أهل الأثرالأرشيف العلمي

المسألة الثانية: أنه يتعين قتله ولا يجوز استرقاقه ولا المن عليه ولا فداءه.

صفحات 293-300

وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لعن المؤمن كقتله" وكما يؤذي ذلك غيره من البشر.
وأيضا فإن ذلك يؤذي جميع المؤمنين ويؤذي الله سبحانه وتعالى ومجرد الكفر والمحاربة لا يحصل بهما من أذاه ما يحصل بالوقيعة في العرض مع المحاربة فلو قيل: "إن الواقع في عرضه ممن انتقض عهده بمنزلة غيره ممن انتقض عهده" لكانت الوقيعة في عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم وأذاه بذلك جرما لا جزاء له من حيث خصوص النبي صلى الله عليه وسلم وخصوص أذاه كما لو قتل رجل نبيا من الأنبياء فإن لقتله من العقوبة ما لا يستحق على مجرد الكفر والمحاربة وهذا كله ظاهر لا خفاء به فإن دماء الأنبياء وأعراضهم أجل من دماء المؤمنين وأعراضهم فإذا كان دماء غيرهم وأعراضهم لا تندرج عقوبتها في عقوبة مجرد نقض العهد فأن لا تندرج عقوبة دمائهم وأعراضهم في عقوبة نقض العهد بطريق الأولى.
ومما يوضح ذلك أن سب النبي صلى الله عليه وسلم تعلق به عدة حقوق: حق الله سبحانه من حيث كفر برسوله وعادى أفضل أوليائه وبارزه بالمحاربة ومن حيث طعن في كتابه ودينه فإن صحتهما موقوفة على صحة الرسالة ومن حيث طعن في ألوهيته فإن الطعن في الرسول طعن في المرسل وتكذيبه تكذيب لله تبارك وتعالى وإنكار لكلامه وأمره وخبره وكثير من صفاته وتعلق به حق جميع المؤمنين من هذه الأمة ومن غيرها من الأمم فإن جميع المؤمنين مؤمنون به خصوصا أمته فإن قيام أمر دنياهم ودينهم وآخرتهم به بل عامة الخير الذي يصيبهم في الدنيا والآخرة بواسطته وسفارته فالسب له أعظم عندهم من سب أنفسهم وآباءهم وأبناءهم وسب جميعهم كما أنه أحب إليهم من أنفسهم وأولادهم وآبائهم والناس

أجمعين وتعلق به حق رسول الله صلى الله عليه وسلم من حيث خصوص نفسه فإن الإنسان تؤذيه الوقيعة في عرضه أكثر مما يؤذيه أخذ ماله وأكثر مما يؤذيه الضرب بل ربما كانت عنده أعظم من الجرح ونحوه خصوصا من يجب عليه أن يظهر للناس كمال عرضه وعلو قدره لينتفعوا بذلك في الدنيا والآخرة فإن هتك عرضه قد يكون أعظم عنده من قتله فإن قتله لا يقدح عند الناس في نبوته ورسالته وعلو قدره كما أن موته لا يقدح في ذلك بخلاف الوقيعة في عرضه فإنها قد تؤثر في نفوس بعض الناس من النفره عنه وسوء الظن به ما يفسد عليهم إيمانهم ويوجب لهم خسارة الدنيا والآخرة فكيف يجوز أن يعتقد عاقل أن هذه الجناية بمنزلة ذمي كان في ديار المسلمين فلحق ببلاد الكفار مستوطنا لها مع أن ذلك اللحاق ليس في خصوصه حق لله ولا لرسوله ولا لأحد من المسلمين؟ أكثر ما فيه أن الرجل كان معتصما بحبلنا فخرق تلك العصمة فإنما أضر بنفسه لا بأحد من المؤمنين.
فعلم بذلك أن السب فيه من الأذى لله ولرسوله ولعباده المؤمنين ما ليس في الكفر والمحاربة وهذا ظاهر إن شاء الله.
إذا ثبت ذلك فنقول: هذه الجناية جناية السب موجبها القتل لما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم: "من لكعب بن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله" فعلم أن من آذى الله ورسوله كان حقه أن يقتل ولما تقدم من إهدار النبي صلى الله عليه وسلم دم المرأة السابة مع أنها لا تقتل لمجرد نقض العهد ولما تقدم من أمره صلى الله عليه وسلم بقتل من كان يسبه مع إمساكه عمن هو بمنزلته في الدين وندبه الناس إلى ذلك والثناء على من سارع في ذلك ولما تقدم من الحديث المرفوع

ومن أقوال الصحابة رضي الله عنهم أن من سب نبيا قتل ومن سب غير نبي جلد.
والذي يختص بهذا الموضع أن نقول: هذه الجناية إما أن يكون موجبها بخصوصها القتل أو الجلد أو لا عقوبة لها بل تدخل عقوبتها في ضمن عقوبة الكفر والحراب.
وقد أبطلنا القسم الثالث والقسم الثاني أيضا باطل لوجوه.
أحدها: أنه لو كان الأمر كذلك لكان الذمي إذا نقض العهد بسب النبي صلى الله عليه وسلم ينبغي أن يجلد لسب النبي صلى الله عليه وسلم لأنه حق آدمي ثم يكون كالكافر الحربي يقتل للكفر ومعلوم أن هذا خلاف ما دلت عليه السنة وإجماع الصحابة فإنهم اتفقوا على القتل فقط فعلم أن موجب كلا الجنايتين القتل والقتل لا يمكن تعدده وكذلك كان ينبغي أن يجلد المرتد لحق النبي صلى الله عليه وسلم ثم يقتل لردته كمرتد سب بعض المسلمين فإنه يستوفى منه حق الآدمي ثم يقتل ألا ترى أن السارق يقطع لسرقته التي هي حق لله ويرد المال المسروق إذا كان باقيا بالاتفاق ويغرم بدله إن كان تالفا عند أكثر الفقهاء ولا يدخل حق الآدمي في حق الله مع ايجاد السبب.
الثاني: أنه لو لم يكن موجبه القتل وإنما القتل موجب كونه ردة لم يجز للنبي صلى الله عليه وسلم العفو عنه لأن إقامة الحد على المرتد واجبة بالاتفاق لا يجوز العفو عنه فلما عفا عنه النبي صلى الله عليه وسلم في جناية دل على أن السب نفسه يوجب القتل حقا للنبي صلى الله عليه وسلم ويدخل فيه حق الله تعالى ويكون سابه وقاذفه بمنزلة ساب غيره وقاذفه قد اجتمع في سبه حقان: حق لله وحق لآدمي فلو أن المسبوب والمقذوف عفا عن حقه لم يعزر القاذف

والساب على حق الله بل دخل في العفو كذلك النبي صلى الله عليه وسلم إذا عفا عمن سبه دخل في عفوه عنه حق الله فلم يقتل لكفره كما لا يعزر ساب غيره لمعصيته مع أن المعصية المجردة عن حق آدمي توجب التعزير.
يوضح ذلك أنه قد ثبت أنه كان له أن يقتل من سبه كما في حديث أبي بكر وحديث الذي أمر بقتله لما كذب عليه وحديث الشعبي في قتل الخارجي وكما دلت عليه أحاديث قد تقدم ذكرها وثبت له أن يعفو عنه كما دل عليه حديث ابن مسعود وأبي سعيد وجابر وغيرهم فعلم أن سبه يوجب القتل كما أن سب غيره يوجب الجلد وإن تضمن سبه الكفر بالله كما تضمن سب غيره المعصية لله ويكون الكفر والحراب نوعين: أحداهما حق لله خالص والثاني ما فيه حق لله وحق لآدمي كما أن المعصية قسمان: أحدهما حق خالص لله والثاني حق لله ولآدمي ويكون هذا النوع من الكفر والحراب بمنزلة غيره من الأنواع في استحقاق فاعله القتل ويفارقه في الاستيفاء فإنه إلى الآدمي كما أن المعصية بسب غير النبيين بمنزلة غيرها من المعاصي في استحقاق فاعلها الجلد ويفارق غيرها في أن الاستيفاء فيها إلى الآدمي.
يوضح هذا أن الحق الوجب على الإنسان قد يكون حقا محضا لله وهو ما إذا كفر أو عصى على وجه لا يؤذي أحدا من الخلق فهذا إذا وجب فيه حد لم يجز العفو عنه بحال وقد يكون حقا محضا لآدمي بمنزلة الديون التي تجب للإنسان على غيره من ثمن مبيع أو بدل قرض ونحو ذلك من الديون التي تثبت بوجه مباح فهذا لا عقوبة فيه بوجه وإنما يعاقب على الدين إذا امتنع عن وفائه والامتناع معصية وقد يكون حقا لله ولآدمي مثل حد القذف والقود وعقوبة السب ونحو ذلك فهذه الأمور فيها العقوبة من الحد والتعزير والاستيفاء فيها مفوض إلى اختيار الآدمي: إن أحب استوفى القود وحد القذف وإن شاء عفا فسب النبي صلى الله عليه وسلم لو كان من القسم الثاني لم يكن فيه عقوبة بحال فتعين أن يكون من القسم الثالث وقد ثبت أن

عقوبته القتل فعلم أن سب النبي صلى الله عليه وسلم من حيث هو سب له وحق لآدمي عقوبته القتل كما أن سب غيره من حيث هو سب له وحق لآدمي عقوبته الجلد إما حدا أو تعزيرا وهذا معنى صحيح واضح.
وسر ذلك أنه إذا اجتمع الحقان فلا بد من عقوبة لأن معصية الله توجب العقوبة إما في الدنيا أو في الآخرة فإذا كان الاستيفاء جعل الله ذلك إلى المستحق من الآدميين لأن الله أغنى الشركاء عن الشرك فمن عمل عملا أشرك فيه غيره فهو كله للذي أشرك كذلك من عمل عملا لغيره فيه عقوبة جعل عقوبته كلها لذلك الغير وكانت عقوبته على معصية الله تمكين ذلك الإنسان من عقوبته.
وتمام هذا المعنى أن يقال: بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم يتعين القتل لأن المستحق لا يمكن منه المطالبة والعفو كما أن من سب أو شتم أحدا من أموات المسلمين عزر على ذلك الفعل لكونه معصية لله وإن كان في حياته لا يؤدى حتى يطلب إذا علم.
الوجه الثالث: أن سب النبي صلى الله عليه وسلم لا يجوز أن يكون من حيث هو سب بمنزلة سب غيره من المؤمنين لأنه عليه الصلاة والسلام يباين سائر المؤمنين من أمته في عامة الحقوق فرضا وخطرا وغيرهما مثل وجوب طاعته ووجوب محبته وتقديمه في المحبة على جميع الناس ووجوب تعزيره وتوقيره على وجه لا يساويه فيه أحد ووجوب الصلاة عليه والتسليم إلى غير ذلك من الخصائص التي لا تحصى وفي سبه إيذاء لله ولرسوله ولسائر المؤمنين من عباده وأقل ما في ذلك أن سبه كفر ومحاربة وسب غيره ذنب ومعصية ومعلوم أن العقوبات على قدر الجرائم فلو سوى بين سبه وسب غيره لكان تسوية بين السبين المتباينين وذلك لا يجوز فإذا كان سب غيره مع كونه معصية يوجب الجلد وجب أن يكون سبه مع كونه كفرا يوجب القتل ويصير ذلك نوعا من أنواع الكفر من وجه ونوعا من أنواع السب من وجه فمن حيث

هو من جنس الكفر أوجب القتل ومن حيث هو من جنس السب كان حقا لآدمي.
الوجه الرابع: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعاقب أحدا منهم إلا بالقتل ولو كان هو بانفراده لا يوجب القتل وإنما يوجب ما دونه وهو صلى الله عليه وسلم قد عفا عن عقوبته فيما دونه وآمن من فعل ذلك لكان صاحب ذلك لا ينبغي قتله لأن ذنبه الذي يختصه لا يقتضي القتل.
فإن قيل: فقتله بمجموع الأمرين.
قلنا: وهذا المقصود لأن السب حيث كان فإنه مستلزم لكفر لا عهد له.
الدليل التاسع: أن سب رسول الله عليه الصلاة والسلام مع كونه من جنس الكفر والحراب أعظم من مجرد الردة عن الإسلام فإنه من المسلم ردة وزيادة كما تقدم تقريره فإذا كان كفر المرتد قد تغلظ لكونه قد خرج عن الدين بعد أن دخل فيه فأوجب القتل عينا فكفر الساب الذي آذى الله ورسوله وجميع المؤمنين من عباده أولى أن يتغلظ فيوجب القتل عينا لأن مفسدة السب في أنواع الكفر أعظم من مفسدة مجرد الردة.
وقد اختلف الناس في قتل المرتدة وإن كان المختار قتلها ونحن قد قدمنا نصوصا عن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم وأصحابه في قتل السابة الذمية وغير الذمية والمرتد يستتاب من الردة ورسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه قتلوا الساب ولم يستتيبوه فعلم أن كفره أغلظ فيكون تعيين قتله أولى.
الدليل العاشر: أن تطهير الأرض من إظهار سب رسول الله صلى الله عليه وسلم واجب حسب الإمكان لأنه من تمام ظهور دين الله وعلو كلمة الله وكون الدين كله لله فحيث ما ظهر سبه ولم ينتقم ممن فعل ذلك لم يكن الدين

ظاهرا ولا كلمة الله عالية وهذا كما يجب تطهيرها من الزناة والسراق وقطاع الطريق بحسب الإمكان بخلاف تطهيرها من أصل الكفر فإنه ليس بواجب وجواز إقرار أهل الكتابين على دينهم بالذمة ملتزمين جريان حكم الله ورسوله عليهم لا ينافي إظهار الدين وعلو الكلمة وإنما تجوز مهادنة الكافر وأمانه عند العجز أو المصلحة المرجوة في ذلك وكل جناية وجب تطهير الأرض منها بحسب القدرة يتعين عقوبة فاعلها العقوبة المحدودة في الشرع إذا لم يكن لها مستحق معين فوجب أن يتعين قتل هذا لأنه ليس لهذه الجناية مستحق معين لأنه تعين بها حق الله ورسوله وجميع المؤمنين وبهذا يظهر الفرق بين الساب وبين الكافر لجواز إقرار ذلك على كفره مستخفيا به ملتزما حكم الله ورسوله بخلاف المظهر للسب.
الدليل الحادي عشر: أن قتل ساب النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان قتل كافر فهو حد من الحدود ليس قتلا على مجرد الكفر والحراب لما تقدم من الأحاديث الدالة على أنه جناية زائدة على مجرد الكفر والمحاربة ومن أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أمروا فيه بالقتل عينا وليس هذا موجب الكفر والمحاربة ولما تقدم من قول الصديق رضي الله عنه في التي سبت النبي صلى الله عليه وسلم: "إن حد الأنبياء ليس يشبه الحدود" ومعلوم أن قتل الأسير الحربي ونحوه من الكفار والمحاربين لا يسمى حدا ولأن ظهور سبه في ديار المسلمين فساد عظيم أعظم من جرائم كثيرة فلا بد أن يشرع له حد يزجر عنه من يتعاطاه فإن الشارع لا يهمل مثل هذه المفاسد ولا يخليها من الزواجر وقد ثبت أن حده القتل بالسنة والإجماع وهو حد لغير معين حي لأن الحق فيه لله تعالى ولرسوله وهو ميت ولكل مؤمن وكل حد يكون بهذه المثابة فإنه يتعين إقامته بالاتفاق.
الدليل الثاني عشر: أن نصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعزيره

وتوقيره واجب وقتل سابه مشروع كما تقدم فلو جاز ترك قتله لم يكن ذلك نصرا له ولا تعزيزا ولا توقيرا بل ذلك أقل نصره لأن الساب في أيدينا ونحن متمكنون منه فإن لم نقتله مع أن قتله جائز لكان ذلك غاية في الخذلان وترك التعزيز له والتوقير وهذا ظاهر.
واعلم أن تقرير هذه المسألة له طرق متعددة غير ما ذكرناه ولم نطل الكلام هنا لأن عامة الدلائل المذكورة في المسألة الأولى تدل على وجوب قتله لمن تأملها فاكتفينا بما ذكرناه هناك وإن كان القصد في المسألة الأولى بيان جواز قتله مطلقا وهنا بيان وجوب قتله مطلقا وقد أجبنا هناك عمن ترك النبي صلى الله عليه وسلم قتله منم أهل الكتاب والمشركين السابين وبينا أن ذلك إنما كان في أول الأمر حين كان مأمورا بالعفو والصفح قبل أن يؤمر بقتال الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية ويجاهد الكفار والمنافقين وأنه كان له أن يعفو عمن سبه لأن هذه الجريمة غلب فيها حقه وبعد موته لا عافي عنها والله أعلم

فصول الكتاب · 5 فصل · 587 صفحة
جارٍ التحميل