المسألة الرابعة: في بيان السب المذكور والفرق بينه وبين مجرد الكفر.
وقبل ذلك لا بد من تقديم مقدمة وقد كان يليق أن تذكر في أول المسألة الأولى وذكرها هنا مناسب أيضا لينكشف سر المسألة.
وذلك أن نقول: إن سب الله أو سب رسوله كفر ظاهرا وباطنا وسواء كان الساب يعتقد أن ذلك محرم أو كان مستحلا له أو كان ذاهلا عن اعتقاده هذا مذهب الفقهاء وسائر أهل السنة القائلين بأن الإيمان قول وعمل.
وقد قال الإمام أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه وهو أحد الأئمة يعدل بالشافعي وأحمد: قد أجمع المسلمون أن من سب الله أو سب رسوله عليه الصلاة والسلام أو دفع شيئا مما أنزل الله أو قتل نبيا من أنبياء الله أنه كافر بذلك وإن كان مقرا بما أنزل الله.
وكذلك قال محمد بن سحنون وهو أحد الأئمة من أصحاب مالك وزمنه قريب من هذه الطبقة: "أجمع العلماء أن شاتم النبي صلى الله عليه وسلم المنتقص له كافر والوعيد جار عليه بعذاب الله وحكمه عند الأمة القتل ومن شك في كفره وعذابه كفر".
وقد نص على مثل هذا غير واحد من الأئمة قال أحمد في رواية عبد الله في رجل قال لرجل يا ابن كذا وكذا أعني أنت ومن خلقك: "هذا مرتد عن الإسلام يضرب عنقه" وقال في رواية عبد الله وأبي طالب: "من شتم النبي صلى الله عليه وسلم قتل وذلك أنه إذا شتم فقد ارتد عن الإسلام ولا يشتم مسلم النبي صلى الله عليه وسلم" فبين أن هذا مرتد وأن المسلم لا يتصور أن يشتم وهو مسلم.
وكذلك نقل عن الشافعي أنه سئل عمن هزل بشيء من آيات الله تعالى أنه قال: "هو كافر" واستدل بقول الله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾.
وكذلك قال أصحابنا وغيرهم: من سب الله كفر سواء كان مازحا أو جادا لهذه الآية وهذا هو الصواب المقطوع به.
وقال القاضي أبو يعلى في "المعتمد": "من سب الله أو سب رسوله فإنه يكفر سواء استحل سبه أو لم يستحله" فإن قال: "لم أستحل ذلك" لم يقبل منه في ظاهر الحكم رواية واحدة وكان مرتدا لأن الظاهر خلاف ما أخبر لأنه لا غرض له في سب الله وسب رسوله إلا لأنه غير معتقد لعبادته غير مصدق بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ويفارق الشارب والقاتل والسارق إذا قال: "أنا غير مستحل لذلك" أنه يصدق في الحكم
لأن له غرضا في فعل هذه الأشياء مع اعتقاد تحريمها وهو ما يتعجل من اللذة قال: وإذا حكمنا بكفره فإنما نحكم به في ظاهر الحكم فأما في الباطن فإن كان صادقا فيما قال فهو مسلم كما قلنا في الزنديق: لا تقبل توبته في ظاهر الحكم.
وذكر القاضي عن الفقهاء أن ساب النبي صلى الله عليه وسلم إن كان مستحلا كفر وإن لم يكن مستحلا فسق ولم يكفر كساب الصحابة وهذا نظير ما يحكى أن بعض الفقهاء من أهل العراق أفتى هارون أمير المؤمنين فيمن سب النبي صلى الله عليه وسلم أن يجلده حتى أنكر ذلك مالك ورد هذه الفتيا مالك وهو نظير ما حكاه أبو محمد ابن حزم أن بعض الناس لم يكفر المستخف به.
وقد ذكر القاضي عياض بعد أن رد هذه الحكاية عن بعض فقهاء العراق والخلاف الذي ذكره ابن حزم بما نقله من الإجماع عن غير واحد وحمل الحكاية على أن أولئك لم يكونوا ممن يوثق بفتواه لميل الهوى به أو أن الفتيا كانت في كلمة اختلف في كونها سبا أو كانت فيمن تاب ذكر أن الساب إذا أقر بالسب ولم يتب منه قتل كفرا لأن قوله إما صريح كفر كالتكذيب ونحوه أو هو من كلمات الاستهزاء أو الذم فاعترافه بها وترك توبته منها دليل على استحلاله لذلك وهو كفر أيضا قال: فهذا كافر بلا خلاف.
وقال في موضع آخر: إن من قتله بلا استتابة فهو لم يره ردة وإنما يوجب القتل فيه حدا وإنما يقول ذلك مع إنكاره ما شهد عليه به أو إظهاره الإقلاع عنه والتوبة ونقتله حدا كالزنديق إذا تاب قال: ونحن وإن أثبتنا له حكم الكافر في القتل فلا نقطع عليه بذلك لإقراره بالتوحيد والنبوة وإنكاره ما شهد به عليه أو زعمه أن ذلك كان منه ذهولا ومعصية وأنه مقلع عن ذلك نادم عليه
قال: وأما من علم أنه سبه معتقدا لاستحلاله فلا شك في كفره بذلك وكذلك إن كان سبه في نفسه كفرا كتكذيبه أو تكفيره ونحوه فهذا ما لا إشكال فيه وكذلك من لم يظهر التوبة واعتراف بما شهد به وصمم عليه فهو كافر بقوله واستحلاله هتك حرمة الله أو حرمة نبيه وهذا أيضا تثبيت منه بأن السب يكفر به لأجل استحلاله له إذا لم يكن في نفسه تكذيبا صريحا.
وهذا موضع لا بد من تحريره ويجب أن يعلم أن القول بأن كفر الساب في نفس الأمر إنما هو لاستحلاله السب زلة منكرة وهفوة عظيمة ويرحم الله القاضي أبا يعلي قد ذكر في غير موضع ما يناقض ما قاله هنا وإنما وقع من وقع في هذه المهواة ما تلقوه من كلام طائفة من متأخري المتكلمين وهم الجهمية الإناث الذين ذهبوا مذهب الجهمية الأولى في أن الإيمان هو مجرد التصديق الذي في القلب وإن لم يقترن به قول اللسان ولم يقتض عملا في القلب ولا في الجوارح وصرح القاضي أبو يعلى بذلك هنا قال عقب أن ذكر ما حكيناه عنه: وعلى هذا لو قال الكافر: "أنا معتقد بقلبي معرفة الله وتوحيده لكني لا آتي بالشهادتين كما لا آتي غيرها من العبادات كسلا" لم يحكم بإسلامه في الظاهر ويحكم به باطنا قال: وقول الإمام أحمد: "من قال إن المعرفة تنفع في القلب من غير أن يتلفظ بها فهو جهمي" محمول على أحد وجهين أحدهما: أنه جهمي في ظاهر الحكم والثاني: على أنه يمتنع من الشهادتين عنادا لأنه احتج أحمد في ذلك بأن إبليس عرف ربة بقلبه ولم يكن مؤمنا ومعلوم أن إبليس اعتقد أنه لا يلزم امتثال أمره تعالى بالسجود لآدم وقد ذكر القاضي في غير موضع أنه لا يكون مؤمنا حتى يصدق بلسانه مع القدرة وبقلبه وأن الإيمان قول وعمل كما هو مذهب الأئمة كلهم: مالك وسفيان والأوزاعي والليث والشافعي وأحمد وإسحاق ومن قبلهم وبعدهم من أعيان الأمة.
وليس الغرض هنا استيفاء الكلام في هذا الأصل وإنما الغرض البينة على ما يختص هذه المسألة وذلك من وجوه.
أحدها: أن الحكاية المذكورة عن الفقهاء أنه إن كان مستحلا كفر وإلا فلا ليس لها أصل وإنما نقلها القاضي من كتاب بعض المتكلمين الذين نقلوها عن الفقهاء وهؤلاء نقلوا قول الفقهاء بما ظنوه جاريا في أصولهم أو بما قد سمعوه من بعض المنتسبين إلى الفقه ممن لا يعد قوله قولا وقد حكينا نصوص أئمة الفقهاء وحكاية إجماعهم ممن هو أعلم الناس بمذاهبهم فلا يظن ظان أن في المسألة خلافا يجعل المسألة من مسائل الخلاف والاجتهاد وإنما ذلك غلط لا يستطيع أحد أن يحكي عن واحد من الفقهاء أئمة الفتوى هذا التفصيل البتة.
الوجه الثاني: أن الكفر إذا كان هو الاستحلال فإنما معناه اعتقاد أن السب حلال فإنه لما اعتقد أن ما حرمه الله تعالى حلال كفر ولا ريب أن من اعتقد في المحرمات المعلوم تحريمها أنها حلال كفر لكن لا فرق في ذلك بين سب النبي وبين قذف المؤمنين والكذب عليهم والغيبة لهم إلى غير ذلك من الأقوال التي علم أن الله حرمها فإنه من فعل شيئا من ذلك مستحلا كفر مع أنه لا يجوز أن يقال: من قذف مسلما أو اغتابه كفر ويعنى بذلك إذا استحله.
الوجه الثالث: أن اعتقاد حل السب كفر سواء اقترن به وجود السب أو لم يقترن فإذا لا أثر للسب في التكفير وجودا وعدما وإنما المؤثر هو الاعتقاد وهو خلاف ما أجمع عليه العلماء.
الوجه الرابع: أنه إذا كان المكفر هو اعتقاد الحل فليس في السب ما يدل على أن الساب مستحل فيجب أن لا يكفر لا سيما إذا قال: "أنا اعتقد أن هذا حرام وإنما أقول غيظا وسفها أو عبثا أو لعبا" كما قال المنافقون: ﴿إِنَّمَا
كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَب﴾ كما إذا قال: إنما قذفت هذا أو كذبت عليه لعبا وعبثا فإن قيل لا يكونون كفارا فهو خلاف نص القرآن وإن قيل يكونون كفارا فهو تكفير بغير موجب إذا لم يجعل نفس السب مكفرا وقول القائل أنا لا أصدقه في هذا لا يستقيم فإن التكفير لا يكون بأمر محتمل فإذا كان قد قال: "أنا أعتقد أن ذلك ذنب ومعصية وأنا أفعله" فكيف يكفر إن لم يكن ذلك كفرا؟ ولهذا قال سبحانه وتعالى: ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ ولم يقل قد كذبتم في قولكم إنما كنا نخوض ونلعب فلم يكذبهم في هذا العذر كما كذبهم في سائر ما أظهروه من العذر الذي يوجب براءتهم من الكفر كما لو كانوا صادقين بل بين أنهم كفروا بعد إيمانهم بهذا الخوض واللعب.
وإذا تبين أن مذهب سلف الأمة ومن اتبعهم من الخلف أن هذه المقالة في نفسها كفر استحلها صاحبها أو لم يستحلها فالدليل على ذلك جميع ما قدمناه في المسألة الأولى من الدليل على كفر الساب مثل قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ وقوله تعالى: ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ وما ذكرناه من الأحاديث والآثار فإنها أدلة بينة في أن نفس أذى الله ورسوله كفر مع قطع النظر عن اعتقاد التحريم وجودا وعدما فلا حاجة إلى أن نعيد الكلام هنا بل في الحقيقة كل ما دل على أن الساب كافر وأنه حلال الدم لكفره فقد دل على هذه المسألة إذ لو كان الكفر المبيح هو اعتقاد أن السب حلال لم يجز تكفيره وقتله حتى يظهر هذا الاعتقاد ظهورا تثبت بمثله الاعتقادات المبيحة للدماء
ومنشأ هذه الشهبة التي أوجبت هذا الوهم من المتكلمين ومن حذا حذوهم من الفقهاء أنهم رأوا أن الإيمان هو تصديق الرسول فيما أخبر به ورأوا أن اعتقاد صدقة لا ينافي السب والشتم بالذات كما أن اعتقاد إيجاب طاعته لا ينافي معصيته فإن الإنسان قد يهين من يعتقد وجوب إكرامه كما يترك ما يعتقد وجوب فعله ويفعل ما يعتقد وجوب تركه ثم رأوا أن الأمة قد كفرت الساب فقالوا: إنما كفر لأن سبه دليل على أنه لم يعتقد أنه حرام واعتقاد حله تكذيب للرسول فكفر بهذا التكذيب لا بتلك الإهانة وإنما الإهانة دليل على التكذيب فإذا فرض أنه في نفس الأمر ليس بمكذب كان في نفس الأمر مؤمنا وإن كان حكم الظاهر إنما يجري عليه بما أظهره فهذا مأخذ المرجئة ومعتضديهم وهو الذين يقولون: "الإيمان هو الاعتقاد والقول" وغلاتهم وهم الكرامية الذين يقولون: "هو مجرد القول وإن عري عن الاعتقاد" وأما الجهمية الذين يقولون: "هو مجرد المعرفة والتصديق بالقلب فقط وإن لم يتكلم بلسانه" فلهم مأخذ آخر وهو أنه قد يقول بلسانه ما ليس في قلبه فإذا كان في قلبه التعظيم والتوقير للرسول لم يقدح إظهار خلاف ذلك بلسانه في الباطن كما لا ينفع المنافق إظهار خلاف ما في قلبه في الباطن.
وجواب الشبهة الأولى من وجوه: أحدها: أن الإيمان وإن كان أصله تصديق القلب فذلك التصديق لا بد أن يوجب حالا في القلب وعملا له وهو تعظيم الرسول وإجلاله ومحبته وذلك أمر لازم كالتألم والتنعم عند الإحساس بالمؤلم والمنعم وكالنفرة والشهوة عند الشعور بالملائم والمنافي فإذا لم تحصل هذه الحال والعمل في القلب لم ينفع ذلك التصديق ولم يغن شيئا وإنما يمتنع حصوله إذا عارضه معارض من حسد الرسول أو التكبر عليه أو الإهمال له وإعراض القلب عنه ونحو ذلك كما أن إدراك الملائم والمنافي يوجب اللذة والألم إلا أن يعارضه معارض ومتى حصل المعارض كان وجود
ذلك التصديق كعدمه كما يكون وجود ذلك كعدمه بل يكون ذلك المعارض موجبا لعدم المعلول الذي هو حال في القلب وبتوسط عدمه يزول التصديق الذي هو العلة فينقلع الإيمان بالكلية من القلب وهذا هو الموجب لكفر من حسد الأنبياء أو تكبر عليهم أو كره فراق الإلف والعادة مع علمه بأنهم صادقون وكفرهم أغلظ من كفر الجهال.
الثاني: أن الإيمان وإن كان يتضمن التصديق فليس هو مجرد التصديق وإنما هو الإقرار والطمأنينة وذلك لأن التصديق إنما يعرض للخبر فقط فأما الأمر فليس فيه تصديق من حيث هو أمر وكلام الله خبر وأمر فالخبر يستوجب تصديق المخبر والأمر يستوجب الانقياد له والاستسلام وهو عمل في القلب جماعه الخضوع والانقياد للأمر وإن لم يفعل المأمور به فإذا قوبل الخبر بالتصديق والأمر بالانقياد فقد حصل أصل الإيمان في القلب وهو الطمأنينة والإقرار فإن اشتقاقه من الأمن الذي هو القرار والطمأنينة وذلك إنما يحصل إذا استقر في القلب التصديق والانقياد وإذا كان كذلك فالسب إهانة واستخفاف والانقياد للأمر إكرام وإعزاز ومحال أن يهين القلب من قد انقاد له وخضع واستسلم أو يستخف به فإذا حصل في القلب استخفاف واستهانة امتنع أن يكون فيه انقياد أو استسلام فلا يكون فيه إيمان وهذا هو بعينه كفر إبليس فإنه سمع أمر الله له فلم يكذب رسولا ولكن لم ينقد للأمر ولم يخضع له واستكبر عن الطاعة فصار كافرا وهذا موضع زاغ فيه خلق من الخلف: تخيل لهم أن الإيمان ليس في الأصل إلا التصديق ثم يرون مثل إبليس وفرعون ممن لم يصدر عنه تكذيب أو صدر عنه تكذيب باللسان لا بالقلب وكفره من أغلظ الكفر فيتحيرون
ولم أنهم هدوا لما هدي إليه السلف الصالح لعلموا أن الإيمان قول وعمل أعني في الأصل قولا في القلب وعملا في القلب فإن الإيمان بحسب كلام الله ورسالته وكلام الله ورسالته يتضمن إخباره وأوامره فيصدق القلب إخباره تصديقا يوجب حالا في القلب بحسب المصدق به والتصديق هو من نوع العلم والقول وينقاد لأمره ويستسلم وهذا الانقياد والاستسلام هو نوع من الإرادة والعمل ولا يكون مؤمنا إلا بمجموع الأمرين فمتى ترك الانقياد كان مستكبرا فصار من الكافرين وإذا كان مصدقا فالكفر أعم من التكذيب يكون تكذيبا وجهلا ويكون استكبارا وظلما ولهذا لم يوصف إبليس إلا بالكفر والاستكبار دون التكذيب ولهذا كان كفر من يعلم مثل اليهود ونحوهم من جنس كفر إبليس وكان كفر من يجهل مثل النصارى ونحوهم ضلالا وهو الجهل ألا ترى أن نفرا من اليهود جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وسألوه عن أشياء فأخبرهم فقالوا: نشهد أنك نبي ولم يتعبوه وكذلك هرقل وغيره فلم ينفعهم هذا العلم وهذا التصديق؟ ألا ترى أن من صدق الرسول بأن ما جاء به هو رسالة الله وقد تضمنت خبرا وأمرا فإنه يحتاج إلى مقام ثان وهو تصديقه خبر الله وانقياد لأمر الله فإذا قال: "أشهد أن لا إله إلا الله" فهذه الشهادة تتضمن تصديق خبره والانقياد لأمره فإذا قال: "وأشهد أن محمدا رسول الله" تضمنت تصديق الرسول فيما جاء به من عند الله فبمجموع هاتين الشهادتين يتم الإقرار فلما كان التصديق لا بد منه في كلا الشهادتين وهو الذي يتلقى الرسالة بالقبول ظن من ظن أنه أصل لجميع الإيمان وغفل عن أن الأصل الآخر لا بد منه وهو الانقياد وإلا فقد يصدق الرسول ظاهرا وباطنا ثم يمتنع من الانقياد للأمر إذ غايته في تصديق الرسول أن يكون بمنزلة من سمع الرسالة من الله سبحانه وتعالى كإبليس وهذا مما يبين
لك أن الاستهزاء بالله وبرسوله ينافي الانقياد له لأنه قد بلغ عن الله أنه أمر بطاعته فصار الانقياد له من تصديقه في خبره فمن لم ينقد لأمره فهو إما مكذب له أو ممتنع عن الانقياد لربه وكلاهما كفرا صريح ومن استخف به واستهزأ بقلبه امتنع أن يكون منقادا لأمره فإن الانقياد إجلال وإكرام والاستخفاف إهانة وإذلال وهذان ضدان فمتى حصل في القلب أحدهما انتفى الآخر فعلم أن الاستخفاف والاستهانة به ينافي الإيمان منافاة الضد للضد.
الوجه الثالث: أن العبد إذا فعل الذنب مع اعتقاد أن الله حرمه عليه واعتقاد انقياده لله فيما حرمه وأوجبه فهذا ليس بكافر فأما إن اعتقد أن الله لم يحرمه أو أنه حرمه لكن امتنع من قبول هذا التحريم وأبى أن يذعن لله وينقاد فهو إما جاحد أو معاند ولهذا قالوا: من عصى مستكبرا كإبليس كفر بالاتفاق ومن عصى مشتهيا لم يكفر عند أهل السنة والجماعة وإنما يكفره الخوارج فإن العاصي المستكبر وإن كان مصدقا بأن الله ربه فإن معاندته له ومحادته تنافي هذا التصديق.
وبيان هذا أن من فعل المحارم مستحلا لها فهو كافر بالاتفاق فإنه ما آمن بالقرآن من استحل محارمه وكذلك لو استحلها بغير فعل والاستحلال اعتقاد أن الله لم يحرمها وتارة بعدم اعتقاد أن الله حرمها وهذا يكون لخلل في الإيمان بالربوبية أو لخلل في الإيمان بالرسالة ويكون جحدا محضا غير مبني على مقدمة وتارة يعلم أن الله حرمها ويعلم أن الرسول إنما حرم ما حرمه الله ثم يمتنع عن التزام هذا التحريم ويعاند المحرم فهذا أشد كفرا ممن قبله وقد يكون هذا مع علمه أن من لم يلتزم هذا التحريم عاقبه الله وعذبه ثم إن هذا الامتناع والإباء إما لخلل في اعتقاد حكمة الآمر وقدرته فيعود هذا إلى
عدم التصديق بصفة من صفاته وقد يكون مع العلم بجميع ما يصدق به تمردا أو إتباعا لغرض النفس وحقيقته كفر هذا لأنه يعترف لله ورسوله بكل ما أخبر به ويصدق بكل ما يصدق به المؤمنون لكنه يكره ذلك ويبغضه ويسخطه لعدم موافقته لمراده ومشتهاه ويقول: أنا لا أقر بذلك ولا ألتزمه وأبغض هذا الحق وأنفر عنه فهذا نوع غير النوع الأول وتكفير هذا معلوم بالاضطرار من دين الإسلام والقرآن مملوء من تكفير مثل هذا النوع بل عقوبته أشد وفي مثله قيل: "أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه" وهو إبليس ومن سلك سبيله وبهذا يظهر الفرق بين العاصي فإنه يعتقد وجوب ذلك الفعل عليه ويحب أنه يفعله لكن الشهوة والنفرة منعته من الموافقة فقد أتى من الإيمان بالتصديق والخضوع والانقياد وذلك قول وعمل لكن لم يكمل العمل.
وأما إهانة الرجل من يعتقد وجوب كرامته كالوالدين ونحوهما فلأنه لم يهن ما كان الانقياد له والإكرام شرطا في إيمانه وإنما أهان من إكرامه شرط في بره وطاعته وتقواه وجانب الله والرسول إنما كفر فيه لأنه لا يكون مؤمنا حتى يصدق تصديقا يقتضي الخضوع والانقياد فحيث لم يقتضه لم يكن ذلك التصديق إيمانا بل كان وجوده شرا من عدمه فإن من خلق له حياة وإدراك ولم يرزق إلا العذاب كان فقد تلك الحياة والإدراك أحب إليه من حياة ليس فيها إلا الألم وإذا كان التصديق ثمرته صلاح حاله وحصول النعيم له واللذة في الدنيا والآخرة فلم يحصل معه إلا فساد حاله والبؤس والألم في الدنيا والآخرة كان أن لا يوجد أحب إليه من أن يوجد.
وهنا كلام طويل في تفصيل هذه الأمور ومن حكم الكتاب والسنة على
نفسه قولا وفعلا ونور الله قلبه تبين له ضلال كثير من الناس ممن يتكلم برأيه في سعادة النفوس بعد الموت وشقاوتها جريا على منهاج الذين كذبوا بالكتاب وبما أرسل الله به رسله ونبذوا الكتاب الله وراء ظهورهم وإتباعا لما تتلوه الشياطين.
وأما الشبهة الثانية فجوابها من ثلاثة أوجه: أحدها: أن من تكلم بالتكذيب والجحد وسائر أنواع الكفر من غير إكراه على ذلك فإنه يجوز أن يكون مع ذلك في نفس الأمر مؤمنا ومن جوز هذا فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه.
الثاني: أن الذي عليه الجماعة أن من لم يتكلم بالإيمان بلسانه من غير عذر لم ينفعه ما في قلبه من المعرفة وأن القول من القادر عليه شرط في صحة الإيمان حتى اختلفوا في تكفير من قال: "إن المعرفة تنفع من غير عمل الجوارح" وليس هذا موضع تقرير هذا.
وما ذكره القاضي رحمه الله من التأويل لكلام الإمام أحمد فقد ذكر هو وغيره خلاف ذلك في غير موضع وكذلك ما دل عليه كلام القاضي عياض فإن مالكا وسائر الفقهاء من التابعين ومن بعدهم إلا من نسب إلى بدعة قالوا: "الإيمان قول وعمل" وبسط هذا له مكان غير هذا.
الثالث: أن من قال: "إن الإيمان مجرد معرفة القلب من غير احتياج إلى المنطق باللسان" يقول: لا يفتقر الإيمان في نفس الأمر إلى القول الذي يوافقه باللسان لكن لا يقول إن القول الذي ينافي الإيمان لا يبطله فإن القول قولان: قول يوافق تلك المعرفة وقول يخالفها فهب أن القول الموافق لا يشترط لكن القول المخالف ينافيها فمن قال
بلسانه كلمة الكفر من غير حاجة عامدا لها عالما بأنها كلمة كفر فإنه يكفر بذلك ظاهرا وباطنا ولا يجوز أن يقال: إنه في الباطن يجوز أن يكون مؤمنا ومن قال ذلك فقد مرق من الإسلام قال سبحانه: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
ومعلوم أنه لم يرد بالكفر هنا اعتقاد القلب فقط لأن ذلك لا يكره الرجل عليه وهو قد استثنى من أكره ولم يرد من قال واعتقد لأنه استثنى المكره وهو لا يكره على العقد والقول وإنما يكره على القول فقط فعلم أنه أراد من تكلم بكلمة الكفر فعليه غضب من الله وله عذاب عظيم وأنه كافر بذلك إلا من أكره وهو مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا من المكرهين فإنه كافر أيضا فصار كل من تكلم بالكفر كافرا إلا من أكره فقال بلسانه كلمة الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان وقال تعالى في حق المستهزئين: ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ فبين أنهم كفار بالقول مع أنهم لم يعتقدوا صحته وهذا باب واسع والفقه فيه ما تقدم من أن التصديق بالقلب يمنع إرادة التكلم وإرادة فعل فيه استهانة واستخفاف كما أنه يوجب المحبة والتعظيم واقتضاؤه وجود هذا وعدم هذا أمر جرت به سنة الله في مخلوقاته كاقتضاء إدراك الموافق للذة وإدراك المخالف للألم فإذا عدم المعلول كان مستلزما لعدم العلة وإذا وجد الضد كان مستلزما لعدم الضد الآخر فالكلام والفعل المتضمن للاستخفاف والاستهانة مستلزم لعدم التصديق النافع ولعدم الانقياد والاستسلام فلذلك كان كفرا.
واعلم أن الإيمان وإن قيل هو التصديق فالقلب يصدق بالحق والقول يصدق في القلب والعمل يصدق القول والتكذيب بالقول مستلزم
للتكذيب بالقلب ورافع للتصديق الذي كان في القلب إذ أعمال الجوارح تؤثر في القلب كما أن أعمال القلب تؤثر في الجوارح فإنما قام به كفر تعدى حكمه إلى الآخر والكلام في هذا واسع وإنما نبهنا على هذه المقدمة.
فصل.
ثم نعود إلى مقصود المسألة فنقول: قد ثبت أن كل سب وشتم يبيح الدم فهو كفر وإن لم يكن كل كفر سبا ونحن نذكر عبارات العلماء في هذه المسألة: قال الإمام أحمد: "كل من شتم النبي صلى الله عليه وسلم أو تنقصه مسلما كان أو كافرا فعليه القتل وأرى أن يقتل ولا يستتاب".
وقال في موضع آخر: "كل من ذكر شيئا يعرض بذكر الرب سبحانه وتعالى فعليه القتل مسلما كان أو كافرا وهذا مذهب أهل المدينة".
وقال أصحابنا: "التعرض بسب الله وسب رسوله صلى الله عليه وسلم ردة وهو موجب للقتل كالتصريح ولا يختلف أصحابنا أن قذف أم النبي صلى الله عليه وسلم من جملة سبه الموجب للقتل وأغلظ لأن ذلك يفضي إلى القدح في نسبه وفي عبارة بعضهم إطلاق القول بأن من سب أم النبي صلى الله عليه وسلم يقتل مسلما كان أو كافرا وينبغي أن يكون مرادهم بالسب هنا القذف كما صرح به الجمهور لما فيه من سب النبي صلى الله عليه وسلم".
وقال القاضي عياض: "جميع من سب النبي صلى الله عليه وسلم أو عابه أو ألحق به نقصا في نفسه أو نسبه أو دينه أو خصلة من خصاله أو عرض به أو شبهة بشيء على طريق السب له والإزراء عليه أو البغض منه والعيب له فهو ساب
له والحكم فيه حكم الساب: يقتل ولا نستثن فصلا من فصول هذا الباب عن هذا المقصد ولا تمتر فيه تصريحا كان أو تلويحا وكذلك من لعنه أو تمنى مضرة له أو دعا عليه أو نسب إليه ما لا يليق بمنصبه على طريق الذم أو عيبه في جهته العزيزة بسخف من الكلام وهجر ومنكر من القول وزور أو عيره بشيء مما يجري من البلاء والمحنة عليه أو غمضه ببعض العوارض البشرية الجائزة والمعهودة لديه قال: هذا كله إجماع من العلماء وأئمة الفتوى من لدن أصحابه وهلم جرا".
وقال ابن القاسم عن مالك: "من سب النبي صلى الله عليه وسلم قتل ولم يستتب" قال ابن القاسم: "أو شتمه أو عابه أو تنقصه فإنه يقتل كالزنديق وقد فرض الله توقيره".
وكذلك قال مالك في رواية المدنيين عنه: "من سب رسول الله صلى الله عليه وسلم أو شتمه أو عابه أو تنقصه قتل مسلما كان أو كافرا ولا يستتاب".
وروى ابن وهب عن مالك من قال: "إن رداء النبي صلى الله عليه وسلم ويروى برده "وسخ" وأراد به عيبه قتل".
وذكر بعض المالكية إجماع العلماء على أن من دعا على نبي من الأنبياء بالويل أو بشيء من المكروه أنه يقتل بلا استتابة.
وذكر القاضي عياض أجوبة جماعة من فقهاء المالكية المشاهير بالقتل بلا استتابة في قضايا متعددة أفتى في كل قضية بعضهم: منها: رجل سمع قوما يتذاكرون صفة النبي صلى الله عليه وسلم إذ مر بهم رجل قبيح الوجه واللحية فقال: تريدون تعرفون صفته؟ هذا المار في خلقه ولحيته.
ومنها: رجل قال: النبي صلى الله عليه وسلم أسود.
ومنها: رجل قيل له: "لا وحق رسول الله" فقال: فعل الله برسول الله كذا
وكذا ثم قيل له: ما تقول يا عدو الله فقال أشد من كلامه الأول ثم قال: إنما أردت برسول الله العقرب قالوا: لأن ادعاء للتأويل في لفظ صراح لا يقبل لأنه امتهان وهو غير معزر لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا موقر له فوجبت إباحة دمه.
ومنها: عشار قال: أدوا شك إلى النبي أو قال: إن سألت أو جهلت فقد سأل النبي وجهل.
ومنها: متفقه كان يستخف بالنبي صلى الله عليه وسلم ويسميه في أثناء مناظرته اليتيم وختن حيدره ويزعم أن زهده لم يكن قصدا ولو قدر على الطيبات لأكلها وأشباه هذا.
قال: فهذا الباب كله مما عده العلماء سبا وتنقصا يجب قتل قائله لم يختلف في ذلك متقدمهم ومتأخرهم وإن اختلفوا في حكم قتله.
وكذلك قال أبو حنيفة وأصحابه فيمن تنقصه أو برئ منه أو كذبه: "إنه مرتد" وكذلك قال أصحاب الشافعي: "كل من تعرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم بما فيه استهانة فهو كالسب الصريح" فإن الاستهانة بالنبي كفر وهل يتحتم فيه قتله أو يسقط بالتوبة؟ على الوجهين وقد نص الشافعي على هذا المعنى.
فقد اتفقت نصوص العلماء من جميع الطوائف على أن التنقص به كفر مبيح للدم وهم في استتابته على ما تقدم من الخلاف ولا فرق في ذلك بين أن يقصد عيبه لكن المقصود شيء آخر حصل السب تبعا له أو لا يقصد شيئا من ذلك بل يهزل ويمزح أو يفعل غير ذلك.
فهذا كله يشترك في هذا الحكم إذا كان القول نفسه سبا فإن الرجل يتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى ما يظن أن تبلغ ما بلغت يهوي بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب ومن قال ما هو سب وتنقص له فقد آذى الله ورسوله وهو مأخوذ بما يؤذي به الناس من القول الذي هو في نفسه أذى وإن لم يقصد
أذاهم ألم تسمع إلى الذين قالوا: إنما كنا نخوض ونلعب فقال الله تعالى: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾.
وهذا مثل من يغضب فيذكر له حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أو حكم من حكمه أو يدعى لما سنه فيلعن ويقبح ونحو ذلك وقد قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ فأقسم سبحانه بنفسه أنهم لا يؤمنون حتى يحكموه ثم لا يجدوا في نفوسهم حرجا من حكمه فمن شاجر غيره في حكم وحرج لذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أفحش في منطقه فهو كافر بنص التنزيل ولا يعذر بأن مقصوده رد الخصم فإن الرجل لا يؤمن حتى يكون الله ورسوله أحب إليه ممن سواهما وحتى يكون الرسول أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين.
ومن هذا الباب قول القائل: إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله وقول الآخر: اعدل فإنك لم تعدل وقول ذلك الأنصاري: أن كان ابن عمتك فإن هذا كفر محض حيث زعم أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما حكم للزبير لأنه ابن عمته ولذلك أنزل الله تعالى هذه الآية وأقسم أنهم لا يؤمنون حتى لا يجدوا في أنفسهم حرجا من حكمه وإنما عفا عنه النبي صلى الله عليه وسلم كما عفا عن الذي قال: إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله وعن الذي قال: اعدل فانك لم تعدل وقد ذكرنا عن عمر رضي الله عنه أنه قتل رجلا لم يرض بحكم النبي صلى الله عليه وسلم فنزل القرآن بموافقته فكيف بمن طعن في حكمه؟ وقد ذكر طائفة من الفقهاء منهم ابن عقيل وبعض أصحاب الشافعي أن هذا كان عقوبته التعزير ثم منهم من قال: لم يعزره النبي
صلى الله عليه وسلم لأن التعزير غير واجب ومنهم من قال: عفا عنه لأن الحق له ومنهم من قال: عاقبه بأن أمر الزبير أن يسقي ثم يحبس الماء حتى يرجع إلى الجدر وهذه أقوال ردية لا يستريب من تأمل في أن هذا كان يستحق القتل بعد نص القرآن أن من هو بمثل حاله ليس بمؤمن.
فإن قيل: ففي رواية صحيحة أنه كان من أهل بدر وفي الصحيحين عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" ولو كان هذا القول كفرا للزم أن يغفر الكفر والكفر لا يغفر ولا يقال عن بدري: إنه كفر.
فقيل: هذه الزيادة ذكرها أبو اليمان عن شعيب ولم يذكرها أكثر الرواة فيمكن أنها وهم كما وقع في حديث كعب وهلال بن أمية أنهما لم يشهدا بدرا وكذلك لم يذكره ابن إسحاق في روايته عن الزهري لكن الظاهر صحتها.
فنقول: ليس في الحديث أن هذه القصة كانت بعد بدر فلعلها كانت قبل بدر وسمي الرجل بدريا لأن عبد الله بن الزبير حدث بالقصة بعد أن صار الرجل بدريا فعن عبد الله بن الزبير عن أبيه أن رجلا من الأنصار خاصم الزبير عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في شراج الحرة التي يسقون بها النخل فقال الأنصاري: سرح الماء يمر فأبى عليه فاختصما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير: "اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك" فغضب الأنصاري ثم قال: يا رسول الله أن كان ابن عمتك فتلون وجه النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال للزبير: "اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر" فقال الزبير: والله لأني أحسب هذه الآية نزلت في ذلك ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ متفق عليه وفي رواية للبخاري من حديث عروة قال: فاستوعى رسول الله
صلى الله عليه وسلم حينئذ للزبير حقه وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك قد أشار على الزبير برأي أراد فيه سعة له وللأنصاري فلما أحفظ الأنصاري رسول الله صلى الله عليه وسلم استوعى رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير حقه في صريح الحكم وهذا يقوي أن القصة متقدمة قبل بدر لأن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في سيل مهزور أن الأعلى يسقى ثم يحبس حتى يبلغ الماء إلى الكعبين فلو كانت قصة الزبير بعد هذا القضاء لكان قد علم وجه الحكم فيه وهذا القضاء الظاهر أنه متقدم من حين قدم النبي صلى الله عليه وسلم لأن الحاجة إلى الحكم فيه من حين قدم ولعل قصة الزبير أوجبت هذا القضاء.
وأيضا فإن هؤلاء الآيات قد ذكر غير واحد أن أولها نزل لما أراد بعض المنافقين أن يحاكم يهوديا إلى ابن الأشرف وهذا إنما كان قبل بدر لأن ابن الأشرف ذهب عقب بدر إلى مكة فلما رجع قتل فلم يستقر بعد بدر بالمدينة استقرارا يتحاكم إليه وإن كانت القصة بعد بدر فإن القائل لهذه الكلمة يكون قد تاب واستغفر وقد عفا له النبي صلى الله عليه وسلم عن حقه فغفر له والمضمون لأهل بدر إنما هو المغفرة: إما بأن يستغفروا إن كان الذنب مما لا يغفر إلا بالاستغفار أو لم يكن كذلك وإما بدون أن يستغفروا ألا ترى أن قدامة بن مظعون وكان بدريا تأول في خلافة عمر ما تأول في استحلال الخمر من قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ الآية حتى أجمع رأي عمر وأهل الشورى أن يستتاب هو أصحابه فإن أقروا بالتحريم جلدوا وإن لم يقروا به كفروا ثم إنه تاب وكاد ييأس لعظم ذنبه في نفسه حتى أرسل إليه عمر رضي الله عنه بأول سورة غافر فعلم أن المضمون للبدريين أن خاتمتهم حسنة وأنهم مغفور لهم وإن جاز أن يصدر عنهم قبل ذلك ما عسى أن يصدر فإن التوبة تجب ما قبلها.
وإذا ثبت أن كل سب تصريحا أو تعريضا موجب للقتل فالذي يجب أن يعتني به الفرق بين السب الذي لا تقبل منه التوبة والكفر الذي تقبل منه التوبة فنقول: هذا الحكم قد نيط في الكتاب والسنة باسم أذى الله ورسوله وفي بعض الأحاديث ذكر الشتم والسب وكذلك جاء في ألفاظ الصحابة والفقهاء ذكر السب والشتم والاسم إذا لم يكن له حد في اللغة كاسم الأرض والسماء والبر والبحر والشمس والقمر ولا في الشرع كاسم الصلاة والزكاة والحج والإيمان والكفر فإنه يرجع في حده إلى العرف كالقبض والحرز والبيع والرهن والكرى ونحوها فيجب أن يرجع في الأذى والشتم إلى العرف فما عده أهل العرف سبا أو انتقاصا أو عيبا أو طعنا ونحو ذلك فهو من السب وما لم يكن كذلك فهو كفر به فيكون كفرا ليس بسب حكم صاحبه حكم المرتد إن كان مظهرا له وإلا فهو زندقة والمعتبر أن يكون سبا وأذى للنبي عليه الصلاة والسلام وإن لم يكن سبا وأذى لغيره فعلى هذا كل ما لو قيل لغير النبي صلى الله عليه وسلم أوجب تعزيرا أو حدا بوجه من الوجوه فإنه من باب سب النبي صلى الله عليه وسلم كالقذف واللعن وغيرهما من الصورة التي تقدم التنبيه عليها وأما ما يختص بالقدح في النبوة فإن لم يتضمن إلا مجرد عدم التصديق بنبوته فهو كفر محض وإن كان فيه استخفاف واستهانة مع عدم التصديق فهو من السب وهنا مسائل اجتهادية يتردد الفقهاء هل هي من السب أو من الردة المحضة ثم ما ثبت أنه ليس بسب فإن استسر به صاحبه فهو زنديق حكمه حكم الزندقة وإلا فهو مرتد محض واستقصاء الأنواع والفرق بينها ليس هذا موضعه.
فصل.
فأما الذمي فيجب التفريق بين مجرد كفره به وبين سبه فإن كفره به لا ينقض العهد ولا يبيح دم المعاهد بالاتفاق لأنا صالحناهم على هذا وأما سبه له فإنه ينقض العهد ويوجب القتل كما تقدم.
قال القاضي أبو يعلى: "عقد الأمان يوجب إقرارهم على تكذيب النبي صلى الله عليه وسلم لا على شتمهم وسبهم له".
وقد تقدم أن هذا الفرق أيضا معتبر في المسلم حيث قتلناه بخصوص السب وكونه موجبا للقتل حدا من الحدود بحيث لا يسقط بالتوبة وإن صحت وأما حيث قتلناه لدلالته على الزندقة أو لمجرد كونه مرتدا فلا فرق حينئذ بين مجرد الكفر وبين ما تضمنه من الأنواع فنقول: الآثار عن الصحابة والتابعين والفقهاء مثل مالك وأحمد وسائر الفقهاء القائلين بذلك كلها مطلقة في من شتم النبي صلى الله عليه وسلم من مسلم أو معاهد فإنه يقتل ولم يفصلوا بين شتم وشتم ولا بين أن يكرر الشتم أو لا يكرره أو يظهره أو لا يظهره وأعني بقولي لا يظهره: أن لا يتكلم به في ملأ من المسلمين وإلا فالحد لا يقام عليه حتى يشهد مسلمان أنهما سمعاه يشتمه أو حتى يقر بالشتم وكونه يشتمه بحيث يسمعه المسلمون إظهارا له اللهم إلا أن يفرض أنه شتمه في بيته خاليا فسمعه جيرانه المسلمون أو من استرق السمع منهم.
قال مالك وأحمد: "كل من شتم النبي صلى الله عليه وسلم أو تنقصه مسلما كان أو كافرا فإنه يقتل ولا يستتاب" فنصا على أن الكافر يجب قتله بتنقصه له كما يقتل بشتمه وكما يقتل المسلم بذلك وكذلك أطلق سائر أصحابنا أن سب النبي صلى الله عليه وسلم من الذمي يوجب القتل.
وذكر القاضي وابن عقيل وغيرهما أن ما أبطل الإيمان فإنه يبطل الأمان إذا أظهروه فإن الإسلام أوكد من عقد الذمة فإذا كان من الكلام ما يبطل حق الإسلام فأن يبطل حقن الذمة أولى مع الفرق بينهما من وجه آخر فإن المسلم إذا سب الرسول دل على سوء اعتقاده في رسول الله صلى الله عليه وسلم فلذلك كفر والذمي قد علم أن اعتقاده ذلك وأقررناه على اعتقاده وإنما أخذ عليه كتمه وأن لا يظهره فبقي تفاوت ما بين الإظهار والإضمار.
قال ابن عقيل: "فكما أخذ على المسلم أن لا يعتقد ذلك أخذ على الذمي أن لا يظهره فإظهار هذا كإضمار ذاك وإضماره لا ضرر على الإسلام ولا إزراء فيه وفي إظهاره ضرر وإزراء على الإسلام ولهذا ما بطن من الجرائم لا يتبعها في حق المسلم ولو أظهرها أقمنا عليهم حد الله".
وطرد القاضي وابن عقيل هذا القياس في كل ما ينقض الإيمان من الكلام مثل التثنية والتثليث كقول النصارى: "إن الله ثالث ثلاثة" ونحو ذلك: أن الذمي متى أظهر ما يعلمه من دينه من الشرك نقض العهد كما أنه إن أظهر ما نعلمه بقوله في نبينا عليه الصلاة والسلام نقض العهد.
قال القاضي: وقد نص أحمد على ذلك فقال في رواية حنبل: "كل من ذكر شيئا يعرض به الرب فعليه القتل مسلما كان أو كافرا هذا مذهب أهل المدينة".
وقال جعفر بن محمد: سمعت أبا عبد الله يسأل عن يهودي مر بمؤذن وهو يؤذن فقال له: كذبت فقال: "يقتل لأنه شتم" فقد نص على قتل من كذب المؤذن في كلمات الأذان وهي قول "الله أكبر" أو "أشهد أن لا إله إلا الله" أو "أشهد أن محمدا رسول الله" وقد ذكرها الخلال والقاضي في سب الله بناء
على أنه كذبه فيما يتعلق بذكر الرب سبحانه والأشبه أنه عام في تكذيبه فيما يتعلق بذكر الرب وذكر الرسول بل هو في هذا أولى لأن اليهودي لا يكذب من قال "لا إله إلا الله" ولا من قال "الله أكبر" وإنما يكذب من قال أن محمدا رسول الله وهذا قول جمهور المالكيين قالوا: إنه يقتل بكل سب سواء كانوا يستحلونه أو لا يستحلونه لأنهم وإن استحلوه فإنا لم نعطهم العهد على إظهاره وكما لا يحصن الإسلام من سبه كذلك لا تحصن منه الذمة وهو قول أبي مصعب وطائفة من المدنيين.
قال أبو مصعب في نصراني قال: "والذي اصطفى عيسى على محمد": "اختلف العلماء فيه فضربته حتى قتلته أو عاش يوما وأمرت من جر برجله وطرح على مزبلة فأكتله الكلاب".
قال أبو مصعب في نصراني قال: "عيسى خلق محمدا" قال: "يقتل".
وأفتى سلف الأندلسيين بقتل نصرانية استهلت بنفي الربوبية وبنوة عيسى لله.
وقال ابن القاسم فيمن سبه فقال: "ليس بنبي أو لم يرسل أو لم ينزل عليه قرآن وإنما هو شيء يقوله" ونحو هذا: فيقتل وإن قال: "إن محمدا لم يرسل إلينا وإنما أرسل إليكم وإنما نبينا موسى أو عيسى" ونحو هذا: لا شيء عليهم لأن الله أقرهم على مثله.
قال ابن القاسم: وإذا قال النصراني "ديننا خير من دينكم إنما دينكم دين الحمير" ونحو هذا من القبيح أو سمع المؤذن يقول "أشهد أن محمدا رسول الله" فقال: كذلك يعظكم الله ففي هذا الأدب الموجع والسجن الطويل وهذا قول محمد بن سحنون وذكره عن أبيه ولهم قول آخر فيما إذا سبه بالوجه الذي به كفروا أنه لا يقتل.
قال سحنون عن ابن القاسم: "من شتم الأنبياء من اليهود والنصارى بغير الوجه الذي به كفروا ضربت عنقه إلا أن يسلم".
وقال سحنون في اليهودي يقول للمؤذن إذا تشهد "كذبت": "يعاقب العقوبة الموجعة مع السجن الطويل".
وقد تقدم نص الإمام أحمد في مثل هذه الصورة على القتل لأنه شتم.
وكذلك اختلف أصحاب الشافعي في السب الذي ينتقض به عهد الذمي ويقتل به إذا قلنا بذلك على الوجهين: أحدهما: ينتقض بمطلق السب لنبينا والقدح في ديننا إذا أظهروه وإن كانوا يعتقدون ذلك دينا وهذا قول أكثرهم والثاني: أنهم إذا ذكروه بما يعتقدونه فيه دينا من أنه ليس برسول والقرآن ليس بكلام الله فهو كإظهارهم قولهم في المسيح ومعتقدهم في التثليث قالوا: وهذا لا ينقض العهد بلا تردد بل يعزرون على إظهاره وأما ما ذكروه بما لا يعتقدونه دينا كالطعن في نسبه فهو الذي قيل فيه: ينقض العهد وهذا اختيار الصيدلاني وأبي المعالي وغيرهما.
وحجة من فرق بين ما يعتقدونه فيه دينا وما لا يعتقدونه كما اختاره بعض المالكية وبعض الشافعية أنهم قد أقروا على دينهم الذي يعتقدونه لكن منعوا من إظهاره فإذا أظهروه كان كما لو أظهروا سائر المناكير التي هي من دينهم كالخمر والخنزير والصليب ورفع الصوت بكتابهم ونحو ذلك وهذا إنما يستحقون عليه العقوبة والنكال بما دون القتل.
يؤيد ذلك أن إظهار معتقدهم في الرسول ليس بأعظم من إظهار معتقدهم في الله وقد علم هؤلاء أن إظهار معتقدهم لا يوجب القتل واستبعدوا أن ينتقض عهدهم بإظهار معتقدهم إذا لم يكن مذكورا في الشرط وهذا بخلاف ما إذا سبوه بما لا يعتقدونه دينا فإنا لم نقرهم على ذلك ظاهرا ولا باطنا وليس هو من دينهم فصار بمنزلة الزنا والسرقة وقطع الطريق وهذا القول مقارب لقول الكوفيين
وقد ظن من سلكه أنه خلص بذلك من سؤالهم وليس الأمر كما اعتقده فإن الأدلة التي ذكرناها من الكتاب والسنة والإجماع والاعتبار كلها تدل على السب بما يعتقده فيه دينا وما لا يعتقده فيه دينا وأن مطلق السب موجب للقتل ومن تأمل كل دليل بانفراده لم يخف عليه أنها جميعا تدل على السب المعتقد دينا كما تدل على السب الذي لا يعتقده دينا ومنها ما هو نص في السب الذي يعتقد دينا بل أكثرها كذلك فإن الذين كانوا يهجونه من الكفار الذين أهدر دماءهم لم يكونوا يهجونه إلا بما يعتقدونه دينا مثل نسبته إلى الكذب والسحر وذم دينه ومن اتبعه وتنفير الناس عنه إلى غير ذلك من الأمور فأما الطعن في نسبه أو خلقه أو أمانته أو وفائه أو صدقه في غير دعوى الرسالة فلم يكن أحدا يتعرض لذلك في غالب الأمر ولا يتمكن من ذلك ولا يصدقه أحد في ذلك لا مسلم ولا كافر لظهور كذبه وقد تقدم ذلك فلا حاجة إلى إعادته.
ثم نقول: هنا هذا الفرق متهافت من وجوه: أحدها: أن الذمي لو أظهر لعنة الرسول أو تقبيحه أو الدعاء عليه بالسخط وجهنم والعذاب أو نحو ذلك فإن قيل: "ليس من السب الذي ينتقض به العهد" كان هذا قولا مردودا سمجا فإنه من لعن شخصا وقبحه لم يبق من سبه غاية وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لعن المؤمن كقتله" ومعلوم أن هذا أشد من الطعن في خلقه وأمانته أو وفائه وإن قيل: "هو سب له" فقد علم أن من الكفار من يعتقد ذلك دينا ويرى أنه من قرباته كتقريب المسلم بلعن مسيلمة والأسود العنسي.
الوجه الثاني: أنه على القول بالفرق المذكور إذا سبه بما لا يعتقده دينا مثل الطعن في نسبه أو خلقه أو خلقه ونحو ذلك فمن أين ينتقض عهده ويحل دمه؟ ومعلوم أنه قد أقر على ما هو أعظم من ذلك من الطعن في دينه الذي هو أعظم
من الطعن في نسبه ومن الكفر بربه الذي هو أعظم الذنوب ومن سب الله بقوله: إن له صاحبة وولدا وأنه ثالث ثلاثة فإنه لا ضرر يلحق الأمة في دينها بإظهار ما لا يعتقد صحته من السب إلا ويلحقهم بإظهار ما كفر به أعظم من ذلك فإذا أقر على أعظم السببين ضررا فإقراره على أدناهما ضررا أولى نعم بينهما من الفرق أنه إذا طعن في نسبه أو خلقه فإنه يقر لنا بأنه كاذب أو أهل دينه يعتقدون أنه كاذب آثم بخلاف السب الذي يعتقده دينا فإنه وأهل دينه متفقون على أنه ليس بكاذب فيه ولا آثم فيعود الأمر إلى أنه قال كلمة أثم بها عندهم وعندنا لكن في حق من لا حرمة له عنده بل مثاله عنده أن يقذف الرجل مسيلمة أو العنسي أو ينسبه إلى أنه كان أسود أو أنه كان دعيا أو كان يسرق أو كان قومه يستخفون به ونحو ذلك من الوقيعة في عرضه بغير حق ومعلوم أن هذا لا يوجب القتل بل ولا يوجب الجلد أيضا فإن العرض يتبع الدم فمن لم يعصم دمه لم يصن عرضه فلو لم يجب قتل الذمي إذا سب الرسول لكونه قد قدح في ديننا لم يجب قتله بشيء من السب أيضا فإن خطب ذلك يسير.
يبين ذلك أن المسلم إنما قتل إذا سبه بالقذف ونحوه لأن القدح في نسبه قدح في نبوته فإذا كنا بإظهار القدح في النبوة لا نقتل الذمي فأن لا نقتله بإظهار القدح فيما لا يقدح في النبوة أولى إذ الوسائل أضعف من المقاصد.
وهذا البحث إذا حقق اضطر المنازع إلى أحد الأمرين: إما موافقة من قال من أهل الرأي إن العهد لا ينقض من السب وإما موافقة الدهماء في أن العهد ينتقض بكل سب وأما الفرق بين سب وسب في انتقاض العهد واستحلال الدم فمتهافت.
ثم إنه إذا فرق لم يمكنه إيجاب القتل ولا نقض العهد بذلك أصلا ومن ادعى وجوب القتل بذلك وحده لم يمكنه أن يقيم عليه دليلا.
الثالث: أنا إذا لم نقتلهم بإظهار ما يعتقدونه دينا لم يمكنا أن نقتلهم بإظهار
شيء من السب فإنه ما من أحد منهم يظهر شيئا من ذلك إلا ويمكنه أن يقول: إني معتقد لذلك متدين به وإن كان طعنا في النسب كما يتدينون بالقدح في عيسى وأمه عليهما السلام ويقولون على مريم بهتانا عظيما ثم إنهم فيما بينهم قد يختلفون في أشياء من أنواع السب: هل هي صحيحة عندهم أو باطلة؟ وهم قوم بهت ضالون فلا يشاءون أن يأتوا ببهتان ونوع من الضلال الذي لا راد للقلوب منه ثم يقولون "هو معتقدنا" إلا فعلوه فحينئذ لا يقتلون حتى يثبت أنهم لا يعتقدونه دينا وهذا القدر هو محل اختلاف وبعضه لا يعلم إلا من جهتهم وقول بعضهم في بعض غير مقبول ونحن وإن كنا نعرف أكثر عقائدهم فيما تخفي صدورهم أكبر وتجدد الكفر والبدع منهم غير مستنكر فهذا الفرق مفضاة إلى حتم القتل بسب الرسول وهو لعمري قول أهل الرأي ومستندهم ما أبداه هؤلاء وقد قدمنا الجواب عن ذلك وبينا أنا إنما أقررناهم على إخفاء دينهم لا على إظهار باطل قولهم والمجاهرة بالطعن في ديننا وإن كانوا يستحلون ذلك فإن المعاهدة على تركه صيرته حراما في دينهم كالمعاهدة على الكف عن دمائنا وأموالنا وبينا أن المجاهرة بكلمة الكفر في دار الإسلام كالمجاهرة بضرب السيف بل أشد على أن الكفر أعم من السب فقد يكون الرجل كافرا ولا يسب وهذا هو سر المسألة فلا بد من بسطه فنقول: التكلم في تمثيل سب رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر صفته ذلك مما يثقل على القلب واللسان ونحن نتعاظم أن نتفوه بذلك ذاكرين لكن الاحتياج إلى الكلام في حكم ذلك نحن نفرض الكلام في أنواع السب مطلقا من غير تعيين والفقيه يأخذ حظه من ذلك فنقول: السب نوعان دعاء وخبر أما الدعاء فمثل أن يقول القائل لغيره: لعنه الله أو قبحه الله أو أخزاه
الله أو لا رحمه الله أو لا رضي الله عنه أو قطع الله دابره فهذا وأمثاله سب للأنبياء ولغيرهم وكذلك لو قال عن نبي: لا صلى الله عليه أو لا سلم أو لا رفع الله ذكره أو محا الله اسمه ونحو ذلك من الدعاء عليه بما فيه ضرر عليه في الدنيا أو في الدين أو في الآخرة.
فهذا كله إذا صدر من مسلم أو معاهد فهو سب فأما المسلم فيقتل به بكل حال وأما الذمي فيقتل بذلك إذا أظهره.
فأما إن أظهر الدعاء للنبي وأبطن الدعاء عليه إبطانا يعرف من لحن القول بحيث يفهمه بعض الناس دون البعض مثل قوله: السام عليكم إذا أخرجه مخرج التحية وأظهر أنه يقول السلام ففيه قولان: أحدهما: أنه من السب الذي يقتل به وإنما كان عفو النبي صلى الله عليه وسلم عن اليهود الذين حيوه بذلك حال ضعف الإسلام بالبقاء عليه لما كان مأمورا بالعفو عنهم والصبر على أذاهم وهذا قول طائفة من المالكية والشافعية والحنبلية مثل القاضي عبد الوهاب والقاضي أبي يعلي وأبي إسحاق الشيرازي وأبي الوفاء بن عقيل وغيرهم وممن ذهب إلى أن هذا سب من قال قال لم يعلم أن هؤلاء كانوا أهل عهد وهذا قول ساقط لأنا قد بينا فيما تقدم أن اليهود الذين بالمدينة كانوا معاهدين وقال آخرون: كان الحق له وله أن يعفو عنهم فأما بعده فلا عفو.
والقول الثاني: أنه ليس من السب الذي ينتقض العهد لأنهم لم يظهروا السب ولم يجهروا به وإنما أظهروا التحية والسلام لفظا وحالا وحذفوا اللام حذفا خفيا يفطن له بعض السامعين وقد لا يفطن له الأكثرون ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن اليهود إذا سلموا فإنما يقول أحدهم: السام عليكم فقولوا: وعليكم" فجعل هذا شرعا باقيا في حياته وبعد موته حتى صارت السنة أن يقال للذمي إذا سلم: وعليكم وكذلك لما سلم عليهم اليهودي قال: "أتدرون ما قال؟ إنما قال: السام عليكم" ولو كان هذا من السب الذي هو سب لوجب أن يشرع عقوبة اليهودي إذا سمع منه ذلك ولو بالجلد فلما لم يشرع ذلك علم
أنه لا يجوز مؤاخذتهم بذلك وقد أخبر الله عنهم بقوله تعالى ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ فجعل عذاب الآخرة حسبهم يدل على أنه لم يشرع على ذلك عذابا في الدنيا وهذا لو أنهم قد قرروا على ذلك لقالوا إنما قلنا السلام وإنما السمع يخطئ وأنتم تتقولون علينا فكانوا في هذا مثل المنافقين الذين يظهرون الإسلام ويعرفون في لحن القول ويعرفون بسيماهم فإنه لا يمكن عقوبتهم باللحن والسيما فإن موجبات العقوبات لا بد أن تكون ظاهرة الظهور الذي يشترك فيه الناس وهذا القدر وإن كان كفرا من المسلم فإنما يكون نقضا للعهد إذا أظهره الذمي وإتيانه به على هذا الوجه غاية ما يكون من الكتمان والإخفاء ونحن لا نعاقبهم على ما يسرونه ويخفونه من السب وغيره وهذا قول جماعات من العلماء من المتقدمين ومن أصحابنا والمالكيين وغيرهم وممن أجاز هذا القول ممن زعم أن هذا دعاء بالسام وهو الموت على أصح القولين أو دعاء بالسامة وأما الذين قالوا إن الموت محتوم على الخليقة قالوا: وهذا تعريض بالأذى لا بالسب وهذا القول ضعيف فإن الدعاء على الرسول والمؤمنين بالموت وترك الدين من أبلغ السب كما أن الدعاء بالحياة والعافية والصحة والثبات على الدين من أبلغ الكرامة.
النوع الثاني: الخبر فكل ما عده الناس شتما أو سبا أو تنقصا فإنه يجب به القتل كما تقدم فإن الكفر ليس مستلزما للسب وقد يكون الرجل كافرا ليس بساب والناس يعلمون علما عاما أن الرجل قد يبغض الرجل ويعتقد فيه العقيدة القبيحة ولا يسبه وقد يضم إلى ذلك مسبة وإن كانت المسبة مطابقة للمعتقد فليس كل ما يحتمل عقدا يحتمل قولا ولا ما يحتمل أن يقال سرا يحتمل أن يقال جهرا والكلمة الواحدة تكون في حال سبا وفي حال ليست بسب فعلم أن هذا يختلف باختلاف الأقوال والأحوال وإذا لم يكن للسب حد
معروف في اللغة ولا في الشرع فالمرجع فيه إلى عرف الناس فما كان في العرف سبا للنبي فهو الذي يجب أن ننزل عليه كلام الصحابة والعلماء وما لا فلا ونحن نذكر من ذلك أقساما فنقول: لا شك أن إظهار التنقص والاستهانة عند المسلمين سب كالتسمية باسم الحمار أو الكلب أو وصفه بالمسكنة والخزي والمهانة أو الإخبار بأنه في العذاب وأن عليه آثام الخلائق ونحو ذلك وكذلك إظهار التكذيب على وجه الطعن في المكذب مثل وصفه بأنه ساحر خادع محتال وأنه يضر من اتبعه وأن ما جاء به كله زور وباطل ونحو ذلك فإن نظم ذلك شعرا كان أبلغ في الشتم فإن الشعر يحفظ ويروى وهو الهجاء وربما يؤثر في نفوس كثيرة مع العلم ببطلانه أكثر من تأثير البراهين فإن غني به بين ملأ من الناس فهو الذي قد تفاقم أمره وأما من أخبر عن معتقده بغير طعن فيه مثل أن يقول: أنا لست متبعه أو لست مصدقه أو لا أحبه أو لا أرضى دينه ونحو ذلك فإنما أخبر عن اعتقاد أو إرادة لم يتضمن انتقاصا لأن عدم التصديق والمحبة قد يصدر عن الجهل والعناد والحسد والكبر وتقليد الأسلاف وإلف الدين أكثر مما يصدر عن العلم بصفات النبي خلاف ما إذا قال من كان ومن هو رأى كذا وكذا هو ونحو ذلك وإذا قال: لم يكن رسولا ولا نبيا ولم ينزل عليه شيء ونحو ذلك فهو تكذيب صريح وكل تكذيب فقد تضمن نسبته إلى الكذب ووصفه بأنه كذاب لكن بين قوله: "ليس بنبي" وقوله: "هو كذاب" فرق من حيث إن هذا إنما تضمن التكذيب بواسطة علمنا أنه كان يقول: إني رسول الله وليس من نفى عن غيره بعض صفاته نفيا مجردا كمن نفاها عنه ناسبا له إلى الكذب في دعواها والمعنى الواحد قد يؤدى بعبارات بعضها يعد سبا وبعضها لا يعد سبا وقد ذكرنا أن الإمام أحمد نص على أن من قال للمؤذن "كذبت" فهو شاتم وذلك لأن ابتداءه بذلك للمؤذن معلنا
بذلك بحيث يسمعه المسلمون طاعنا في دينهم مكذبا للأمة في تصديقها بالوحدانية والرسالة لا ريب أنه شتم.
فإن قيل: ففي الحديث الصحيح الذي يرويه الرسول عن الله تبارك وتعالى أنه قال: "شتمني ابن آدم وما ينبغي له ذلك وكذبني ابن آدم وما ينبغي له ذلك فأما شتمه إياي فقوله إني اتخذت ولدا وأما تكذيبه إياي فقوله لن يعيدني كما بدأني" فقد قرن بين التكذيب والشتم.
فيقال قوله: "لن يعيدني كما بدأني" يفارق قول اليهودي للمؤذن "كذبت" من وجهين: أحدهما: أنه لم يصرح بنسبته إلى الكذب ونحن لم نقل: إن كل تكذيب شتم إذ لو قيل ذلك لكان كل كافر شاتما وإنما قيل: إن الإعلان بمقابلة داعي الحق بقوله: "كذبت" سب للأمة وشتم لها في اعتقاد النبوة وهو سب للنبوة كما أن الذين هجوا من اتبع النبي صلى الله عليه وسلم على إتباعهم إياه كانوا سابين للنبي صلى الله عليه وسلم مثل شعر بنت مروان وشعر كعب بن زهير وغيرهما وأما قول الكافر: "لن يعيدني كما بدأني" فإنه نفي لمضمون خبر الله بمنزلة سائر أنواع الكفر.
الثاني: أن الكافر المكذب بالبعث لا يقول: إن الله أخبر أنه سيعيدني ولا يقول: إن هذا الكلام تكذيب لله وإن كان تكذيبا بخلاف القائل للرسول أو لمن صدق الرسول "كذبت" فإنه مقر بأن هذا طعن على المكذب وعيب له وانتقاص به وهذا ظاهر وكل كلام تقدم ذكره في المسألة الأولى من نظم ونحوه عده النبي صلى الله عليه وسلم سبا حتى رتب على قائله حكم الساب فإنه سب أيضا وكذلك ما كان في معناه وقد تقدم ذكر ذلك والكلام على أعيان الكلمات لا ينحصر وإنما جماع ذلك أن ما يعرف
الناس أنه سب فهو سب وقد يختلف ذلك باختلاف الأحوال والاصطلاحات والعادات وكيفية الكلام ونحو ذلك وما اشتبه فيه الأمر ألحق بنظيره وشبهه والله سبحانه أعلم.
فصل.
وكل ما كان من الذمي سبا ينقض عهده ويوجب قتله فإن التوبة توبته منه لا تقبل على ما تقدم هذا هو الذي عليه عامة أهل العلم من أصحابنا وغيرهم.
وقد تقدم عن الشيخ أبي محمد المقدسي رضي الله عنه أنه قال: إن الذمي إذا سب النبي صلى الله عليه وسلم ثم أسلم سقط عنه القتل وإنه إذا قذفه ثم أسلم ففي سقوط القتل عنه روايتان وينبغي أن يبنى كلامه على أنه إن سبه بما يعتقده فيه دينا سقط عنه القتل بإسلامه كاللعن والتقبيح ونحوه وإن سبه بما لا يعتقده فيه كالقذف لم يسقط عنه لأن ما يعتقده فيه كفر محض سقط حده بالإسلام باطنا فيجب أن يسقط ظاهرا أيضا لأن سقوط الأصل الذي هو الاعتقاد يستتبع سقوط فروعه وأما ما لا يعتقده فهو فرية يعلم هو أنها فرية فهي بمنزلة سائر حقوق الآدميين وإن حمل الكلام على ظاهره في أنه يستثنى القذف فقط من بين سائر أنواع السب فيمكن أن يوجه بأن قذف غيره لما تغلظ بأن جعل على صاحبه الحد المؤقت وهو ثمانون بخلاف غيره من أنواع السب فإن عقوبته التعزير المفوض إلى اجتهاد ذي السلطان كذلك يفرق في حقه بين القذف وغيره فيجعل على قاذفه الحد مطلقا وهو القتل وإن أسلم ويدرأ عن الساب الحد إذا تاب لكن هذا الفرق ليس بمرضي فإن قذفه إنما أوجب القتل ونقض العهد لما قدح في نسبه وكان ذلك قدحا في نبوته وهذا معنى يستوي فيه السب بالقذف وبغيره من أنواع الأكاذيب بل قد توصف من الأفعال أو الأقوال المنكرة بما يلحق بالموصوف شيئا وغضاضة
أعظم من هذا وإنما فرق في حق غيره بين القذف وغيره لأنه لا يمكن تكذيب القاذف به كما يمكن تكذيب غيره فصار العار به أشد.
وهنا كلمات السب القادحة في النبوة سواء في العلم ببطلانها ظهورا وخفاء فإن العلم بكذب القاذف كالعلم بكذب الناسب له إلى منكر من القول وزور لا فرق بينهما.
وبالجملة فالمنصوص عن الإمام أحمد وعامة أصحابه وسائر أهل العلم أنه لا فرق في هذا الباب بين السب بالقذف وغيره بل من قال: "إنه ينتقض عهده ويتحتم قتله" لم يفرق بين القذف وغيره ومن قال: "يسقط عنه القتل بإسلامه" لم يفرق بين القذف وغيره ومن فرق من الفقهاء بين ما يعتقده وما لا يعتقده فإنما فرق في انتقاض العهد لا في سقوط القتل عنه بالإسلام لكن هو يصلح أن يكون معاضدا لقول الشيخ أبي محمد لأنه فرق بين النوعين في الجملة وأما الإمام أحمد وسائر العلماء المتقدمين فإنما خلافهم في السب مطلقا وليس في شيء من كلام الإمام أحمد رضي الله عنه تعرض للقذف لخصوصه وإنما ذكره أصحابه في القذف لأنهم تكلموا في أحكام القذف مطلقا فذكروا هذا النوع من القذف أنه موجب للقتل وأنه لا يسقط القتل بالتوبة لنص الإمام على أن السب الذي هو أعم من القذف موجب للقتل لا يستتاب صاحبه ثم منهم من ذكر المسألة بلفظ السب كما هي في لفظ أحمد وغيره ومنهم من ذكرها بلفظ القذف لأن الباب باب القذف فكان ذكرها بالاسم الخاص أظهر تأثيرا في الفرق بين هذا القذف وغيره ثم علل الجميع وأدلتهم تعم أنواع السب بل هي في غير القذف أنص منها في القذف وإنما تدل على القذف بطريق العموم أو بطريق القياس والدليل يوافق ما ذكره الجمهور من التسوية كما تقدم ذكره نفيا وإثباتا ولا حاجة إلى الإطناب هنا فإن من سلم أن جميع أنواع السب من القذف وغيره ينقض العهد ويوجب القتل ثم فرق بين بعضهما وبعض في السقوط بالإسلام فقد
أبعد جدا لأن السب لو كان بمنزلة الكفر عنده لم ينقض العهد ولوجب قتل الذمي وإذا لم يكن بمنزلة الكفر فإسلامه إما أن يسقط الكفر فقط أو يسقط الكفر وغيره من الجناية على عرض الرسول فأما إسقاطه لبعض الجنايات دون بعض مع استوائهما في مقدار العقوبة فلا يتبين له وجه محقق.
والاحتجاج بأن الإسلام يسقط عقوبة من سب الله فإسقاطه عقوبة من سب النبي أولى إن صح فإنما يدل على أن الإسلام يسقط عقوبة الساب مطلقا قذفا كان السب أو غير قذف ونحن في هذا المقام لا نتكلم إلا في التسوية بين أنواع السب لا في صحة هذه الحجة وفسادها إذ قد تقدم التنبيه على ضعفها وذلك لأن سب النبي إن جعل بمنزلة سب الله مطلقا وقيل بالسقوط في الأصل فيجب أن يقال بالسقوط في الفرع وإن جعل بمنزلة سب الخلق أو جعل موجبا للقتل حدا لله أو سوي بين السبين في عدم السقوط ونحو ذلك من المآخذ التي تقدم ذكرها فلا فرق في هذا الباب بين القذف وغيره في السقوط بالإسلام فإن الذمي لو قذف مسلما أو ذميا أو شتمه بغير القذف ثم أسلم لم يسقط عنه التعزير المستحق بالسب كما لا يسقط الحد المستحق بالقذف فعلم أنهما سواء في الثبوت والسقوط وإنما يختلفان في مقدار العقوبة بالنسبة إلى غير النبي أما بالنسبة إلى النبي فعقوبتهما سواء فلا فرق بينهما بالنسبة إليه البتة.
وإذ قد ذكرنا حكم الساب للرسول عليه الصلاة والسلام فنردفه بما هو من جنسه مما قد تقدم في الأدلة المذكورة بأصل حكمه فإن ذلك من تمام الكلام في هذه المسألة على ما لا يخفى ونفصله فصولا.
فصل: فيمن سب الله تعالى.
فإن كان مسلما وجب قتله بالإجماع لأنه بذلك كافر مرتد وأسوأ من الكافر فإن الكافر يعظم الرب ويعتقد أن ما هو عليه من الدين الباطل ليس باستهزاء بالله ولا مسبة له.
ثم اختلف أصحابنا وغيرهم في قبول توبته بمعنى أنه هل يستتاب كالمرتد ويسقط عنه القتل إذا أظهر التوبة من ذلك بعد رفعه إلى السلطان وثبوت الحد عليه؟ على قولين: أحدهما: أنه بمنزلة ساب الرسول فيه الروايتان في ساب الرسول هذه طريقة أبي الخطاب وأكثر من احتذى حذوه من المتأخرين وهو الذي يدل عليه كلام الإمام أحمد حيث قال: كل من ذكر شيئا يعرض بذكر الرب تبارك وتعالى فعليه القتل مسلما كان أو كافرا وهذا مذهب أهل المدينة فأطلق وجوب القتل عليه ولم يذكر استتابته وذكر أنه قول أهل المدينة ومن وجب عليه القتل يسقط بالتوبة وقول أهل المدينة المشهور أنه لا يسقط القتل بتوبته ولو لم يرد هذا لم يخصه بأهل المدينة فإن الناس مجمعون على أن من سب الله تعالى من المسلمين يقتل وإنما اختلفوا في توبته فلما أخذ بقول أهل المدينة في المسلم كما أخذ بقولهم في الذمي علم أنه قصد محل الخلاف بإظهار التوبة بعد القدرة عليه كما ذكرناه في ساب الرسول.
وأما الرواية الثانية فإن عبد الله قال: سئل أبي عن رجل قال: "يا ابن كذا وكذا أنت ومن خلقك" قال أبي: "هذا مرتد عن الإسلام" قلت لأبي: تضرب عنقه؟ قال: "نعم نضرب عنقه" فجعله من المرتدين.
والرواية الأولى قول الليث بن سعد وقول مالك روى ابن القاسم عنه قال: "من سب الله تعالى من المسلمين قتل ولم يستتب إلا أن يكون افترى على الله بارتداده إلى دين دان به وأظهره فيستتاب وإن لم يظهره لم يستتب وهذا قول ابن القاسم ومطرف وعبد الملك وجماهير المالكية.
والثاني: أنه يستتاب وتقبل توبته بمنزلة المرتد المحض وهذا قول القاضي أبي يعلى والشريف أبي جعفر وأبي علي بن البناء وابن عقيل مع قولهم: "إن من سب الرسول لا يستتاب" وهذا قول طائفة من المدنيين: منهم محمد بن مسلمة والمخزومي وابن أبي حازم قالوا: "لا يقتل المسلم بالسب حتى يستتاب وكذلك اليهودي والنصراني فإن تابوا قبل منهم وإن لم يتوبوا قتلوا ولا بد من الاستتابة" وذلك كله كالردة وهو الذي ذكره العراقيون من المالكية.
وكذلك ذكر أصحاب الشافعي رضي الله عنه قالوا: سب الله ردة فإذا تاب قبلت توبته وفرقوا بينه وبين سب الرسول على أحد الوجهين وهذا مذهب الإمام أبي حنيفة أيضا.
وأما من استتاب الساب لله ولرسوله فمأخذه أن ذلك من أنواع الردة ومن فرق بين سب الله وسب الرسول قالوا: سب الله تعالى كفر محض وهو حق لله وتوبة من لم يصدر منه إلا مجرد الكفر الأصلي أو الطارئ مقبولة مسقطة للقتل بالإجماع ويدل على ذلك أن النصارى يسبون الله بقولهم: هو ثالث ثلاثة وبقولهم: إن له ولدا كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن الله عز وجل أنه قال: "شتمني ابن آدم وما ينبغي له ذلك وكذبني ابن آدم وما ينبغي له ذلك فأما شتمه إياي فقوله: إن لي ولدا وأنا الأحد الصمد" وقال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ
ثَلاثَة﴾ إلى قوله: ﴿أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ﴾ وهو سبحانه قد علم منه أنه يسقط حقه عن التائب فإن الرجل لو أتى من الكفر والمعاصي بملء الأرض ثم تاب تاب الله عليه وهو سبحانه لا تلحقه بالسب غضاضة ولا معرة وإنما يعود ضرر السب على قائله وحرمته في قلوب العباد أعظم من أن يهتكها جرأة الساب وبهذا يظهر الفرق بينه وبين الرسول فإن السب هناك قد تعلق به حق آدمي والعقوبة الواجبة لآدمي لا تسقط بالتوبة والرسول تلحقه المعرة والغضاضة بالسب فلا تقوم حرمته وتثبت في القلوب مكانته إلا باصطلام سابه لما أن هجوه وشتمه ينقص من حرمته عند كثير من الناس ويقدح في مكانه في قلوب كثيرة فإن لم يحفظ هذا الحمى بعقوبة المنتهك وإلا أفضى الأمر إلى فساد.
وهذا الفرق يتوجه بالنظر إلى أن حد سب الرسول حقا لآدمي كما يذكره كثير من الأصحاب وبالنظر إلى أنه حق الله أيضا فإن ما انتهكه من حرمة الله لا ينجبر إلا بإقامة الحد فأشبه الزاني والسارق والشارب إذا تابوا بعد القدرة عليهم.
وأيضا فإن سب الله ليس له داع عقلي في الغالب وأكثر ما هو سب في نفس الأمر إنما يصدر عن اعتقاد وتدين يراد به التعظيم لا السب ولا يقصد الساب حقيقة الإهانة لعلمه أن ذلك لا يؤثر بخلاف سب الرسول فإنه في الغالب إنما يقصد به الإهانة والاستخفاف والدواعي إلى ذلك متوفرة من كل كافر ومنافق وصار من جنس الجرائم التي تدعوا إليها الطباع فإن حدودها لا تسقط بالتوبة بخلاف الجرائم التي لا داعي إليها.
ونكتة هذا الفرق أن خصوص سب الله تعالى ليس إليه داع غالب
الأوقات فيندرج في عموم الكفر بخلاف سب الرسول فإن لخصوصه دواعي متوفرة فناسب أن يشرع لخصوصه حد والحد المشروع لخصوصه لا يسقط بالتوبة كسائر الحدود فلما اشتمل سب الرسول على خصائص من جهة توفر الدواعي إليه وحرص أعداء الله عليه وأن الحرمة تنتهك به انتهاك الحرمات بانتهاكها وأن فيه حق لمخلوق تحتمت عقوبته لا لأنه أغلظ إثما من سب الله بل لأن مفسدته لا تنحسم إلا بتحتم القتل.
ألا ترى أنه لا ريب أن الكفر والردة أعظم إثما من الزنا والسرقة وقطع الطريق وشرب الخمر ثم الكافر والمرتد إذا تابا بعد القدرة عليهما سقطت عقوبتهما ولو تاب أولئك الفساق بعد القدرة لم تسقط عقوبتهم مع أن الكفر أعظم من الفسق ولم يدل ذلك على أن الفاسق أعظم إثما من الكافر؟ فمن أخذ تحتم العقوبة سقوطها من كبر الذنب وصغره فقد نأى عن مسالك الفقه والحكمة.
ويوضح ذلك أنا نقر الكفار بالذمة على أعظم الذنوب ولا نقر واحدا منهم ولا من غيرهم على زنى ولا سرقة ولا كبير من المعاصي الموجبة للحدود وقد عاقب الله قوم لوط من العقوبة بما لم يعاقبه بشرا في زمنهم لأجل الفاحشة والأرض مملوءة من المشركين وهم في عافية وقد دفن رجل قتل رجلا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم مرات والأرض تلفظه في كل ذلك فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الأرض لتقبل من هو شر منه ولكن الله أراكم هذا لتعتبروا" ولهذا يعاقب الفاسق الملي من الهجر والإعراض والجلد وغير ذلك بما لا يعاقب به الكافر الذمي مع أن ذلك أحسن حالا عند الله وعندنا من الكافر.
فقد رأيت العقوبات المقدورة المشروعة تتحتم حيث تؤخر عقوبة ما هو أشد منها وسبب ذلك أن الدنيا في الأصل ليست دار الجزاء وإنما الجزاء
يوم الدين يجزي الله العباد بأعمالهم: إن خبرا فخير وإن شرا فشر لكن ينزل الله سبحانه من العقاب ويشرع من الحدود بمقدار ما يزجر النفوس عما فيه فساد عام لا يخص فاعله أو ما يطهر الفاعل من خطيئته أو لتغلظ الجرم أو لما يشاء سبحانه فالخطيئة إذا خيف أن يتعدى ضررها فاعلها لم تنحسم مادتها إلا بعقوبة فاعلها فلما كان الكفر والردة إذا قبلت التوبة منه بعد القدرة لم تترتب على ذلك مفسدة تتعدى التائب وجب قبول التوبة لأن أحدا لا يريد أن يكفر أو يرتد ثم إذا أخذ أظهر التوبة لعلمه أن ذلك لا يحصل مقصوده بخلاف أهل الفسوق فإنه إذا أسقطت العقوبة عنهم بالتوبة كان ذلك فتحا لباب الفسوق فإن الرجل يعمل ما اشتهى ثم إذا أخذ قال: إني تائب وقد حصل مقصوده من الشهوة التي اقتضاها فكذلك سب الله هو أعظم من سب الرسول لكن لا يخاف أن النفوس تتسرع إلى ذلك إذا استتيب فاعله وعرض على السيف فإنه لا يصدر غالبا إلا عن اعتقاد وليس للخلق اعتقاد يبعثهم على إظهار السب لله تعالى وأكثر ما يكون ضجرا وبرما وسفها وروعه بالسيف والاستتابة تكف عن ذلك بخلاف إظهار سب الرسول فإن هناك دواعي متعددة تبعث عليه متى علم صاحبها أنه إذا أظهر التوبة كف عنه لم يزعه ذلك عن مقصوده.
ومما يدل على الفرق من جهة السنة أن المشركين كانوا يسبون الله بأنواع السب ثم لم يتوقف النبي صلى الله عليه وسلم في قبول إسلام أحد منهم ولا عهد بقتل واحد منهم بعينه وقد توقف في قبول توبة من سبه مثل أبي سفيان وابن أبي أمية وعهد بقتل من كان يسبه من الرجال والنساء مثل الحويرث بن نقيد والقينتين وجارية لبني عبد المطلب ومثل الرجال والنساء الذين أمر بقتلهم بعد الهجرة وقد تقدم الكلام على تحقيق الفرق عند من يقول به بما هو أبسط من هذا في المسألة الثالثة.
وأما من قال: "لا تقبل توبة من سب الله سبحانه وتعالى كما لا تقبل توبة من سب الرسول" فوجهه ما تقدم من عمر رضي الله تعالى عنه من التسوية بين سب الله وسب الأنبياء في إيجاب القتل ولم يأمر بالاستتابة مع شهرة مذهبه في استتابة المرتد لكن قد ذكرنا عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه يستتاب لأنه كذب النبي صلى الله عليه وسلم فيحمل ذلك على السب الذي يتدين به.
وأيضا فإن السب ذنب منفرد عن الكفر الذي يطابق الاعتقاد فإن الكافر يتدين بكفره ويقول: إنه حق ويدعوا إليه وله عليه موافقون وليس من الكفار من يتدين بما يعتقده استخفافا واستهزاء وسبا لله وإن كان في الحقيقة سبا كما أنهم لا يقولون: إنهم ضلال جهال معذبون أعداء الله وإن كانوا كذلك وأما الساب فإنه مظهر للتنقص والاستخفاف والاستهانة بالله منتهك لحرمته انتهاكا يعلم من نفسه أنه منتهك مستخف مستهزئ ويعلم من نفسه أنه قد قال عظيما وأن السماوات والأرض تكاد تنفطر من مقالته وتخر الجبال وأن ذلك أعظم من كل كفر وهو يعلم أن ذلك كذلك ولو قال بلسانه: "إني كنت لا أعتقد وجود الصانع ولا عظمته والآن فقد رجعت عن ذلك" علمنا أنه كاذب فإن فطرة الخلائق كلها مجبولة على الاعتراف بوجود الصانع وتعظيمه فلا شبهة تدعوه إلى هذا السب ولا شهوة له في ذلك بل هو مجرد سخرية واستهزاء واستهانة وتمرد على رب العالمين تنبعث عن نفس شيطانية ممتلئة من الغضب أو من سفيه لا وقار لله عنده كصدور قطع الطريق والزنى عن الغضب والشهوة وإذا كان كذلك وجب أن يكون للسب عقوبة تخصه حدا من الحدود وحينئذ فلا تسقط تلك العقوبة بإظهار التوبة كسائر الحدود.