الصارم المسلول على شاتم الرسولصفحات 243-253

المسألة الأولى: أن من سب النبي صلى الله عليه وسلم من مسلم أو كافر فإنه يجب قتله.

صفحات 243-253

فمتى آذوا الله ورسوله فقد نقضوا العهد وشرطنا عليهم التزام حكم الإسلام وإن كانوا يرون أن ذلك لا يلزمهم في دينهم وشرطنا عليهم أداء الجزية وإن اعتقدوا أن أخذها منهم حرام وشرطنا عليهم إخفاء دينهم فلا يظهرون الأصوات بكتابهم ولا على جنائزهم ولا ضرب ناقوس وشرطنا عليهم أن لا يرتفعوا على المسلمين وأن يخالفوا بهيآتهم هيئة المسلمين على وجه يتميزون به ويكونون أذلاء في تميزهم إلى غير ذلك من الشروط التي يعتقدون أنها ذا تجب عليهم في دينهم.
فعلم أنا شرطنا عليهم ترك كثير مما يعتقدون دينا لهم إما مباحا أو واجبا وفعل كثير مما يعتقدونه ليس من دينهم فكيف يقال: أقررناهم على دينهم مطلقا.
وأما المقدمة الثانية فنقول: هب أنا أقررناهم على دينهم فقوله: "استحلال السب من دينهم" جوابه أن يقال: أهو من دينهم قبل العهد أو من دينهم وإن عاهدوا على تركه.
الأول مسلم لكن لا ينفع لأن هؤلاء قد عاهدوا فإن لم يكن هذا من دينهم في هذه الحال لم يكن لهم أن يفعلوه لأنه من دينهم في حال أخرى وهذا كما أن المسلم من دينه استحلال دمائهم وأموالهم وأذاهم بالهجاء والسب إذا لم نعاهدهم وليس من دينه استحلال ذلك إذا عاهدهم فليس لنا أن نؤذيهم وتقول: قد عاهدناكم على ديننا ومن ديننا استحلال أذاكم فإن المعاهدة التي بين المتحاربين تحرم على كل واحد منهما في دينه ما كان يستحله من ضرر الآخر وأذاه قبل العهد.
وأما الثاني فمنوع فإنه ليس من دينهم استحلال نقض العهد ولا مخالفة

من عاهده في شيء مما عاهده بل من دين جميع أهل الأرض الوفاء بالعهد وإن لم يكن هذا معتقدهم فنحن إنما عاهدناهم على أن يدينوا بوجوب الوفاء بالعهد فإن لم يكن دينهم وجوب الوفاء به فلم نعاهدهم على دين يستحل صاحبه نقض العهد ولو عاهدناهم على هذا الدين لكنا قد عاهدناهم على أن يدينوا بنقض العهد فينقضوه ونحن موفون بالعهد وبطلان هذا واضح.
وإذا لم يكن فعل ما عوهدوا على تركه من دينهم فنحن قد عاهدناهم على أن يكفوا عن أذانا بألسنتهم وأيديهم وأن لا يظهروا شيئا من أذى الله ورسوله وأن يخفوا دينهم الذي هو باطل في حكم الله ورسوله وإذا عاهدوا على ترك هذا وإخفاء هذا كان فعله حراما عليهم في دينهم لأن ذلك غدر وخيانة وترك للوفاء بالعهد ومن دينهم أن ذلك حرام ولو أن مسلما عاهده قوم من الكفار طائعا غير مكره على أن يمسك عن ذكر صليبهم لوجب عليه في دينه أن يمسك ما دام العهد قائما.
فقول القائل: "من دينهم استحلال سب نبيا" باطل إذ ذلك مع العهد المقتضي لتركه حرام في دينهم كما يحرم عليهم في دينهم استحلال دمائنا وأموالنا لأجل العهد وهم يعتقدون عند أنفسهم أنهم إذا آذوا الله ورسوله بألستنهم أو ضروا المسلمين بعد العهد فقد فعلوا ما هو حرام في دينهم كما أن المسلم يعلم أنه إذا آذاهم بعد العهد فقد فعل ما هو حرام في دينه ويعلمون أن ذلك مخالفة للعهد وإن ظنوا أن لا عهد بيننا وبينهم وإنما هم مغلوبون تحت يد الإسلام فذلك أبعد لهم عن العصمة وأولى بالانتقام فإنه لا عاصم لهم منا إلا العهد فإن لم يعتقدوا الوفاء بالعهد فلا عاصم أصلا وهذا كله بين لمن تأمله يتبين به بعض فقه المسألة.
ومن الفقهاء من أجاب عن هذا بأنا أقررناهم على ما يعتقدونه ونحن إنما نقول بنقض العهد إذا سبوه بما لا يعتقدونه من القذف ونحوه وهذا التفصيل

ليس بمرض وسيأتي إن شاء الله تحقيق ذلك.
فإن قيل: فهب أنهم صولحوا على أن لا يظهروا ذلك لكن مجرد إظهار دينهم كيف ينقض العهد؟ وهل ذلك إلا بمثابة ما لو أظهروا أصواتهم بكتابهم أو صليبهم أو أعيادهم؟ فإن ذلك موجب لتنكيلهم وتعزيرهم دون نقض العهد.
قلنا: وأي ناقض للعهد أعظم من أن يظهروا كلمة الكفر ويعلوها ويخرجوا عن حد الصغار ويطعنوا في ديننا ويؤذونا أذى هو أبلغ من قتل النفوس وأخذ الأموال.
وأما إظهار تلك الأشياء بعد شرط عمر المعروف ففيها وجهان عندنا: أحدهما: ينتقض العهد فلا يلزمنا والآخر: لا ينتقض العهد.
والفرق بينهما من وجهين: أحدهما: أن ظهور تلك الأشياء ليس فيه ظهور كلمة الكفر وعلوها وإنما فيه ظهور لدين المشركين وبين البابين فرق فإن المسلم لو تكلم بكلمة الكفر كفر ولو لم يفعل إلا مجرد مشاركة الكافر في هدية عوقب ولم يكفر وكان ذلك كإظهار المعاصي من المسلم يوجب عقوبته ولا يبطل إيمانه والمتكلم بكلمة الكفر يبطل إيمانه كذلك أهل العهد: إذا أظهروا الكفر ونحوه نقضوا أمانهم وإذا أظهروا زيهم عصوا ولم ينقضوا أمانهم.
وهذا جواب من يقول من أصحابنا وغيرهم: إنهم لو أظهروا التثليث ونحوه مما هو دينهم نقضوا العهد.
الجواب الثاني: أن ظهور تلك الأشياء ليس فيها ضرر عظيم على المسلمين ولا معرة في دينهم ولا طعن في ملتهم وإنما فيه أحد أمرين: إما اشتباه زيهم بزي المسلمين أو إظهار لمنكرات دينهم في دار الإسلام كإظهار الواحد من المسلمين لشرب الخمر ونحوه وأما سب الرسول والطعن في الدين ونحوه ذلك فهو مما يضر

المسلمين ضررا يفوق قتل النفس وأخذ المال من بعض الوجوه فإنه لا أبلغ في إسفال كلمة الله ولا إذلال كتاب الله وإهانة كتاب الله من أن يظهر الكافر المعاهد السب والشتم لمن جاء بالكتاب.
ولأجل هذا الفرق فصل أصحابنا وأصحاب الشافعي الأمور المحرمة عليهم في العهد الذي بيننا وبينهم إلى ما يضر المسلمين في نفس أو مال أو دين وإلى ما لا يضر وجعلوا القسم الأول ينقض العهد حيث لا ينقضه القسم الثاني لأن مجرد العهد ومطلقه يوجب الإمتناع عما يضر المسلمين ويؤذيهم فحصوله تفويت لمقصود العقد فيفسخه كما لو فات مقصود البيع بتلف العوض قبل القبض أو ظهوره مستحقا ونحوه بخلاف غيره ولأن تلك المضرات يوجب جنسها عقوبة المسلم بالقتل فلأن يوجب عقوبة المعاهد بالقتل أولى وأحرى لأن كلاهما ملتزم إما بإيمانه أو بأمانة أن لا يفعلها ولأن تلك المضرات من جنس المحاربة والقتال وذلك لإبقاء العهد معه بخلاف المعاصي التي فيها مراغمة ومصارمة.
فإن قيل: فقد أقروا على ما هم عليه من الشرك الذي هو أعظم من سب الرسول عليه الصلاة والسلام فيكون إقرارهم على سب الرسول أولى بل قد أقروا على سب الله تعالى وذلك لأن النصارى يعتقدون التثليث ونحوه وهو شتم لله تعالى لما روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قال الله عز وجل: كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك وشتمني ولم يكن له ذلك فأما تكذيبه إياي فقوله لن يعيدني كما بدأني وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته وأما شتمه إياي فقوله اتخذ الله ولدا وأنا الأحد الصمد الذي لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفوا أحد ".

وروى في صحيحه عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه.
وكان معاذ ابن جبل يقول إذا راى النصارى لا ترحموهم فلقد سب الله سبه ما سبه اياها أحد من البشر.
وقد قال الله تعالى ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً﴾ الآية.
وقد أقر اليهود على مقالتهم في عيسى عليه السلام وهي من أبلغ القذف.
قلنا: الجواب من وجوه: أحدها: أن هذا السؤال فاسد الاعتبار فإن كون الشيء في نفسه أعظم إثما من غيره يظهر أثره في العقوبة عليه في الآخرة لا في الإقرار عليه في الدنيا ألا ترى أن أهل الذمة يقرون على الشرك ولا يقرون على الزنا ولا على السرقة ولا على قطع الطرق ولا على قذف المسلم ولا على محاربة المسلمين وهذه الأشياء دون الشرك بل سنة الله في خلقه كذلك فإنه عجل لقوم لوط العقوبة وفي الأرض مدائن مملوءة من الشرك لم يعاجلهم بالعقوبة لا سيما والمحتج بهذا الكلام يرى أن قتل الكفار إنما هو لمجرد المحاربة سواء كان كفره أصليا أو طارئا حتى أنه لا يرى قتل المرتد ويقول: الدنيا ليست دار الجزاء على الكفر وإنما الجزاء على الكفر في الآخرة وإنما يقاتل من يقاتل فقت لدفع أذاه.
ثم لا يجوز أن يقال: إذا أقررناهم على الكفر فلأن نقرهم على المحاربة

التي هي دون الكفر بطريق الأولى وسبب ذلك أن ما كان من الذنوب يتعدى ضرره فاعله عجلت لصاحبه العقوبة في الدنيا تشريعا وتقديرا ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: " ما من ذنب أحرى أن تعجل لصاحبه العقوبة من البغي وقطيعة الرحم " لأن تأخير عقوبته فساد لأهل الأرض بخلاف ما لا يتعدى ضرره فاعله فإنه قد تؤخر عقوبته وإن كان أعظم كالكفر ونحوه فإذا أقررناهم على الشرك أكثر ما فيه تأخير العقوبة عليه وذلك لا يستلزم تأخير عقوبة ما يضر بالمسلمين لأنه دونه كما قدمناه.
الوجه الثاني: أن يقال: لا خلاف أنهم إذا أقروا على ما هم عليه من الكفر غير مضارين للمسلمين لا يجوز أذاهم لا في دمائهم ولا في أبشارهم ولو أظهروا السب ونحوه عوقبوا على ذلك إما في الدماء أو في الأبشار.
ثم إنه لا يقال: إذا لم يعاقبوا بالعزير على الشرك لم يعاقبوا على السب الذي هو دونه وإذا كان هذا السؤال معترضا على الإجماع لم يجب جوابه كيف والمنازع قد سلم أنهم يعاقبون على السب فعلم أنه لم يقرهم عليه فلا يقبل منه السؤال.
والجواب عن هذه الشبهة مشترك فلا يجب علينا الانفراد به.
الوجه الثالث: أن الساب ينضم السب إلى شركه الذي عوهد عليه بخلاف المشرك الذي لم يسب ولا يلزم من الإقرار على ذنب مفرد الإقرار عليه مع ذنب آخر وإن كان دونه فإن اجتماع الذنبين يوجب جرما مغلظا لا يحصل حال الانفراد.
الوجه الرابع: قوله: "ما هم عليه من الكفر أعظم من سب الرسول" ليس بجيد على الإطلاق وذلك لأن أهل الكتاب طائفتان: أما اليهود فأصل كفرهم تكذيب الرسول وسبه أعظم من تكذيبه

فليس لهم كفر أعظم من سب الرسول فإن جميع ما يكفرون به من الكفر بدين الإسلام وبعيسى وبما أخبر الله به من أمور الآخرة وغير ذلك متعلق بالرسول فسبه كفر بهذا كله لأن ذلك إنما علم من جهته وليس عند أهل الأرض في وقتنا هذا علم موروث يشهد عليه أنه من عند الله إلا العلم الموروث عن محمد صلى الله عليه وسلم وما سوى ذلك مما يؤثر عن غيره من الأنبياء فقد اشتبه واختلط كثير منه أو أكثره والواجب فيما لا نعلم حقيقته منه أن لا يصدق ولا يكذب.
وأما النصارى فسبهم للرسول طعنا فيما جاء به من التوحيد وأنباء الغيب والشرائع وإنما ذنبه الأعظم عندهم أن قال: أن عيسى عبد الله ورسوله كما أن ذنبه الأعظم عند اليهود أن غير شريعة التوراة وإلا فالنصارى ليسوا محافظين على شريعة مورثة بل كل برهة من الدهر تبتدع لهم الأحبار شريعة من الدين لم يأذن الله بها ثم لا يرعونها حق رعايتها فسبهم له متضمن للطعن في التوحيد وللشرك وللتكذيب بالأنبياء والدين ومجرد شركهم ليس متضمنا لتكذيب جميع الأنبياء ورد جميع الدين فلا يقال: ما هم عليه من الشرك أعظم من سب الرسول بل سب الرسول صلى الله عليه وسلم فيه ما هم عليه من الشرك وزيادة.
وبالجملة فينبغي للعاقل أن يعلم أن قيام دين الله في الأرض إنما هو بواسطة المرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين فلولا الرسل لما عبد الله وحده لا شريك له ولما علم الناس أكثر ما يستحقه سبحانه من الأسماء الحسنى والصفات العلى ولا كانت له شريعة في الأرض.
ولا تحسبن أن العقول لو تركت وعلومها التي تستفيدها بمجرد النظر عرفت الله معرفة مفصلة بصفاته وأسمائه على وجهه اليقين فإن عامة من تكلم

في هذا الباب بالعقل فإنما تكلم بعد أن بلغه ما جاءت به الرسل واستصغى بذلك واستأنس به سواء أظهر الانقياد للرسل أو لم يظهر وقد اعترف عامة الرؤوس منهم أنه لا ينال بالعقل علم جازم في تفاصيل الأمور الإلهية وإنما ينال به الظن والحسبان.
والقدر الذي يمكن العقل إداركه بنظره فإن المرسلين صلوات الله وسلامه عليهم نبهوا الناس عليه وذكروهم به ودعوهم إلى النظر فيه حتى فتحوا أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا.
والقدر الذي يعجز العقل عن إدراكه علموهم إياه وأنبأوهم به فالطعن فيهم طعن في توحيد الله وأسمائه وصفاته وكلامه ودينه وشرائعه وأنبيائه وثوابه وعقابه وعامة الأسباب التي بينه وبين خلقه بل يقال: إنه ليس في الأرض مملكة قائمة إلا في بنبوة أو أثر نبوة وإن كل خير في الأرض فمن آثار النبوات ولا يستريبن العاقل في هذا الباب الذين درست النبوة فيهم مثل البراهمة والصابئة والمجوس ونحوهم فلا سفتهم وعامتهم قد أعرضوا عن الله وتوحيده وأقبلوا على عبادة الكواكب والنيران والأصنام وغير ذلك من الأوثان والطواغيت فلم يبق بأيديهم لا توحيد ولا غيره.
وليست أمة مستمسكة بالتوحيد إلا أتباع الرسل قال الله سبحانه: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ فأخبر أن دينه الذي يدعوا إليه المرسلون كبر على المشركين فما الناس إلا تابع لهم أو مشرك وهذا حق لا ريب فيه فعلم أن سب الرسل والطعن فيهم ينبوع جميع أنواع الكفر وجماع

جميع الضلالات وكل كفر ففرع منه كما أن تصديق الرسل أصل جميع شعب الإيمان وجماع مجموع أسباب الهدى.
الوجه الخامس: أن نقول: قد ثبت بالسنة ثبوتا لا يمكن دفعه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمر بقتل من سبه وكان المسلمون يحرضون على ذلك مع الإمساك عمن هو مثل هذا الساب في الشرك أو هو أسوأ منه من محارب أو معاهد فلو كانت هذه الحجة مقبولة لتوجه أن يقال: إذا أمسكوا عن المشرك فالإمساك عن الساب أولى وإذا عوهد الذمي على كفره فمعاهدته على السب أولى وهذا لو قبل معارضة لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكل قياس عارض السنة فهو رد.
الوجه السادس: أن يقال: ما هم عليه من الشرك وإن كان سبا لله فهم لا يعتقدونه سبا وإنما يعتقدونه تمجيدا وتقديسا فليسوا قاصدين به قصد السب والاستهانة بخلاف سب الرسول فلا يلزم من إقرارهم على شيء لا يقصدون به الاستخفاف إقرارهم على ما يقصدون به الاستخفاف وهذا جواب من يقتلهم إذا أظهروا سب الرسول ولا يقتلهم إذا أظهروا ما يعتقدونه من دينهم.
الوجه السابع: أن إظهار سب الرسول طعن في دين المسلمين وإضرار بهم ومجرد التكلم بدينهم ليس فيه إضرار بالمسلمين فصار إظهار سب الرسول بمنزلة المحاربة يعاقبون عليها وإن كانت دون الشرك وهذا أيضا جواب هذا القائل.
الوجه الثامن: منع الحكم في الأصل المقيس عليه فإنا نقول: متى أظهروا كفرهم وأعلنوا به نقضوا العهد بخلاف مجرد رفع الصوت بكتابهم فإنه ليس كل ما فيه كفر ولسنا نفقه ما يقولون وإنما فيه إظهار شعار الكفر وفرق بين إظهار الكفر وبين إظهار شعار الكفر.

أو نقول: متى أظهروا الكفر الذي هو طعن في دين الله نقضوا به العهد بخلاف كفر لا يطعنون به في ديننا وهذا لأن العهد إنما اقتضى أن يقولوا ويفعلوا بينهم ما شاءوا مما لا يضر المسلمين فأما أن يظهروا كلمة الكفر أو أن يؤذوا المسلمين فلم يعاهدوا عليه البتة وسيأتي إن شاء الله الكلام على هذين القولين والذين قبلهما.
قال كثير من فقهاء الحديث وأهل المدينة من أصحابنا وغيرهم: "لم نقرهم على أن يظهروا شيئا من ذلك ومتى أظهروا شيئا من ذلك نقضوا العهد".
قال أبو عبد الله في رواية حنبل: "كل من ذكر شيئا يعرض بذكر الرب تبارك وتعالى فعليه القتل مسلما كان أو كافرا" وهذا مذهب أهل المدينة.
وقال جعفر بن محمد: سمعت أبا عبد الله يسأل عن يهودي مر بمؤذن وهو يؤذن فقال له: كذبت فقال: يقتل لأنه شتم.
ومن الناس من فرق بين ما يعتقدونه وما لا يعتقدونه ومن الناس من فرق بين ما يعتقدونه وإظهاره يضر بنا لأنه قدح في ديننا وبين ما يعتقدونه وإظهاره ليس بطعن في نفس ديننا وسيأتي إن شاء الله تعالى ذلك فإن فروع المسألة تظهر مأخذها.
وقد قدمنا عن عمر رضي الله عنه أنه قال بمحضر من المهاجرين والأنصار للنصراني الذي قال إن الله لا يضل أحدا: إنا لم نعطك ما أعطيناك على أن تدخل علينا في ديننا فوالذي نفسي بيده لأن عدت لآخذن الذي فيه عيناك.
وجميع ما ذكرناه من الآيات والاعتبار يجئ أيضا في ذلك فإن الجهاد واجب حتى تكون كلمة الله هي العليا وحتى يكون الدين كله لله وحتى

يظهر دين الله على الدين كله وحتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون.
والنهي عن إظهار المنكر واجب بحسب القدرة فإذا أظهروا كلمة الكفر وأعلنوها خرجوا عن العهد الذي عاهدونا عليه والصغار الذي التزموه ووجب علينا أن نجاهد الذي أظهروا كلمة الكفر وجهادهم بالسيف لأنهم كفار لا عهد لهم والله سبحانه أعلم.

جارٍ التحميل