القسمة التي لو كانت بين مخلوقين كانت جورا وسفها فتنزهون أنفسكم عن الإناث وتجعلونهن لله تعالى.
وقوله: ﴿إِنْ هِيَ إِلا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ 5 أي من تلقاء أنفسكم ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ أي من حجة ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ﴾ 6 أي ليس لهم مستند إلا

حسن ظنهم بآبائهم الذين سلكوا هذا المسلك الباطل قبلهم1 ﴿وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ﴾ وإلا حظ أنفسهم في رياستهم وتعظيم آبائهم عن أبي واقد الليثي قال: " خرجنا مع رسول الله صلي الله عليه وسلم إلى حنين ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها، وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها: ذات أنواط، فمررنا بسدرة فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات الأقدمين.
قوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ 2 قال ابن كثير: " ولقد أرسل الله تعالى إليهم الرسل بالحق المنير والحجة القاطعة، ومع هذا ما اتبعوا ما جاءوهم به ولا انقادوا له" اهـ. ومطابقة الآيات للترجمة من جهة أن عباد هذه الأوثان إنما كانوا يعتقدون حصول البركة معها بتعظيمها ودعائها والاستعانة بها والاعتماد عليها في حصول ما يرجونه منها، ويؤملونه ببركاتها وشفاعتها وغير ذلك، فالتبرك بقبور الصالحين كاللات، وبالأشجار كالعزى ومناة3 من ضمن فعل أولئك المشركين مع تلك الأوثان، فمن فعل مثل ذلك واعتقد في قبر أو حجر أو شجر فقد ضاهى عباد هذه الأوثان فيما كانوا يفعلونه معها من هذا الشرك، على أن الواقع من هؤلاء المشركين مع معبوديهم أعظم مما وقع من أولئك.
فالله المستعان.
قوله: " عن أبي واقد الليثي قال: " خرجنا مع رسول الله صلي الله عليه وسلم إلى حنين، ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم، يقال:

لها ذات أنواط، فمررنا بسدرة فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: الله أكبر إنها السنن قلتم، والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ لتركبن سنن من كان قبلكم " رواه الترمذي وصححه1.
أبو واقد: اسمه الحارث بن عوف، وفي الباب عن أبي سعيد وأبي هريرة قاله الترمذي، وقد رواه أحمد وأبو يعلى وابن أبي شيبة والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني بنحوه.
قوله: "عن أبي واقد" قد تقدم ذكر اسمه في قول الترمذي، وهو صحابي مشهور مات سنة ثمان وستين وله خمس وثمانون سنة.
قوله: "خرجنا مع رسول الله صلي الله عليه وسلم إلى حنين" وفي حديث عمرو بن عوف وهو عند ابن أبي حاتم وابن مردويه والطبراني قال: " غزونا مع رسول الله صلي الله عليه وسلم يوم الفتح، ونحن ألف ونيف حتى إذا كنا بين حنين والطائف " الحديث.
قوله: "ونحن حدثاء عهد بكفر" أي قريب عهدنا بالكفر، ففيه دليل على أن غيرهم ممن تقدم إسلامه من الصحابة لا يجهل هذا، وأن المنتقل من الباطل الذي اعتاده قلبه لا يأمن أن يكون في قلبه بقية من تلك العادة.
ذكره المصنف رحمه الله.
قوله: "وللمشركين سدرة يعكفون عندها".
العكوف هو الإقامة على الشيء في المكان، ومنه قول الخليل -عليه السلام-: ﴿إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ 2، وكان عكوف المشركين عند تلك السدرة تبركا بها وتعظيما لها3.
وفي حديث عمرو: "كان يناط بها السلاح فسميت ذات أنواط وكانت تعبد من دون الله".
قوله: "وينوطون بها أسلحتهم" أي يعلقونها عليها للبركة.

أنواط.
فقال رسول الله:صلي الله عليه وسلم الله أكبر، إنها السنن قلتم، والذي نفسي بيده، كما قالت بنو إسرائيل لموسى ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ قلت: ففي هذا بيان أن عبادتهم لها بالتعظيم والعكوف والتبرك، وبهذه الأمور الثلاثة عبدت الأشجار ونحوها.
قوله: " فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط " قال أبو السعادات: سألوه أن يجعل لهم مثلها فنهاهم عن ذلك.
وأنواط: جمع نوط، وهو مصدر سمي بها المنوط.
ظنوا أن هذا أمر محبوب عند الله وقصدوا التقرب به، وإلا فهم أجل قدرا من أن يقصدوا مخالفة النبي صلي الله عليه وسلم.
قوله: "فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: الله أكبر" وفي رواية: "سبحان الله".
والمراد تعظيم الله تعالى وتنزيهه عن هذا الشرك بأي نوع كان، مما لا يجوز أن يطلب أو يقصد به غير الله، وكان النبي صلي الله عليه وسلم يستعمل التكبير والتسبيح في حال التعجب تعظيما لله وتنزيها له إذا سمع من أحد ما لا يليق بالله مما فيه هضم للربوبية أو الإلهية.
قوله: "إنها السنن" بضم السين أي الطرق.
قوله: " قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة " شبه مقالتهم هذه بقول بني إسرائيل، بجامع أن كلا طلب أن يجعل له ما يألهه ويعبده من دون الله، وإن اختلف اللفظان فالمعنى واحد، فتغيير الاسم لا يغير الحقيقة.
ففيه الخوف من الشرك، وأن الإنسان قد يستحسن شيئا يظن أنه يقربه إلى الله، وهو أبعد ما يبعده من رحمته ويقربه من سخطه، ولا يعرف هذا على الحقيقة إلا من عرف ما وقع في هذه الأزمان من كثير من العلماء والعباد مع أرباب القبور، من الغلو فيها وصرف جل العبادة لها، ويحسبون أنهم على شيء وهو الذنب الذي لا يغفره الله.
قال الحافظ أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل الشافعي المعروف بابن أبي شامة في كتاب البدع والحوادث: " ومن هذا القسم أيضا ما قد عم الابتلاء به من تزيين الشيطان للعامة تخليق الحيطان والعمد وإسراج مواضع مخصوصة في كل بلد، يحكي لهم حاك أنه رأى في

منامه بها أحدا ممن شهر بالصلاح والولاية، فيفعلون ذلك ويحافظون عليه مع تضييعهم لفرائض الله تعالى وسننه، ويظنون أنهم متقربون بذلك، ثم يتجاوزون هذا إلى أن يعظم وقع تلك الأماكن في قلوبهم فيعظمونها، ويرجون الشفاء لمرضاهم وقضاء حوائجهم بالنذر لها، وهي من عيون وشجر وحائط وحجر.
وفي مدينة دمشق من ذلك مواضع متعددة كعوينة الحمى خارج باب توما، والعمود المخلق داخل باب الصغير، والشجرة الملعونة خارج باب النصر في نفس قارعة الطريق سهل الله قطعها واجتثاثها من أصلها، فما أشبهها بذات أنواط الواردة في الحديث1 انتهى.
وذكر ابن القيم - رحمه الله - نحو ما ذكره أبو شامة، ثم قال: فما أسرع أهل الشرك إلى اتخاذ الأوثان من دون الله ولو كانت ما كانت، ويقولون: إن هذا الحجر وهذه الشجرة وهذه العين تقبل النذر; أي تقل العبادة من دون الله; فإن النذر عبادة وقربة يتقرب بها الناذر إلى المنذور له، وسيأتي ما يتعلق بهذا الباب عند قوله صلي الله عليه وسلم: " اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد " 2. وفي هذه الجملة من الفوائد: أن ما يفعله من يعتقد في الأشجار والقبور والأحجار من التبرك بها والعكوف عندها والذبح لها هو الشرك، ولا يغتر بالعوام والطغام، ولا يستبعد كون الشرك بالله تعالى يقع في هذه الأمة، فإذا كان بعض الصحابة ظنوا ذلك حسنا، وطلبوه من النبي صلي الله عليه وسلم حتى بين لهم أن ذلك كقول بني إسرائيل: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ 3 فكيف لا يخفى على من دونهم في العلم والفضل بأضعاف مضاعفة مع غلبة الجهل وبعد العهد بآثار النبوة؟! بل خفي عليهم عظائم الشرك في الإلهية والربويية، فأكبروا فعله واتخذوه قربة.

وفيها: أن الاعتبار في الأحكام بالمعاني لا بالأسماء، ولهذا جعل النبي صلي الله عليه وسلم طلبتهم كطلبة بني إسرائيل، ولم يلتفت إلى كونهم سموها ذات أنواط.
فالمشرك مشرك وإن سمى شركه ما سماه، كمن يسمي دعاء الأموات والذبح والنذر لهم ونحو ذلك تعظيما ومحبة، فإن ذلك هو الشرك وإن سماه ما سماه.
وقس على ذلك.
قوله: " لتركبن سنن من كان قبلكم " بضم1 الموحدة وضم السين أي طرقهم

ومناهجهم، وقد يجوز فتح السين على الأفراد أي طريقهم.
وهذا خبر صحيح.
والواقع من كثير من هذه الأمة يشهد له.
وفيه علم من أعلام النبوة من حيث إنه وقع كما أخبر به صلي الله عليه وسلم.
وفي الحديث: النهي عن التشبه بأهل الجاهلية وأهل الكتاب فيما كانوا يفعلونه، إلا ما دل على أنه من شريعة محمد صلي الله عليه وسلم.

فيه مسائل: الأولى: تفسير آية النجم. الثانية: معرفة صورة الأمر الذي طلبوا1.
الثالثة: كونهم لم يفعلوا.
الرابعة: كونهم قصدوا التقرب إلى الله بذلك؛ لظنهم أنه يحبه.
الخامسة: أنهم إذا جهلوا هذا فغيرهم أولى بالجهل.
السادسة: أن لهم من الحسنات والوعد بالمغفرة ما ليس لغيرهم.
السابعة: أن النبي صلي الله عليه وسلم لم يعذرهم في الأمر بل رد عليهم بقوله: " الله أكبر، إنها السنن، لتتبعن سنن من كان قبلكم " فغلظ الأمر بهذه الثلاث.
الثامنة: الأمر الكبير، وهو المقصود: أنه أخبر أن طلبتهم كطلبة بني إسرائيل لما قالوا لموسى ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً﴾ 2. التاسعة: أن نفي هذا من معنى " لا إله إلا الله" مع دقته وخفائه على أولئك. العاشرة: أنه حلف على الفتيا، وهو لا يحلف إلا لمصلحة. الحادية عشرة: أن الشرك فيه أكبر وأصغر؛ لأنهم لم يرتدوا بهذا3.
الثانية عشرة: قولهم: " ونحن حدثاء عهد بكفر" فيه أن غيرهم لا يجهل ذلك.
التابعون من ساداتهم في العلم والدين وأهل الأسوة.
فلا يجوز أن يقاس على رسول الله صلي الله عليه وسلم أحد من الأمة، وللنبي صلي الله عليه وسلم في حال الحياة خصائص كثيرة لا يصلح أن يشاركه فيها غيره.
الثالثة عشرة: التكبير عند التعجب، خلافا لمن كرهه.
الرابعة عشرة: سد الذرائع.
الخامسة عشرة: النهي عن التشبه بأهل الجاهلية.
السادسة عشرة: الغضب عند التعليم.
السابعة عشرة: القاعدة الكلية لقوله: " إنها السنن".
الثامنة عشرة: أن هذا علم من أعلام النبوة؛ لكونه وقع كما أخبر.
التاسعة عشرة: أن ما ذم الله به اليهود والنصارى في القرآن أنه لنا.
العشرون: أنه متقرر عندهم أن العبادات مبناها على الأمر، فصار فيه التنبيه على مسائل القبر، أما " من ربك "؟ فواضح.
وأما " من نبيك؟ " فمن إخباره بأنباء الغيب.
وأما " ما دينك؟ " فمن قولهم: " اجعل لنا" إلى آخره.
الحادية والعشرون: أن سنة أهل الكتاب مذمومة كسنة المشركين.
الثانية والعشرون: أن المنتقل من الباطل الذي اعتاده قلبه لا يؤمن أن يكون في قلبه بقية من تلك العادة، لقولهم: ونحن حدثاء عهد كفر.
ومنها: أن في المنع عن ذلك سدا لذريعة الشرك كما لا يخفى.

باب: " ما جاء في الذبح لغير الله"

قال المصنف - رحمه الله -: "وفيه التنبيه على مسائل القبر، أما من ربك؟ فواضح، وأما من نبيك؟ فمن إخباره بأنباء الغيب، وأما ما دينك؟ فمن قولهم اجعل لنا إلها إلخ.
وفيه: أن الشرك لا بد أن يقع في هذه الأمة خلافا لمن ادعى خلاف ذلك، وفيه الغضب عند التعليم، وأن ما ذم الله به اليهود والنصارى فإنه قاله لنا لنحذره" قاله المصنف - رحمه الله وأما ما ادعاه بعض المتأخرين من أنه يجوز التبرك بآثار الصالحين فممنوع من وجوه: منها: أن السابقين الأولين من الصحابة ومن بعدهم لم يكونوا يفعلون ذلك مع غير النبي صلي الله عليه وسلم، لا في حياته ولا بعد موته، ولو كان خيرا لسبقونا إليه، وأفضل الصحابة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي - رضي الله عنهم -. وقد شهد لهم رسول الله صلي الله عليه وسلم فيمن شهد له بالجنة; وما فعله أحد من الصحابة والتابعين مع أحد من هؤلاء السادة، ولا فعله وقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ 1.
قوله "باب ما جاء في الذبح لغير الله" من الوعيد وأنه شرك بالله.
1 سورة الأنعام آية: 162-163.

قوله: "وقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي 1 وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ﴾ الآية".
قال ابن كثير: "يأمره الله تعالى أن يخبر المشركين الذين يعبدون غير الله وبذبحون له: بأنه أخلص لله صلاته وذبيحته؛ لأن المشركين يعبدون الأصنام ويذبحون لها، فأمره الله تعالى بمخالفتهم والانحراف عما هم فيه والإقبال بالقصد والنية والعزم على الإخلاص لله تعالى.
قال مجاهد: النسك الذبح في الحج والعمرة".
وقال الثوري عن السدي عن سعيد بن جبير: ونسكي ذبحي.
وكذا قال الضحاك.
وقال غيره: ﴿وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي﴾ أي وما آتيه في حياتي، وما أموت عليه من الإيمان والعمل الصالح ﴿لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ 2 خالصا لوجهه ﴿لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ﴾ الإخلاص ﴿أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ أي من هذه الأمة لأن إسلام كل نبي متقدم.
قال ابن كثير: وهو كما قال: فإن جميع الأنبياء قبله كانت دعوتهم إلى الإسلام، وهو عبادة الله وحده لا شريك له.
كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ 3 وذكر آيات في هذا المعنى.
ووجه مطابقة الآية للترجمة: أن الله تعالى تعبد عباده بأن يتقربوا إليه بالنسك، كما تعبدهم بالصلاة وغيرها من أنواع العبادات؛ فإن الله تعالى أمرهم أن يخلصوا جميع أنواع

العبادة له دون كل ما سواه، فإذا تقربوا إلى غير الله بالذبح أو غيره من أنواع العبادة، فقد جعلوا لله شريكا في عبادته، ظاهر في قوله: ﴿لا شَرِيكَ لَهُ﴾ 1 نفى أن يكون الله تعالى شريك في هذه العبادات، وهو بحمد الله واضح2.
قوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ 3 قال شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى -: "أمره الله أن يجمع بين هاتين العبادتين، وهما الصلاة والنسك، الدالتان على القرب والتواضع والافتقار وحسن الظن وقوة اليقين، وطمأنينة القلب إلى الله وإلى عدته، عكس حال أهل الكبر والنفرة، وأهل الغنى عن الله الذين لا حاجة لهم في صلاتهم إلى ربهم، والذين لا ينحرون له خوفا من الفقر، ولهذا جمع بينهما في قوله: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي﴾ - الآية.
والنسك: الذبيحة لله تعالى ابتغاء وجهه؛ فإنهما أجل ما يتقرب به إلى الله، فإنه أتى فيهما بالفاء الدالة على السبب; لأن فعل ذلك سبب للقيام بشكر ما أعطاه الله تعالى من الكوثر.
وأجل العبادات البدنية: الصلاة; وأجل العبادات المالية: النحر.
وما يجتمع للعبد في الصلاة لا يجتمع له في غيرها، كما عرفه أرباب القلوب الحية، وما يجتمع له في النحر إذا قارنه الإيمان والإخلاص، من قوة اليقين وحسن الظن أمر عجيب، وكان النبي صلي الله عليه وسلم كثير الصلاة، كثير النحر".
اهـ. قلت: وقد تضمنت الصلاة من أنواع العبادات كثيرا، فمن ذلك الدعاء والتكبير، والتسبيح والقراءة، والتسميع والثناء، والقيام والركوع، والسجود والاعتدال، وإقامة الوجه لله تعالى، والإقبال عليه بالقلب; وغير ذلك مما هو مشروع في الصلاة، وكل هذه الأمور من أنواع العبادة التي لا يجوز أن يصرف منها شيء لغير الله، وكذلك النسك يتضمن أمورا من العبادة كما تقدم في كلام شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى -. قوله: وعن علي ابن أبي طالب قال: " حدثني رسول الله صلي الله عليه وسلم بأربع

كلمات: لعن الله من ذبح لغير الله; ولعن الله من لعن والديه ولعن الله من آوى محدثا; ولعن الله من غير منار الأرض " رواه مسلم من طرق وفيه قصة.
ورواه الإمام أحمد كذلك عن أبي طفيل قال: " قلنا لعلي: أخبرنا بشيء أسره إليك رسول الله صلي الله عليه وسلم فقال: ما أسر إلي شيئا كتمه الناس; ولكن سمعته يقول: لعن الله من ذبح لغير الله، ولعن الله من آوى محدثا، ولعن الله من لعن والديه، ولعن الله من غير تخوم الأرض، يعنى المنار " 1. وعلي ابن أبي طالب: هو الإمام أمير المؤمنين أبو الحسن الهاشمي ابن عم النبي صلي الله عليه وسلم وزوج ابنته فاطمة الزهراء; كان من أسبق السابقين الأولين، ومن أهل بدر وبيعة الرضوان، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، ورابع الخلفاء الراشدين، ومناقبه مشهورة رضي الله عنه، قتله ابن ملجم الخارجي في رمضان سنة أربعين.
قوله: "لعن الله" اللعن: البعد عن مظان الرحمة ومواطنها.
قيل: واللعين والملعون من حقت عليه اللعنة، أو دعي عليه بها.
قال أبو السعادات: أصل اللعن: الطرد والإبعاد من الله، ومن الخلق السب والدعاء.
قال شيخ الإسلام - رحمه الله - ما معناه: إن الله تعالى يلعن من استحق اللعنة بالقول كما يصلي سبحانه على من استحق الصلاة من عباده.
قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ 1 وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً﴾ 2 وقال: ﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً﴾ 3. والقرآن كلامه تعالى أوحاه إلى جبريل - عليه السلام - وبلغه رسوله محمدا صلي الله عليه وسلم.
وجبريل سمعه منه كما سيأتي في الصلاة إن شاء الله تعالى، فالصلاة ثناء الله تعالى كما تقدم.
فالله تعالى هو المصلي وهو المثيب، كما دل على ذلك الكتاب والسنة; وعليه سلف الأمة.
قال الإمام أحمد - رحمه الله -: "لم يزل الله متكلما إذا شاء".
قوله: "من ذبح لغير الله" قال شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى -: " ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ 67 ظاهره: أنه ما ذبح لغير الله، مثل أن يقول: هذا ذبيحة لكذا.
وإذا كان هذا45 1

هو المقصود فسواء لفظ به أو لم يلفظ، وتحريم هذا أظهر من تحريم ما ذبحه للحم وقال فيه: باسم المسيح أو نحوه.
كما أن ما ذبحناه متقربين به إلى الله كان أذكى وأعظم مما ذبحناه للحم، وقلنا عليه: بسم الله.
فإذا حرم ما قيل فيه باسم المسيح أو الزهرة، فلأن يحرم ما قيل فيه لأجل المسيح أو الزهرة أو قصد به ذلك أولى؛ فإن العبادة لغير الله أعظم كفرا من الاستعانة بغير الله، وعلى هذا فلو ذبح لغير الله متقربا إليه يحرم1 وإن قال فيه باسم الله، كما قد يفعله طائفة من منافقي هذه الأمة الذين يتقربون إلى الكواكب بالذبح والبخور ونحو ذلك2 وإن كان هؤلاء مرتدين لا تباح ذبيحتهم بحال.
لكن يجتمع في الذبيحة مانعان: الأول: أنه مما أهل به لغير الله.
والثاني: أنها ذبيحة مرتد.
ومن هذا الباب: ما يفعله الجاهلون بمكة من الذبح للجن، 3 ولهذا روي عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه نهى عن ذبائح الجن".
اهـ4. قال الزمخشري: "كانوا إذا اشتروا دارا أو بنوها أو استخرجوا عينا ذبحوا ذبيحة خوفا أن تصيبهم الجن، فأضيفت إليهم الذبائح لذلك".
وذكر إبراهيم المروزي: أن ما ذبح عند استقبال السلطان تقربا إليه، أفتى أهل بخارى

بتحريمه; لأنه مما أهل به لغير الله.
قوله: " لعن الله من لعن والديه " يعني أباه وأمه وإن عليا.
وفي الصحيح: أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: " من الكبائر شتم الرجل والديه، قالوا: يا رسول الله، وهل يشتم الرجل والديه؟ قال: نعم يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه " 1. قوله: " "لعن الله من آوى محدثا" " أي منعه من أن يؤخذ معه الحق الذي وجب عليه.
و"آوى" بفتح الهمزة ممدودة أي ضمه إليه وحماه.
قال أبو السعادات: أويت إلى المنزل، وأويت غيري; وآويته.
وأنكر بعضهم المقصور المتعدي.
وأما "محدثا" فقال أبو السعادات: يروى بكسر الدال وفتحها على الفاعل والمفعول، فمعنى الكسر: من نصر جانيا وآواه وأجاره من خصمه، وحال بينه وبين أن يقتص منه.
وبالفتح: هو الأمر المبتدع نفسه، ويكون معنى الإيواء فيه الرضى به والصبر عليه; فإنه إذا رضي بالبدعة وأقر فاعلها ولم ينكر عليه فقد آواه.
قال ابن القيم - رحمه الله تعالى -: "هذه الكبيرة تختلف مراتبها باختلاف مراتب الحدث في نفسه، فكلما كان الحدث في نفسه أكبر كانت الكبيرة أعظم".
قوله: "ولعن الله من غير منار الأرض" بفتح الميم علامات حدودها.
قال أبو السعادات في النهاية - في مادة "تخم" -: ملعون من غير تخوم الأرض أي معالمها واحدودها، وحدها تخم قيل: أراد حدود الحرم خاصة.
وقيل: هو عام في جميع الأرض، وأراد المعالم التي يهتدى بها في الطريق.
وقيل: هو أن يدخل الرجل في ملك غيره فيقتطعه ظلما.
قال: ويروى "تخوم" بفتح التاء على الإفراد وجمعه تخم بضم التاء والخاء".
اهـ. وتغييرها: أن يقدمها أو يؤخرها، فيكون هذا من ظلم الأرض الذي قال فيه النبي صلي الله عليه وسلم: " من ظلم شبرا من الأرض طوقه يوم القيامة من سبع أرضين " 2 ففيه جواز لعن أهل الظلم من غير تعيين.

وأما لعن الفاسق المعين ففيه قولان: أحدهما: أنه جائز.
اختاره ابن الجوزي وغيره.
والثاني: لا يجوز.
اختاره أبو بكر عبد العزيز وشيخ الإسلام.
قوله: "وعن طارق بن شهاب أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: " دخل الجنة رجل في ذباب، ودخل النار رجل في ذباب.
قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال: مر رجلان على قوم لهم صنم لا يجاوزه أحد حتى يقرب له شيئا.
قالوا لأحدهما: قرب.
قال: ليس عندي شي أقرب.
قالوا: قرب ولو ذبابا، فقرب ذبابا.
فخلوا سبيله، فدخل النار.
وقالوا للآخر: قرب، قال: ما كنت لأقرب لأحد شيئا دون الله عز وجل فضربوا عنقه، فدخل الجنة " رواه أحمد" 1. قال ابن القيم - رحمه الله -: قال الإمام أحمد رحمه الله2 حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن سليمان بن ميسرة عن طارق بن شهاب يرفعه قال: " دخل رجل الجنة في ذباب " -الحديث.
وطارق بن شهاب: هو البجلي الأحمس، أبو عبد الله.
رأى النبي صلي الله عليه وسلم وهو رجل.
قال البغوي: نزل الكوفة.
وقال أبو داود: رأى النبي صلي الله عليه وسلم ولم يسمع منه شيئا.
قال الحافظ: إذا ثبت أنه لقي النبي صلي الله عليه وسلم فهو صحابي، وإذا ثبت أنه لم يسمع منه فروايته عنه مرسل صحابي وهو مقبول على الراجح; وكانت وفاته - على ما جزم به ابن حبان - سنة ثلاث وثمانين.
قوله: " دخل الجنة رجل في ذباب " أي من أجله.
قوله: "قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله؟ " كأنهم تقالوا ذلك، وتعجبوا منه.
فبين لهم

صنم لا يجوزه أحد حتى يقرب له شيئا، فقالوا لأحدهما: قرب.
قال: ليس عندي شيء أقرب.
قالوا له: قرب ولو ذبابا.
فقرب ذبابا، فخلوا سبيله، فدخل النار.
وقالوا للآخر: قرب.
فقال: ما كنت لأقرب لأحد شيئا دون الله عز وجل: فضربوا عنقه فدخل الجنة " رواه أحمد.
فيه مسائل: الأولى: تفسير ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي﴾ 1. الثانية: تفسير ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ 2. لهم النبي صلي الله عليه وسلم ما صير هذا الأمر الحقير عندهم عظيما يستحق هذا عليه الجنة، ويستوجب الآخر عليه النار.
قوله: " فقال: مر رجلان على قوم لهم صنم " الصنم: ما كان منحوتا على صورة، ويطلق عليه الوثن كما مر 3. قوله: "لا يجاوزه" أي لا يمر به ولا يتعداه أحد حتى يقرب إليه شيئا وإن قل. قوله: " قالوا له: قرب ولو ذبابا فقرب ذبابا فخلوا سبيله; فدخل النار " في هذا بيان عظمة الشرك، ولو في شيء قليل، وأنه يوجب النار4.
كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ 5. وفي هذا الحديث: التحذير من الوقوع في الشرك، وأن الإنسان قد يقع فيه وهو لا يدري أنه من الشرك الذي يوجب النار. وفيه: أنه دخل النار بسبب لم يقصده ابتداء، وإنما فعله تخلصا من شر أهل الصنم. الثالثة: البداءة بلعنة من ذبح لغير الله. الرابعة: لعن من لعن والديه، ومنه أن تلعن والدي الرجل فيلعن والديك. الخامسة: لعن من آوى محدثا، وهو الرجل يحدث شيئا يجب فيه حق لله، فيلتجئ إلى من يجيره من ذلك. السادسة: لعن من غير منار الأرض، وهي المراسيم التي تفرق بين حقك وحق جارك، فتغيرها بتقديم أو تأخير. السابعة: الفرق بين لعن المعين ولعن أهل المعاصي على سبيل العموم. الثامنة: هذه القصة العظيمة، وهي قصة الذباب. التاسعة: كونه دخل النار بسبب ذلك الذباب الذي لم يقصده، بل فعله تخلصا من شرهم6.
العاشرة: معرفة قدر الشرك في قلوب المؤمنين، كيف صبر ذلك على القتل ولم يوافقهم على طلبتهم، مع كونهم لم يطلبوا إلا العمل الظاهر.
الحادية عشرة: أن الذي دخل النار مسلم؛ لأنه لو كان كافرا لم يقل " دخل النار في ذباب".
الثانية عشرة: فيه شاهد للحديث الصحيح " الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك " 7. وفيه: أن ذلك الرجل كان مسلما قبل ذلك، وإلا فلو لم يكن مسلما لم يقل دخل النار في ذباب.
وفيه: أن عمل القلب هو المقصود الأعظم حتى عند عبدة الأوثان، ذكره المصنف بمعناه.

فصول الكتاب · 8 فصل · 518 صفحة
الانتقال إلى صفحة
الشروح والتعليقات١
جارٍ التحميل