المسألة الرابعة: في بيان السب المذكور والفرق بينه وبين مجرد الكفر.
ومما يبين أن السب قدر زائد على الكفر قوله تعالى: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾.
ومن المعلوم أنهم كانوا مشركين مكذبين معادين لرسوله ثم نهى المسلمون أن يفعلوا ما يكون ذريعة إلى سبهم لله فعلم أن سب الله أعظم عنده من أن يشرك به ويكذب رسوله ويعادي فلا بد له من عقوبة تختصه لما انتهكه من حرمة الله كسائر الحرمات التي تنتهكها بالفعل وأولى فلا يجوز أن يعاقب على ذلك بدون القتل لأن ذلك أعظم الجرائم فلا يقابل إلا بأبلغ العقوبات.
ويدل على ذلك قوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُهِيناً﴾ فإنها تدل على قتل من يؤذي الله كما تدل على قتل من يؤذي رسوله والأذى المطلق إنما هو باللسان وقد تقدم تقرير هذا.
وأيضا فإن إسقاط القتل عنه بإظهار التوبة لا يرفع مفسدة السب لله تعالى فإنه لا يشاء شاء أن يفعل ذلك ثم إذا أخذ أظهر التوبة إلا فعل كما في سائر الجرائم الفعلية.
وأيضا فإنه لم ينتقل إلى دين يريد المقام عليه حتى يكون الانتقال عنه تركا له وإنما فعل جريمة لا تستدام بل هي مثل الأفعال الموجبة للعقوبات فتكون العقوبة على نفس تلك الجريمة الماضية ومثل هذا لا يستتاب عند من يعاقب على ذنب مستمر من كفر أو ردة.
وأيضا فإن استتابة مثل هذا توجب أن لا يقام حد على ساب لله فإنا نعلم أن ليس أحد من الناس مصرا على السب لله الذي يرى أنه سب فإن ذلك لا يدعو إليه عقل ولا طبع وكل ما أفضى إلى تعطيل الحدود بالكلية كان باطلا
ولما كان استتابة الفساق بالأفعال يفضي إلى تعطيل الحدود لم يشرع مع أن أحدهم قد لا يتوب من ذلك لما يدعوه إليه طبعه وكذلك المستتاب من سب الرسول فلا يتوب لما يستحله من سبه فاستتابة الساب لله الذي يسارع إلى إظهار التوبة منه كل أحد أولى أن لا يشرع إذا تضمن تعطيل الحد وأوجب أن تمضمض الأفواه بهتك حرمة اسم الله والاستهزاء به.
وهذا كلام فقيه لكن يعارضه أن ما كان بهذه المثابة لا يحتاج إلى تحقيق إقامة الحد ويكفي تعريض قائله للقتل حتى يتوب.
ولمن ينصر الأول أن يقول: تحقيق إقامة الحد على الساب لله ليس لمجرد زجر الطباع عما تهوى بل تعظيما لله وإجلالا لذكره وإعلاء لكلمته وضبطا للنفوس أن تتسرع إلى الاستهانة بجناية وتقييدا للألسن أن تتفوه بالانتقاص لحقه.
وأيضا فإن حد سب المخلوق وقذفه لا يسقط بإظهار التوبة فحد سب الخالق أولى.
وأيضا فحد الأفعال الموجبة للعقوبة لا تسقط بإظهار التوبة فكذلك حد الأقوال بل شأن الأقوال وتأثيرها أعظم.
وجماع الأمر أن كل عقوبة وجبت جزاء ونكالا على فعل أو قول ماض فإنها لا تسقط إذا أظهرت التوبة بعد الرفع إلى السلطان فسب الله أولى بذلك ولا ينتقض هذا بتوبة الكافر والمرتد لأن العقوبة هناك إنما هي على الاعتقاد الحاضر في الحال المستصحب من الماضي فلا يصلح نقضا لوجهين: أحدهما: أن عقوبة الساب لله ليست كذنب استصحبه واستدامه
فإنه بعد انقضاء السب لم يستصحبه ولم يستدمه وعقوبة الكافر والمرتد إنما هي الكفر الذي هو مصر عليه مقيم على اعتقاده.
الثاني: أن الكافر إنما يعاقب على اعتقاد هو الآن في قلبه وقوله وعمله دليل على ذلك الاعتقاد حتى لو فرض أنا علمنا أن كلمة الكفر التي قالها خرجت من غير اعتقاد لموجبها لم نكفره بأن يكون جاهلا بمعناها أو مخطئا قد غلط وسبق لسانه إليها مع قصد خلافها ونحو ذلك والساب إنما يعاقب على انتهاكه لحرمة الله واستخفافه بحقه فيقتل وإن علمنا أنه لا يستحسن السب لله ولا يعتقده دينا إذ ليس أحد من البشر يدين بذلك ولا ينتقض هذا أيضا بتارك الصلاة والزكاة ونحوهما فإنهم إنما يعاقبون على دوام الترك لهذه الفرائض فإذا فعلوها زال الترك وإن شئت أن تقول: إن الكافر والمرتد وتاركي الفرائض يعاقبون على عدم فعل الإيمان والفرائض أعني على دوام هذا العدم فإذا وجد الإيمان والفرائض امتنعت العقوبة لانقطاع العدم وهؤلاء يعاقبون على وجود الأقوال والأفعال الكبيرة لا على دوام وجودها فإذا وجدت مرة لم يرتفع ذلك بالترك بعد ذلك.
وبالجملة فهذا القول له توجه وقوة وقد تقدم أن الردة نوعان: مجردة ومغلظة وبسطنا هذا القول فيما تقدم في المسألة الثالثة ولا خلاف في قبول التوبة فيما بينه وبين الله سبحانه وسقوط الإثم بالتوبة النصوح.
ومن الناس من سلك في ساب الله تعالى مسلكا آخر وهو أنه جعله من باب الزنديق كأحد المسلكين اللذين ذكرناهما في ساب الرسول لأن وجود السب منه مع إظهاره للإسلام دليل على خبث سريرته لكن هذا ضعيف فإن الكلام هنا إنما هو في سب لا يتدين به فإن السب الذي
يتدين به كالتثليث ودعوى الصاحبة والولد فحكمه حكم أنواع الكفر وكذلك المقالات المكفرة مثل مقالة الجهمية والقدرية وغيرهم من صنوف البدع.
وإذا قبلنا توبة من سب الله سبحانه فإنه يؤدب أدبا وجيعا حتى يردعه عن العود إلى مثل ذلك هكذا ذكره بعض أصحابنا وهو قول أصحاب مالك في كل مرتد.
فصل.
وإن كان الساب لله ذميا فهو كما لو سب الرسول وقد تقدم نص الإمام أحمد على أن من ذكر شيئا يعرض بذكر الرب سبحانه فإنه يقتل سواء كان مسلما أو كافرا وكذلك أصحابنا قالوا: من ذكر الله أو كتابه أو دينه أو رسوله بسوء فجعلوا الحكم فيه واحدا وقالوا: الخلاف في ذكر الله وفي ذكر النبي صلى الله عليه وسلم سواء وكذلك مذهب مالك وأصحابه وكذلك أصحاب الشافعي ذكروا لمن سب الله أو رسوله أو كتابه من أهل الذمة حكما واحدا لكن هنا مسألتان: إحداهما: أن سب الله تعالى على قسمين أحدهما: أن يسبه بما لا يتدين به مما هو استهانة به عند المتكلم وغيره مثل اللعن والتقبيح ونحوه فهذا هو السب الذي لا يرب فيه.
والثاني: أن يكون مما يتدين به ويعتقده تعظيما ولا يراه سبا ولا انتقاصا مثل قول النصراني: إن له ولدا وصاحبة ونحوه فهذا مما اختلف فيه إذا أظهره الذمي فقال القاضي وابن عقيل من أصحابنا: ينتقض به العهد كما ينتقض إذا أظهروا اعتقادهم في النبي صلى الله عليه وسلم وهو مقتضى ما ذكره الشريف أبو جعفر وأبو الخطاب وغيرهما فإنهم ذكروا أن ما ينقض
الإيمان ينقض الذمة ويحكى ذلك عن طائفة من المالكية ووجه ذلك أنا عاهدناهم على أن لا يظهروا شيئا من الكفر وإن كانوا يعتقدونه فمتى أظهروا مثل ذلك فقد آذوا الله ورسوله والمؤمنين بذلك وخالفوا العهد فينتقض العهد بذلك كسب النبي صلى الله عليه وسلم وقد تقدم عن عمر رضي الله عنه أنه قال للنصراني الذي كذب بالقدر: لئن عدت إلى مثل ذلك لأضربن عنقك وقد تقدم ما تقرر ذلك.
والمنصوص عن مالك أن من شتم الله من اليهود والنصارى بغير الوجه الذي كفروا به قتل ولم يستتب قال ابن القاسم: إلا أن يسلم تطوعا فلم يجعل ما يتدين به الذمي سبا وهذا قول عامة المالكية وهو مذهب الشافعي ذكره أصحابه وهو منصوصه قال في "الأم" في تحديد الإمام ما يأخذه من أهل الذمة وعلى أن لا يذكروا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بما هو أهله ولا يطعنوا في دين الإسلام ولا يعيبوا من حكمه شيئا فإن فعلوه فلا ذمة لهم ويأخذ عليهم أن لا يسمعوا المسلمين شركهم وقولهم في عزير وعيسى فإن وجودهم فعلوا بعد التقدم في عزير وعيسى إليهم عاقبهم على ذلك عقوبة لا يبلغ بها حدا لأنهم قد أذن لهم بإقرارهم على دينهم مع علم ما يقولون وهذا ظاهر كلام الإمام أحمد لأنه سئل عن يهودي مر بمؤذن فقال له: "كذبت" فقال: يقتل لأنه شتم فعلل قتله بأنه شتم فعلم أن ما يظهره به من دينه الذي ليس بشتم ليس كذلك قال رضي الله عنه: من ذكر شيئا يعرض بذكر الرب تعالى فعليه القتل مسلما كان أو كان كافرا وهذا مذهب أهل المدينة وإنما مذهب أهل المدينة فيما هو سب عند القائل وذلك أن هذا القسم ليس من باب السب والشتم الذي يلحق بسب الله وسب النبي صلى الله عليه وسلم لأن الكافر لا يقول هذا طعنا ولا عيبا وإنما يعتقده تعظيما وإجلالا وليس هو ولا أحد من الخلق يتدين بسب الله تعالى بخلاف ما يقال في حق النبي صلى الله عليه وسلم
من السوء فإنه لا يقال إلا طعنا وعيبا وذلك أن الكافر يتدين بكثير من تعظيم الله وليس يتدين بشيء من تعظيم الرسول ألا ترى أنه إذا قال: "محمد عليه الصلاة والسلام ساحر أو شاعر" فهو يقول: إن هذا نقص وعيب وإذا قال: "إن المسيح أو عزيرا ابن الله" فليس يقول: إن هذا نقص وعيب وإن كان هذا عيبا ونقصا في الحقيقة وفرق بين قول يقصد به قائله العيب والنقص وقول لا يقصد به ذلك ولا يجوز أن يجعل قولهم في الله كقولهم في الرسول بحيث يجعل الجميع نقضا للعهد إذ يفرق في الجميع بين ما يعتقدونه وبين ما لا يعتقدونه لأن قولهم في الرسول كله طعن في الدين وغضاضة على الإسلام وإظهار لعداوة المسلمين يقصدون به عيب الرسول ونقصه وليس مجرد قولهم الذي يعتقدونه في الله مما يقصدون به عيب الله ونقصه ألا ترى أن قريشا كانت تقار النبي صلى الله عليه وسلم على ما كان يقوله من التوحيد وعبادة الله وحده ولا يقارونه على عيب آلهتهم والطعن في دينهم وذم آبائهم وقد نهى الله المسلمين أن يسبوا الأوثان لئلا يسب المشركون الله مع كونهم لم يزالوا على الشرك فعلم أن محذور سب الله أغلظ من محذور الكفر به فلا يجعل حكمهما واحدا.
المسألة الثانية.
في استتابة الذمي من هذا وقبل توبته.
أما القاضي وجمهور أصحابه مثل الشريف وابن والبناء وابن عقيل ومن تبعهم فإنهم يقبلون توبته ويسقطون عنه القتل بها وهذا ظاهر على أصلهم فإنهم يقبلون توبة المسلم إذا سب الله فتوبة الذمي أولى وهذا هو المعروف من مذهب الشافعي وعليه يدل عموم كلامه حيث قال في شروط أهل الذمة: وعلى أن أحدا منكم إن ذكر محمدا صلى الله عليه وسلم أو كتاب الله
ودينه بما لا ينبغي فقد برئت منه ذمة الله ثم قال: وأيهم قال أو فعل شيئا مما وصفته نقضا للعهد وأسلم لم يقتل إذا كان قولا إلا أنه لم يصرح بالسب لله فقد يكون عنى إذا ذكروا ما يعتقدونه وكذلك قال ابن القاسم وغيره من المالكية: إنه يقتل إلا أن يسلم وقال ابن مسلمة وابن أبي حازم والمخزومي: إنه لا يقتل حتى يستتاب فإن تاب وإلا قتل والمنصوص عن مالك أنه يقتل ولا يستتاب كما تقدم وهذا معنى قول أحمد رضي الله عنه في إحدى الروايتين.
قال في رواية حنبل: من ذكر شيئا يعرض بذكر الرب فعليه القتل مسلما كان أو كافرا وهذا مذهب أهل المدينة وظاهر هذه العبارة أن القتل لا يسقط عنه بالتوبة كما لا يسقط القتل عن المسلم بالتوبة فإنه قال مثل هذه العبارة في شتم النبي صلى الله عليه وسلم في رواية حنبل أيضا قال: "كل من شتم النبي صلى الله عليه وسلم مسلما كان أو كافرا فعليه القتل" وكان حنبل يعرض عليه مسائل المدنيين ويسأله عنها.
ثم إن أصحابنا فسروا قوله في شاتم النبي صلى الله عليه وسلم بأنه لا يسقط عنه القتل بالتوبة مطلقا وقد تقدم توجيه ذلك وهذا مثله وهذا ظاهر إذا قلنا إن المسلم الذي يسب الله لا يسقط عنه القتل بالتوبة لأن المأخذ عندنا ليس هو الزندقة فإنه لو أظهر كفرا غير السب استتبناه وإنما المأخذ أن يقتل عقوبة على ذلك وحدا عليه مع كونه كافرا كما يقتل لسائر الأفعال.
ويظهر الحكم في المسألة بأن يرتب هذا السب ثلاث مراتب: المرتبة الأولى: أن من شان الرب بما يتدين به وليس فيه سب لدين الإسلام إلا أنه سب عند الله تعالى مثل قول النصارى في عيسى ونحو ذلك فقد قال الله تعالى فيما يرويه عنه رسوله: "شتمني ابن آدم وما ينبغي له ذلك" ثم قال: "وأما شتمه إياي فقوله إني اتخذت ولدا وأنا الأحد الصمد
الذي لم ألد ولم أولد" فهذا القسم حكمه حكم سائر أنواع الكفر سميت شتما أو لم تسم وقد ذكرنا الخلاف في انتقاض العهد بإظهار مثل هذا وإذا قيل بانتقاض العهد به فسقوط القتل عنه بالإسلام متوجه وهو في الجملة قول الجمهور.
المرتبة الثانية: أن يذكر ما يتدين به وهو سب لدين المسلمين وطعن عليهم كقول اليهودي للمؤذن "كذبت" وكرد النصراني على عمر رضي الله عنه وكما لو عاب شيئا من أحكام الله أو كتابه ونحو ذلك فهذا حكمه حكم سب الرسول في انتقاض العهد به وهذا القسم هو الذي عناه الفقهاء في نواقض العهد حيث قالوا: إذا ذكر الله أو كتابه أو رسوله أو دينه بسوء ولذلك اقتصر كثير منهم على قوله: أو ذكر كتاب الله أو دينه أو رسوله بسوء وأما سقوط القتل عنه بالإسلام فهو كسب الرسول إلا أن في ذلك حقا لآدمي فمن سلك ذلك المسلك في سب الرسول فرق بينه وبين هذا وهي طريقة القاضي وأكثر أصحابه ومن قتله لما في ذلك من الجناية على الإسلام وأنه محارب لله ورسوله فإنه يقتل بكل حال وهو مقتضى أكثر الأدلة التي تقدم ذكرها.
المرتبة الثالثة: أن يسبه بما لا يتدين به بل هو محرم في دينه كما هو محرم في دين الله تعالى كاللعن والتقبيح ونحو ذلك فهذا النوع لا يظهر بينه وبين سب المسلم فرق بل ربما كان فيه أشد لأنه يعتقد تحريم مثل هذا الكلام في دينه كما يعتقد المسلمون تحريمه وقد عاهدناه على أن نقيم عليه الحد فيما يعتقد تحريمه فإسلامه لم يجدد له اعتقادا لتحريمه بل هو فيه كالذمي إذا زنى أو قتل أو سرق ثم أسلم سواء ثم هو مع ذلك مما يؤذي المسلمين كسب الرسول بل أشد فإذا قلنا لا تقبل توبة المسلم من سب الله فأن نقول لا تقبل توبة الذمي أولى بخلاف الرسول فإنه يتدين
بتقبيح من يعتقد كذبه ولا يتدين بتقبيح خالقه الذي يقر أنه خالقه وقد يكون من هذا الوجه أولى بأن لا يسقط عنه القتل ممن سب الرسول ولهذا لم يذكر عن مالك نفسه وأحمد استثناء فيمن سب الله تعالى كما ذكر عنهما الاستثناء لمن سب الرسول وإن كان كثير من أصحابهما يرون الأمر بالعكس وإنما قصدا هذا الضرب من السب ولهذا قرنا بين المسلم والكافر فلا بد أن يكون سبا منهما وأشبه شيء بهذا الضرب من الأفعال زناه بمسلمة فإنه محرم في دينه مضر بالمسلمين فإذا أسلم لم يسقط عنه بل إما أن يقتل أو يحد حد الزنا كذلك سب الله تعالى حتى لو فرض أن هذا الكلام لا ينقض العهد لوجب أن يقام عليه حده لأن كل أمر يعتقده محرما فإنا نقيم عليه فيه حد الله الذي شرعه في دين الإسلام وإن لم يعلم مأخذه في كتابه مع أن الأغلب على القلب أن أهل الملل كلهم يقتلون على مثل هذا الكلام كما أن حده في دين الله القتل ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أقام على الزاني منهم حد الزنا قال: "اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه" ومعلوم أن ذلك الزاني منهم لم يكن يسقط عنه لو أسلم فإقامة الحد على من سب الرب تبارك وتعالى سبا هو سب في دين الله ودينهم عظيم عند الله وعندهم أولى أن يحيا فيه أمر الله ويقام عليه حده.
وهذا القسم قد اختلف الفقهاء فيه على ثلاثة أقوال: أحدها: أن الذمي يستتاب منه كما يستتاب المسلم منه هذا قول طائفة من المدنيين كما تقدم وكأن هؤلاء لم يروه نقضا للعهد لأن ناقض العهد يقتل كما يقتل المحارب ولا معنى لاستتابة الكافر الأصلي المحارب وإنما رأوا حده القتل فجعلوه كالمسلم وهو يستتيبون المسلم فكذلك يستتاب الذمي
وعلى قول هؤلاء فالأشبه أن استتابته من السب لا تحتاج إلى إسلامه بل تقبل توبته مع بقائه على دينه.
القول الثاني: أنه لا يستتاب لكن إن أسلم لم يقتل وهذا قول ابن القاسم وغيره وهو قول الشافعي وهو إحدى الروايتين عن أحمد وعلى طريقة القاضي لم يذكر فيه خلاف بناء على أنه قد نقض عهده فلا يحتاج قتله إلى استتابة لكن إذا أسلم سقط عنه القتل كالحربي.
القول الثالث: أنه يقتل بكل حال وهو ظاهر كلام مالك وأحمد لأن قتله وجب على جرم محرم في دين الله وفي دينه فلم يسقط عنه موجبه بالإسلام كعقوبته على الزنا والسرقة والشرب وهذا القول هو الذي يدل عليه أكثر الأدلة المتقدم ذكرها.
فصل.
السب الذي ذكرنا حكمه من المسلم هو: الكلام الذي يقصد به الانتقاص والاستخفاف وهو ما يفهم منه السب في عقول الناس على اختلاف اعتقاداتهم كاللعن والتقبيح ونحوه وهو الذي دل عليه قوله تعالى: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾.
فهذا أعظم ما تفوه به الألسنة فأما ما كان سبا في الحقيقة والحكم لكن من الناس من يعتقده دينا ويراه صوابا وحقا ويظن أن ليس فيه انتقاص ولا تعييب فهذا نوع من الكفر حكم صاحبه إما حكم المرتد المظهر للردة أو المنافق المبطن للنفاق والكلام في الكلام الذي يكفر به صاحبه أو لا يكفر وتفصيل الاعتقادات وما يوجب منها الكفر أو البدعة فقط
أو ما اختلف فيه من ذلك ليس هذا موضعه وإنما الغرض أن لا يدخل هذا في قسم السب الذي تكلمنا في استتابة صاحبه نفيا وإثباتا والله أعلم.
فصل.
فإن سب موصوفا بوصف أو مسمى باسم وذلك يقع على الله سبحانه أو بعض رسله خصوصا أو عموما لكن قد ظهر أنه لم يقصد ذلك: إما لاعتقاده أن الوصف أو الاسم لا يقع عليه أو لأنه وإن كان يعتقد وقوعه عليه لكن ظهر أنه لم يرده لكون الاسم في الغالب لا يقصد به ذلك بل غيره فهذا القول وشبهه حرام في الجملة يستتاب صاحبه منه إن لم يعلم أنه حرام ويعزر مع العلم تعزيرا بليغا لكن لا يكفر بذلك ولا يقتل وإن كان يخاف عليه الكفر.
مثال الأول: أن يسب الدهر الذي فرق بينه وبين الأحبة أو الزمان الذي أحوجه إلى الناس أو الوقت الذي أبلاه بمعاشرة من ينكد عليه ونحو ذلك مما يكثر الناس قوله نظما ونثرا فإنه إنما يقصد أن يسب من يفعل ذلك به ثم إنه يعتقد أو يقول إن فاعل ذلك هو الدهر الذي هو الزمان فيسبه وفاعل ذلك إنما هو الله سبحانه فيقع السب عليه من حيث لم يعتمده المرء وإلى هذا أشار النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر بيده الأمر" وقوله فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى يقول: "يا ابن آدم تسب الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار" فقد نهى رسول الله عليه الصلاة والسلام عن هذا القول وحرمه ولم يذكر كفرا ولا قتلا والقول المحرم يقتضي التعزيز والتنكيل.
ومثال الثاني: أن يسب مسمى باسم عام يندرج فيه الأنبياء وغيرهم لكن يظهر أنه لم يقصد الأنبياء من ذلك العام مثل ما نقل الكرماني قال:
سألت أحمد قلت: رجل افترى على رجل فقال: يا ابن كذا وكذا إلى آدم وحواء فعظم ذلك جدا وقال: نسأل الله العافية لقد أتى هذا عظيما وسئل عن الحد فيه فقال: لم يبلغني في هذا شيء وذهب إلى حد واحد وذكر هذا أبو بكر عبد العزيز أيضا فلم يجعل أحمد رضي الله عنه بهذا القول كافرا مع أن اللفظ يدخل فيه نوح وإدريس وشيث وغيرهم من النبيين لأن الرجل لم يدخل آدم وحواء في عمومه وإنما جعلهما غاية وحدا لمن قذفه وإلا لو كانا من المقذوفين تعين قتله بلا ريب ومثل هذا العموم في مثل هذا الحال لا يكاد يقصد به صاحبه من يدخل فيه من الأنبياء فعظم الإمام أحمد ذلك لأن أحسن أحواله أن يكون قذف خلقا من المؤمنين ولم يوجب إلا حدا واحدا لأن الحد هنا ثبت للحي ابتداء على أصله وهو واحد وهذا قول أكثر المالكية في مثل ذلك.
وقال سحنون وأصبغ وغيرهما في رجل قال له غريمه: صلى الله على النبي محمد فقال له الطالب: لا صلى الله على من صلى عليه قال سحنون: "ليس هو كمن شتم رسول الله صلى الله عليه وسلم أو شتم الملائكة الذين يصلون عليه إذا كان على ما وصف من الغضب لأنه إنما شتم الناس" وقال أصبغ وغيره: "لا يقتل إنما شتم الناس" وكذلك قال ابن أبي زيد فيمن قال: "لعن الله العرب ولعن الله بني إسرائيل ولعن الله بني آدم وذكر أنه لم يرد الأنبياء وإنما أردت الظالمين منهم": إن عليه الأدب بقدر اجتهاد السلطان.
وذهب طائفة منهم الحارث بن مسكين وغيره إلى القتل في مسألة المصلي ونحوها وكذلك قال أبو موسى بن مياس فيمن قال: "لعنه الله إلى آدم" إنه يقتل وهذه مسألة الكرماني بعينها وهذا قياس أحد الوجهين لأصحابنا فيمن قال: عصيت الله في كل ما أمرني به فإن أكثر أصحابنا قالوا: ليس ذلك بيمين لأنه إنما التزم المعصية كما لو قال: محوت المصحف
أو شربت الخمر إن فعلت كذا ولم يظهر قصد إرادة الكفر من هذا العموم لأنه لو أراده لذكره باسمه الخاص ولم يكتف بالاسم الذي يشركه فيه جميع المعاصي.
ومنهم من قال: هو يمين لأن مما أمره الله به الإيمان ومعصيته فيه كفر ولو التزم الكفر بيمينه بأن قال: هو يهودي أو نصراني أو هو برئ من الله أو من الإسلام أو هو يستحل الخمر والخنزير أو لا يراه الله في مكان كذا إن فعل كذا ونحوه كان يمينا في المشهور عنه ووجه هذا القول أن اللفظ عام فلا يقبل منه دعوى الخصوص ولعل من يختار هذا يحمل كلام الإمام أحمد على أن القائل كان جاهلا بأن في النسب أنبياء.
ووجه الأول أن أبا بكر رضي الله عنه كتب إلى المهاجر بن أبي أمية في المرأة التي كانت تهجو المسلمين يلومه على قطع يدها ويذكر له أنه كان الواجب أن يعاقبها بالضرب مع أن الأنبياء يدخلون في عموم هذا اللفظ ولأن الألفاظ العامة قد كثرت وغلب إرادة الخصوص بها فإذا كان اللفظ لفظ سب وقذف وللأنبياء ونحوهم من الخصائص والمزايا ما يوجب ذكرهم بأخص أسمائهم إذا أريد ذكرهم والغضب يحمل الإنسان على التجوز في القول والتوسع فيه كان ذلك قرائن عرفية ولفظية وحالية في أنه لم يقصد دخولهم في العموم لا سيما إذا كان دخول ذلك الفرد في العموم لا يكاد يشعر به.
ويؤيد هذا أن يهوديا قال في عهد النبي صلى الله عليه وسلم: "والذي اصطفى موسى على العالمين" فلطمه المسلم حتى اشتكاه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تفضيله على موسى لما فيه من انتقاص المفضول بعينه والغض منه ولو أن اليهودي أظهر القول بأن
موسى أفضل من محمد لوجب التعزير عليه إجماعا بالقتل أو بغيره كما تقدم التنبيه عليه.
فصل.
والحكم في سب سائر الأنبياء كالحكم في سب نبينا فمن سب نبيا مسمى باسمه من الأنبياء المعروفين كالمذكورين في القرآن أو موصوفا بالنبوة مثل ما يذكر حديثا أن نبيا فعل كذا أو قال كذا فيسب ذلك القائل أو الفاعل مع العلم بأنه نبي وإن لم يعلم من هو أو يسب نوع الأنبياء على الإطلاق فالحكم في هذا كما تقدم لأن الإيمان بهم واجب عموما وواجب الإيمان خصوصا بمن قصه الله علينا في كتابه وسبهم كفر وردة إن كان من مسلم ومحاربة إن كان من ذمي.
قد تقدم في الأدلة الماضية ما يدل على ذلك بعمومه لفظا أو معنى وما أعلم أحدا فرق بينهما وإن كان أكثر كلام الفقهاء إنما فيه ذكر من سب نبيا فإنما ذلك لمسيس الحاجة إليه وأنه وجب التصديق له والطاعة له جملة وتفصلا ولا ريب أن جرم سابه أعظم من جرم ساب غيره كما أن حرمته أعظم من حرمة غيره وإن شاركه سائر إخوانه من النبيين والمرسلين في أن سابهم كافر محارب حلال الدم.
فأما إن سب نبيا غير معتقد لنبوته فإنه يستتاب من ذلك إذا كان ممن علمت نبوته بالكتاب والسنة لأن هذا جحد لنبوته إن كان ممن يجهل أنه نبي فإنه سب محض ولا يقبل قوله: إني لم أعلم أنه نبي.
فصل.
فأما من سب أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فقال القاضي أبو يعلى: "من قذف
عائشة بما برأها الله منه كفر بلا خلاف" وقد حكى الإجماع على هذا غير واحد وصرح غير واحد من الأئمة بهذا الحكم.
فروي عن مالك: "من سب أبا بكر جلد ومن سب عائشة قتل قيل له: لم؟ قال: من رماها فقد خالف القرآن لأن الله تعالى قال: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ". وقال أبو بكر بن زياد النيسابوري: سمعت القاسم بن محمد يقول لإسماعيل بن إسحاق: أتى المأمون بالرقة برجلين شتم أحدهما فاطمة والآخر عائشة فأمر بقتل الذي شتم فاطمة وترك الآخر فقال إسماعيل: "ما حكمهما إلا أن يقتلا لأن الذي شتم عائشة رد القرآن وعلى هذا مضت سيرة أهل الفقه والعلم من أهل البيت وغيرهم".
قال أبو السائب القاضي: كنت يوما بحضرة الحسن بن زيد الداعي بطبرستان وكان يلبس الصوف ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويوجه في كل سنة بعشرين ألف دينار إلى مدينة السلام يفرق على سائر ولد الصحابة وكان بحضرته رجل ذكر عائشة بذكر قبيح من الفاحشة فقال: "يا غلام اضرب عنقه" فقال له: العلويون: هذا رجل من شيعتنا فقال: "معاذ الله هذا رجل طعن على النبي صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّأُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ فإن كانت عائشة خبيثة فالنبي خبيث فهو كافر فاضربوا عنقه" فضربوا عنقه وأنا حاضر رواه اللالكائي.
وروي عن محمد بن زيد أخي الحسن بن زيد أنه قدم عليه رجل من
العراق فذكر عائشة بسوء فقام إليه بعمود فضرب به دماغه فقتله فقيل له: هذا من شيعتنا ومن بني الآباء فقال: "هذا سمى جدي قرنان ومن مسمي جدي قرنان استحق القتل فقتله".
وأما من سب غير عائشة من أزواجه ففيه قولان: أحدهما: أنه كساب غيرهن من الصحابة على ما سيأتي.
والثاني: وهو الأصح أن من قذف واحدة من أمهات المؤمنين فهو كقذف عائشة رضي الله عنها وقد تقدم معنى ذلك عن ابن عباس وذلك لأن هذا فيه عار وغضاضة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأذى له أعظم من أذاه بنكاحهن بعده وقد تقدم التنبيه على ذلك فيما مضى عند الكلام على قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَه﴾ الآية والأمر فيه ظاهر.
فصل.
فأما من سب أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل بيته وغيرهم فقد أطلق الإمام أحمد أنه يضرب ضربا نكالا وتوقف عن قتله وكفره.
قال أبو طالب: سألت أحمد عمن شتم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: "القتل أجبن عنه ولكن أضربه ضربا نكالا".
وقال عبد الله: سألت أبي عمن شتم رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أرى أن يضرب" قلت له: حد فلم يقف على الحد إلا أنه قال: "يضرب" وقال: "ما أراه على الإسلام".
وقال: سألت أبي من الرافضة؟ فقال: "الذين يشتمون أو يسبون أبا بكر وعمر رضي الله عنهما".
وقال في الرسالة التي رواها أبو العباس أحمد بن يعقوب الإصطخري وغيره: وخير الأمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر وعمر بعد أبي بكر وعثمان بعد عمر وعلي بعد عثمان ووقف قوم وهم خلفاء راشدون مهديون ثم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هؤلاء الأربعة خير الناس لا يجوز لأحد أن يذكر شيئا من مساويهم ولا يطعن على أحد منهم بعيب ولا نقص فمن فعل ذلك فقد وجب على السلطان تأديبه وعقوبته ليس له أن يعفو عنه بل يعاقبه ويستتيبه فإن تاب قبل منه وإن ثبت أعاد عليه العقوبة وخلده الحبس حتى يموت أو يراجع.
وحكى الإمام أحمد هذا عمن أدركه من أهل العلم وحكاه الكرماني عنه وعن إسحاق والحميدي وسعيد بن منصور وغيرهم.
وقال الميموني: سمعت أحمد يقول: "ما لهم ولمعاوية؟ نسأل الله العافية" وقال لي: "يا أبا الحسن إذا رأيت أحدا يذكر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بسوء فاتهمه على الإسلام".
فقد نص رضي الله عنه على جواب تعزيره واستتابة حتى يرجع بالجلد وإن لم ينته حبس حتى يموت أو يراجع وقال: "ما أراه على الإسلام" وقال: "واتهمه على الإسلام" وقال: "أجبن عن قتله".
وقال إسحاق بن راهويه: "من شتم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يعاقب ويحبس.
وهذا قول كثير أصحابنا منهم ابن أبي موسى قال: "ومن سب السلف من الروافض فليس بكفؤ ولا يزوج ومن رمى عائشة رضي الله عنها بما برأها الله منه فقد مرق من الدين ولم ينعقد له نكاح على مسلمة إلا أن يتوب ويظهر توبته وهذا في الجملة قول عمر بن عبد العزيز وعاصم الأحول وغيرهما من التابعين.
قال الحارث بن عتبة: "إن عمر بن عبد العزيز أتى برجل سب عثمان فقال: ما حملك على أن سببته؟ قال: أبغضه قال: وإن أبغضت رجلا سببته؟ قال: فأمر به فجلد ثلاثين سوطا".
وقال إبراهيم بن ميسرة: "ما رأيت عمر بن عبد العزيز ضرب إنسانا قط إلا رجل شتم معاوية فضربه أسواطا.
رواهما اللالكائي وقد تقدم أنه كتب في رجل سبه: "لا يقتل إلا من سب النبي صلى الله عليه وسلم ولكن اجلده فوق رأسه أسواطا ولولا أني رجوت أن ذلك خير له لم أفعل".
وروى الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية حدثنا عاصم الأحول قال: "أتيت برجل قد سب عثمان قال: فضربته عشرة أسواط قال: ثم عاد لما قال فضربته عشرة أخرى قال: فلم يزل يسبه حتى ضربته سبعين سوطا".
وهو المشهور من مذهب مالك قال مالك: "من شتم النبي صلى الله عليه وسلم قتل ومن سب أصحابه أدب".
وقال عبد الملك بن حبيب: "من غلا من الشيعة إلى بغض عثمان والبراءة منه أدب أدبا شديدا ومن زاد إلى بغض أبي بكر وعمر فالعقوبة عليه أشد ويكرر ضربه ويطال سجنه حتى يموت ولا يبلغ به القتل إلا في سب النبي صلى الله عليه وسلم".
وقال ابن المنذر: "لا أعلم أحدا يوجب قتل من سب من بعد النبي صلى الله عليه وسلم".
وقال القاضي أبو يعلى: "الذي عليه الفقهاء في سب الصحابة: إن كان مستحلا لذلك كفر وإن لم يكن مستحلا فسق ولم يكفر سواء كفرهم أو طعن في دينهم مع إسلامهم".
وقد قطع طائفة من الفقهاء من أهل الكوفة وغيرهم بقتل من سب الصحابة
وكفر الرافضة قال محمد بن يوسف الفريابي "وسئل عمن شتم أبا بكر قال: كافر قيل: فيصلى عليه؟ قال: لا وسأله: كيف يصنع به وهو يقول لا إله إلا الله؟ قال: لا تمسوه بأيديكم ادفعوه بالخشب حتى تواروه في حفرته".
وقال أحمد بن يونس: "لو أن يهوديا ذبح شاة وذبح رافضي لأكلت ذبيحة اليهودي ولم آكل ذبيحة الرافضي لأنه مرتد عن الإسلام".
وكذلك قال أبو بكر بن هاني: "لا تؤكل ذبيحة الروافض والقدرية كما لا تؤكل ذبيحة المرتد مع أنه تؤكل ذبيحة الكتابي لأن هؤلاء يقامون مقام المرتد وأهل الذمة يقرون على دينهم وتؤخذ منهم الجزية".
وكذلك قال عبد الله بن إدريس من أعيان أئمة الكوفة: "ليس لرافضي شفعة إلا لمسلم".
وقال فضيل بن مرزوق: سمعت الحسن بن الحسن يقول لرجل من الرافضة: "والله إن قتلك لقربة إلى الله وما امتنع من ذلك إلا بالجواز وفي رواية قال: رحمك الله قذفت إنما تقول هذا تمزح قال: لا والله ما هو بالمزاح ولكنه الجد قال: وسمعته يقول: لئن أمكننا الله منكم لنقطعن أيديكم وأرجلكم".
وصرح جماعات من أصحابنا بكفر الخوارج المعتقدين البراءة من علي وعثمان وبكفر الرافضة المعتقدين لسب جميع الصحابة الذين كفروا الصحابة وفسقوهم وسبوهم.
وقال أبو بكر عبد العزيز في المقنع: "فأما الرافضي فإن كان يسب فقد كفر فلا يزوج".
ولفظ بعضهم وهو الذي نصره القاضي أبو يعلى أنه إن سبهم سبا يقدح في دينهم وعدالتهم كفر بذلك وإن سبهم سبا لا يقدح مثل أن يسب أبا أحدهم أو يسبه سبا يقصد به غيظه ونحو ذلك لم يكفر.
قال أحمد في رواية أبي طالب في الرجل يشتم عثمان: هذه زندقة وقال في رواية المروزي: من شتم أبا بكر وعمر وعائشة ما أراه على الإسلام.
قال القاضي أبو يعلى: فقد أطلق القول فيه أنه يكفر بسبه لأحد من الصحابة وتوقف في رواية عبد الله وأبي طالب عن قتله وكمال الحد وإيجاب التعزير يقتضي أنه لم يحكم بكفره.
قال: فيحتمل أن يحمل قوله: "ما أراه على الإسلام" إذا استحل سبهم بأنه يكفر بلا خلاف ويحمل إسقاط القتل على من لم يستحل ذلك بل فعله مع اعتقاده لتحريمه كمن يأتي المعاصي قال: ويحتمل قوله: "ما أراه على الإسلام" على سب يطعن في عدالتهم نحو قوله: ظلموا وفسقوا بعد النبي صلى الله عليه وسلم وأخذوا الأمر بغير حق ويحمل قوله في إسقاط القتل على سب لا يطعن في دينهم نحو قوله: كان فيهم قلة علم وقلة معرفة بالسياسة والشجاعة وكان فيهم شح ومحبة للدنيا ونحو ذلك قال: ويحتمل أن يحمل كلامه على ظاهره فتكون في سابهم روايتان: إحداهما يكفر والثانية يفسق وعلى هذا استقر قول القاضي وغيره حكوا في تكفيرهم روايتين.
قال القاضي: "ومن قذف عائشة رضي الله عنها بما برأها الله منه كفر بلا خلاف".
ونحن نرتب الكلام في فصلين أحدهما: في سبهم مطلقا والثاني: في تفصيل أحكام السب.
أما الأول فسب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حرام بالكتاب والسنة.
أما الأول فلأن الله سبحانه يقول: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ وأدنى أحوال الساب لهم أن يكون مغتابا وقال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ
هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ والطاعن عليهم همزة لمزة وقال: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً﴾ وهم صدور المؤمنين فإنهم هم المواجهون بالخطاب في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ حيث ذكرت ولم يكتسبوا ما يوجب أذاهم لأن الله سبحانه رضي عنهم رضى مطلقا بقوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ فرضي عن السابقين من غير اشتراط إحسان ولم يرض عن التابعين إلا أن يتبعوهم بإحسان وقال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ والرضى من الله صفة قديمة فلا يرضى إلا عن عبد علم أنه يوافقه على موجبات الرضى ومن رضي الله عنه لم يسخط عليه أبدا وقوله تعالى: ﴿إِذْ يُبَايِعُونَكَ﴾ سواء كانت ظرفا محضا أو ظرفا فيها معنى التعليل فإن ذلك لتعلق الرضى بهم فإنه يسمى رضى أيضا كما في تعلق العلم والمشيئة والقدرة وغير ذلك من صفات الله سبحانه وقيل: بل الظرف يتعلق بنفس الرضى وإنه يرضى عن المؤمن بعد أن يطيعه ويسخط عن الكافر بعد أن يعصيه ويحب من اتبع الرسول بعد إتباعه له وكذلك أمثال هذا وهذا قول جمهور السلف وأهل الحديث وكثير من أهل الكلام وهو الأظهر وعلى هذا فقد بين في مواضع أخر أن هؤلاء الذين رضي الله عنهم هم من أهل الثواب في الآخرة يموتون على الإيمان الذي به يستحقون ذلك كما في قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ
وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.
وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة".
وأيضا فكل من أخبر الله أنه رضي عنه فإنه من أهل الجنة وإن كان رضاه عنه بعد إيمانه وعمله الصالح فإنه يذكر ذلك في معرض الثناء عليه والمدح له فلو علم أنه يتعقب ذلك ما يسخط الرب لم يكن من أهل ذلك.
وهذا كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ ولأنه سبحانه وتعالى قال: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ وقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً﴾ الآية وقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ وهو أول من وجه بهذا الخطاب فهم مرادون بلا ريب وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي
قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ فجعل سبحانه ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى للمهاجرين والأنصار والذين جاءوا من بعدهم مستغفرين للسابقين وداعين الله أن لا يجعل في قلوبهم غلا لهم فعلم أن الاستغفار لهم وطهارة القلب من الغل لهم أمر يحبه الله ويرضاه ويثني على فاعله كما أنه قد أمر بذلك رسوله في قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ وقال تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ ومحبة الشيء كراهته لضده فيكون الله يكره السب لهم الذي هو ضد الاستغفار والبغض لهم الذي هو ضد الطهارة وهذا معنى قول عائشة رضي الله عنها: "أمروا بالاستغفار لأصحاب محمد فسبوهم" رواه مسلم.
وعن مجاهد عن ابن عباس قال: "لا تسبوا أصحاب محمد فإن الله قد أمرنا بالاستغفار لهم وقد علم أنهم سيقتتلون" رواه الإمام أحمد.
وعن سعد بن أبي وقاص قال: "الناس على ثلاث منازل فمضت منزلتان وبقيت واحدة فأحسن ما أنتم كائنون عليه أن تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت قال: ثم قرأ: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَرِضْوَاناً﴾ فهؤلاء المهاجرون وهذه منزلة قد مضت ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ قال: هؤلاء الأنصار وهذه منزلة قد مضت ثم قرأ: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿رَحِيمٌ﴾ قد مضت هاتان وبقيت هذه المنزلة فأحسن ما أنتم كائنون عليه أن تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت يقول: أن تستغفروا لهم" ولأن من حاز سبه بعينه أو بغيره لم يجز الاستغفار له كما لا يجوز الاستغفار للمشركين لقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ
وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ وكما لا يجوز أن يستغفر لجنس العاصين مسمين باسم المعصية لأن ذلك لا سبيل إليه ولأنه شرع لنا أن نسأل الله أن لا يجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا والسب باللسان أعظم من الغل الذي لا سب معه ولو كان الغل عليهم والسب لهم جائزا لم يشرع لنا أن نسأله ترك ما لا يضر فعله ولأنه وصف مستحقي الفيء بهذه الصفة كما وصف السابقين بالهجرة والنصرة فعلم أن ذلك صفة للمؤثر فيهم ولو كان السب جائزا لم يشترط في استحقاق الفيء ترك أمر جائز كما لا يشترط ترك سائر المباحات بل لو لم يكن الاستغفار لهم واجبا لم يكن شرطا في استحقاق الفيء لأن استحقاق الفيء لا يشترط فيه ما ليس بواجب بل هذا دليل على أن الاستغفار لهم داخل في عقد الدين وأصله.
وأما السنة ففي الصحيحين عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه".
وفي رواية لمسلم واستشهد بها البخاري قال: كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف شيء فسبه خالد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تسبوا أصحابي فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه".
وفي رواية للبرقاني في صحيحه: "لا تسبوا أصحابي دعوا لي أصحابي فإن أحدكم لو أنفق كل يوم مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه".
والأصحاب: جمع صاحب والصاحب: اسم فاعل من صحبه يصحبه وذلك يقع على قليل الصحابة وكثيرها لأنه يقال: صحبته ساعة وصحبته شهرا وصحبته
سنة قال الله تعالى: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ قد قيل: هو الرفيق في السفر وقيل: هو الزوجة ومعلوم أن صحبة الرفيق وصحبة الزوجة قد تكون ساعة فما فوقها وقد أوصى الله به إحسانا ما دام صاحبا وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: "خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره" وقد دخل في ذلك قليل الصحبة وكثيرها وقليل الجوار وكثيره وكذلك قال الإمام أحمد وغيره: كل من صحب النبي صلى الله عليه وسلم سنة أو شهرا أو يوما أو رآه مؤمنا به فهو من أصحابه له من الصحبة بقدر ذلك.
فإن قيل: فلم نهى خالد عن أن يسب أصحابه إذا كان من أصحابه أيضا؟ وقال: "لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه".
قلنا: لأن عبد الرحمن بن عوف ونظراءه هم من السابقين الأولين الذين صحبوه في وقت كان خالد وأمثاله يعادونه فيه وأنفقوا أموالهم قبل الفتح وقاتلوا وهو أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد الفتح وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى فقد انفردوا من الصحبة بما لم يشركهم فيه خالد ونظراؤه ممن أسلم بعد الفتح الذي هو صلح الحديبية وقاتل أن يسب أولئك الذين صحبوه قبله ومن لم يصحبه قط نسبته إلى من صحبه كنسية خالد إلى السابقين وأبعد.
وقوله: "لا تسبوا أصحابي" خطاب لكل أحد أن يسب من انفرد عنه بصحبته عليه الصلاة والسلام وهذا كقوله عليه الصلاة والسلام في حديث آخر: "أيها الناس إني أتيتكم فقلت: إني رسول الله إليكم فقلتم: كذبت وقال أبو بكر: صدقت فهل أنتم تاركوا لي صاحبي؟ فهل أنتم تاركوا لي صاحبي" أو كما قال بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم قال ذلك
لما عاير بعض الصحابة أبا بكر وذاك الرجل من فضلاء أصحابه ولكن امتاز أبو بكر عنه بصحبته وانفرد بها عنه.
وعن محمد بن طلحة المديني عن عبد الرحمن بن سالم بن عتبة بن عويم بن ساعدة عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله اختارني واختار لي أصحابا جعل لي منهم وزراء وأنصارا وأصهارا فمن سبهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا" وهذا محفوظ بهذا الإسناد.
وقد روى ابن ماجة بهذا الإسناد حديثا وقال أبو حاتم في تحديثه: هذا محله الصدق يكتب حديثه ولا يحتج به على انفراده ومعنى هذا الكلام أنه يصلح للاعتبار تحديثه والاستشهاد به فإذا عضده آخر مثله جاز أن يحتج به ولا يحتج به على انفراده.
وعن عبد الله بن مغفل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا من بعدي من أحبهم فقد أحبني ومن أبغضهم فقد أبغضني ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه" رواه الترمذي وغيره من حديث عبيدة ابن أبي رائطة عن عبد الرحمن بن زياد عنه وقال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
وروي هذا المعنى من حديث أنس أيضا ولفظه: "من سب أصحابي فقد سبني ومن سبني فقد سب الله" رواه ابن البناء.
وعن عطاء بن أبي رباح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لعن الله من سب أصحابي" رواه أبو أحمد الزبيري: حدثنا محمد بن خالد عنه وقد روى عنه عن ابن عمر مرفوعا من وجهه آخر رواهما اللالكائي.
وقال علي بن عاصم: أنبأ أبو قحذم حدثني أبو قلابة عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا ذكر القدر فأمسكوا وإذا ذكر أصحابي فأمسكوا" رواه اللالكائي.
ولما جاء فيه من الوعيد قال إبراهيم النخعي: كان يقال: "شتم أبي بكر وعمر من الكبائر" وكذلك قال أبو إسحاق السبيعي: "شتم أبي بكر وعمر من الكبائر" التي قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ وإذا كان شتمهم بهذه المثابة فأقل ما فيه التعزير لأنه مشروع في كل معصية ليس فيها حد ولا كفارة وقد قال صلى الله عليه وسلم: "انصر أخاك ظالما أو مظلوما" وهذا مما لا نعلم فيه خلافا بين أهل الفقه والعلم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين لهم بإحسان وسائر أهل السنة والجماعة فإنهم مجمعون على أن الواجب الثناء عليهم والاستغفار لهم والترحم عليهم والترضي عنهم واعتقاد محبتهم وموالاتهم وعقوبة من أساء فيهم القول.
ثم من قال: لا أقتل بشتم غير النبي صلى الله عليه وسلم فإنه يستدل بقصة أبي بكر المتقدمة وهو أن رجلا أغلظ له وفي رواية شتمه فقال له أبو برزة: أقتله؟ فانتهره وقال: ليس هذا لأحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم وبأنه كتب إلى المهاجر بن أبي أمية: "إن حد الأنبياء ليس يشبه الحدود" كما تقدم ولأن الله تعالى ميز بين مؤذي الله ورسوله ومؤذي المؤمنين فجعل الأول ملعونا في الدنيا والآخرة وقال في الثاني: ﴿فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً﴾ ومطلق البهتان والإثم ليس بموجب للقتل وإنما هو موجب للعقوبة في الجملة فتكون عليه عقوبة مطلقة ولا يلزم من العقوبة جواز القتل ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن
لا إله إلا الله إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان أو زنى بعد إحصان أو رجل قتل نفسا فيقتل بها" ومطلق السب لغير الأنبياء لا يستلزم الكفر لأن بعض من كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان ربما سب بعضهم بعضا ولم يكفر أحدا بذلك ولأن أشخاص الصحابة لا يجب الإيمان بهم بأعيانهم فسب الواحد لا يقدح في الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر.
وأما من قال: "يقتل الساب" أو قال: "يكفر" فلهم دلالات احتجوا بها: منها: قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ فلا بد أن يغيظ بهم الكفار وإذا كان الكفار يغاظون بهم فمن غيظ بهم فقد شارك الكفار فيما أذلهم الله به وأخزاهم وكبتهم على كفرهم ولا يشارك الكفار في غيظهم الذين كبتوا به جزاء لكفرهم إلا كافر لأن المؤمن لا يكبت جزاء للكفر.
يوضح ذلك أن قوله تعالى: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ تعليق للحكم بوصف مشتق مناسب لأن الكفر مناسب لأن يغاظ صاحبه فإذا كان هو الموجب لأن يغيظ الله صاحبه بأصحاب محمد فمن غاظه الله بأصحاب محمد فقد وجد في حقه موجب ذاك وهو الكفر.
قال عبد الله ابن إدريس الأودي الإمام: "ما آمن أن يكونوا قد ضارعوا الكفار يعني الرافضة لأن الله تعالى يقول: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ " وهذا معنى قول الإمام أحمد: "ما أراه على الإسلام".
ومن ذلك: ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من أبغضهم فقد أبغضني ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله" وقال: "فمن سبهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا" وأذى الله ورسوله كفر موجب للقتل كما تقدم وبهذا يظهر الفرق بين أذاهم قبل استقرار الصحبة وأذى سائر المسلمين وبين أذاهم بعد صحبتهم له فإنه على عهده قد كان الرجل ممن يظهر الإسلام يمكن أن يكون منافقا ويمكن أن يكون مرتدا فأما إذا مات مقيما على صحبة النبي صلى الله عليه وسلم وهو غير مزنون بنفاق فأذاه أذى مصحوبه قال عبد الله بن مسعود: "اعتبروا الناس بأخدانهم" وقالوا: عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه... فكل قرين بالمقارن يقتدي وقال مالك رضي الله عنه: "إنما هؤلاء قوم أرادوا القدح في النبي صلى الله عليه وسلم فلم يمكنهم ذلك فقدحوا في أصحابه حتى يقال: رجل سوء كان له أصحاب سوء ولو كان رجلا صالحا كان أصحابه صالحين أو كما قال: وذلك أنه ما منهم رجل إلا كان ينصر الله ورسوله ويذب عن رسول الله بنفسه وماله ويعينه على إظهار دين الله وإعلاء كلمة الله وتبليغ رسالات الله وقت الحاجة وهو حينئذ لم يستقر أمره ولم تنتشر دعوته ولم تطمئن قلوب أكثر الناس بدينه ومعلوم أن رجلا لو عمل به بعض الناس نحو هذا ثم آذاه أحد لغضب له صاحبه وعد ذلك أذى له وإلى هذا أشار ابن عمر قال نسير بن ذعلوق: سمعت ابن عمر رضي الله عنه يقول: "لا تسبوا أصحاب محمد فإن مقام أحدهم خير من عملكم كله" رواه اللالكائي وكأنه أخذه من قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم أو نصيفه" وهذا تفاوت عظيم جدا.
ومن ذلك: ما روي عن علي رضي الله عنه قال: "والذي فلق الحبة وبرأ النسمة أنه لعهد النبي الأمي إلي أنه لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق" رواه مسلم.
ومن ذلك: ما خرجاه في الصحيحين عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "آية الإيمان حب الأنصار وآية النفاق بغض الأنصار" وفي لفظ قال في الأنصار: "لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق".
وفي الصحيحين أيضا عن البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في الأنصار: "لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق من أحبهم أحبه الله ومن أبغضهم أبغضه الله".
ولمسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يبغض الأنصار رجل آمن بالله واليوم الآخر".
وروى مسلم في صحيحه أيضا عن أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر".
فمن سبهم فقد زاد على بغضهم فيجب أن يكون منافقا لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر وإنما خص الأنصار والله أعلم لأنهم هم الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبل المهاجرين وآووا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونصروه ومنعوه وبذلوا في إقامة الدين النفوس والأموال وعادوا الأحمر والأسود من أجله وآووا المهاجرين وواسوهم في الأموال وكان المهاجرون إذ ذاك قليلا غرباء فقراء مستضعفين ومن عرف السيرة وأيام رسول الله صلى الله عليه وسلم وما قاموا به من الأمر ثم كان مؤمنا يحب الله ورسوله لم يملك أن لا يحبهم كما أن المنافق لا يملك أن لا يبغضهم وأراد بذلك والله أعلم أن يعرف الناس قدر الأنصار لعلمه بأن الناس يكثرون والأنصار يقلون وأن الأمر سيكون في المهاجرين فمن شارك الأنصار في نصر الله ورسوله بما أمكنه
فهو شريكهم في الحقيقة كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ﴾ فبغض من نصر الله ورسوله من أصحابه نفاق.
ومن هذا رواه طلحة بن مصرف قال: كان يقال: "بغض بني هاشم نفاق وبغض أبي بكر وعمر نفاق والشاك في أبي بكر كالشاك في السنة".
ومن ذلك: ما رواه كثير النواء عن إبراهيم بن الحسن بن علي بن أبي طالب عن أبيه عن جده قال: قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يظهر في أمتي في آخر الزمان قوم يسمون الرافضة يرفضون الإسلام" هكذا رواه عبد الله ابن أحمد في مسند أبيه.
وفي السنة من وجوه صحيحة عن يحيى بن عقيل: حدثنا كثير ورواه أيضا من حديث أبي شهاب عبد ربه بن نافع الخياط عن كثير النواء عن إبراهيم بن الحسن عن أبيه عن جده يرفعه قال: "يجيء قوم قبل قيام الساعة يسمون الرافضة براء من الإسلام" وكثير النواء يضعفونه.
وروى أبو يحيى الحماني عن أبي جناب الكلبي عن أبي سليمان الهمداني أو النخعي عن عمه عن علي قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام: "يا علي أنت وشيعتك في الجنة وإن قوما لهم نبز يقال لهم الرافضة إن أدركتهم فاقتلهم فإنهم مشركون" قال علي: "ينتحلون حبنا أهل البيت وليسوا كذلك وآية ذلك أنه يشتمون أبا بكر وعمر رضي الله عنهما".
ورواه عبد الله بن أحمد: حدثني محمد بن إسماعيل الأحمسي حدثنا أبو يحيى ورواه أبو بكر الأثرم في سننه: حدثنا معاوية بن عمرو حدثنا فضيل بن مرزوق عن أبي جناب عن أبي سليمان الهمداني عن رجل من قومه قال: قال علي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا أدلك على عمل إذا عملته كنت من أهل الجنة؟ وإنك من
أهل الجنة إنه سيكون بعدنا قوم لهم نبز يقال لهم الرافضة فإن أدركتموهم فاقتلوهم فإنهم مشركون" قال: وقال علي رضي الله عنه: "سيكون بعدنا قوم ينتحلون مودتنا يكذبون علينا مارقة آية ذلك أنهم يسبون أبا بكر وعمر رضي الله عنهما".
ورواه أبو القاسم البغوي: حدثنا سويد بن سعيد حدثنا محمد بن حازم عن أبي جناب الكلبي عن أبي سليمان الهمداني عن علي رضي الله عنه قال: "يخرج في آخر الزمان قوم لهم نبز يقال لهم الرافضة يعرفون به وينتحلون شيعتنا وليسوا من شيعتنا وآية ذلك أنهم يشتمون أبا بكر وعمر أينما أدركتموهم فاقتلوهم فإنهم مشركون".
وقال سويد: حدثنا مروان بن معاوية عن حماد بن كيسان عن أبيه وكانت أخته سرية لعلي رضي الله عنه قال: سمعت عليا يقول: "يكون في آخر الزمان قوم لهم نبز يسمون الرافضة يرفضون الإسلام فاقتلوهم فإنهم مشركون" فهذا الموقوف على علي رضي الله عنه شاهد في المعنى لذلك المرفوع.
وروي هذا المعنى مرفوعا من حديث أم سلمة وفي إسناده سوار ابن مصعب وهو متروك.
وروي ابن بطة بإسناده عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله اختارني واختار لي أصحابي فجعلهم أنصاري وجعلهم أصهاري وإنه سيجيء في آخر الزمان قوم ينتقصونهم ألا فلا تواكلوهم ولا تشاربوهم ألا فلا تناكحوهم ألا فلا تصلوا معهم ولا تصلوا عليهم عليهم حلة اللعنة" وفي هذا الحديث نظر.
وروى ما هو أغرب من هذا وأضعف رواه ابن البناء عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تسبوا أصحابي فإن كفارتهم القتل".
وأيضا فإن هذا مأثور عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فروى أبو الأحوص عن مغيرة عن شباك عن إبراهيم قال: بلغ علي بن أبي طالب أن عبد الله بن السوداء ينتقص أبا بكر وعمر فهم بقتله فقيل له: تقتل رجلا يدعو إلى حبكم أهل البيت؟ فقال: "لا يساكنني في دار أبدا".
وفي رواية عن شباك قال: بلغ عليا أن ابن السوداء يبغض أبا بكر وعمر قال: فدعاه ودعا بالسيف أو قال: فهم بقتله فكلم فيه فقال: "لا يساكنني ببلد أنا فيه" فنفاه إلى المدائن وهذا محفوظ عن أبي الأحوص وقد رواه النجاد وابن بطة واللالكائي وغيرهم ومراسيل إبراهيم جياد لا يظهر علي رضي الله عنه أنه يريد قتل رجل إلا وقتله حلال عنده ويشبه والله أعلم أن يكون إنما تركه خوف الفتنه بقتله كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يمسك عن قتل بعض المنافقين فإن الناس تشتتت قلوبهم عقب فتنة عثمان رضي الله عنه وصار في عسكره من أهل الفتنة أقوام لهم عشائر لو أراد الانتصار منهم لغضبت لهم عشائرهم وبسبب هذا وشبهه كانت فتنة الجمل.
وعن سلمه بن كهيل عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى قال: قلت لأبي: يا أبت لو كنت سمعت رجلا يسب عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالكفر أكنت تضرب عنقه؟ قال: نعم رواه الإمام أحمد وغيره ورواه ابن عيينة عن خلف بن حوشب عن سعيد بن عبد الرحمن ابن أبزى قال: قلت لأبي: لو أتيت برجل يسب أبا بكر ما كنت صانعا؟ قال: أضرب عنقه قلت: فعمر؟ قال: أضرب عنقه وعبد الرحمن ابن أبزى من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم أدركه وصلى خلفه وأقره عمر رضي الله عنه عاملا على مكة وقال: هو ممن رفعه الله بالقرآن بعد أن قيل له: أنه عالم بالفرائض قارئ لكتاب الله واستعمله على رضي الله عنه على خراسان.
وروى قيس ابن الربيع عن وائل عن البهي قال: وقع بين عبيد الله بن
عمر وبين المقداد كلام فشتم عبيد الله المقداد فقال عمر: "علي بالحداد أقطع لسانه لا يجترئ أحد بعده بشتم أحدا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم" وفي رواية فهم عمر بقطع لسانه فكلمه فيه أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فقال: "ذروني أقطع لسان ابني لا يجترئ أحد بعده يسب أحدا من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم" رواه حنبل وابن بطة واللالكائي وغيرهم ولعل عمر إنما كف عنه لما شفع فيه أصحاب الحق وهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ولعل المقداد كان فيهم.
وعن عمر بن الخطاب أنه أتى بأعرابي يهجو الأنصار فقال: "لولا أن له صحبة لكفيتكموه" رواه أبو ذر الهروي.
ويؤيد ذلك ما روى الحكم بن جحل قال: سمعت عليا يقول: "لا يفضلني أحد على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما إلا جلدته جلد المفتري".
وعن علقمة بن قيس قال: خطبنا علي رضي الله عنه فقال: "إنه بلغني أن قوما يفضلوني على أبي بكر وعمر ولو كنت تقدمت في هذا لعاقبت فيه ولكني أكره العقوبة قبل التقدم ومن قال شيئا من ذلك فهو مفتر عليه ما على المفتري خير الناس كان بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر ثم عمر" رواهما عبد الله بن أحمد وروى ذلك ابن بطة اللالكائي من حديث سويد بن غفلة عن علي في خطبة طويلة خطبها.
وروى الإمام أحمد بإسناد صحيح عن ابن أبي ليلى قال: "تداروا في أبي بكر وعمر فقال رجل من عطارد: عمر أفضل من أبي بكر فقال الجارود: بل أبو بكر أفضل منه قال: فبلغ ذلك عمر قال: فجعل يضربه ضربا بالدرة حتى شغر برجله ثم أقبل إلى الجارود فقال: إليك عني ثم قال عمر: "أبو بكر كان خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم في كذا وكذا" ثم قال عمر: "من قال غير هذا أقمنا عليه ما نقيم على المفتري".
فإذا كان الخليفتان الراشدان عمر وعلي رضي الله عنهما يجلدان حد المفتري من يفضل عليا على أبي بكر وعمر أو من يفضل عمر على أبي بكر مع أن مجرد التفضيل ليس فيه سب ولا عيب علم أن عقوبة السب عندهما فوق هذا بكثير.
فصل.
في تفصيل القول فيهم.
أما من اقترن بسبه دعوى أن عليا إله أو أنه كان هو النبي وإنما غلط جبريل في الرسالة فهذا لاشك في كفره بل لاشك في كفر من توقف في تكفيره.
وكذلك من زعم منهم أن القرآن نقص منه آيات وكتمت أو زعم أن له تأويلات باطنة تسقط الأعمال المشروعة ونحو ذلك وهؤلاء يسمون القرامطة والباطنية ومنهم التناسخية وهؤلاء لا خلاف في كفرهم.
وأما من سبهم سبا لا يقدح في عدالتهم ولا في دينهم مثل وصف بعضهم بالبخل أو الجبن أو قلة العلم أو عدم الزهد ونحو ذلك فهذا هو الذي يستحق التأديب والتعزير ولا نحكم بكفره بمجرد ذلك وعلى هذا يحمل كلام من لم يكفرهم من أهل العلم.
وأما من لعن وقبح مطلقا فهذا محل الخلاف فيهم لتردد الأمر بين لعن الغيظ ولعن الاعتقاد.
وأما من جاوز ذلك إلى أن زعم أنهم ارتدوا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا نفرا قليلا لا يبلغون بضعة عشر نفسا أو أنهم فسقوا عامتهم فهذا لا ريب أيضا في كفره فإنه مكذب لما نصه القرآن في غير موضع: من الرضى عنهم
والثناء عليهم بل من يشك في كفر مثل هذا فإن كفره متعين فإن مضمون هذه المقالة أن نقلة الكتاب والسنة كفار أو فساق وأن هذه الأمة التي هي: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ وخيرها هو القرن الأول كان عامتهم كفارا أو فساقا ومضمونها أن هذه الأمة شر الأمم وأن سابقي هذه الأمة هم شرارها وكفر هذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام ولهذا تجد عامة من ظهر عنه شيء من هذه الأقوال فإنه يتبين أنه زنديق وعامة الزنادقة إنما يستترون بمذهبهم وقد ظهرت لله فيهم مثلات وتواتر النقل بأن وجوههم تمسخ خنازير في المحيا والممات وجمع العلماء ما بلغهم في ذلك وممن صنف فيه الحافظ الصالح أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي كتابه في النهي عن سب إلا صحاب وما جاء فيه من الإثم والعقاب.
وبالجملة فمن أصناف السابة من لا ريب في كفره ومنهم من لا يحكم بكفره ومنهم من تردد فيه وليس هذا موضع الاستقصاء في ذلك وإنما ذكرنا هذه المسائل لأنها في تمام الكلام في المسألة التي قصدنا لها.
فهذا ما تيسر من الكلام في هذا الباب ذكرنا ما يسره الله واقتضاه الوقت والله سبحانه يجعله لوجهه خالصا وينفع به ويستعملنا فيما يرضاه منم القول والعمل.
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا كثيرا.