أهل الأثرالأرشيف العلمي

المسألة الأولى: أن من سب النبي صلى الله عليه وسلم من مسلم أو كافر فإنه يجب قتله.

صفحات 83-122

والجواب الثالث: أن تفضيل دين الكفار على دين المسلمين هو دون سب النبي صلى الله عليه وسلم بلا ريب فإن كون الشيء مفضولا أحسن حالا من كونه مسبوبا مشتوما فإن كان ذلك ناقضا للعهد فالسب بطريق الأولى وأما مرثيته للقتلى وحضهم على أخذ ثأرهم فأكثر ما فيه تهييج قريش على المحاربة وقريش كانوا قد أجمعوا على محاربة النبي صلى الله عليه وسلم عقب بدر وأرصدوا العير التي كان فيها أبو سفيان للنفقة على حربه فلم يحتاجوا في ذلك إلى كلام ابن الأشرف نعم مرثيته وتفضيله ربما زادهم غيظا ومحاربة لكن سبه للنبي صلى الله عليه وسلم وهجاءه له ولدينه أيضا مما يهيجهم على المحاربة ويغريهم به فعلم أن الهجاء فيه من الفساد ما في غيره من الكلام وأبلغ فإذا كان غيره من الكلام نقضا فهو أن يكون نقضا أولى ولهذا قتل النبي صلى الله عليه وسلم جماعة من النسوة اللواتي كن يشتمنه ويهجونه مع عفوه عما كانت تعين عليه وتحض على قتاله.
الجواب الرابع: أن ما ذكره حجة لنا من وجوه أخر وذلك أنه قد اشتهر عند أهل العلم من وجوه كثيرة أن قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَاب﴾ نزلت في كعب بن الأشرف بما قاله لقريش وقد أخبر الله سبحانه أنه لعنه وأن من لعنه فلن تجد له نصيرا وذلك دليل على أنه لا عهد له لأنه لو كان له عهد لكان يجب نصره على المسلمين فعلم أن مثل هذا الكلام يوجب انتقاض عهده وعدم ناصره فكيف بما هو أغلظ منه من شتم وسب؟ وإنما لم يجعله النبي صلى الله عليه وسلم والله أعلم بمجرد ذلك ناقضا للعهد لأنه لم يعلن بهذا الكلام ولم يجهر به وإنما أعلم الله به رسوله وحيا كما تقدم بالأحاديث ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم ليأخذ أحدا من المسلمين والمعاهدين إلا بذنب ظاهر فلما رجع إلى المدينة

وأعلن الهجاء والعداوة استحق أن يقتل لظهور أذاه وثبوته عند الناس نعم من خيف منه الخيانة فإنه ينبذ إليه العهد أما إجراء حكم المحاربة عليه فلا يكون حتى تظهر المحاربة وتثبت عليه.
فإن قيل: كعب بن الأشرف سب النبي صلى الله عليه وسلم بالهجاء والشعر كلام موزون يحفظ ويروى وينشد بالأصوات والألحان ويشتهر بين الناس وذلك له من التأثير في الأذى والصد عن سبيل الله ما ليس للكلام المنثور ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر حسان أن يهجوهم ويقول: "لهو أنكى فيهم من النبل" فيؤثر هجاءه فيهم أثرا عظيما يمتنعون به من أشياء لا يمتنعون عنها لو سبوا بكلام منثور أضعاف الشعر.
وأيضا فإن كعب بن الأشرف وأم الولد المتقدمة تكرر منهما سب النبي صلى الله عليه وسلم وأذاه وكثر والشيء إذا كثر واستمر صار له حال أخرى ليست له إذا انفرد وقد حكيتم أن الحنفية يجيزون قتل من كثر منه مثل هذه الجريمة وإن لم يجيزوا قتل من لم يتكرر منه فإذا ما دل عليه الحديث يمكن المخالف أن يقول به.
قلنا أولا: إن هذا يفيدنا أن السب في الجملة من الذمي مهدر لدمه ناقض لعهده ويبقى الكلام في الناقض للعهد: هل هو نوع خاص من السب وهو ما كثر أو غلظ أو مطلق السب؟ هذا نظر آخر فما كان مثل هذا السب وجب أن يقال إنه مهدر لدم الذمي حتى لا يسوغ لأحد أن يخالف نص السنة فلو زعم زاعم أن شيئا من كلام الذمي وأذاه يبيح دمه كان مخالفا للسنة الصحيحة الصريحة خلافا لا عذر فيه لأحد.
وقلنا ثانيا: لا ريب أن الجنس الموجب للعقوبة قد يتغلظ بعض أنواعه صفة أو قدرا أو صفة وقدرا فإنه ليس قتل واحد من الناس مثل قتل

والد أو ولد عالم صالح ولا ظلم بعض الناس مثل ظلم يتيم فقير بين أبوين صالحين وليست الجناية في الأوقات والأماكن الأحوال المشرفة كالحرم والإحرام والشهر الحرام كالجناية في غير ذلك وكذلك مضت سنة الخلفاء الراشدين بتغليظ الديات إذا تغلظ القتل بأحد هذه الأسباب وقال النبي صلى الله عليه وسلم وقد قيل له: أي الذنب أعظم؟ قال: "أن تجعل لله ندا وهو خلقك" قيل له: ثم أي؟ قال: "أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك" قيل له: ثم أي؟ قال: "ثم أن تزاني حليلة جارك " ولا شك أن من قطع الطريق مرات متعددة وسفك دماء خلق من المسلمين وكثر منه أخذ الأموال كان جرمه أعظم من جرم من لم يقطعه إلا مرة واحدة ولا ريب أن من أكثر من سب النبي صلى الله عليه وسلم أو نظم القصائد في سبه فإن جرمه أغلظ من جرم من سبه بالكلمة الواحدة المنثورة بحيث يجب أن تكون إقامة الحد عليه أوكد والانتصار لرسول الله صلى الله عليه وسلم أوجب وإن المقل لو كان أهلا أن يعفى عنه لم يكن هذا أهلا لذلك.
ولكن هذا الحديث كغيره من الأحاديث يدل على أن جنس الأذى لله ورسوله ومطلق السب الظاهر مهدر لدم الذمي ناقض لعهده وإن كان بعض الأشخاص أغلظ جرما من بعض لتغلظ سبه نوعا أو قدرا وذلك من وجوه: أحدها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من لكعب بن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله؟ " فجعل علة الندب إلى قتله أنه آذى الله ورسوله وأذى الله ورسوله اسم مطلق ليس مقيدا بنوع ولا بقدر فيجب أن يكون مطلق أذى الله ورسوله علة للانتداب إلى قتل من فعل ذلك من ذمي وغيره وقليل السب وكثيره ومنظومه ومنثوره أذى بلا ريب فيتعلق به الحكم

وهو أمر الله ورسوله بقتله ولو لم يرد هذا المعنى لقال: من لكعب فإنه قد بالغ في أذى الله تعالى ورسوله أو قد أكثر من أذى الله ورسوله أو قد داوم على أذى الله ورسوله وهو صلى الله عليه وسلم الذي أوتي جوامع الكلم وهو الذي لا ينطق عن الهوى ولم يخرج من بين شفتيه صلى الله عليه وسلم إلا حق في غضبه ورضاه.
وكذلك قوله في الحديث الآخر: "إنه نال منا الأذى وهجانا بالشعر ولا يفعل هذا أحد منكم إلا كان للسيف " ولم يقيده بالكثره.
الثاني: أنه آذاه بهجائه المنظوم واليهودية بكلام منثور وكلاهما أهدر دمه فعلم أن النظم ليس له تأثير في أصل الحكم إذ لم يخص ذلك الناظم والوصف إذا ثبت الحكم بدونه كان عديم التأثير فلا يجعل جزاء من العلة ولا يجوز أن يكون هذا من باب تعليل الحكم بعلتين لأن ذلك إنما يكون إذا لم تكن إحداهما مندرجة في الأخرى كالقتل والزنا أما إذا اندرجت إحداهما في الأخرى فالوصف الأعم هو العلة والأخص عديم التأثير.
الوجه الثالث: أن الجنس المبيح للدم لا فرق بين قليله وكثيره وغليظه وخفيفه في كونه مبيحا للدم سواء كان قولا أو فعلا كالردة والزنا والمحاربة ونحو ذلك وهذا هو قياس الأصول فمن زعم أن من الأقوال أو الأفعال ما يبيح الدم إذا كثر ولا يبيحه مع القلة فقد خرج عن قياس الأصول وليس له ذلك إلا بنص يكون أصلا بنفسه ولا نص يدل على إباحة القتل في الكثير دون القليل وما ذهب إليه المنازع من جواز قتل من كثر منه القتل بالمثقل والفاحشة في الدبر دون القبل إنما هو حكاية مذهب والكلام في الجميع واحد

ثم إنه قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رضخ رأس يهودي بين حجرين لأنه فعل ذلك بجارية من الأنصار فقد قتل من قتل بالمثقل قودا مع أنه لم يتكرر منه وقال في الذي يعمل عمل قوم لوط: " اقتلوا الفاعل والمفعول به " ولم يعتبر التكرر وكذلك أصحابه من بعده قتلوا فاعل ذلك إما رجما أو حرقا أو غير ذلك مع عدم التكرر.
وإذا كانت الأصول المنصوصة أو المجمع عليها مستوية في إباحة الدم بين المرة الواحدة والمرات المتعددة كان الفرق بينهما في إباحة الدم إثبات حكم بلا أصل ولا نضير له بل على خلاف الأصول الكلية وذلك غير جائز.
يوضح ذلك: أن ما ينقض الإيمان من الأقوال يستوي فيه واحده وكثيره وإن لم يصرح بالكفر كما لو كفر بآية واحدة أو بفريضة ظاهرة أو بسب الرسول مرة واحدة فإنه كما لو صرح بتكذيب الرسول وكذلك ما ينقض الإيمان من الأقوال لو صرح به وقال: "قد نقضت العهد وبرئت من ذمتك" انتقض عهده بذلك وإن لم يكرره فكذلك ما يستلزم ذلك من السب والطعن في الدين ونحو ذلك لا يحتاج إلى تكرير.
الوجه الرابع: أنه إذا أكثر من هذه الأقوال والأفعال فإما أن يقتل لأن جنسها مبيح للدم أو لأن المبيح قدر مخصوص فإن كان الأول فهو المطلوب وإن كان الثاني فما حد ذلك المقدار المبيح للدم؟ وليس لأحد أن يحد في ذلك حدا إلا بنص أو إجماع أو قياس عند من يرى القياس في المقدرات والثلاثة منفية في مثل هذا فإنه ليس في الأصول قول أو فعل يبيح الدم منه عدد مخصوص فلا يبيحه أقل منه ولا ينتقض هذا بالإقرار في الزنا فإنه لا يثبت إلا بأربع مرات عند من يقول به أو القتل بالقسامة فإنه لا يثبت إلا بعد خمسين يمينا عند من يرى القود بها أو رجم الملاعنة فإنه لا يثبت إلا بعد أن يشهد الزوج

أربع مرات عند من يرى أنها ترجم بشهادة الزوج إذا نكلت لأن المبيح للدم ليس هو الإقرار ولا الأيمان وإنما المبيح فعل الزنا أو فعل القتل وإنما الإقرار والأيمان حجة ودليل على ثبوت ذلك ونحن لم ننازع في أن الحجج الشرعية لها نصب محدودة وإنما قلنا: "إن نفس القول أو العمل المبيح للدم لا نصاب له في الشرع وإنما الحكم معلق بجنسه".
الوجه الخامس: أن القتل عند كثرة هذه الأشياء إما أن يكون حدا يجب فعله أو تعزيزا يرجع إلى رأي الإمام فإن كان الأول فلا بد من تحديد موجبه ولا حد له إلا تعليقه بالجنس إذ القول بما سوى ذلك تحكم وإن كان الثاني فليس في الأصول تعزير بالقتل فلا يجوز إثباته إلا بدليل يخصه والعمومات الواردة في ذلك مثل قوله صلى الله عليه وسلم: " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث " تدل على ذلك أيضا.
الوجه الثاني من الاستدلال به: أن النفر الخمسة الذين قتلوه من المسلمين: محمد بن مسلمة وأبا نائلة وعباد بن بشر والحارث بن أوس وأبا عبس بن جبر قد أذن لهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يغتالوه ويخدعوه بكلام يظهرون به أنهم قد آمنوه ووافقوه ثم يقتلوه ومن المعلوم أن من أظهر لكافر أمانا لم يجز قتله بعد ذلك لأجل الكفر بل لو اعتقد الكافر الحربي أن المسلم آمنه وكلمه على ذلك صار مستأمنا قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه عنه عمرو بن الحمق: "من آمن رجل على دمه وماله ثم قتله فأنا منه بريء وإن كان المقتول كافرا " رواه الإمام أحمد وابن ماجه.
وعن سليمان بن صرد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا آمنك الرجل على دمه فلا تقتله " رواه ابن ماجه.

وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الأمان قيد الفتك لا يفتك مؤمن " رواه أبو داود وغيره.
وقد زعم الخطابي أنهم إنما فتكوا به لأنه كان قد خلع الأمان ونقض العهد قبل هذا وزعم أن مثل هذا جائز في الكافر الذي لا عهد له كما جاز البيات والإغارة عليهم في أوقات الغرة لكن يقال: هذا الكلام الذي كلموه به صار مستأمنا وأدنى أحواله أن يكون له شبهة أمان ومثل ذلك لا يجوز قتله بمجرد الكفر فإن الأمان يعصم دم الحربي ويصير مستأمنا بأقل من هذا كما هو معروف في مواضعه وإنما قتلوه لأجل هجائه وأذاه لله ورسوله ومن حل قتله بهذا الوجه لم يعصم دمه بأمان ولا عهد كما لو آمن المسلم من وجب قتله لأجل قطع الطريق ومحاربة الله ورسوله والسعي في الأرض بالفساد الموجب للقتل أو آمن من وجب قتله لأجل زناه أو آمن من وجب قتله لأجل الردة أو لأجل ترك أركان الإسلام ونحو ذلك ولا يجوز أن يعقد له عقد عهد سواء كان عقد أمان أو عقد هدنة أو عقد ذمة لأن قتله حد من الحدود وليس قتله لمجرد كونه كافرا حربيا كما سيأتي وأما الإغارة والبيات فليس هناك قول أو فعل صاروا به آمنين ولا اعتقدوا أنهم قد أومنوا بخلاف قصة كعب بن الأشرف فثبت أن أذى الله ورسوله بالهجاء ونحوه لا يحقن معه الدم بالأمان فأن لا يحقن معه بالذمة المؤبدة والهدنة المؤقتة بطريق الأولى فإن الأمان يجوز عقده لكل كافر ويعقده كل مسلم ولا يشرط على المستأمن شيء من الشروط والذمة لا يعقدها إلا الإمام أو نائبه ولا يعقد إلا بشروط كثيرة تشترط على أهل الذمة: من التزام الصغار ونحوه وقد كان عرضت لبعض السفهاء شبهة في قتل ابن الأشرف فظن أن دم مثل هذا يعصم بذمة متقدمة أو بظاهر أمان وذلك نظير الشبهة التي عرضت لبعض الفقهاء

حتى ظن أن العهد لا ينتقض بذلك فروى ابن وهب: أخبرني سفيان بن عيينة عن عمر بن سعيد أخي سفيان بنى سعيد الثوري عن أبيه عن عباية قال: ذكر قتل ابن الأشرف عند معاوية فقال ابن يامين: كان قتله غدرا فقال محمد بن مسلمة: يا معاوية أيغدر عندك رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لا تنكر؟ والله لا يظلني وإياك سقف بيت أبدا ولا يخلوا لي دم هذا إلا قتلته.
وقال الواقدي: حدثني إبراهيم بن جعفر عن أبيه قال: قال مروان بن الحكم وهو على المدينة وعنده ابن يامين النظري: كيف كان قتل ابن الأشرف؟ قال ابن يامين: كان غدرا ومحمد بن مسلمة جالس شيخ كبير فقال: يا مروان أيغدر رسول الله صلى الله عليه وسلم عندك؟ والله ما قتلناه إلا بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم والله لا يؤويني وإياك سقف بيت إلا المسجد وأما أنت يا ابن يامين فالله علي إن أفلت وقدرت عليك وفي يدي سيف إلا ضربت به رأسك فكان ابن يامين لا ينزل من بني قريظة حتى يبعث له رسولا ينظر محمد بن مسلمة فإن كان في بعض ضياعه نزل فقضى حاجته ثم صدر وإلا لم ينزل فبينا محمد في جنازة وابن يامين في البقيع فرأى محمد يغشى عليه جرائد يظنه لا يراه فعاجله فقام إليه الناس فقالوا: يا أبا عبد الرحمن ما تصنع؟ نحن نكفيك فقام إليه فلم يزل بضربه به جريدة جريدة حتى كسر ذلك الجريد على وجهه ورأسه حتى لم يترك به مصحا ثم أرسله ولا طباخ به ثم قال: والله لو قدرت على السيف لضربتك به.
فإن قيل: فإذا كان هو وبنو النضير قبيلته موادعين فما معنى ما ذكره ابن إسحاق قال: حدثني مولى لزيد بن ثابت حدثتني ابنة محيصة عن أبيها محيصة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من ظفرتم به من رجال

يهود فاقتلوه" فوثب محيصة بن مسعود على ابن سنينة رجل من تجار يهود كان يلابسهم ويبايعهم فقتله وكان حويصة بن مسعود إذا ذاك لم يسلم وكان أسن من محيصة فلما قتله جعل حويصة يضربه ويقول: أي عدو الله قتلته؟ أما والله لرب شحم في بطنك من ماله فوالله إن كان لأول إسلام حويصة فقال محيصة: فقلت له: والله لقد أمرني بقتله من لو أمرني بقتلك لضربت عنقك فقال حويصة: والله إن دينا بلغ منك هذا لعجب.
وقال الواقدي بالأسانيد المتقدمة: قالوا: فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم من الليلة التي قتل فيها ابن الأشرف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه " فخافت يهود فلم يطلع عظيم من عظمائهم ولم ينطلقوا وخافوا أن يبيتوا كما بيت ابن الأشرف وذكر قتل ابن سنينة إلى أن قال: وفزعت يهود ومن معها من المشركين وساق القصة كما تقدم عنه.
فإن هذا يدل على أنهم لم يكونوا موادعين وإلا لما أمر بقتل من صودف منهم ويدل هذا على أن العهد الذي كتبه النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين اليهود كان بعد قتل بن الأشرف وحينئذ فلا يكون ابن الأشرف معاهدا.
قلنا: إنما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل من ظفر به منهم لأن كعب بن الأشرف كان من ساداتهم وقد تقدم أنه قال: ما عندكم؟ يعني في النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: عداوته ما حيينا وكانوا مقيمين خارج المدينة فعظم عليهم قتله وكان مما يهيجهم على المحاربة وإظهار نقض العهد نقض العهد انتصارهم للمقتول وذبهم عنه واما من قر فهو

مقيم على عهده المتقدم لأنه لم يظهر العداوة ولهذا لم يحاصرهم النبي صلى الله عليه وسلم ولم يحاربهم حتى أظهروا عداوته بعد ذلك وأما هذا الكتاب فهو شيء ذكره الواقدي وحده.
وقد ذكر هو أيضا أن قتل ابن الأشرف في شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وأن غزوة بني قنيقاع كانت قبل ذلك في شوال سنة اثنتين بعد بدر بنحو شهر.
وذكر أن الكتاب الذي وادع فيه النبي صلى الله عليه وسلم اليهود كلها كان لما قدم المدينة قبل بدر وعلى هذا فيكون هذا كتابا ثانيا خاصا لبني النضير تجدد فيه العهد الذي بينه وبينهم غير الكتاب الأول الذي كتبه بينه وبين جميع اليهود لأجل ما كانوا قد أرادوا من إظهار العداوة.
وقد تقدم أن ابن الأشرف كان معاهدا وتقدم أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب الكتاب لما قدم المدينة في أوائل الأمر والقصة تدل على ذلك وإلا لما جاء اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم وشكوا إليه قتل صاحبهم ولو كانوا محاربين لم يستنكروا قتله وكلهم ذكر أن قتل ابن الأشرف كان بعد بدر وأن معاهدة النبي صلى الله عليه وسلم كانت قبل بدر كما ذكره الواقدي.
قال ابن إسحاق: "وكان فيما بين ذلك من غزو النبي صلى الله عليه وسلم أمر بني قينقاع يعني فيما بين بدر وغزوة الفرع من العام المقبل في جمادى الأولى وقد ذكر أن بني قينقاع هم أول من حارب ونقض العهد".
الحديث الرابع: ما روى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سب نبيا قتل ومن سب أصحابه جلد " رواه أبو محمد الخلال وأبو القاسم الأرجي ورواه أبو ذر الهروي

ولفظه: " من سب نبيا فاقتلوه ومن سب أصحابي فاجلدوه ". وهذا الحديث قد رواه عبد العزيز بن الحسن بن زبالة قال: ثنا عبد الله بن موسى بن جعفر عن علي بن موسى عن أبيه عن جده عن محمد بن علي بن الحسين عن أبيه عن الحسين بن علي عن أبيه وفي القلب منه حزازة فإن هذا الإسناد الشريف قد ركب عليه متون نكرة والمحدث به عن أهل البيت ضعيف فإن كان محفوظا فهو دليل على وجوب قتل من سب نبيا من الأنبياء وظاهره يدل على أنه يقتل من غير استتابة وأن القتل حد له.
الحديث الخامس: ما روى عبد الله بن قدامى عن أبي برزة قال: أغلظ رجل لأبي بكر الصديق رضي الله عنه فقلت: أقتله؟ فانتهرني وقال: ليس هذا لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه النسائي من حديث شعبة عن توبة العنبري عنه.
وفي رواية لأبي بكر عبد العزيز بن جعفر الفقيه عن أبي برزة: "أن رجلا شتم أبا بكر فقلت: يا خليفة رسول الله ألا أضرب عنقه؟ فقال: ويحك أو ويلك ما كانت لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم".
ورواه أبو داود في سننه بإسناد صحيح عن عبد الله بن مطرف عن أبي برزة قال: "كنت عند أبي بكر رضي الله عنه فتغيظ على رجل فاشتد عليه فقلت: تأذن لي يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أضرب عنقه قال: فأذهبت كلمتي غضبه فقام فدخل فأرسل إلي فقال: ما الذي قلت آنفا؟ قلت: ائذن لي أضرب عنقه قال: أكنت فاعلا لو أمرتك؟ قلت: نعم قال: لا والله ما كانت لبشر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم".

قال أبو داود في مسائله: سمعت أبا عبد الله يسال عن حديث أبي بكر: "ما كانت لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم" فقال: لم يكن لأبي بكر أن يقتل رجلا إلا بإحدى ثلاث وفي رواية: بإحدى الثلاث التي قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم كفر بعد إيمان وزنا بعد إحصان وقتل نفس بغير نفس والنبي صلى الله عليه وسلم كان له أن يقتل".
وقد استدل به على جواز قتل ساب النبي صلى الله عليه وسلم جماعة من العلماء منهم أبو داود وإسماعيل بن إسحاق القاضي وأبو بكر عبد العزيز والقاضي أبو يعلى وغيرهم من العلماء وذلك لأن أبا برزة لما رأى الرجل قد شتم أبا بكر وأغلظ له حتى تغيظ أبو بكر استأذنه في أن يقتله بذلك وأخبره أنه لو أمره لقتله فقال أبو بكر: ليس هذا لأحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم.
فعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان له أن يقتل من سبه ومن أغلظ له وأن له أن يأمر بقتل من لا يعلم الناس منه سببا يبيح دمه وعلى الناس أن يطيعوه في ذلك لأنه لا يأمر إلا بما أمر الله به ولا يأمر بمعصية الله قط بل من أطاعه فقد أطاع الله.
فقد تضمن الحديث خصيصتين لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إحداهما: أنه يطاع في كل من أمر بقتله.
والثانية: أن له أن يقتل من شتمه وأغلظ عليه.
وهذا المعنى الثاني الذي كان لله باقي في حقه بعد موته فكل من شتمه أو أغلظ في حقه كان قتله جائزا بل ذلك بعد موته أوكد وأوكد لأن حرمته بعد موته أكمل والتساهل في عرضه بعد موته غير ممكن.

وهذا الحديث يفيد أن سبه في الجملة يبيح القتل ويستدل بعمومه على قتل الكافر والمسلم.
الحديث السادس: قصة العصماء بنت مروان ما روى عن ابن عباس قال: هجت امرأة من خطمة النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "من لي بها؟ " فقال رجل من قومها: أنا يا رسول الله فنهض فقتلها فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "لا ينتطح فيها عنزان ". وقد ذكر بعض أصحاب المغازي وغيرهم قصتها مبسوطة.
قال الواقدي: حدثني عبد الله بن الحارث بن الفضيل عن أبيه أن عصماء بنت مروان من بني أمية بنت زيد كانت تحت يزيد بن زيد ابن حصن الخطمي وكانت تؤذي النبي صلى الله عليه وسلم وتعيب الإسلام وتحرض على النبي صلى الله عليه وسلم وقالت: فباست بني مالك والنبيت... وعوف وباست بني الخزرج أطعتم أتاوي من غيركم... فلا من مراد ولا مذحج ترجونه بعد قتل الرؤوس... كما يرتجى مرق المنضج وقال عمير بن عدي الخطمي حين بلغه قولها وتحريضها: " اللهم إن لك عليّ نذرا لئن رددت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة لأقتلنها" ورسول الله صلى الله عليه وسلم ببدر فلما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من بدر جاء عمير بن عدي في جوف الليل حتى دخل عليها في بيتها وحولها نفر من ولدها نيام منهم من ترضعه في صدرها فحسها بيده فوجد الصبي ترضعه فنحاه عنها ثم وضع سيفه على صدرها حتى أنفذه من ظهرها ثم خرج حتى صلى الصبح مع النبي صلى الله عليه وسلم فلما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم نظر إلى عمير فقال: أقتلت بنت مروان؟ قال: نعم بأبي أنت

يا رسول الله وخشي عمير أن يكون أفتات على رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتلها فقال: هل عليّ في ذلك شيء يا رسول الله؟ قال: لا ينتطح فيها عنزان فإن أول ما سمعت هذه الكلمة من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عمير: فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى من حوله فقال: "إذا أحببتم أن تنظروا إلى رجل نصر الله ورسوله بالغيب فانظروا إلى عمير بن عدي" فقال عمر بن الخطاب: "انظروا إلى هذا الأعمى الذي تسرى في طاعة الله" فقال: "لا تقل الأعمى ولكنه البصير ". فلما رجع عمير من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد بنيها في جماعة يدفنونها فأقبلوا إليه حين رأوه مقبلا من المدينة فقالوا: يا عمير أنت قتلتها؟ فقال: نعم فيكدوني جميعا ثم لا تنظرون والذي نفسي بيده لو قلتم بأجمعكم ما قالت لضربتكم بسيفي هذا حتى أموت أو أقتلكم فيومئذ ظهر الإسلام في بني خطمة وكان منهم رجال يستخفون بالإسلام خوفا من قومهم فقال حسان بن ثابت يمدح عمير بن عدي.
قال الواقدي: أنشدنا عبد الله بن الحارث: بني وائل وبني واقف... وخطمة دون بني الخزرج متى ما ادعت أختكم ويحها... بعولتها والمنايا تجي فهزت فتى ماجدا عرقه... كريم المداخل والمخرج فضرجها من نجيع الدما... قبيل الصباح ولم تخرج فأورده الله برد الجنا... ن جذلان في نعمة المولج قال عبد الله بن الحارث عن أبيه: وكان قتلها لخمس ليال بقين من رمضان مرجع النبي صلى الله عليه وسلم من بدر.

وروى هذه القصة أخصر من هذا أبو أحمد العسكري ثم قال: كانت هذه المرأة تهجو النبي صلى الله عليه وسلم وتؤذيه.
وإنما خص النبي صلى الله عليه وسلم العنز لأن العنز تشام العنز ثم تفارقها وليس كنطاح الكباش وغيرها.
وذكر هذه القصة مختصرة محمد بن سعد في الطبقات.
وقال أبو عبيد في الأموال: وكذلك كانت قصة عصماء اليهودية إنما قتلت لشتمها النبي صلى الله عليه وسلم وهذه المرأة ليست هي التي قتلها سيدها الأعمى ولا اليهودية التي قتلت لأن هذه المرأة من بني أمية بن زيد أحد بطون الأنصار ولها زوج من بني خطمة ولهذا والله أعلم نسبت في حديث ابن عباس إلى بني خطمة والقاتل لها غير زوجها وكان لها بنون كبار وصغار نعم كان القاتل من قبيلة زوجها كما في الحديث.
وقال محمد بن إسحاق: أقام مصعب بن عمير عند أسعد بن زرارة يدعو الناس إلى الإسلام حتى لم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون إلا ما كان من دار بني أمية بن زيد وخطمة ووائل وواقف وتلك أوس الله وهم من الأوس بن حارثة وذلك أنه كان فيهم أبو قيس بن الأسلت كان شاعرهم يسمعون منه ويعظمونه.
فهذا الذي ذكره ابن إسحاق يصدق ما رواه الواقدي من تأخر ظهور الإسلام ببني خطمة والشعر المأثور عن حسان يوافق ذلك.
وإنما سقنا القصة من راوية أهل المغازي مع ما في الواقدي من الضعف للشهرة هذه القصة عندهم مع أنه لا يختلف اثنان أن الواقدي من أعلم الناس بتفاصيل أمور المغازي وأخبرهم بأحوالها وقد كان الشافعي وأحمد وغيرهما يستفيدون علم ذلك من كتبه نعم هذا الباب يدخله خلط الروايات بعضها

ببعض حتى يطهر أنه سمع مجموع القصة من شيوخه وإنما سمع من كل واحد بعضها ولم يميزه ويدخله أخذ ذلك من الحديث المرسل والمقطوع وربما حدس الراوي بعض الأمور لقرائن استفادها من عدة جهات ويكثر من ذلك إكثارا ينسب لأجله إلى المجازفة في الرواية وعدم الضبط فلم يمكن الاحتجاج بما ينفرد به فأما الاستشهاد بحديثه والاعتضاد به فمما لا يمكن المنازعة فيه لا سيما في قصة تامة يخبر فيها باسم القاتل والمقتول وصورة الحال فإن الرجل وأمثاله أفضل ممن ارتفعوا في مثل هذا في كذب ووضع على أنا لم يثبت قتل الساب بمجرد هذا الحديث وإنما ذكرناه للتقوية والتوكيد وهذا مما يحصل ممن هو دون الواقدي.
ووجه الدلالة أن هذه المرأة لم تقتل إلا لمجرد أذى النبي صلى الله عليه وسلم وهجوه وهذا بين في قول ابن عباس: "هجت امرأة من خطمة النبي صلى الله عليه وسلم فقال: من لي بها " فعلم أنه أنما ندب إليها لأجل هجوها وكذلك في الحديث الآخر "فقال عمير حين بلغه قولها وتحريضها: اللهم إن لك علي نذرا لئن رددت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة لأقتلنها" وفي الحديث لما قال له قومه: "أنت قتلتها؟ " فقال: "نعم فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون فوالذي نفسي بيده لو قلتم جميعا ما قالت لضربتكم بسيفي حتى أموت أو أقتلكم" فهذه مقدمة ومقدمة أخرى وهو أن شعرها ليس فيه تحريض على قتال النبي صلى الله عليه وسلم حتى يقال: التحريض على القتال قتال وإنما فيه تحريض على ترك دينه وذم له ولمن اتبعه وأقصى غاية ذلك أن لا يدخل في الإسلام من لم يكن دخل أو أن يخرج عنه من دخل فيه وهذا شأن كل ساب.
يبين ذلك أنها هجته بالمدينة وقد أسلم أكثر قبائلها وصار المسلم بها

أعز من الكافر ومعلوم أن الساب في مثل هذه الحال لا يقصد أن يقاتل الرسول وأصحابه وإنما يقصد إغاظتهم وأن لا يتابعوا.
وأيضا فانها لم تكن تطمع في التحريض على القتال فإنه لا خلاف بين أهل العلم بالسير أن جميع قبائل الأوس والخزرج لم يكن فيهم من يقاتل النبي صلى الله عليه وسلم بيد ولا لسان ولا كان أحد بالمدينة يتمكن من إظهار ذلك وإنما غاية الكافر أو المنافق منهم أن يثبط الناس عن إتباعه أو أن يعين على رجوعه من المدينة إلى مكة ونحو ذلك مما فيه تخذيل عنه وحض على الكفر به لا على قتاله على أن الهجاء إن كان من نوع القتال فيجب انتقاض العهد به ويقتل به الذمي فإنه إذا قاتل انتقض عهده لأن العهد اقتضى الكف عن القتال فإذا قاتل بيد أو لسان فقد فعل ما يناقض العهد وليس بعد القتال غاية في نكث العهد.
إذا تبين ذلك فمن المعلوم من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم الظاهر علمه عند كل من له علم بالسيرة أنه صلى الله عليه وسلم لما قدم بالمدينة لم يحارب أحدا من أهل المدينة بل وادعهم حتى اليهود خصوصا بطون الأوس والخزرج فإنه كان يسالمهم ويتألفهم بكل وجه وكان الناس إذ قدمها على طبقات: منهم المؤمن وهم الأكثرون ومنهم الباقي على دينه وهو متروك لا يحارب ولا يحارب وهو والمؤمنون من قبيلته وحلفائهم أهل سلم لا أهل حرب حتى حلفاء الأنصار أقرهم النبي صلى الله عليه وسلم على حلفهم.
قال موسى بن عقبة عن ابن شهاب: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وليس فيها دار من دور الأنصار إلا فيها رهط من المسلمين إلا بني خطمة وبني واقف وبني وائل كانوا آخر الأنصار إسلاما وحول المدينة حلفاء

الأنصار كانوا يستظهرون بهم في حربهم فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخلوا حلف حلفائهم للحرب التي كانت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين من عادى الإسلام.
وكذلك قال الواقدي فيما رواه عن يزيد بن رومان وابن كعب بن مالك عن جابر بن عبد الله في قصة ابن الأشرف قال: فكان الذي اجتمعوا عليه قالوا وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وأهلها أخلاط منهم المسلمون الذين تجمعهم دعوة الإسلام فيهم أهل الحلقة والحصون ومنهم حلفاء للحيين جميعا الأوس والخزرج فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة استصلاحهم كلهم وموادعتهم وكان الرجل يكون مسلما وأبوه مشركا ومن المعلوم أن قبائل الأوس كانوا حلفاء بعضهم لبعض.
فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أقرهم كانت هذه المرأة من المعاهدين وكان فيهم المظهر للإسلام المبطن لخلافه يقول بلسانه ما ليس في قلبه وكان الإسلام والإيمان يفشوا في بطون الأنصار بطنا بعد بطن حتى لم يبق فيهم مظهر للكفر بل صاروا إما مؤمنا أو منافقا وكان من لم يسلم منهم بمنزلة اليهود موادع مهادن أو هو أحسن حالا من اليهود لما يرجى فيه من العصبية لقومه وأن يهوى هواهم ولا يرى أن يخرج عن جماعتهم وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعاملهم من الكف عنهم واحتمال أذاهم بأكثر مما يعامل به اليهود لما كان يرجوه منهم ويخاف من تغيير قلوب من أظهر الإسلام من قبائلهم لو أوقع بهم وهو في ذلك متبع قوله تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾.

ثم إنه مع ندب الناس إلى قتل المرأة التي هجته وقال فيمن قتلها: "إذا أحببتم أن تنظروا إلى رجل نصر الله ورسوله بالغيب فانظروا إلى هذا" فثبت بذلك أن هجاءه وذمه موجب للقتل غير الكفر وثبت أن الساب يجب قتله وإن كان من الحلفاء والمعاهدين ويقتل في الحال التي يحقن فيها دم من ساواه في غير السب لا سيما ولو لم تكن معاهدة فقتل المرأة لا يجوز إلا أن تقاتل لأنه صلى الله عليه وسلم رأى امرأة في بعض مغازيه مقتولة فقال: "ما كانت هذه لتقاتل" ونهى عن قتل النساء والصبيان ثم إنه أمر بقتل هذه المرأة ولم تقاتل بيدها فلو لم يكن السب موجبا للقتل لم يجز قتلها لأن قتل المرأة لمجرد الكفر لا يجوز ولا نعلم قتل المرأة الكافرة الممسكة عن القتال أبيح في وقت من الأوقات بل القرآن وترتيب نزوله دليل على أنه لم يبح قط لأن أول آية نزلت في القتال: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِم﴾ الآية فأباح للمؤمنين القتال دفعا عن نفوسهم وعقوبة لمن أخرجهم من ديارهم ومنعهم من توحيد الله وعبادته وليس للنساء في ذلك حظ.
ثم إنه كتب عليهم القتال مطلقا وفسره بقوله: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُم﴾ الآية فمن ليس من أهل القتال لم يؤذن في قتاله والنساء لسن من أهل القتال فإذا كان قد أمر بقتل هذه المرأة فإما أن يقال: "هجاؤها قتال" فهذا يفيدنا أن هجاء الذمي قتال فينقض العهد ويبيح الدم أو يقال: "ليس بقتال" وهو الأظهر لما قدمناه من أنه لم يكن فيه تحريض على القتال ولا كان لها رأي في الحرب فيكون السب جناية مضرة بالمسلمين غير القتال موجبة للقتل بمنزلة قطع الطريق عليهم ونحو ذلك يفيد أن السب موجب للقتل بوجوه.

أحدها: أنه لو لم يكن موجبا للقتل لما جاز قتل المرأة وإن كانت حربية لأن الحربية إذا لم تقاتل بيد ولا لسان لم يجز قتلها إلا بجناية موجبة للقتل وهذا ما أحسب فيه مخالفا لا سيما عند من يرى قتالها بمنزلة قتال الصائل.
الثاني: أن هذه السابة كانت من المعاهدين ممن هو أحسن حالا من المعاهدين في ذلك الوقت فلو لم يكن السب موجبا لدمها لما قتلت ولما جاز قتلها ولهذا خاف الذي قتلها أن تتولد فتنة حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم "لا ينتطح فيها عنزان" مع أن انتطاحهما إنما هو كالتشام فبين صلى الله عليه وسلم أنه لا يتحرك لذلك قليل من الفتن ولا كثير رحمة من الله بالمؤمنين ونصرا لرسوله ودينه فلو لم يكن هناك ما يحذر معه قتل هذه لولا الهجاء لما خيف هذا.
الثالث: أن الحديث مصرح بأنها إنما قتلت لأجل ما ذكرته من الهجاء وأن سائر قومها تركوا إذ لم يهجوا وأنهم لو هجوا لفعل بهم كما فعل بها فظهر بذلك أن الهجاء موجب بنفسه للقتل سواء كان الهاجي حربيا أو مسلما أو معاهدا حتى يجوز أن يقتل لأجله من لا يقتله بدونه وإن كان الحربي المقاتل يجوز قتله من وجه آخر وذلك في المسلم ظاهر وأما في المعاهد فلأن الهجاء إذا أباح دم المرأة فهو كالقتال أو أسوأ حالا من القتال.
الرابع: أن المسلمين كانوا ممنوعين قبل الهجرة وفي أوائل الهجرة من الابتداء بالقتال وكان قتل الكفار حينئذ محرما وهو من قتل النفس بغير حق كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَال﴾ ولهذا أول ما أنزل من القرآن فيه نزل بالإباحة بقوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُون﴾ وهذا من

العلم العام بين أهل المعرفة بسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يخفى على أحد منهم أنه صلى الله عليه وسلم كان قبل الهجرة وبعيدها ممنوعا عن الابتداء بالقتل والقتال ولهذا قال للأنصار الذين بايعوه ليلة العقبة لما استأذنوه في أن يميلوا على أهل منى "إنه لم يؤذن لي في القتال" وذلك حينئذ بمنزلة الأنبياء الذين لم يؤمروا بالقتال كنوح وهود وصالح وإبراهيم وعيسى بل كأكثر الأنبياء غير أنبياء بني إسرائيل.
ثم إنه لم يقاتل أحدا من أهل المدينة ولم يأمر بقتل أحد من رؤوسهم الذين كانوا يجمعونهم على الكفر ولا من غيرهم والآيات التي نزلت إذ ذاك إنما تأمر بقتال الذين أخرجوهم وقاتلوهم ونحو ذلك وظاهر هذا أنه لم يؤذن لهم إذ ذاك في ابتداء قتل الكافرين من أهل المدينة فإن دوام إمساكه عنهم يدل على استحبابه أو وجوبه وهو في الوجوب أظهر لما ذكرنا لأن الإمساك كان واجبا والمغير لحاله لم يشمل أهل المدينة فيبقى على الوجوب المتقدم مع فعله صلى الله عليه وسلم.
قال موسى بن عقبة عن الزهري: كانت سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم في عدوه قبل أن تنزل براءة يقاتل من قاتله ومن كف يده وعاهده كف عنه قال الله تعالى: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً﴾ وكان القرآن ينسخ بعضه بعضا فإذا نزلت آية نسخت التي قبلها وعمل بالتي أنزلت وبلغت الأولى منتهى العمل بها وكان ما قد عمل بها قبل ذلك طاعة لله حتى نزلت براءة وإذا أمر بقتل هذه المرأة التي هجته ولم يؤذن له في قتل قبيلتها الكافرين علم

أن السب موجب للقتل وإن كان هناك ما يمنع القتال لولا السبب كالعهد والأنوثة ومنع قتل الكافر الممسك أو عدم إباحته.
وهذا وجه حسن دقيق فإن الأصل أن دم الآدمي معصوم لا يقتل إلا بالحق وليس القتل للكفر من الأمر الذي اتفقت عليه الشرائع ولا أوقات الشريعة الواحدة كالقتل قودا فإنه مما لا تختلف فيه الشرائع ولا العقول وكان دم الكافر في أول الإسلام معصوما بالعصمة الأصلية وبمنع الله المؤمنين من قتاله ودماء هؤلاء القوم كدم القبطي الذي قتله موسى وكدم الكافر الذي لم تبلغه الدعوة في زماننا أو أحسن حالا من ذلك وقد عد موسى ذلك ذنبا في الدنيا والآخرة مع أن قتله كان خطأ شبه عمد أو خطأ محضا ولم يكن عمدا محضا.
فظاهر سيرة نبيا وظاهر ما أذن له فيه أن حال أهل المدينة إذ ذاك ممن لم يسلم كانت كهذه الحال فإذا قتل المرأة التي هجته من هؤلاء وليسوا عنده محاربين بحيث يجوز قتالهم مطلقا كان قتل المرأة التي تهجوه من أهل الذمة بهذه المثابة وأولى لأن هذه قد عاهدناها على أن لا تسب وعلى أن تكون صاغرة وتلك لم نعاهدها على شيء.
الحديث السابع: قصة أبي عفك اليهودي ذكرها أهل المغازي والسير.
قال الواقدي: ثنا شعبة بن محمد عن عمارة بن غزية وحدثناه أبو مصعب إسماعيل بن مصعب بن إسماعيل بن زيد بن ثابت عن أشياخه قالا: إن شيخا من بني عمرو بن عوف يقال له أبو عفك وكان شيخا كبيرا قد بلغ عشرين ومائة سنة حين قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة كان يحرض على عداوة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يدخل في الإسلام فلما خرج رسول

الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر ظفره الله بما ظفره فحسده وبغى فقال وذكر قصيدة تتضمن هجو النبي صلى الله عليه وسلم وذم من اتبعه أعظم ما فيها قوله: فيسلبهم أمرهم راكب... حراما حلالا لشتى معا قال سالم بن عمير: علي نذر أن أقتل أبا عفك أو أموت دونه فأمهل فطلب له غرة حتى كانت ليلة صائفة فنام أبو عفك بالفناء في الصيف في بني عمرو بن عوف فأقبل سالم بن عمير فوضع السيف على كبده حتى خش في الفراش وصاح عدو الله فثاب إليه أناس ممن هم على قوله فأدخلوه منزله وقبروه وقالوا: من قتله؟ والله لو نعلم من قتله لقتلناه.
وبه ذكر محمد بن سعد أنه كان يهوديا وقد ذكرنا أن يهود المدينة كلهم كانوا قد عاهدوا ثم إنه لما هجا وأظهر الذم قتل.
قال الواقدي عن ابن رقش: قتل أبو عفك في شوال على رأس عشرين شهرا وهذا قديم قبل قتل ابن الأشرف وهذا فيه دلالة واضحة على أن المعاهد إذا أظهر السب ينتقض عهده ويقتل غيلة لكن هو من رواية أهل المغازي وهو يصلح أن يكون مؤيدا مؤكدا بلا تردد.
الحديث الثامن: حديث أنس بن زنيم الديلي وهو مشهور عند أهل السيرة ذكره ابن إسحاق والواقدي وغيرهما.
قال الواقدي: حدثني عبد الله بن عمرو بن زهير عن محجن بن وهب قال: كان آخر ما كان بين خزاعة وبين كنانة أن أنس بن زنيم الديلي هجا رسول الله عليه الصلاة والسلام فسمعه غلام من خزاعة فوقع به فشجه فخرج إلى قومه

فأراهم شجته فثار الشر مع ما كان بينهم وما تطلب بنو بكر من خزاعة من دمائها.
قال الواقدي: حدثني حرام بن هشام بن خالد الكعبي عن أبيه قال: وخرج عمرو بن سالم الخزاعي في أربعين راكبا من خزاعة يستنصرون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويخبرونه بالذي أصابهم وذكر قصة فيها إنشاد القصيدة التى أولها: لا هم إني ناشد محمدا............ قال: فلما فرغ الركب قالوا: يا رسول الله إن أنس بن زنيم الديلي قد هجاك فندر رسول الله صلى الله عليه وسلم دمه فبلغ ذلك أنس بن زنيم فقدم معتذرا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مما بلغه عنه فقال وذكر قصيدة فيها مدح لرسول الله صلى الله عليه وسلم أولها: أنت الذي تهدى معد بأمره... بل الله يهديها وقال لك: اشهد فما حملت من ناقة فوق رحلها... أبر وأوفى ذمة من محمد تعلم رسول الله أنك مدركي... وأن وعيدا منك كالأخذ باليد تعلم رسول الله أنك قادر... على كل سكن من تهام ومنجد ونبي رسول الله أني هجوته... فلا رفعت سوطي إلي إذا يدي سوى أنني قد قلت: يا ويح فتية... أصيبوا بنحس يوم طلق وأسعد ويقول فيها: فإني لا عرضا خرقت ولا دما... هرقت ففكر عالم الحق واقصد قال الواقدي: أنشدنيها حرام وبلغت رسول الله صلى الله عليه وسلم

قصيدته هذه واعتذاره وكلمه نوفل بن معاوية الديلي فقال: يا رسول الله أنت أولى الناس بالعفو ومن منا من لم يعادك ويؤذك؟ ونحن في جاهلية لا ندري ما نأخذ وما ندع حتى هدانا الله بك وأنقذنا بك من الهلك وقد كذب عليه الركب وأكثروا عندك فقال دع الركب عنك فإنا لم نجد بتهامة أحدا من ذي رحم قريب ولا بعيد كان أبر من خزاعة فأسكت نوفل بن معاوية فلما سكت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عفوت عنه قال نوفل: فداك أبي وأمي.
وقال ابن إسحاق: وقال أنس بن زنيم يعتذر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مما كان قال فيهم عمرو بن سالم حين قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم يستنصره ويذكر أنهم قد نالوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنشد تلك القصيدة وفيها: وتعلم أن الركب ركب عويمر... هم الكاذبون المخلفو كل موعد فوجه الدلالة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد صالح قريشا وهادنهم عام الحديبية عشر سنين ودخلت خزاعة في عقده وكان أكثرهم مسلمين وكانوا عيبة نصح لرسول الله صلى الله عليه وسلم مسلمهم وكافرهم ودخلت بنو بكر في عهد قريش فصار هؤلاء كلهم معاهدين وهذا مما تواتر به النقل ولم يختلف فيه أهل العلم.
ثم إن هذا الرجل المعاهد هجا النبي صلى الله عليه وسلم على ما قيل عنه فشجه بعض خزاعة ثم أخبروا النبي صلى الله عليه وسلم أنه هجاه يقصدون بذلك إغراءه ببني بكر فندر رسول الله صلى الله عليه وسلم دمه أي أهدره

ولم يندر دم غيره فلولا أنهم علموا أن هجاء النبي صلى الله عليه وسلم من المعاهدة مما يوجب الانتقام منه لم يفعلوا ذلك.
ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم ندر دمه لذلك مع أن هجاءه كان حال العهد وهذا النص في أن المعاهد الهاجي يباح دمه.
ثم إنه لما قدم أسلم في شعره ولهذا عدوه من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وقوله: "تعلم رسول الله" "تعلم رسول الله" "ونبي رسول الله" دليل على أنه أسلم قبل ذلك أو هذا وحده إسلام منه فإن الوثني إذا قال: "محمد رسول الله" حكم بإسلامه ومع هذا فقد أنكر أن يكون هجا النبي صلى الله عليه وسلم ورد شهادة أولئك بأنهم أعداء له لما بين القبيلتين من الدماء والحرب فلو لم يكن ما فعله مبيحا لدمه لما احتاج إلى شيء من ذلك.
ثم إنه بعد إسلامه واعتذاره وتكذيب المخبرين ومدحه لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنما طلب العفو من النبي صلى الله عليه وسلم عن إهدار دمه والعفو إنما يكون مع جواز العقوبة على الذنب فعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان له أن يعاقبه بعد مجيئه مسلما معتذرا وإنما عفا عنه حلما وكرما.
ثم إن في الحديث أن نوفل بن معاوية هو الذي شفع له إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد ذكر عامة أهل السير أن نوفلا هذا هو رأس المتكبرين الذين عدوا على خزاعة وقتلوهم وأعانتهم قريش على ذلك وبسبب ذلك انتقض عهد قريش وبني بكر ثم إنه أسلم قبل الفتح حتى صار يشفع في الذي هجا النبي صلى الله عليه وسلم فعلم أن الهجاء أغلظ من نقض العهد بالقتال بحيث إذا نقض قوم العهد بالقتال وآخر هجا ثم أسلما

عصم دم الذي قاتل وجاز الانتقام من الهاجي ولهذا قرن هذا الرجل خرق العرض بسفك الدم فعلم أن كليهما موجب للقتل وأن خرق عرضه كان أعظم عندهم من سفك دماء المسلمين والمعاهدين.
ومما يوضح هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يهدر دم أحد من بني بكر الناقضين العهد بعينه وإنما مكن منهم بني خزاعة يوم الفتح أكثر النهار وأهدر دم هذا بعينه حتى أسلم واعتذر هذا مع أن العهد كان عهد هدنة وموادعة لم يكن عهد جزية وذمة والمهادن المقيم ببلده يظهر ببلده ما شاء من منكرات الأقوال والأفعال المتعلقة بدينه ودنياه ولا ينتقض بذلك عهده حتى يحارب فعلم أن الهجاء من جنس الحرب وأغلظ منه وأن الهاجي لا ذمة له.
الحديث التاسع: قصة ابن أبي سرح وهي مما اتفق عليها أهل العلم واستفاضت عندهم استفاضة تستغنى عن رواية الآحاد وذلك أثبت وأقوى مما رواه الواحد العدل فنذكرها مشروحة ليتبين وجه الدلالة منها: عن مصعب بن سعد عن سعد بن أبي وقاص قال: " لما كان يوم فتح مكة اختبأ عبد الله بن سعد بن أبي سرح عند عثمان بن عفان فجاء به حتى أوقفه على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله بايع عبد الله فرفع رأسه فنظر إليه ثلاثا كل ذلك يأبى فبايعه بعد ثلاث ثم أقبل على أصحابه فقال: "أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حيث رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله" فقالوا: ما ندري يا رسول الله ما في نفسك إلا أومأت إلينا بعينك قال: "إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين " رواه أبو داود بإسناد صحيح.

وراوه النسائي كذلك بأبسط من هذا عن سعد قال: لما كان يوم فتح مكة آمن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أربعة نفر وقال: اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة: عكرمة بن أبي جهل وعبد الله بن خطل ومقيس بن حبابة وعبد الله بن سعد بن أبي سرح.
فأما عبد الله بن خطل فأدرك وهو متعلق بأستار الكعبة فاستبق إليه سعيد بن حارث وعمار بن ياسر فسبق سعيد عمارا وكان أشب الرجلين فقتله.
وأما مقيس بن حبابة فأدركه الناس في السوق فقتلوه.
وأما عكرمة فركب البحر فأصابتهم عاصف فقال أصحاب السفينة: أخلصوا فإن آلهتكم لا تغني عنكم شيئا هاهنا فقال عكرمة: والله لئن لم ينجني في البحر إلا الإخلاص لا ينجني في البر غيره اللهم لك علي عهدا إن أنت عافيتني مما أنا فيه أن آتي محمد حتى أضع يدي في يده ولأجدنه عفوا كريما فجاء وأسلم.
وأما عبد الله بن سعد بن أبي سرح فإنه اختبأ عند عثمان بن عفان فلما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلى البيعة جاء به حتى أوقفه على النبي صلى الله عليه وسلم ثم ذكر الباقي كما رواه أبو داود.
وعن عبد الله بن عباس قال: كان عبد الله بن سعد بن أبي سرح يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأزله الشيطان فلحق بالكفار فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقتل يوم الفتح فاستجار له عثمان فأجاره رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه أبو داود.
وروى محمد بن سعد في الطبقات عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتل ابن أبي سرح يوم الفتح وفرتني وابن الزبعري وابن خطل فأتاه أبو بردة وهو متعلق بأستار الكعبة فبقر

بطنه وكان رجل من الأنصار قد نذر إن رأى ابن أبي سرح أن يقتله فجاء عثمان وكان أخاه من الرضاعة فشفع له إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أخذ الأنصاري بقائم السيف ينظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم متى يومئ إليه أن يقتله فشفع له عثمان حتى تركه ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للأنصاري: "هلا وفيت بنذرك" فقال: يا رسول الله وضعت يدي على قائم السيف أنتظر متى تومئ فأقتله فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ليس لنبي أن يومئ".
وقال محمد بن إسحاق في رواية ابن بكير عنه: قال أبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر وعبد الله بن أبي بكر بن حزم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخل مكة وفرق جيوشه أمرهم أن لا يقتلوا أحدا إلا من قاتلهم إلا نفرا قد سماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: "اقتلوهم وإن وجدتموهم تحت أستار الكعبة " عبد الله بن خطل وعبد الله بابن أبي سرح وإنما أمر بابن أبي سرح لأنه كان قد أسلم فكان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي فرجع مشركا ولحق بمكة فكان يقول: لهم إني لأصرفه كيف شئت أنه ليأمرني أن أكتب له الشيء فأقول له: أو كذا أو كذا فيقول: نعم وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: "عليم حليم" فيقول له: أو أكتب "عزيز حكيم" فيقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم: كلاهما سواء.
قال ابن إسحاق: حدثني شرحبيل بن سعد أن فيه نزلت: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة فر إلى عثمان بن عفان وكان أخاه من الرضاعة فغيبه عنده حتى اطمأن

أهل مكة فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأمن له فصمت رسول الله صلى الله عليه وسلم طويلا وهو واقف عليه ثم قال: " نعم" فانصرف به فلما ولى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما صمت إلا رجاء أن يقوم إليه بعضكم فيقتله" فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله ألا أومأت إلي فأقتله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن النبي لا يقتل بالإشارة ". وقال ابن إسحاق في رواية إبراهيم بن سعد عنه: حدثني بعض علمائنا أن ابن أبي سرح رجع إلى قريش فقال: والله لو أشاء لقلت كما يقول محمد وجئت بمثل ما يأتي به إنه ليقول الشيء وأصرفه إلى شيء فيقول: أصبت ففيه أنزل الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾ فلذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله.
قال ابن إسحاق عن ابن أبي نجيح قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلى أمرائه من المسلمين حين أمرهم أن يدخلوا مكة ألا يقاتلوا إلا أحدا قاتلهم إلا أنه قد عهد في نفر سماهم أمر بقتلهم وإن وجدوا تحت أستار الكعبة منهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح وإنما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله لأنه كان أسلم وكان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي فارتد مشركا راجعا إلى قريش فقال: والله إني لأصرفه حيث أريد إنه ليملي علي فأقول أو كذا أو كذا فيقول: نعم وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يملي عليه فيقول: "عزيز حكيم" أو "حكيم حليم" فكان يكتبها على أحد الحرفين فيقول: "كل صواب".
وروينا في مغازي معمر عن الزهري في قصة الفتح قال: فدخل

رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر أصحابه بالكف وقال: "كفوا السلاح" إلا خزاعة من بكر ساعة ثم أمرهم فكفوا فآمن الناس كلهم إلا أربعة: ابن أبي سرح وابن خطل ومقيس الكناني وامرأة أخرى ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إني لم أحرم مكة ولكن الله حرمها وإنها لم تحل لأحد من قبلي ولا تحل لأحد بعدي إلى يوم القيامة وإنما أحلها الله لي ساعة من نهار" قال ثم جاء عثمان بن عفان بابن أبي سرح فقال: بايعه يا رسول الله فأعرض عنه ثم جاءه من ناحية أخرى فقال: بايعه يا رسول الله فأعرض عنه ثم جاءه أيضا فقال: بايعه يا رسول الله فمد يده فبايعه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لقد أعرضت عنه واني لأظن بعضكم سيقتله" فقال رجل من الأنصار: فهلا أومضت إلي يا رسول الله فقال: "إن النبي لا يومض" فكأنه رآه غدرا.
وفي مغازي موسى بن عقبة عن ابن شهاب قال: وأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكفوا أيديهم فلا يقاتلوا أحدا إلا من قاتلهم وأمرهم بقتل أربعة منهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح والحويرث بن نقيد وابن خطل ومقيس بن حبابة أحد بني ليث وأمر بقتل قينتين لابن خطل تغنيان بهجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: ويقال أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتل النفر وأن يقتل عبد الله بن أبي سرح وكان ارتد بعد الهجرة كافرا فاختبأ حتى اطمأن الناس ثم أقبل يريد أن يبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعرض عنه ليقوم رجل من أصحابه فيقتله فلم يقم إليه أحد ولم يشعروا بالذي في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أحدهم: لو أشرت إلي يا رسول الله ضربت عنقه فقال "إن النبي لا يفعل ذلك" ويقال: أجاره

عثمان بن عفان وكان أخاه من الرضاعة وقتلت إحدى القينتين وكمنت الأخرى حتى استؤمن لها.
وذكر محمد بن عائد في مغازيه هذه القصة مثل ذلك.
وذكر الواقدي عن أشياخه قالوا: وكان عبد الله بن سعد بن أبي سرح يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم فربما أملى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم "سميع عليم" فيكتب "عليم حكيم" فيقرأه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول: كذاك قال الله ويقرأه فافتتن وقال: ما يدري محمد ما يقوله إني لأكتب له ما شئت هذا الذي كتبت يوحى إلي كما يوحى إلى محمد وخرج هاربا من المدينة إلى مكة مرتدا فأهدر رسول الله صلى الله عليه وسلم دمه يوم الفتح فلما كان يومئذ جاء ابن أبي سرح إلى عثمان بن عفان وكان أخاه من الرضاعة فقال: يا أخي إني والله أستجير بك فاحبسني ها هنا واذهب إلى محمد فكلمه في فإن محمدا إن رآني ضرب الذي فيه عيناي إن جرمي أعظم الجرم وقد جئت تائبا فقال عثمان: بل اذهب معي قال عبد الله: والله لئن رآني ليضربن عنقي ولا ينظرني قد أهدر دمي وأصحابه يطلبونني في كل موضع فقال عثمان: انطلق معي فلا يقتلك إن شاء الله فلم يرع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا عثمان آخذا بيد عبد الله بن سعد ابن أبي سرح واقفين بين يديه فأقبل عثمان على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أمه كانت تحملني وتمشيه وترضعني وتفطمه وكانت تلطفني وتتركه فهبه لي فأعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعل عثمان كلما أعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجهه استقبله فيعيد عليه هذا الكلام وإنما أعرض النبي صلى الله عليه وسلم إرادة أن يقوم رجل فيضرب عنقه لأنه لم يؤمنه فلما رأى أن لا يقوم أحد وعثمان قد أكب على رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل رأسه وهو يقول:

يا رسول الله بايعه فداك أبي وأمي فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم ثم التفت إلى أصحابه فقال: ما منعكم أن يقوم رجل منكم إلى هذا الكلب فيقتله أو قال الفاسق فقال عباد بن بشر: ألا أومأت إلي يا رسول الله فوالذي بعثك بالحق إني لأتبع طرفك من كل ناحية رجاء أن تشير إلي فأضرب عنقه ويقال: قال هذا أبو اليسر ويقال: عمر بن الخطاب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إني لا أقتل بالإشارة ". وقائل يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال يومئذ: " إن النبي لا تكون له خائنة الأعين ". فبايعه رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يفر من رسول الله صلى الله عليه وسلم كلما رآه فقال عثمان لرسول الله صلى الله عليه وسلم: بأبي وأمي لو ترى ابن أم عبد الله يفر منك كلما رآك فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "ألم أبايعه وأومنه؟ " قال: بلى يا رسول الله ولكنه يتذكر عظيم جرمه في الإسلام فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "الإسلام يجب ما كان قبله" فرجع عثمان إلى ابن أبي سرح فأخبره فكان يأتي فيسلم على النبي صلى الله عليه وسلم مع الناس.
فوجه الدلالة أن عبد الله بن سعد بن أبي سرح افترى على النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يتمم له الوحي ويكتب له ما يريد فيوافقه عليه وأنه يصرفه حيث شاء ويغير ما أمره به من الوحي فيقره على ذلك وزعم أنه سينزل مثل ما أنزل الله إذ كان قد أوحي إليه في زعمه كما أوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا الطعن على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى كتابه والافتراء عليه بما يوجب الريب في نبوته قدر زائد على مجرد الكفر به والردة في الدين وهو من أنواع السب.

وكذلك ما افترى عليه كاتب آخر مثل هذه الفرية قصمه الله وعاقبه عقوبة خارجة عن العادة ليتبين لكل أحد افتراؤه إذ كان مثل هذا يوجب في القلوب المريضة ريبا بأن يقول القائل: كاتبه أعلم الناس بباطنه وبحقيقة أمره وقد أخبر عنه بما أخبر فمن نصر الله لرسوله أن أظهر فيه آية يبين بها أنه مفتر.
روى البخاري في صحيحه عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس قال: "كان رجلا نصراني فأسلم وقرأ البقرة وآل عمران وكان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم فعاد نصرانيا فكان يقول: لا يدري محمد إلا ما كتبت له فأماته الله فدفنوه فأصبح وقد لفظته الأرض فقالوا: هذا فعل محمد وأصحابه نبشوا عن صاحبنا فألقوه فحفروا له واعمقوا في الأرض ما استطاعوا فأصبح وقد لفظته الأرض فعلموا أنه ليس من الناس فألقوه".
ورواه مسلم من حديث سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس قال: "كان منا رجل من بني النجار قد قرأ البقرة وآل عمران وكان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم فانطلق هاربا حتى لحق بأهل الكتاب قال: فرفعوه قالوا: هذا قد كان يكتب لمحمد فأعجبوا به فما لبث أن قصم الله عنقه فحفروا له فواروه فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها ثم عادوا فحفروا له فواروه فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها فتركوه منبوذا".
فهذا الملعون الذي افترى على النبي صلى الله عليه وسلم أنه ما كان يدري إلا ما كتب له قصمه الله وفضحه بأن أخرجه من القبر بعد أن دفن مرارا وهذا أمر خارج عن العادة يدل كل أحد على أن هذا عقوبة لما قاله وأنه كان كاذبا إذ كان عامة الموتى لا يصيبهم مثل هذا وأن هذا الجرم أعظم من مجرد الارتداد إذ كان عامة المرتدين يموتون ولا يصيبهم مثل هذا

وأن الله منتقم لرسوله ممن طعن عليه وسبه ومظهر لدينه ولكذب الكاذب إذا لم يمكن الناس أن يقيموا عليه الحد.
ونظير هذا ما حدثناه أعداد من المسلمين العدول أهل الفقه والخبرة عما جربوه مرات متعددة في حصر الحصون والمدائن التي بالسواحل الشامية لما حصر المسلمون فيها بني الأصفر في زماننا قالوا: كنا نحن نحصر الحصن أو المدينة الشهر أو أكثر من الشهر وهو ممتنع علينا حتى نكاد نيأس منه حتى إذ تعرض أهله لسب رسول الله صلى الله عليه وسلم والوقيعة في عرضه فعجلنا فتحة وتيسر ولم يكد يتأخر إلا يوما أو يومين أو نحو ذلك ثم يفتح المكان عنوة ويكون فيهم ملحمة عظيمة قالوا: حتى إن كنا لنتباشر بتعجيل الفتح إذا سمعناهم يقعون فيه مع امتلاء القلوب غيظا عليهم بما قالوا فيه.
وهكذا حدثني بعض أصحابنا الثقات أن المسلمين من أهل المغرب حالهم مع النصارى كذلك ومن سنة الله أن يعذب أعداءه تارة بعذاب من عنده وتارة بأيدي عباده المؤمنين.
وكذلك لما تمكن النبي صلى الله عليه وسلم من ابن أبي سرح أهدر دمه لما طعن في النبوة وافترى عليه الكذب مع أنه قد آمن جميع أهل مكة الذين قاتلوه وحاربوه أشد المحاربة ومع أن السنة في المرتد أنه لا يقتل حتى يستتاب إما وجوبا أو استحبابا.
وسنذكر إن شاء الله أن جماعة ارتدوا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ثم دعوا إلى التوبة وعرضت عليهم حتى تابوا وقبلت توبتهم.
وفي ذلك دليل على أن جرم الطاعن على الرسول صلى الله عليه وسلم الساب له أعظم من جرم المرتد

ثم إن إباحة النبي صلى الله عليه وسلم دمه بعد مجيئه تائبا مسلما وقوله: "هلا قتلتموه" ثم عفوه عنه بعد ذلك دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان له أن يقتله وأن يعفو عنه ويعصم دمه وهو دليل على أن له صلى الله عليه وسلم أن يقتل من سبه وإن تاب وعاد إلى الإسلام.
يوضح ذلك أشياء: منها: أنه قد روي عن عكرمة أن ابن أبي سرح رجع إلى الإسلام قبل فتح مكة وكذلك ذكر آخرون أن ابن أبي سرح رجع إلى الإسلام قبل فتح مكة إذ نزل النبي صلى الله عليه وسلم بها وقد تقدم عنه أنه قال لعثمان قبل أن يقدم به على النبي صلى الله عليه وسلم: إن جرمي أعظم الجرم وقد جئت تائبا وتوبة المرتد إسلامه.
ثم إنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعد الفتح وهدوء الناس وبعد ما تاب فأراد النبي صلى الله عليه وسلم من المسلمين أن يقتلوه حينئذ وتربص زمانا ينتظر فيه قتله ويظن أن بعضهم سيقتله وهذا دليل واضح على جواز قتله بعد إسلامه.
وكذلك لما قال له عثمان: إنه يفر منك كلما رآك قال: "ألم أبايعه وأومنه" قال: بلى ولكنه يتذكر عظيم جرمه في الإسلام فقال: "الإسلام يجب ما قبله" فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن خوف القتل سقط بالبيعة والأمان وأن الإثم زال بالإسلام فعلم أن الساب إذا عاد إلى الإسلام جب الإسلام إثم السب وبقي قتله جائزا حتى يوجد إسقاط القتل ممن يملكه إن كان ممكنا.
وسيأتي إن شاء الله تعالى ذكر هذا في موضعه فإن غرضنا هنا أن

نبين أن مجرد الطعن على رسول الله صلى الله عليه وسلم والوقيعة فيه يوجب القتل في الحال التي لا يقتل فيه لمجرد الردة وإذا كان ذلك موجبا للقتل استوى فيه المسلم والذمي ولأن كل ما يوجب القتل سوى الردة يستوي فيه المسلم والذمي.
وفي كتمان الصحابة لابن أبي سرح ولإحدى القينتين دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوجب قتلهم وإنما أباحه مع جواز عفوه عنهم وفي ذلك دليل على أنه كان مخيرا بين القتل والعفو وهذا يؤيد أن القتل كان لحق النبي صلى الله عليه وسلم.
واعلم أن افتراء ابن أبي سرح والكاتب الآخر النصراني على رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه كان يتعلم منهما افتراء ظاهر.
وكذلك قوله: "إني لأصرفه كيف شئت إنه ليأمرني أن أكتب له الشيء فأقول له أو كذا أو كذا فيقول نعم" فرية ظاهرة فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يكتبه إلا ما أنزله الله ولا يأمره أن يكتب قرآنا إلا ما أوحاه الله إليه ولا ينصرف له كيف شاء بل ينصرف كما يشاء الله.
وكذلك قوله: "إني لأكتب له ماشئت هذا الذي كتبت يوحى إلي كما يوحى إلى محمد وإن محمدا إذا كان يتعلم مني فإني سأنزل مثل ما أنزل الله" فرية ظاهرة فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يكتبه ما شاء ولا كان يوحى إليه شيء.
وكذلك قول النصراني: "ما يدري محمد إلا ما كتبت له" من هذا القبيل وعلى هذا الافتراء حاق به العذاب واستوجب العقاب.
ثم اختلف أهل العلم: هل كان النبي صلى الله عليه وسلم أقره على أن

يكتب شيئا غير ما ابتدأه النبي صلى الله عليه وسلم بإكتابه؟ وهل قال له شيئا؟ على قولين: أحدهما: أن النصراني وابن أبي سرح افتريا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك كله وأنه لم يصدر منه قول فيه إقرار على كتابة غير ما قاله أصلا وإنما لما زين لهما الشيطان الردة افتريا عليه لينفرا عنه الناس ويكون قبول ذلك منهما متوجها لأنهما فارقاه بعد خبرة وذلك أنه لم يخبر أحد أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول له: هذا الذي قلته أو كتبته صواب وإنما هو حال الردة أخبر أنه قال له ذلك وهو إذ ذاك كافر عدو يفتري على الله ما هو أعظم من ذلك.
يبين ذلك أن الذي في الصحيح أن النصراني كان يقول: ما يدري محمد إلا ما كتبت له نعم ربما كان هو يكتب غير ما يقوله النبي صلى الله عليه وسلم ويغيره ويزيده وينقصه فظن أن عمدة النبي صلى الله عليه وسلم على كتابته مع ما فيه من التبديل ولم يدر أن كتاب الله آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم وأنه لا يغسله الماء وأن الله حافظ له وأن الله يقرئ نبيه فلا ينسى إلا ما شاء الله مما يريد رفعه ونسخ تلاوته وأن جبريل كان يعارض النبي صلى الله عليه وسلم بالقرآن كل عام وأن النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه آية أقرأها لعدد من المسلمين يتواتر نقل الآية بهم وأكثر من نقل هذه القصة من المفسرين ذكر أنه كان يملي عليه ﴿سَمِيعاً عَلِيماً﴾ فيكتب هو ﴿عَلِيماً حَكِيماً﴾ وإذا قال: ﴿عَلِيماً حَكِيماً﴾ كتب ﴿غَفُوراً رَحِيماً﴾ وأشباه ذلك ولم يذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له شيئا.
قالوا: وإذا كان الرجل قد علم أنه من أهل الفرية والكذب حتى أظهر الله كذبه آية بينة والروايات الصحيحة المشهورة لم تتضمن إلا أنه قال عن

النبي صلى الله عليه وسلم ما قال أو أنه كتب ما شاء فقط علم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل له شيئا.
قالوا: وما روي في بعض الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فهو منقطع أو معلل ولعل قائله قاله بناء على أن الكاتب هو الذي قال ذلك ومثل هذا قد يلتبس الأمر فيه حتى يشتبه ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم وما قيل إنه قاله رد على هذا القول فلا سؤال.
القول الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له شيئا فروى الإمام أحمد وغيره من حديث حماد بن سلمة أخبرنا ثابت عن أنس أن رجلا كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا أملى عليه ﴿سَمِيعاً عَلِيماً﴾ يقول: كتبت ﴿سَمِيعاً بَصِيراً﴾ قال: دعه وإذا أملى عليه "عليما حكيما" كتب "عليما حليما" قال حماد نحو ذا.
قال: وكان قد قرأ البقرة وآل عمران وكان من قرأهما فقد قرأ قرآنا كثيرا فذهب فتنصر وقال: لقد كنت أكتب لمحمد ما شئت فيقول: "دعه" فمات فدفن فنبذته الأرض مرتين أو ثلاثا قال أبو طلحة: فلقد رأيته منبوذا فوق الأرض رواه الإمام أحمد.
حدثنا يزيد بن هارون حدثنا حميد عن أنس أن رجلا كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قرأ البقرة وآل عمران وكان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جد فينا يعني عظم فكان النبي صلى الله عليه وسلم يملي عليه ﴿غَفُوراً رَحِيماً﴾ فيكتب ﴿عَلِيماً حَكِيماً﴾ فيقول له النبي صلى الله عليه وسلم: اكتب كذا وكذا اكتب كيف شئت ويملي عليه ﴿عَلِيماً حَكِيماً﴾ فيكتب ﴿سَمِيعاً بَصِيراً﴾ فيقول: اكتب كيف شئت فارتد ذلك الرجل عن الإسلام فلحق بالمشركين وقال: أنا أعلمكم بمحمد إن

كنت لأكتب ما شئت فمات ذلك الرجل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الأرض لا تقبله" قال أنس: فحدثني أبو طلحة "أنه أتى الأرض التي مات فيها ذلك الرجل فوجده منبوذا قال أبو طلحة: ما شأن هذا الرجل؟ قالوا: قد دفناه مرارا فلم تقبله الأرض" فهذا إسناد صحيح.
وقد قال من ذهب إلى القول الأول: أعل البزار حديث ثابت عن أنس قال: رواه عنه ولم يتابع عليه ورواه حميد عن أنس قال وأظن حميدا إنما سمعه من ثابت قالوا: ثم إن أنسا لم يذكر أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم أو شهده يقول ذلك ولعله حكى ما سمع.
وفي هذا الكلام تكلف ظاهر والذي ذكرناه في حديث ابن إسحاق والواقدي وغيرهما موافق لظاهر هذه الرواية وكذلك ذكر طائفة من أهل التفسير وقد جاءت آثار فيها بيان صفة الحال على هذا القول ففي حديث ابن إسحاق: وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ فيقول: "أو أكتب عزيز حكيم" فيقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نعم كلاهما سواء" وفي الرواية الأخرى: وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يملي عليه فيقول "عزيز حكيم أو حكيم عليم" فكان يكتبها على أحد الحرفين فيقول: "كل صواب".
ففي هذا بيان لأن كلا الحرفين كان قد نزل وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأهما ويقول له: "اكتب كيف شئت من هذين الحرفين فكل صواب" وقد جاء مصرحا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " أنزل القرآن على سبعة أحرف كلها شاف كاف إن قلت عزيز حكيم أو غفور رحيم فهو كذلك ما لم يختم آية رحمة بعذاب أو آية عذاب برحمة " وفي حرف جماعة من الصحابة: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ

فصول الكتاب · 5 فصل · 587 صفحة
جارٍ التحميل