المسألة الأولى: أن من سب النبي صلى الله عليه وسلم من مسلم أو كافر فإنه يجب قتله.
الثاني: أن سائر الذين لعنهم الله في كتابه مثل الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ومثل الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا ومثل من يقتل مؤمنا متعمدا إما كافر أو مباح الدم بخلاف بعض من لعن في السنة.
الثالث: أن هذه الصيغة خبر عن لعنة الله له ولهذا عطف عليه ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُهِيناً﴾ وعامة الملعونين الذين لا يقتلون أو لا يكفرون إنما لعنوا بصيغة الدعاء مثل قوله صلى الله عليه وسلم: " لعن الله من غير منار الأرض " و" لعن الله السارق " و" لعن الله آكل الربا ومؤكله " ونحو ذلك.
لكن الذي يرد على هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ فإن في هذه الآية ذكر لعنتهم في الدنيا والآخرة مع أن مجرد القذف ليس بكفر ولا يبيح الدم.
والجواب عن هذه الآية من طريقين مجمل ومفصل.
أما المجمل فهو أن قذف المؤمن المجرد هو نوع من أذاه وإذا كان كاذبا فهو بهتان عظيم كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ والقرآن قد نص على الفرق بين أذى الله ورسوله وبين أذى المؤمنين فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ
عَذَاباً مُهِيناً وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً﴾ فلا يجوز أن يكون مجرد أذى المؤمنين بغير حق موجبا للعنة الله في الدنيا والآخرة وللعذاب المهين إذ لو كان كذلك لم يفرق بين أذى الله ورسوله وبين أذى المؤمنين ولم يخصص مؤذي الله ورسوله باللعنة المذكورة ويجعل جزاء مؤذي المؤمنين أنه احتمل بهتانا وإثما مبينا كما قال في موضع آخر: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً﴾ كيف والعليم الحكيم إذا توعد على الخطيئة زاجرا عنها فلا بد أن يذكر أقصى ما يخاف على صاحبها فإذا ذكر خطيئتين إحداهما أكبر من الأخرى متوعدا عليهما زاجرا عنهما ثم ذكر في إحداهما جزاء عنها وذكر في الأخرى ما هو دون ذلك ثم ذكر هذه الخطيئة في موضع آخر متوعدا عليها بالعذاب الأدنى بعينه علم أن جزاء الكبرى لا يستوجب بتلك التي هي أدنى منها.
فهذا دليل يبين لك أن لعنة الله في الدنيا والآخرة وإعداده العذاب المهين لا يستوجب بمجرد القذف الذي ليس فيه أذى لله ورسوله وهذا كاف في اطراد الدلالة وسلامتها عن النقض.
وأما الجواب المفصل فمن ثلاثة أوجه: أحدها: أن هذه الآية في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم خاصة في قول كثير من أهل العلم.
فروى هشيم عن العوام بن حوشب ثنا شيخ من بني كاهل قال: فسر ابن عباس سورة النور فلما أتى على هذه الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ إلى آخر الآية قال: "هذه في شأن عائشة وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم خاصة وهي مبهمة ليس فيها توبة ومن قذف امرأة مؤمنة فقد جعل الله له توبة ثم قرأ ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء﴾ إلى قوله: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ فجعل لهؤلاء توبة ولم يجعل لأولئك توبة" قال: فهم رجل أن يقوم فيقبل رأسه من حسن ما فسر.
وقال أبو سعيد الأشج: ثنا عبد الله بن خراش عن العوام عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما: " ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ نزلت في عائشة رضي الله عنها خاصة واللعنة في المنافقين عامة".
فقد بين ابن عباس أن هذه الآية إنما نزلت فيمن يقذف عائشة وأمهات المؤمنين لما في قذفهن من الطعن على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعيبه فإن قذف المرأة أذى لزوجها كما هو أذى لابنها لأنه نسبة له إلى الدياثة وإظهار لفساد فراشه فإن زناء امرأته يؤذيه أذى عظيما ولهذا جوز له الشارع أن يقذفها إذا زنت ودرأ الحد عنه باللعان ولم يبح لغيره أن يقذف امرأة بحال.
ولعل ما يلحق بعض الناس من العار والخزي بقذف أهله أعظم مما يلحقه لو كان هو المقذوف ولهذا ذهب الإمام أحمد في إحدى الروايتين المنصوصتين عنه إلى أن من قذف امرأة غير محصنة كالأمة والذمية ولها زوج أو ولد محصن حد لقذفها لما ألحقه من العار بولدها وزوجها المحصنين.
والرواية الأخرى عنه وهي قول الأكثرين أنه لا حد عليه لأنه أذى لهما لا قذف لهما والحد التام إنما يجب بالقذف وفي جانب النبي صلى الله عليه وسلم أذاه كقذفه ومن يقصد عيب النبي صلى الله عليه وسلم بعيب أزواجه فهو منافق وهذا معنى قول ابن عباس: "اللعنة في المنافقين عامة".
وقد وافق ابن عباس على هذا جماعة فروى الإمام أحمد والأشج عن خصيف قال: سالت سعيد بن جبير فقلت: الزنا أشد أو قذف المحصنة؟ قال: لا بل الزنا قال: قلت: وإن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ فقال: إنما كان هذا في عائشة خاصة.
وروى أحمد بإسناده عن أبي الجوزاء في هذه الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ قال: "هذه لأمهات المؤمنين خاصة".
وروى الأشج بإسناده عن الضحاك في هذه الآية قال: "هن نساء النبي صلى الله عليه وسلم".
وقال معمر عن الكلبي: إنما عنى بهذه الآية أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فأما من رمى امرأة من المسلمين فهو فاسق كما قال تعالى أو يتوب.
ووجه هذا ما تقدم من أن لعنة الله في الدنيا والآخرة لا تستوجب بمجرد القذف فتكون اللام في قوله: ﴿الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ لتعريف المعهود والمعهود هنا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لأن الكلام في قصة الإفك ووقوع من وقع في أم المؤمنين عائشة أو تقصير اللفظ العام على سببه للدليل الذي يوجب ذلك.
ويؤيد هذا القول أن الله سبحانه رتب هذا الوعيد على قذف محصنات
غافلات مؤمنات وقال في أول السورة ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ الآية فرتب الجلد ورد الشهادة والفسق على مجرد قذف المحصنات فلا بد أن تكون المحصنات الغافلات المؤمنات لهن مزية على مجرد المحصنات وذلك والله أعلم لأن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مشهود لهن بالإيمان لأنهن أمهات المؤمنين وهن أزواج نبيه في الدنيا والآخرة وعوام المسلمات إنما يعلم منهن في الغالب ظاهر الإيمان ولأن الله سبحانه قال في قصة عائشة: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ فتخصيصه بتولي كبره دون غيره دليل على اختصاصه بالعذاب العظيم وقال: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ فعلم أن العذاب العظيم لا يمس كل من قذف وإنما يمس متولي كبره فقط وقال هنا ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ فعلم أنه الذي رمى أمهات المؤمنين ويعيب بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وتولى كبر الإفك وهذه صفة المنافق ابن أبي.
وأعلم أنه على هذا القول تكون هذه الآية حجة أيضا موافقة لتلك الآية لأنه لما كان رمي أمهات المؤمنين أذى للنبي صلى الله عليه وسلم لعن صاحبه في الدنيا والآخرة ولهذا قال ابن عباس: "ليس فيها توبة" لأن مؤذي النبي صلى الله عليه وسلم لا تقبل توبته إذا تاب من القذف حتى يسلم إسلاما جديدا وعلى هذا فرميهن نفاق مبيح للدم إذا قصد به أذى النبي صلى الله عليه وسلم أو أذاهن بعد العلم بأنهن أزواجه في الآخرة فإنه ما بغت امرأة نبي قط.
ومما يدل على أن قذفهن أذى للنبي صلى الله عليه وسلم ما خرجاه في
الصحيحين في حديث الإفك عن عائشة قالت: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستعذر من عبد الله بن أبي بن سلول قالت: فقال رسول صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر "يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهل بيتي فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرا ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا وما كان يدخل على أهلي إلا معي" فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال: أنا أعذرك منه يا رسول الله إن كان من الأوس ضربنا عنقه وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج وكان رجلا صالحا ولكن احتملته الحمية فقال لسعد بن معاذ: لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله فقام أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد بن معاذ فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين قالت: فثار الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكتوا وسكت.
وفي رواية أخرى صحيحة قالت: "لما ذكر من شأني الذي ذكر وما علمت به قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطيبا وما علمت به فتشهد وحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: "أما بعد أشيروا علي في أناس أبنوا أهلي وايم الله ما علمت على أهلي سوءا قط وأبنوهم بمن والله ما علمت عليه من سوء قط ولا دخل بيتي قط إلا وأنا حاضر ولا كنت في سفر إلا غاب معي فقام سعد بن معاذ فقال: يا رسول الله مرني أن أضرب أعناقهم ". فقوله "من يعذرني" أي: من ينصفني ويقيم عذري إذا انتصفت منه لما بلغني من أذاه في أهل بيتي والله لهم فثبت أنه صلى الله عليه وسلم قد تأذى بذلك تأذيا استعذر منه وقال المؤمنون الذين لم تأخذهم حمية: " مرنا
نضرب أعناقهم فإنا نعذرك إذا أمرتنا بضرب أعناقهم " ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم على سعد استئماره في ضرب أعناقهم وقوله: " إنك معذور إذا فعلت ذلك ". بقى أن يقال: فقد كان من أهل الإفك مسطح وحسان وحمنة ولم يرموا بنفاق ولم يقتل النبي صلى الله عليه وسلم أحدا بذلك السبب بل قد اختلف في جلدهم.
وجوابه: أن هؤلاء لم يقصدوا أذى النبي صلى الله عليه وسلم ولم يظهر منهم دليل على أذاه بخلاف ابن أبي الذي إنما كان قصده أذاه ولم يكن إذ ذاك قد ثبت عندهم أن أزواجه في الدنيا هن أزواج له في الآخرة وكان وقوع ذلك من أزواجه ممكنا في العقل ولذلك توقف النبي صلى الله عليه وسلم في القصة حتى استشار عليا وزيدا وحتى سأل بريرة فلم يحكم بنفاق من لم يقصد أذى النبي صلى الله عليه وسلم لإمكان أن يطلق المرأة المقذوفة فأما بعد أن ثبت أنهن أزواجه في الآخرة وأنهن أمهات المؤمنين فقذفهن أذى له بكل حال ولا يجوز مع ذلك أن تقع منهن فاحشة لأن في ذلك جواز أن يقيم الرسول مع امرأة بغي وأن تكون أم المؤمنين موسومة بذلك وهذا باطل ولهذا قال سبحانه: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ وسنذكر إن شاء الله تعالى في آخر الكتاب كلام الفقهاء فيمن قذف نساءه وأنه معدود من أذاه.
الوجه الثاني: أن الآية عامة قال الضحاك:" قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ يعني به أزواج النبي صلى الله عليه وسلم خاصة" ويقول آخرون: يعني أزواج المؤمنين عامة
وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن: قذف المحصنات من الموجبات ثم قرأ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ الآية وعن عمرو بن قيس قال: "قذف المحصنة يحبط عمل تسعين سنة" رواهما الأشج وهذا قول كثير من الناس ووجه ظاهر الخطاب فإنه عام فيجب إجراءه على عمومه إذ لا موجب لخصوصه وليس هو مختصا بنفس السبب بالاتفاق لأن حكم غير عائشة من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم داخل في العموم وليس هو من السبب ولأنه لفظ جمع والسبب في واحدة ولأن قصر عمومات القرآن على أسباب نزولها باطل فإن عامة الآيات نزلت بأسباب اقتضت ذلك وقد علم أن شيئا منها لم يقصر على سببه والفرق بين الآيتين أنه في أول السورة ذكر العقوبات المشروعة على أيدي المكلفين من الجلد ورد الشهادة والتفسيق وهنا ذكر العقوبة الواقعة من الله سبحانه وهي اللعنة في الدارين والعذاب العظيم.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجهه وعن أصحابه أن قذف المحصنات من الكبائر وفي لفظ في الصحيح "قذف المحصنات الغافلات المؤمنات" وكان بعضهم يتأول على ذلك قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ ثم اختلف هؤلاء: فقال أبو حمزة الثمالي: بلغنا أنها نزلت في مشركي أهل مكة إذ كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فكانت المرأة إذا خرجت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة مهاجرة قذفها المشركون من أهل مكة وقالوا: "إنما خرجت تفجر" فعلى هذا يكون فيمن قذف المؤمنات قذفا يصدهن به عن الإيمان ويقصد بذلك ذم المؤمنين لينفر الناس عن الإسلام كما فعل كعب ابن الأشرف وعلى هذا فمن فعل ذلك فهو كافر وهو بمنزلة من سب النبي صلى الله عليه وسلم
وقوله: "إنها نزلت زمن العهد" يعني والله أعلم أنه عنى بها مثل أولئك المشركين المعاهدين وإلا فهذه الآية نزلت ليالي الإفك وكان الإفك في غزوة بني المصطلق قبل الخندق والهدنة كانت بعد ذلك بسنتين.
ومنهم من أجراها على ظاهرها وعمومها لأن سبب نزولها قدف عائشة وكان فيمن قذفها مؤمن ومنافق وسبب النزول لا بد أن يندرج في العموم ولأنه لا موجب لتخصيصها.
والجواب على هذا التقدير أنه سبحانه قال هنا: ﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ على بناء الفعل للمفعول ولم يسم اللاعن وقال هناك: ﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ وإذا لم يسم الفاعل جاز أن يلعنهم غير الله من الملائكة والناس وجاز أن يلعنهم الله في وقت ويلعنهم بعض خلقه في وقت وجاز أن يتولى الله لعنة بعضهم وهو من كان قذفه طعنا في الدين ويتولى خلقه لعنة الآخرين وإذا كان اللاعن مخلوقا فلعنته قد تكون بمعنى الدعاء عليهم وقد تكون بمعنى أنهم يبعدونهم عن رحمة الله.
ويؤيد هذا أن الرجل قذف امرأته تلاعنا وقال الزوج في الخامسة: ﴿أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ فهو يدعو على نفسه إن كان كاذبا في القذف أن يلعنه الله كما أمر الله رسوله أن يباهل من حاجه في المسيح بعد ما جاءه من العلم بأن يبتهلوا فيجعل لعنة الله على الكاذبين فهذا مما يلعن به القاذف ومما يلعن به أن يجلد وإن ترد شهادته ويفسق فإنه عقوبة له وإقصاء له عن مواطن الأمن والقبول وهي من رحمة الله وهذا بخلاف من أخبر الله أنه لعنه في الدنيا والآخرة فإن لعنة الله له
توجب زوال النصر عنه من كل وجه وبعده عن أسباب الرحمة في الدارين.
ومما يؤيد الفرق أنه قال هنا: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُهِيناً﴾ ولم يجيء إعداد العذاب المهين في القرآن إلا في حق الكفار كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً﴾ وقوله: ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً﴾ وقوله ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ وقوله: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ وقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ وقوله: ﴿وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئاً اتَّخَذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ وقوله: ﴿وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ وقوله: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ وأما قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ فهي والله أعلم فيمن جحد الفرائض واستخف بها على أنه لم يذكر أن العذاب أعد له.
وأما العذاب العظيم فقد جاء وعيدا للمؤمنين في قوله: ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ وقوله: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ وفي المحارب: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾
وفي القاتل: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً﴾ وقوله: ﴿وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ وقد قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ وذلك لأن الإهانة إذلال وتحقير وخزي وذلك قدر زائد على ألم العذاب فقد يعذب الرجل الكريم ولا يهان.
فلما قال في هذه الآية: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُهِيناً﴾ علم أنه من جنس العذاب الذي توعد به الكفار والمنافقين ولما قال هناك: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ جاز أن يكون من جنس العذاب في قوله: ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
ومما يبين الفرق أيضا أنه سبحانه وتعالى قال هنا: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُهِيناً﴾ والعذاب إنما أعد للكافرين فإن جهنم لهم خلقت لأنهم لا بد أن يدخلوها وما هم منها بمخرجين وأهل الكبائر من المؤمنين يجوز أن لا يدخلوها إذا غفر الله لهم وإذا دخلوها فإنهم يخرجون منها ولو بعد حين.
قال سبحانه: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ فأمر سبحانه المؤمنين أن لا يأكلوا الربا وأن يتقوا الله وأن يتقوا النار التي أعدت للكافرين فعلم أنهم يخاف عليهم من دخول النار إذا أكلوا الربا وفعلوا
المعاصي مع أنها معدة للكافرين لا لهم وكذلك جاء في الحديث "أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون وأما أقوام لهم ذنوب يصيبهم سفع من نار ثم يخرجهم الله منها" وهذا كما أن الجنة أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء وإن كان يدخلها الأبناء بعمل آبائهم ويدخلها قوم بالشفاعة وقوم بالرحمة وينشئ الله لما فضل منها خلقا آخر في الدار الآخرة فيدخلهم إياها وذلك لأن الشيء إنما يعد لمن يستوجبه ويستحقه ولمن هو أولى الناس به ثم قد يدخل معه غيره بطريق التبع أو لسبب آخر.
الدليل السادس: قوله سبحانه: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ أي حذر أن تحبط أعمالكم أو خشية أن تحبط أعمالكم أو كراهة أن تحبط أو منع أن تحبط هذا تقدير البصريين وتقدير الكوفيين لئلا تحبط.
فوجه الدلالة أن الله سبحانه نهاهم عن رفع أصواتهم فوق صوته وعن الجهر له كجهر بعضهم لبعض لأن هذا الرفع والجهر قد يفضي إلى حبوط العمل وصاحبه لا يشعر فإنه علل نهيهم عن الجهر وتركهم له بطلب سلامة العمل عن الحبوط وبين أن فيه من المفسدة جواز حبوط العمل وانعقاد سبب ذلك وما قد يفضي إلى حبوط العمل يجب تركه غاية الوجوب والعمل يحبط بالكفر قاله سبحانه: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ
فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ وقال: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وقال: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ وقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ وقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ كما أن الكفر إذا قارنه عمل لم يقبل لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ وقوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ وقوله: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِه﴾ وهذا ظاهر ولا يحبط الأعمال غير الكفر لأن من مات على الإيمان فإنه لابد من أن يدخل الجنة ويخرج من النار إن دخلها ولو حبط عمله كله لم يدخل الجنة قط ولأن الأعمال إنما يحبطها ما ينافيها ولا ينافي الأعمال مطلقا إلا الكفر وهذا معروف من أصول أهل السنة نعم قد يبطل بعض الأعمال بوجود ما يفسده كما قال تعالى: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى﴾ ولهذا لم يحبط الله الأعمال في كتابه إلا بالكفر.
فإذا ثبت أن رفع الصوت فوق صوت النبي والجهر له بالقول يخاف منه أن يكفر صاحبه وهو لا يشعر ويحبط عمله بذلك وأنه مظنة لذلك وسبب فيه فمن المعلوم أن ذلك لما ينبغي له من التعزير والتوقير والتشريف والتعظيم والإكرام والإجلال ولما أن رفع الصوت
قد يشتمل على أذى له أو استخفاف به وإن لم يقصد الرافع ذلك فإذا كان الأذى والاستخفاف الذي يحصل في سوء الأدب من غير قصد صاحبه يكون كفرا فالأذى والاستخفاف المقصود المتعمد كفرا بطريق الأولى.
الدليل السابع على ذلك: قوله سبحانه: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أمر من خالف أمره أن يحذر الفتنة والفتنة: الردة والكفر قال سبحانه: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ وقال: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْل﴾ وقال: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لآتَوْهَا﴾ وقال: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا﴾.
قال الإمام أحمد في رواية الفضل بن زياد: "نظرت في المصحف فوجدت طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم في ثلاثة وثلاثين موضعا ثم جعل يتلوا: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ الآية وجعل يكررها ويقول: وما الفتنة؟ الشرك لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيزيغ قلبه فيهلكه وجعل يتلوا هذه الآية: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُم﴾ ". وقال أبو طالب المشكاني وقيل له: إن قوما يدعون الحديث
ويذهبون إلى رأي سفيان وغيره فقال: أعجب لقوم سمعوا الحديث وعرفوا الإسناد وصحته يدعونه ويذهبون إلى رأي سفيان وغيره قال الله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وتدري ما الفتنة؟ الكفر قال الله تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْل﴾ فيدعون الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتغلبهم أهواؤهم إلى الرأي فإذا كان المخالف عن أمره قد حذر من الكفر والشرك أو من العذاب الأليم دل على أنه قد يكون مفضيا إلى الكفر أو إلى العذاب الأليم ومعلوم أن إفضاءه إلى العذاب هو مجرد فعل المعصية فإفضاؤه إلى الكفر إنما هو لما قد يقترن به من استخفاف بحق الآمر كما فعل إبليس فكيف لما هو أغلظ من ذلك كالسب والإنتقاص ونحوه؟.
وهذا باب واسع مع أنه بحمد الله مجمع عليه لكن إذا تعددت الدلالات تعاضدت على غلظ كفر الساب وعظم عقوبته وظهر أن ترك الاحترام للرسول وسوء الأدب معه مما يخاف معه الكفر المحبط كان ذلك أبلغ فيما قصدنا له.
ومما ينبغي أن يتفطن له أن لفظ الأذى في اللغة هو لما خف أمره وضعف أثره من الشر والمكروه ذكره الخطابي وغيره وهو كما قال واستقراء موارده يدل على ذلك مثل قوله تعالى: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذىً﴾ وقوله: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾.
وفيما يؤثر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " القر بؤس والحر أذى "
وقيل لبعض النسوة العربيات: القر أشد أم الحر؟ فقالت: من يجعل البؤس كالأذى؟ والبؤس خلاف النعم وهو ما يشقي البدن ويضره بخلاف الأذى فإنه لا يبلغ ذلك ولهذا قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ وقال سبحانه فيما يروي عنه رسوله: "يؤذيني ابن آدم يسب الدهر" وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " من لكعب بن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله؟ " وقال: " ما أحد أصبر على أذى يسمعه من الله يجعلون له ولدا وشريكا وهو يعافيهم ويرزقهم " وقد قال سبحانه فيما يروي عنه رسوله: "يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني" وقال سبحانه في كتابه: ﴿وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً﴾ فبين أن الخلق لا يضرونه سبحانه بكفرهم لكن يؤذونه تبارك وتعالى إذا سبوا مقلب الأمور وجعلوا له سبحانه ولدا أو شريكا وآذوا رسله وعباده المؤمنين ثم إن الأذى لا يضر المؤذى إذا تعلق بحق الرسول فقد رأيت عظم موقعه وبيانه أن صاحبه من أعظم الناس كفرا وأشدهم عقوبة فتبين بذلك أن قليل ما يؤذيه يكفر به صاحبه ويحل دمه.
ولا يرد على هذا قوله تعالى: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِي﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ﴾ فإن المؤذي له هنا إطالتهم الجلوس في المنزل واستئناسهم للحديث لا أنهم هم آذوا النبي صلى الله عليه وسلم والفعل إذا آذى النبي من غير أن يعلم صاحبه أنه يؤذيه
ولم يقصد صاحبه أذاه فإنه ينهى عنه ويكون معصية كرفع الصوت فوق صوته فأما إذا قصد أذاه وكان مما يؤذيه وصاحبه يعلم أنه يؤذيه وأقدم عليه مع استحضاره هذا العلم فهذا الذي يوجب الكفر وحبوط العمل والله سبحانه أعلم.
الدليل الثامن على ذلك: أن الله سبحانه قال: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً﴾ فحرم على الأمة أن تنكح أزواجه من بعده لأن ذلك يؤذيه وجعله عظيما عند الله تعظيما لحرمته وقد ذكر أن هذه الآية نزلت لما قال بعض الناس: لو قد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجت عائشة ثم إن من نكح أزواجه أو سراريه فإن عقوبته القتل جزاء له بما انتهك من حرمته فالشاتم له أولى.
والدليل على ذلك ما روى مسلم في صحيحه عن زهير عن عفان عن حماد عن ثابت عن أنس أن رجلا كان يتهم بأم ولد النبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: " اذهب فاضرب عنقه " فأتاه علي فإذا هو ركن يتبرد فقال له علي: اخرج فناوله يده فأخرجه فإذا هو مجبوب ليس له ذكر فكف علي ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إنه لمجبوب ماله ذكر فهذا الرجل أمر النبي صلى الله عليه وسلم بضرب عنقه لما قد استحل من حرمته ولم يأمر بإقامة حد الزنا لأن إقامة حد الزنا ليس هو ضرب الرقبة بل إن كان محصنا رجم وإن كان غير محصن جلد ولا يقام عليه الحد إلا بأربعة شهداء أو بالإقرار المعتبر
فلما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بضرب عنقه من غير تفصيل بين أن يكون محصنا أو غير محصن علم أن قتله لما انتهكه من حرمته ولعله قد شهد عنده شاهدان أنهما رأياه يباشر هذه المرأة أو شهدا بنحو ذلك فأمر بقتله فلما تبين أنه كان مجبوبا علم أن المفسدة مأمونة منه أو أنه بعث عليا ليرى القصة فإن كان ما بلغه عنه حقا قتله ولهذا قال في هذه القصة أو غيرها: أكون كالسكة المحماة أم الشاهد يرى ما لا يرى الغائب.
ويدل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج قيلة بنت قيس بن معدي كرب أخت الأشعث ومات قبل أن يدخل بها وقبل أن تقدم عليه وقيل: إنه خيرها بين أن يضرب عليها الحجاب وتحرم على المؤمنين وبين أن يطلقها فتنكح من شاءت فاختارت النكاح قالوا: فلما مات النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها عكرمة بن أبي جهل بحضرموت فبلغ أبا بكر فقال: لقد هممت أن أحرق عليهما بيتهما فقال عمر: ما هي من أمهات المؤمنين ولا دخل بها ولا ضرب عليها الحجاب وقيل: إنها ارتدت فاحتج عمر على أبي بكر أنها ليست من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بارتدادها.
فوجه الدلالة أن الصديق رضي الله عنه عزم على تحريقها وتحريق من تزوجها لما رأى أنها من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم حتى ناظره عمر أنها ليست من أزواجه فكف عنهما لذلك فعلم أنهم كانوا يرون قتل من استحل حرمة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولا يقال: إن ذلك حد الزنا لأنها كانت تكون محرمة عليه ومن تزوج ذات محرمة حد حد الزنا أو قتل لوجهين: أحدهما: أن حد الزنا الرجم
الثاني: أن ذلك الحد يفتقر إلى ثبوت الوطء ببينة أو إقرار فلما أراد تحريق البيت مع جواز ألا يكون غشيها علم أن ذلك عقوبة لما انتهكه من حرمة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فصل.
وأما السنة فأحاديث: الحديث الأول: ما رواه الشعبي عن علي أن يهودية كانت تشتم النبي صلى الله عليه وسلم وتقع فيه فخنقها رجل حتى ماتت فأطل رسول الله صلى الله عليه وسلم دمها هكذا رواه أبو داود في سننه وابن بطة في سننه وهو من جملة ما استدل به الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله وقال: ثنا جرير عن مغيرة عن الشعبي قال: كان رجل من المسلمين أعني أعمى يأوي إلى امرأة يهودية فكانت تطعمه وتحسن إليه فكانت لا تزال تشتم النبي صلى الله عليه وسلم وتؤذيه فلما كان ليلة من الليالي خنقها فماتت فلما أصبح ذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فنشد الناس في أمرها فقام الأعمى فذكر أمرها فأطل النبي صلى الله عليه وسلم دمها.
وهذا الحديث جيد فإن الشعبي رأى عليا وروى عنه حديث شراحة الهمداني وكان على عهد علي قد ناهز العشرين سنة وهو كوفي فقد ثبت لقاؤه فيكون الحديث متصلا ثم إن كان فيه إرسال لأن الشعبي يبعد سماعه من علي فهو حجة وفاقا لأن الشعبي عندهم صحيح المراسيل لا يعرفون له مرسلا إلا صحيحا ثم هو من أعلم الناس بحديث علي وأعلمهم بثقات أصحابه وله شاهد حديث ابن عباس الذي يأتي فإن القصة إما أن تكون واحدة أو يكون
المعنى واحدا وقد عمل به عوام أهل العلم وجاء ما يوافقه عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومثل هذا المرسل لم يتردد الفقهاء في الاحتجاج به.
وهذا الحديث نص في جواز قتلها لأجل شتم النبي صلى الله عليه وسلم ودليل على قتل الرجل الذمي وقتل المسلم والمسلمة إذا سبا بطريق الأولى لأن هذه المرأة كانت موادعة مهادنة لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة وادع جميع اليهود الذين كانوا بها موادعة مطلقة ولم يضرب عليهم جزية وهذا مشورع عند أهل العلم بمنزلة المتواتر بينهم حتى قال الشافعي: لم أعلم مخالفا من أهل العلم بالسير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل المدينة وادع يهود كافة على غير جزية وهو كما قال الشافعي.
وذلك أن المدينة كان فيما حولها ثلاثة أصناف من اليهود وهم: بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة وكان بنو قينقاع والنضير حلفاء الخزرج وكانت قريظة حلفاء الأوس فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم هادنهم ووادعهم مع إقراره لهم ولمن كان حول المدينة من المشركين من حلفاء الأنصار على حلفهم وعهدهم الذي كانوا عليه حتى أنه عاهد اليهود على أن يعينوه إذا حارب ثم نقض العهد بنوقينقاع ثم النضير ثم قريظة.
قال محمد بن إسحاق يعني في أول ما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة: وكتب رسول الله كتابا بين المهاجرين والأنصار وادع فيه يهود وعاهدهم وأقرهم على دينهم وأموالهم واشترط عليهم وشرط لهم.
قال ابن إسحاق: حدثني عثمان بن محمد بن عثمان بن الأخنس بن شريق قال: أخذت من آل عمر بن الخطاب هذا الكتاب كان مقرونا بكتاب الصدقة الذي كتب عمر للعمال كتب: بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من محمد النبي بين المسلمين والمؤمنين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم
وجاهد معهم أنهم أمة واحدة دون الناس المهاجرون من قريش على ربعتهم يتعاقلون بينهم معاقلهم الأولى يفدون عانيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين وبنو عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين ثم ذكر لبطون الأنصار بني الحارث وبني ساعدة وبني جشم وبني النجار وبني عمرو ابن عوف وبني الأوس وبني النبيت مثل هذا الشرط.
ثم قال: وإن المؤمنين لا يتركون مفرحا منهم أن يعطوه بالمعروف في فداء أو عقل ولا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه إلى أن قال: وإن ذمة الله واحدة يجير عليهم أدناهم فإن المؤمنين بعضهم مولى بعض دون الناس وإنه من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم وإن سلم المؤمنين واحدة إلى أن قال: وإن اليهود يتفقون مع المؤمنين ماداموا محاربين وإن ليهود بني عوف ذمة من المؤمنين لليهود دينهم وللمسلمين دينهم مواليهم وأنفسهم إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته وإن اليهود بني النجار مثل ما ليهود بني عوف وإن ليهود بني الحارث مثل ما ليهود بني عوف وإن ليهود بني ساعدة مثل ما ليهود بني عوف وإن ليهود بني جشم مثل ما ليهود بني عوف وإن ليهود بني الأوس مثل ما ليهود بني عوف وإن ليهود ثعلبة مثل ما ليهود بني عوف إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته وإن لحقه بطن من ثعلبة مثله وإن لبني الشطبة مثل ما ليهود بني عوف وإن موالي ثعلبه كأنفسهم وإن بطانة يهود كأنفسهم ثم يقول فيها: وإن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم وإنه ما كان بين أهل
هذه الصحيفة من حرث أو أشجار يخشى فساده فإن مرده إلى الله وإلى محمد صلى الله عليه وسلم وإن يهود الأوس ومواليهم وأنفسهم على مثل ما في هذه الصحيفة مع البار المحسن من أهل هذه الصحيفة وفيها أشياء آخر.
وهذه الصحيفة معروفة عند أهل العلم روى مسلم في صحيحه عن جابر قال: كتب رسول الله على كل بطن عقوله ثم كتب أنه لا يحل أن يتوالى رجل مسلم بغير إذنه وقد بين فيها أن كل من تبع المسلمين من اليهود فإن له النصر ومعنى الإتباع مسالمته وترك محاربته لا الإتباع في الدين كما بينه في أثناء الصحيفة فكل من أقام بالمدينة ومخالفيها غير محارب من يهود دخل في هذا.
ثم بين أن ليهود كل بطن من الأنصار ذمة من المؤمنين ولم يكن بالمدينة أحد من اليهود إلا وله حلف إما مع الأوس أو مع بعض بطون الخزرج وكان بنو قينقاع وهم المجاورون بالمدينة وهم رهط عبد الله بن سلام حلفاء بني عوف بن الخزرج رهط ابن أبي رهم البطن الذين بدئ بهم في هذه الصحيفة.
قال ابن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة أن بني قينقاع كانوا أول يهود نقضوا ما بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم وحاربوا فيما بين بدر وأحد فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلوا على حكمه فقام عبد الله بن أبي سلول إلى رسول الله حين أمكنه الله منهم فقال: يا محمد أحسن في موالي فأعرض عنه فأدخل يده في جيب درع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرسلني وغضب حتى إن لوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ظلالا وقال: " ويحك أرسلني " فقال: والله لا أرسلك حتى تحسن في موالي أربعمائة حاسر وثلاثمائة دارع قد منعوني من الأحمر والأسود تحصدهم في غداة واحدة؟ إني
والله لامرؤ أخشى الدوائر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هم لك".
وأما النضير وقريظة فكانوا خارجا من المدينة وعهدهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أشهر من أن يخفى على عالم.
وهذه المقتولة والله أعلم كانت من قينقاع لأن ظاهر القصة أنها كانت بالمدينة وسواء كانت منهم أو من غيرهم فإنها كانت ذمية لأنه لم يكن بالمدينة من اليهود إلا ذمي فإن اليهود كانوا ثلاثة أصناف وكلهم معاهد.
وقال الواقدي: حدثني عبد الله بن جعفر عن الحارث بن الفضيل عن محمد بن كعب القرظي قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وادعته يهود كلها فكتب بينه وبينها كتابا وألحق رسول الله صلى الله عليه وسلم كل قوم بحلفائهم وجعل بينه وبينهم أمانا وشرط عليهم شروطا فكان فيما شرط أن لا يظاهروا عليه عدوا.
فلما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحاب بدر وقدم المدينة بغت يهود وقطعت ما كان بينها وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم من العهد فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم فجمعهم ثم قال: "يا معشر يهود أسلموا فوالله إنكم لتعلمون أني رسول الله قبل أن يوقع الله بكم مثل وقعة قريش" فقالوا: يا محمد لا يغرنك من لقيت إنك لقيت أقواما أغمارا وإنا والله أصحاب الحرب ولئن قاتلتنا لتعلمن أنك لم تقاتل مثلنا.
ثم ذكر حصارهم وإجلاءهم إلى أذرعات وهم بنو قينقاع الذي كانوا بالمدينة
فقد ذكر ابن كعب مثل ما في الصحيفة وبين أنه عاهد جميع اليهود وهذا مما لا نعلم فيه تردد بين أهل العلم بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم ومن تأمل الأحاديث المأثورة والسيرة كيف كانت معهم علم ذلك ضرورة.
وإنما ذكرنا هذا لأن بعض المصنفين في الخلاف قال: يحتمل أن هذه المرأة ما كانت ذمية وقائل هذا ممن ليس له بالسنة كثير علم وإنما يعلم منها في الغالب ما يعلمه العامة ثم إنه أبطل هذا الاحتمال فقال: لو لم تكن ذمية لم يكن للإهدار معنى فإذا نقل السب والإهدار تعلق به كتعلق الرجم بالزنا والقطع بالسرقة وهذا صحيح وذلك أن في نفس الحديث ما يبين أنها كانت ذمية من وجهين.
أحدهما: أنه قال: إن يهودية كانت تشتم النبي صلى الله عليه وسلم فخنقها رجل فأبطل دمها فرتب علي رضي الله عنه إبطال الدم على الشتم بحرف الفاء فعلم أنه هو الموجب لإبطال دمها لأن تعليق الحكم بالوصف المناسب بحرف الفاء يدل على العلية وإن كان ذلك في لفظ الصحابي كما لو قال: زنا ماعز فرجم ونحو ذلك إذ لا فرق فيما يرويه الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم من أمر ونهي وحكم وتعليل في الاحتجاج به بين أن يحكي لفظ النبي صلى الله عليه وسلم أو يحكي بلفظ معنى النبي صلى الله عليه وسلم فإذا قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا أو نهانا عن كذا أو حكم بكذا أو فعل لأجل كذا كان حجة لأنه لا يقدم على ذلك إلا بعد أن يعلمه الذي يجوز له معه أن ينقله وتطرق الخطأ إلى مثل ذلك لا يلتفت إليه كتطرق النسيان والسهو في الرواية وهذا مقرر في موضعه.
ومما يوضح ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر له أنها قتلت نشد
الناس في أمرها فلما ذكر له ذنبها أبطل دمها وهو صلى الله عليه وسلم إذا حكم بأمر عقب حكاية حكيت له دل ذلك على أن ذلك المحكي هو الموجب لذلك الحكم لأنه حكم حادث فلا بد له من سبب حادث ولا سبب إلا ما حكي له وهو مناسب فتجب الإضافة إليه.
الوجه الثاني: أن نشد النبي صلى الله عليه وسلم الناس في أمرها ثم إبطال دمها دليل على أنها كانت معصومة وأن دمها كان قد انعقد سبب ضمانة وكان مضمونا لو لم يبطله النبي صلى الله عليه وسلم لأنها لو كانت حربية لم ينشد الناس فيها ولم يحتج أن يبطل دمها ويهدره لأن الإبطال والإهدار لا يكون إلا لدم قد انعقد له سبب الضمان ألا ترى أنه لما رأى امرأة مقتولة في بعض مغازيه أنكر قتلها ونهى عن قتل النساء ولم يبطله ولم يهدره فإنه كان في نفسه باطلا هدرا والمسلمون يعلمون أن دم الحربية غير مضمون بل هو هدر لم يكن لإبطاله وإهداره وجه وهذا ولله الحمد ظاهر.
فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد عاهد المعاهدين اليهود عهدا بغير ضرب جزية عليهم ثم إنه أهدر دم يهودية منهم لأجل سب النبي صلى الله عليه وسلم فأن يهدر دم يهودية من اليهود الذين ضربت عليهم الجزية وألزموا أحكام الملة لأجل ذلك أولى وأحرى ولو لم يكن قتلها جائزا لبين للرجل قبح ما فعل فإنه قد قال صلى الله عليه وسلم:" من قتل نفسا معاهدة بغير حقها لم يرح رائحة الجنة" ولأوجب ضمانها أو الكفارة كفارة قتل المعصوم فلما أهدر دمها علم أنه كان مباحا.
الحديث الثاني: ما روى إسماعيل بن جعفر عن إسرائيل عن عثمان الشحام عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن أعمى كانت له أم ولد تشتم
النبي صلى الله عليه وسلم وتقع فيه فينهاها فلا تنتهي ويزجرها فلا تنزجر فلما كان ذات ليلة جعلت تقع في النبي صلى الله عليه وسلم وتشتمه فأخذ المغول فوضعه في بطنها واتكأ عليها فقتلها فلما أصبح ذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فجمع الناس فقال: " أنشد الله رجلا فعل ما فعل لي عليه حق إلا قام" قال: فقام الأعمى يتخطى الناس وهو يتدلدل حتى قعد بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أنا صاحبها كانت تشتمك وتقع فيك فأنهاها فلا تنتهي وأزجرها فلا تنزجر ولي منها ابنان مثل اللؤلؤتين وكانت بي رفيقة فلما كان البارحة جعلت تشتمك وتقع فيك فأخذت المغول فوضعته في بطنها واتكأت عليه حتى قتلتها فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ألا اشهدوا أن دمها هدر " رواه أبو داود والنسائي.
والمغول بالغين المعجمة قال الخطابي: شبيه المشمل ونصله دقيق ماض وكذلك قال غيره: هو سيف رقيق له قفا يكون غمده كالسوط والمشمل: السيف القصير سمي بذلك لأنه يشتمل عليه الرجل أي يغطيه بثوبه واشتقاق المغول من غاله الشيء واغتاله إذا أخذه من حيث لم يدر.
وهذا الحديث مما استدل به الإمام أحمد في رواية عبد الله قال: حدثنا روح ثنا عثمان الشحام ثنا عكرمة مولى ابن عباس أن رجلا أعمى كانت له أم ولد تشتم النبي صلى الله عليه وسلم فقتلها فسأله عنها فقال: يا رسول الله إنها كانت تشتمك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ألا إن دم فلانة هدر ". فهذه القصة يمكن أن تكون هي الأولى ويدل كلام الإمام أحمد لأنه قيل له في رواية عبد الله: في قتل الذمي إذا سب أحاديث؟ قال: نعم منها حديث الأعمى الذي قتل المرأة قال سمعها تشتم النبي صلى الله عليه وسلم
ثم روى عنه عبد الله كلا الحديثين ويكون قد خنقها وبعج بطنها بالمغول أو يكون كيفية القتل غير محفوظة في إحدى الروايتين.
ويؤيد ذلك أن وقوع قصتين مثل هذه لأعميين كل منهما كانت المرأة تحسن إليه وتكرر الشتم وكلاهما قتلها وحده وكلاهما نشد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها الناس بعيد في العادة وعلى هذا التقدير فالمقتولة يهودية كما جاء مفسرا في تلك الرواية وهذا قول القاضي أبي يعلي وغيره استدلوا بهذا الحديث على قتل الذمي ونقضه العهد وجعلوا الحديثين حكاية واقعة واحدة.
ويمكن أن تكون هذه القصة غير تلك قال الخطابي: فيه بيان أن ساب النبي صلى الله عليه وسلم يقتل وذلك أن السب منها لرسول الله صلى الله عليه وسلم ارتداد عن الدين وهذا دليل على أنه اعتقد أنها كانت مسلمة وليس في الحديث دليل على ذلك بل الظاهر أنها كانت كافرة وكان العهد لها بملك المسلم إياها فإن رقيق المسلمين ممن يجوز استرقاقه لهم حكم أهل الذمة وهم أشد في ذلك من المعاهدين أو بتزوج المسلم بها فإن أزواج المسلمين من أهل الكتاب لهم حكم أهل الذمة في العصمة لأن مثل هذا السب الدائم لا يفعله مسلم إلا عن ردة واختيار دين غير الإسلام ولو كانت مرتدة منتقلة إلى غير الإسلام لم يقرها سيدها على ذلك أياما طويلة ولم يكتف بمجرد نهيها عن السب بل يطلب منها تجديد الإسلام لا سيما إن كان يطؤها فإن وطء المرتدة لا يجوز والأصل عدم تغير حالها وأنها كانت باقية على دينها يوضح ذلك إن الرجل لم يقل كفرت ولا ارتدت وإنما ذكر مجرد السب والشتم فعلم أنه لم يصدر منها قدر زائد على السب والشتم من انتقال من دين إلى دين أو نحو ذلك
وهذه المرأة إما أن تكون زوجة لهذا الرجل أو مملوكه له وعلى التقديرين فلو لم يكن قتلها جائزا لبين النبي صلى الله عليه وسلم له أن قتلها كان محرما وأن دمها كان معصوما ولأوجب عليه الكفارة بقتل المعصوم والدية إن لم تكن مملوكه له فلما قال: " اشهدوا أن دمها هدر " والهدر الذي لا يضمن بقود ولا دية ولا كفارة علم أنه كان مباحا مع كونها كانت ذمية فعلم أن السب أباح دمها لا سيما والنبي صلى الله عليه وسلم إنما أهدر دمها عقب إخباره بأنها قتلت لأجل السب فعلم أنه الموجب لذلك والقصة ظاهرة الدلالة في ذلك.
الحديث الثالث: ما احتج به الشافعي على أن الذمي إذا سب قتل وبرئت منه الذمة وهو قصة كعب بن الأشرف اليهودي.
قال الخطابي: قال الشافعي: يقتل الذمي إذا سب النبي صلى الله عليه وسلم وتبرأ منه الذمة واحتج في ذلك بخبر ابن الأشرف وقال الشافعي في الأم: لم يكن بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم ولا قربه مشرك من أهل الكتاب إلا يهود أهل المدينة وكانوا حلفاء الأنصار ولم تكن الأنصار أجمعت أول ما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم إسلاما فوادعت يهود رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يخرج إلى شيء من عداوته بقول يظهر ولا فعل حتى كانت وقعة بدر فتكلم بعضها بعداوته والتحريض عليه فقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم ومعلوم أنه إنما أراد بهذا الكلام كعب بن الأشرف.
والقصة مشهورة مستفيضة وقد رواها عمر بن دينار عن جابر بن عبد الله قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من لكعب بن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله؟ " فقام محمد بن مسلمة فقال: أنا يا رسول الله أتحب أن أقتله؟ قال: نعم قال: فأذن لي أن أقول: شيئا قال قل قال: فأتاه
وذكره ما بينهم قال: إن هذا الرجل قد أراد الصدقة وعنانا فلما سمعه قال: وأيضا والله لتملنه قال: إنا قد تبعناه الآن ونكره أن ندعه حتى ننظر إلى أي شيء يصير أمره قال: وقد أردت أن تسلفني سلفا قال: فما ترهنوني؟ نساءكم قال: أنت أجمل العرب أنرهنك نساءنا؟ قال: ترهنوني أولادكم قال: يسب ابن أحدنا فيقال: رهنت في وسقين من تمر ولكن نرهنك الأمة يعني السلاح قال: نعم وواعده أن يأتيه بالحرب وأتى عبس بن حبر وعباد بن بشر فجاءوا فدعوه ليلا فنزل إليهم قال سفيان: قال غير عمرو: قالت له امرأته: إني لأسمع صوتا كأنه صوت دم قال: إنما هذا محمد ورضيعه أبو نائلة إن الكريم لو دعي إلى طعنة ليلا لأجاب قال محمد: إني إذا جاء فسوف أمد يدي إلى رأسه فإذا استمكنت منه فدونكم قال: فلما نزل نزل وهو متوشح قالوا: نجد منك ريح الطيب قال: نعم تحتي فلانة أعطر نساء العرب قال: أفتأذن لي أن أشم منه؟ قال: نعم فشم ثم قال: أتأذن لي أن أعود؟ قال: فاستمكن منه ثم قال: دونكم فقتلوه " متفق عليه.
وروى ابن أبي أويس عن إبراهيم بن جعفر بن محمد بن مسلمه عن أبيه عن جابر بن عبد الله أن كعب بن الأشرف عاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يعين عليه ولا يقاتله ولحق بمكة ثم قدم المدينة معلنا لمعاداة النبي صلى الله عليه وسلم فكان أول ما خزع خزع عنه قوله: أذاهب أنت لم تحلل بمرفثة... وتارك أنت أمر الفضل بالحرم في أبيات يهجوه بها فعند ذلك ندب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قتله وهذا محفوظ عن ابن أبي أويس رواه الخطابي وغيره وقال: قوله
"خزع" معناه قطع عهده وفي رواية غير الخطابي فخزع منه هجاؤه له فأمر بقتله والخزع: القطع يقال: خزع فلان عن أصحابه يخزع خزعا أي انقطع وتخلف ومنه سميت خزاعة لأنهم انخزعوا عن أصحابهم وأقاموا بمكة فعلى اللفظ الأول يكون التقدير أن قوله هذا هو أول خزعه عن النبي صلى الله عليه وسلم أي أول غضاضة عنه بنقض العهد وعلى الثاني قيل: معناه قطع هجاه للنبي صلى الله عليه وسلم منه بعني أنه نقض عهده وذمته وقيل: معناه خزع من النبي صلى الله عليه وسلم معناه هجاه: أي نال منه وشعث منه ووضع منه.
وذكر أهل المغازي والتفسير مثل محمد بن إسحاق أن كعب بن الأشرف كان موادعا للنبي صلى الله عليه وسلم في جملة من وادعه من يهود المدينة وكان عربيا من بني طي وكانت أمه من بني النضير قالوا: فلما قتل أهل بدر شق ذلك عليه وذهب إلى مكة ورثاهم لقريش وفضل دين الجاهلية على دين الإسلام حتى أنزل الله فيه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً﴾.
ثم لما رجع إلى المدينة أخذ ينشد الأشعار يهجو بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وشبب بنساء المسلمين حتى آذاهم حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: " من لكعب بن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله؟ " وذكر قصة قتله مبسوطة.
وقال الواقدي: حدثني عبد الحميد بن جعفر عن يزيد بن رمان ومعمر عن الزهري عن ابن كعب بن مالك وإبراهيم بن جعفر عن أبيه عن جابر وذكر القصة إلى قتله قال: ففزعت يهود ومن معها من المشركين فجاءوا إلى
النبي صلى الله عليه وسلم حين أصبحوا فقالوا: قد طرق صاحبنا الليلة وهو سيد من ساداتنا قتل غيلة بلا جرم ولا حدث علمناه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنه لو قر كما قر غيره ممن هو على مثل رأيه ما اغتيل ولكنه نال منا الأذى وهجانا بالشعر ولم يفعل هذا أحد منكم إلا كان للسيف " ودعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن يكتب بينهم كتابا ينتهون إلى ما فيه فكتبوا بينهم وبينه كتابا تحت العذق في دار رملة بنت الحارث فحذرت يهود وخافت وذلت من يوم قتل ابن الأشرف.
والاستدلال بقتل كعب بن الأشرف من وجهين: أحدهما: أنه كان معاهدا مهادنا وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم بالمغازي والسير وهو عندهم من العلم العام الذي يستغنى فيه عن نقل الخاصة.
ومما لا ريب فيه عند أهل العلم ما قدمناه من أن النبي صلى الله عليه وسلم عاهد لما قدم المدينة جميع أصناف اليهود بني قينقاع والنضير وقريظة ثم نقضت بنو قينقاع عهده فحاربهم ثم نقض عهده كعب بن الأشرف ثم نقض عهده بنو النضير ثم بنو قريظة وكان ابن الأشرف من بني النضير وأمرهم ظاهر في أنهم كانوا مصالحين للنبي صلى الله عليه وسلم وإنما نقضوا العهد لما خرج إليهم يستعينهم في دية الرجلين اللذين قتلهما عمر بن أمية الضمري وكان ذلك بعد مقتل كعب بن الأشرف وقد ذكرنا الرواية الخاصة أن كعب بن الأشرف كان معاهد للنبي صلى الله عليه وسلم ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم جعله ناقضا للعهد بهجائه وأذاه بلسانه خاصة
والدليل على أنه إنما نقض العهد بذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من لكعب بن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله؟ " فعلل ندب الناس له بأذاه والأذى المطلق هو باللسان كما قال تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً﴾ وقال تعالى: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذىً﴾ وقال: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُن﴾ وقال: ﴿لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾ الآية وقال: ﴿وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيّ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً﴾ الآية ثم ذكر الصلاة عليه والتسليم خبرا وأمرا وذلك من أعمال اللسان ثم قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَات﴾ وقال النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى: " يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر " وهذا كثير.
وقد تقدم أن الأذى اسم لقليل الشر وخفيف المكروه بخلاف الضرر فلذلك أطلق على القول لأنه لا يضر المؤذي في الحقيقة.
وأيضا فإنه جعل مطلق أذى الله ورسوله موجبا لقتل رجل معاهد
ومعلوم أن سب الله وسب ورسوله أذى لله ولرسوله وإذا رتب الوصف على الحكم بحرف الفاء دل على أن ذلك الوصف علة لذلك الحكم لا سيما إذا كان مناسبا وذلك يدل على أن أذى الله ورسوله علة لندب المسلمين إلى قتل من يفعل ذلك من المعاهدين وهذا دليل ظاهر على انتقاض عهده بأذى الله ورسوله والسب من أذى الله ورسوله باتفاق المسلمين بل هو أخص أنواع الأذى.
وأيضا فقد قدمنا في حديث جابر أن أول ما نقض به العهد قصيدته التي أنشأها بعد رجوعه إلى المدينة يهجو بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما هجاه بهذه القصيدة ندب إلى قتله وهذا وحده دليل على أنه إنما نقض العهد بالهجاء لا بذهابه إلى مكة.
وما ذكره الواقدي عن أشياخه يوضح ذلك ويؤيده وإن كان الواقدي لا يحتج به إذا انفرد لكن لا ريب في علمه بالمغازي واستعلام كثير من تفاصيلها من جهته ولم نذكر عنه إلا ما أسندناه عن غيره.
فقوله: " لو قر كما قر غيره ممن هو على مثل رأيه ما اغتيل ولكنه نال منا الأذى وهجانا بالشعر ولم يفعل هذا أحد منكم إلا كان للسيف " نص في أنه إنما انتقض عهد ابن الأشرف بالهجاء ونحوه وأن من فعل هذا من المعاهدين فقد استحق السيف وحديث جابر المسند من الطريقين يوافق هذا وعليه العمدة في الاحتجاج.
وأيضا فإنه لما ذهب إلى مكة ورجع إلى المدينة لم يندب النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين إلى قتله فلما بلغه عنه الهجاء ندبهم إلى قتله والحكم الحادث يضاف إلى السبب الحادث فعلم أن ذلك الهجاء والأذى الذي كان
بعد قفوله من مكة موجب لنقض عهده ولقتاله وإذا كان هذا في المهادن الذي لا يؤدي جزية فما الظن بالذمي الذي يعطي الجزية ويلزم أحكام الملة؟.
فإن قيل: إن ابن الأشرف كان قد أتى بغير السب والهجاء.
فروى الإمام أحمد قال: ثنا محمد بن أبي عدي عن داود عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما قدم كعب بن الأشرف مكة قالت قريش: ألا ترى إلى هذا الصنبر المنتبر من قومه يزعم أنه خير منا ونحن أهل الحجيج وأهل السدانة وأهل السقاية قال: أنتم خير قال: فنزلت فيهم ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ﴾ قال: وأنزلت فيه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً﴾ إلى قوله: ﴿نَصِيراً﴾.
وقال: ثنا عبد الرازق قال: قال معمر: أخبرني أيوب عن عكرمة أن كعب بن الأشرف انطلق إلى المشركين من كفار قريش فاستجاشهم على النبي صلى الله عليه وسلم وأمرهم أن يغزوه وقال لهم: إنا معكم فقالوا: إنكم أهل كتاب وهو صاحب كتاب ولا نأمن أن يكون مكرا منكم فإن أردت أن نخرج معك فاسجد لهذين الصنمين وآمن بهما ففعل ثم قالوا له: أنحن أهدى أم محمد؟ نحن نصل الرحم ونقري الضيف ونطوف بالبيت وننحر الكوماء ونسقي اللبن على الماء ومحمد قطع رحمه وخرج من بلده قال: بل أنتم خير وأهدى قال: فنزلت فيه ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا
نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً﴾.
وقال: ثنا عبد الرزاق ثنا إسرائيل عن السدي عن أبي مالك قال: "إن أهل مكة قالوا لكعب بن الأشرف لما قدم عليهم: ديننا خير أم دين محمد؟ قال: أعرضوا علي دينكم قالوا: نعمر بيت ربنا وننحر الكوماء ونسقي الحاج الماء ونصل الرحم ونقري الضيف قال: دينكم خير من دين محمد فأنزل الله تعالى هذه الآية".
قال موسى بن عقبة عن الزهري: كان كعب بن الأشرف اليهودي وهو أحد بني النضير أو هو فيهم قد آذى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهجاء وركب إلى قريش فقدم عليهم فاستعان بهم على رسول الله فقال أبو سفيان: أناشدك أديننا أحب إلى الله أم دين محمد وأصحابه؟ وأينا أهدى في رأيك وأقرب إلى الحق فإنا نطعم الجزور الكوماء ونسقي اللبن على الماء ونطعم ما هبت الشمال قال ابن الأشرف: أنتم أهدى منهم سبيلا ثم خرج مقبلا حتى أجمع رأي المشركين على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم معلنا بعداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبهجائه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من لنا من ابن الأشرف؟ فقد استعلن بعداوتنا وهجائنا وقد خرج إلى قريش فأجمعهم على قتالنا وقد أخبرني الله بذلك ثم قدم على أخبث ما كان ينتظر قريشا أن تقدم فيقاتلنا معهم " ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين ما أنزل فيه إن كان كذلك والله أعلم قال الله عز وجل: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ﴾ إلى قوله: ﴿سَبِيلاً﴾ وآيات معها فيه وفي قريش.
وذكر لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اللهم اكفني ابن الأشرف بما شئت " فقال له محمد بن مسلمة: أنا يا رسول الله أاقتله وذكر القصة في قتله إلى آخرها ثم قال: فقتل الله ابن الأشرف بعداوته لله ورسوله وهجائه إياه وتأليبه عليه قريشا وإعلانه بذلك.
وقال محمد بن إسحاق: كان من حديث كعب بن الأشرف أنه لما أصيب أصحاب بدر وقدم زيد بن حارثه إلى أهل السافلة وعبد الله بن رواحة إلى أهل العالية بشيرين بعثهما رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى من بالمدينة من المسلمين بفتح الله تعالى عليه وقتل من قتل من المشركين كما حدثني عبد الله ابن المغيث بن أبي بردة الظفري وعبد الله بن أبي بكر وعاصم بن عمر بن قتادة وصالح بن أبي أمامه بن سهل كل واحد قد حدثني بعض حديثه قالوا: كان كعب بن الأشرف من طيء ثم أحد بني نبهان وكانت أمه من بني النضير فقال حين بلغه الخبر: أحق هذا الذي يروون أن محمدا قتل هؤلاء الذين سمى هذان الرجلان؟ يعني زيدا وعبد الله بن رواحة فهؤلاء أشراف العرب وملوك الناس والله لئن كان محمدا أصاب هؤلاء القوم لبطن الأرض خير من ظهرها فلما تيقن عدو الله الخبر خرج حتى قدم مكة ونزل على المطلب بن أبي وداعة السهمي وعنده عاتكة بنت أبي العيص بن أمية فأنزلته وأكرمته وجعل يحرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم وينشد الأشعار ويبكي أصحاب القليب من قريش الذين أصيبوا ببدر وذكر شعرا وما رد عليه حسان وغيره ثم رجع كعب بن الأشرف إلى المدينة يشبب بنساء المسلمين حتى آذاهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حدثني عبد الله بن أبي المغيث: "من لي بابن الأشرف؟ " فقال محمد بن مسلمة: أنا لك به يا رسول الله أنا أقتله وذكر القصة.
وقال الواقدي: حدثني عبد الحميد بن جعفر عن يزيد بن رومان ومعمر
عن الزهري عن ابن كعب بن مالك وإبراهيم بن جعفر عن أبيه عن جابر بن عبد الله فكل قد حدثني منه بطائفة فكان الذي اجتمعوا عليه قالوا: ابن الأشرف كان شاعرا وكان يهجو النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ويحرض عليهم كفار قريش في شعره وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وأهلها أخلاط منهم المسلمون الذين تجمعهم دعوة الإسلام فيهم أهل الحلقة والحصون ومنهم حلفاء للحيين جميعا الأوس والخزرج فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة استصلاحهم كلهم وموادعتهم وكان الرجل يكون مسلما وأبوه مشركا فكان المشركون واليهود من أهل المدينة يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أذى شديدا فأمر الله نبيه والمسلمين بالصبر على ذلك والعفو عنهم وفيهم أنزل: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ وفيهم أنزل الله: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ﴾ الآية.
فلما أبى ابن الأشرف أن يمسك عن إيذاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وإيذاء المسلمين وقد بلغ منهم فلما قدم زيد بن حارثة بالبشارة من بدر بقتل المشركين وأسر من أسر منهم ورأى الأسرى مقرنين كبت وذل ثم قال لقومه: ويلكم والله لبطن الأرض خير لكم من ظهرها اليوم هؤلاء سراة الناس قد قتلوا وأسروا فما عندكم؟ قالوا: عداوته ما حيينا قال: وما أنتم وقد وطئ قومه وأصابهم؟ ولكني أخرج إلى قريش فأحضها وأبكي قتلاها لعلهم ينتدبون فأخرج معهم فخرج حتى قدم مكة ووضع رحلة عند أبي وداعة بن أبي صبرة السهمي وتحته عاتكة بنت أسد بن أبي العيص فجعل يرثي
قريشا وذكر ما رثاهم به من الشعر وما أجابه به حسان فأخبره بنزول كعب على من نزل فقال حسان فذكر شعرا هجا به أهل البيت الذين نزل فيهم قال: فلما بلغها هجاؤه نبذت رحله وقالت: ما لنا ولهذا اليهودي؟ ألا ترى ما يصنع بنا حسان؟ فتحول فكلما تحول عند قوم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم حسانا فقال: ابن الأشرف نزل على فلان فلا يزال يهجوهم حتى نبذ رحلة فلما لم يجد مأوى قدم المدينة فلما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم قدوم ابن الأشرف قال: "اللهم اكفني ابن الأشرف بما شئت في إعلانه الشر وقوله الأشعار" وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من لي من ابن الأشرف فقد آذاني؟ " فقال محمد بن مسلمة: أنا يا رسول الله وأنا أقتله قال: فافعل وذكر الحديث.
فقد اجتمع لابن الأشرف ذنوب: أنه رثى قتلى قريش وحضهم على محاربة النبي صلى الله عليه وسلم وواطأهم على ذلك وأعانهم على محاربته بإخباره أن دينهم خير من دينه وهجا النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين.
قلنا: الجواب من وجوه: أحدها: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يندب إلى قتله لكونه ذهب إلى مكة وقال ما قال هناك وإنما ندب إلى قتله لما قدم وهجاه كما جاء ذلك مفسرا في حديث جابر المتقدم بقوله: "ثم قدم المدينة معلنا لعداوة النبي صلى الله عليه وسلم" ثم بين أن أول ما قطع به العهد تلك الأبيات التي قالها بعد الرجوع وأن النبي صلى الله عليه وسلم حينئذ ندب إلى قتله وكذلك في حديث موسى بن عقبة: " من لنا من ابن الأشرف فإنه قد استعلن بعداوتنا وهجائنا؟ ". ويؤيد ذلك شيئان:
أحدهما: أن سفيان بن عيينة روى عن عمرو بن دينار عن عكرمة قال: جاء حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف إلى أهل مكة فقالوا: أنتم أهل الكتاب وأهل العلم فأخبرونا عنا وعن محمد فقالوا: ما أنتم وما محمد؟ فقالوا: نحن نصل الأرحام وننحر الكوماء ونسقي الماء على اللبن ونفك العناة ونسقي الحجيج ومحمد صنبور قطع أرحامنا واتبعه سراق الحجيج بنو غفار فنحن خير أم هو؟ فقالوا: بل أنتم خير وأهدى سبيلا فأنزل الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ﴾ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً﴾.
وكذلك قال قتادة: ذكر لنا أن هذه الآية نزلت في كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب رجلين من اليهود من بني النضير لقيا قريشا في الموسم فقال لهما المشركون: نحن أهدى أم محمد وأصحابه؟ فإنا أهل السدانة وأهل السقاية وأهل الحرم فقالا: أنتم أهدى من محمد وأصحابه وهما يعلمان أنهما كاذبان إنما محلهما على ذلك حسد محمد وأصحابه فأنزل الله تعالى فيهم: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً﴾ فلما رجعا إلى قومهما قال لهما قومهما: إن محمدا يزعم أنه قد نزل فيكما كذا وكذا قالا: صدق والله ما حملنا على ذلك إلا حسده وبغضه.
وهذان مرسلان من وجهين مختلفين فيهما أن كلا الرجلين ذهبا إلى مكة وقالا ما قالا ثم إنهما قدما فندب النبي صلى الله عليه وسلم إلى قتل ابن الأشرف وأمسك عن ابن أخطب حتى نقض بنو النضير العهد فأجلاهم النبي صلى الله عليه وسلم فلحق بخيبر ثم جمع عليه الأحزاب فلما انهزموا دخل مع بني قريظة حصنهم حتى قتله الله معهم فعلم أن الأمر الذي أتياه بمكة لم يكن هو الموجب
للندب إلى قتل ابن الأشرف وإنما هو ما اختص به ابن الأشرف من الهجاء ونحوه وإن كان ما فعله بمكة مؤيدا عاضد لكن مجرد الأذى لله ورسوله موجب للندب إلى قتله كما نص عليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "من لكعب بن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله؟ " وكما بينه جابر في حديثه.
الوجه الثاني: أن ابن أبي أويس قال حدثني إبراهيم بن جعفر الحارثي عن أبيه عن جابر قال: لما كان من أمر النبي صلى الله عليه وسلم وبني قريظة كذا فيه: وأحسبه بني قينقاع اعتزل كعب بن الأشرف ولحق بمكة وكان منها: وقال: لا أعين عليه ولا أقاتله فقيل له بمكة: أديننا خير أم دين محمد وأصحابه؟ قال: دينكم خير وأقدم من دين محمد ودين محمد حديث فهذا دليل على أنه لم يظهر محاربته.
الجواب الثاني: أن جميع ما أتاه ابن الأشرف إنما هو أذى باللسان فإن مرثيته لقتلى المشركين وتحضيضه وسبه وهجاءه وطعنه في دين الإسلام وتفضيل دين الكفار عليه كله قول باللسان ولم يعمل عملا فيه محاربة ومن نازعنا في سب النبي صلى الله عليه وسلم ونحوه فهو في تفضيل دين الكفار وحضهم باللسان على قتل المسلمين أشد منازعة لأن الذمي إذا تجسس لأهل الحرب وأخبرهم بعورات المسلمين ودعا الكفار إلى قتالهم انتقض عهده أيضا عندنا كما ينتقض عهد الساب ومن قال إن الساب لا ينتقض عهده فإنه يقول لا ينتقض العهد بالتجسس للكفار ومطالعتهم بأخبار المسلمين بطريق الأولى عندهم وهو مذهب أبي حنيفة والثوري والشافعي على خلاف بين أصحابه وابن الأشرف لم يوجد منه إلا الأذى باللسان فقط فهو حجة على من نازع في هذه المسائل ونحن نقول: إن ذلك كله نقض للعهد.