المسألة الأولى: أن من سب النبي صلى الله عليه وسلم من مسلم أو كافر فإنه يجب قتله.
وفي الصحيحين عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال: إني لواقف في الصف يوم بدر فنظرت عن يميني وعن شمالي فإذا أنا بغلامين من الأنصار حديثة أسنانهما فتمنيت أن أكون بين أضلع منهما فغمزني أحدهما فقال: أي عم هل تعرف أبا جهل؟ قلت: نعم فما حاجتك إليه يا ابن أخي؟ قال: أخبرت أنه يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا قال: فتعجبت لذلك قال وغمزني الآخر فقال لي مثلها فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل يجول في الناس فقلت لهما: ألا تريان؟ هذا صاحبكما الذي تسألاني عنه قال: فابتدراه بسيفيهما فضرباه حتى قتلاه ثم انصرفا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبراه فقال: " أيكما قتله؟ " فقال كل واحد منهما أنا قتلته فقال: "هل مسحتما سيفيكما" فقالا: لا فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السيفين فقال: "كلاكما قتله " وقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح والرجلان: معاذ ابن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء.
والقصة مشهورة في فرح النبي صلى الله عليه وسلم بقتله وسجوده شكرا وقوله: " هذا فرعون هذه الأمة " هذا مع نهيه عن قتل أبي البختري ابن هشام مع كونه كافرا غير ذي عهد لكفه عنه وإحسانه بالسعي في نقض صحيفة الجور ومع قوله: " لو كان المطعم بن عدي حيا ثم كلمني في هؤلاء النتنى يعني الأسرى لأطلقتهم له " يكافئ المطعم بإجارته له بمكة والمطعم كافر غير معاهد فعلم أن مؤذي الرسول صلى الله عليه وسلم يتعين إهلاكه والانتقام منه بخلاف الكاف عنه وإن اشتراكا في الكفر كما كان يكافئ المحسن إليه بإحسانه وإن كان كافرا.
يؤيد ذلك أن أبا لهب كان له من القرابة ما له فلما آذاه وتخلف عن بني هاشم في نصره نزل القرآن فيه بما نزل من اللعنة والوعيد باسمه خزيا لم يفعل بغيره من الكافرين كما روي عن ابن عباس أنه قال: "ما كان أبو لهب إلا من كفار قومه حتى خرج منا حين تحالفت قريش علينا فظاهرهم فسبه الله وبنو المطلب مع مساواتهم لعبد شمس ونوفل في النسب لما أعانوه ونصروه وهم كفار شكر الله ذلك لهم فجعلهم بعد الإسلام مع بني هاشم في سهم ذوي القربى وأبو طالب لما أعانه ونصره وذب عنه خفف عنه العذاب فهو من أخف أهل النار عذابا".
وقد روي أن أبا لهب يسقى في نقرة الإبهام لعتقه ثويبة إذ بشرته بولادته.
ومن سنة الله أن من لم يمكن المؤمنون أن يعذبوه من الذين يؤذون الله ورسوله فإن الله سبحانه ينتقم منه لرسوله ويكفيه إياه كما قدمنا بعض ذلك في قصة الكاتب المفترى وكما قال سبحانه: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئينَ﴾.
والقصة في إهلاك الله واحدا واحدا من هؤلاء المستهزئين معروفة قد ذكرها أهل السير والتفسير وهم على ما قيل نفر من رؤوس قريش منهم الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل والأسودان ابن المطلب وابن عبد يغوث والحارث بن قيس.
وقد كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى كسرى وقيصر وكلاهما لم يسلم لكن قيصر أكرم كتاب النبي صلى الله عليه وسلم وأكرم رسوله فثبت ملكه فيقال: إن الملك باق في ذريته إلى اليوم وكسرى مزق كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم واستهزأ برسول الله صلى الله عليه وسلم فقتله الله بعد قليل ومزق ملكه كل ممزق ولم يبق للأكاسرة ملك
وهذا والله أعلم تحقيق لقوله تعالى: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ﴾ فكل من شنأه أو أبغضه وعاداه فإن الله يقطع دابره ويمحق عينه وأثره وقد قيل: إنها نزلت في العاص بن وائل أو في عقبة بن أبي معيط أو في كعب بن الأشرف وقد رأيت صنيع الله بهم.
ومن الكلام السائر "لحوم العلماء مسمومة" فكيف بلحوم الأنبياء عليهم السلام؟.
وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يقول الله تعالى من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة " فكيف بمن عادى الأنبياء؟ ومن حارب الله تعالى حرب وإذا استقصيت قصص الأنبياء المذكورة في القرآن تجد أممهم إنما أهلكوا حين آذوا الأنبياء وقابلوهم بقبيح القول أو العمل وهكذا بنو إسرائيل إنما ضربت عليهم الذلة وباءوا بغضب من الله ولم يكن لهم نصير لقتلهم الأنبياء بغير حق مضموما إلى كفرهم كما ذكر الله ذلك في كتابه ولعلك لا تجد أحدا آذى نبيا من الأنبياء ثم لم يتب إلا ولا بد أن تصيبه قارعة وقد ذكرنا ما جر به المسلمون من تعجيل الانتقام من الكفار إذا تعرضوا لسب رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلغنا مثل ذلك في وقائع متعددة وهذا باب واسع لا يحاط به ولم نقصد قصده هنا وإنما قصدنا بيان الحكم الشرعي.
وكان سبحانه يحميه ويصرف عنه أذى الناس وشتمهم بكل طريق حتى في اللفظ ففي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ألا ترون كيف يصرف الله عني شتم قريش ولعنهم يشتمون مذمما ويلعنون مذمما وأنا محمد " فنزه الله اسمه ونعته عن الأذى وصرف ذلك إلى من هو مذمم وإن كان المؤذي إنما قصد عينه.
فإذا تقرر بما ذكرناه من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيرة أصحابه وغير ذلك أن الساب للرسول يتعين قتله فنقول: إنما يكون تعين قتله لكونه كافرا حربيا أو للسبب المضموم إلى ذلك والأول باطل لأن الأحاديث نص في أنه لم يقتل لمجرد كونه كافرا حربيا بل عامتها قد نص فيه على أن موجب قتله إنما هو السب فنقول: إذا تعين قتل الحربي لأجل أنه سب رسول الله صلى الله عليه وسلم فكذلك المسلم والذمي أولى لأن الموجب للقتل هو السب لا مجرد الكفر والمحاربة كما تبين فحيثما وجد هذا الموجب وجب القتل وذلك لأن الكفر مبيح للدم لا موجب لقتل الكافر بكل حال فإنه يجوز أمانه ومهادنته والمن عليه ومفاداته لكن إذا صار للكافر عهد عصم العهد دمه الذي أباحه الكفر فهذا هو الفرق بين الحربي والذمي فأما ما سوى ذلك من موجبات القتل فلم يدخل في حكم العهد.
وقد ثبت بالسنة أن النبي صلى الله عليه وسلم "كان يأمر بقتل الساب لأجل السب فقط" لا لمجرد الكفر الذي لا عهد معه فإذا وجد هذا السب وهو موجب للقتل والعهد لم يعصم من موجبه تعين القتل ولأن أكثر ما في ذلك أنه كافر حربيا سابا والمسلم إذا سب يصير مرتدا سابا وقتل المرتد أوجب من قتل الكافر الأصلي والذمي إذا سب فإنه يصير كافرا محاربا سابا بعد عهد متقدم وقتل مثل هذا أغلظ.
وأيضا فإن الذمي لم يعاهد على إظهار السب بالإجماع ولهذا إذا أظهره فإنه يعاقب عليه بإجماع المسلمين إما بالقتل أو بالتعزير وهو لا يعاقب على فعل شيء مما عوهد عليه وإن كان كفرا غليظا ولا يجوز أن يعاقب على فعل شيء قد عوهد على فعله وإذا لم يكن العهد مسوغا
لفعله وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالقتل لأجله فيكون قد فعل ما يقتل لأجله وهو غير مقر عليه بالعهد ومثل هذا يجب قتله بلا تردد.
وهذا التوجيه يقتضي قتله سواء قدر أنه نقض العهد أو لم ينقضه لأن موجبات القتل التي لم نقره على فعلها يقتل بها وإن قيل لا ينتقض عهده كالزنا بذمية وكقطع الطريق على ذمي وكقتل ذمي وكما فعل هذه الأشياء مع المسلمين وقلنا إن عهده لا ينتقض فإنه يقتل.
وأيضا فإن المسلم قد امتنع من السب بما أظهره من الإيمان والذمي قد امتنع منه بما أظهره من الذمة والتزام الصغار ولو لم يكن ممتنعا منه بالصغار لما جاز عقوبته بتعزير ولا غيره إذا فعله فإذا قتل لأجل السب الكافر الذي يستحله ظاهرا وباطنا ولم يعاهدنا عهدا يقتضي تركه فلأن يقتل لأجله من التزم أن لا يظهره وعاهدنا على ذلك أولى وأحرى.
وأيضا فقد تبين بما ذكرناه من هذه الأحاديث أن الساب يجب قتله فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الساب في مواضع والأمر يقضي الوجوب ولم يبلغه عن أحد السب إلا ندر دمه وكذلك أصحابه هذا مع ما قد كان يمكنه من العفو عنه فحيث لا يمكنه العفو عنه يجب أن يكون قتل الساب أوكد والحرص عليه أشد وهذا الفعل منه هو نوع من الجهاد والإغلاظ على الكافرين والمنافقين وإظهار دين الله وإعلاء كلمته ومعلوم أن هذا واجب فعلم أن قتل الساب واجب في الجملة وحيث جاز العفو له صلى الله عليه وسلم فإنما هو فيمن كان مقدورا عليه من مظهر الإسلام مطيع له أو ممن جاءه مستسلما أما الممتنعون فلم يعف عن أحد منهم ولا يرد على هذا أن بعض الصحابة آمن إحدى القينتين وبعضهم آمن ابن أبي سرح لأن
هذين كانا مستسلمين مريدين للإسلام والتوبة ومن كان كذلك فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم له أن يعفو عنه فلم يتعين قتله فإذا ثبت أن الساب كان قتله واجبا والكافر الحربي الذي لم يسب لا يجب قتله بل يجوز قتله فمعلوم أن الذمة لا تعصم دم من يجب قتله وإنما تعصم دم من يجوز قتله ألا ترى أن المرتد لا ذمة له وأن القاطع والزاني لما وجب قتلهما لم تمنع الذمة قتلهما.
وأيضا فلا مزية للذمي على الحربي إلا بالعهد والعهد لم يبح له إظهار السب بالإجماع فيكون الذمي قد شرك الحربي في إظهار السب الموجب للقتل وما اختص به من العهد لم يبح له إظهار السب فيكون قد أتى بما يوجب القتل وهو لم يقر عليه فيجب قتله بالضرورة.
وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل من كان يسبه مع أمانه لمن كان يحاربه بنفسه وماله فعلم أن السب أشد من المحاربة أو مثلها والذمي إذا حارب قتل فإذا سب قتل بطريق الأولى.
وأيضا فإن الذمي وإن كان معصوما بالعهد فهو ممنوع بهذا العهد من إظهار السب والحربي ليس له عهد يعصمه ولا يمنعه فيكون الذمي من جهة كونه ممنوعا أسوأ حالا من الحربي وأشد عداوة وأعظم جرما وأولى بالنكال والعقوبة التي يعاقب بها الحربي على السب والعهد الذي عصمه لم يف بموجبه فلا ينفعه لأنا إنما نستقيم له ما استقام لنا وهو لم يستقم بالاتفاق وكذلك يعاقب والعهد يعصم دمه وبشره إلا بحق فلما جازت عقوبته بالاتفاق علم أنه قد أاتى ما يوجب العقوبة.
وقد ثبت بالسنة أن عقوبة هذا الذنب القتل وسر الاستدلال بهذه الأحاديث أنه لا يقتل الذمي لمجرد كون عهده قد انتقض فإن مجرد نقض
العهد يجعله ككافر لا عهد له وقد ثبت بهذه السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر بقتل الساب لمجرد كونه كافرا غير معاهد وإنما قتله لأجل السب مع كون السب مستلزما للكفر والعداوة والمحاربة وهذا القدر موجب للقتل حيث كان وسيأتي الكلام إن شاء الله على تعين قتله.
السنة الثالثة عشرة: ما رويناه من حديث أبي القاسم عبد الله بن محمد البغوي قال: ثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني ثنا علي بن مسهر عن صالح بن حيان عن ابن بريدة عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم [بلغه أن رجلا قال لقوم: إن النبي صلى الله عليه وسلم] "أمرني أن أحكم فيكم برأيي وفي أموالكم كذا وكذا" وكان خطب امرأة منهم في الجاهلية فأبوا أن يزوجوه ثم ذهب حتى نزل على المرأة فبعث القوم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "كذب عدو الله" ثم أرسل رجلا فقال: إن وجدته حيا فاقتله وإن أنت وجدته ميتا فحرقه بالنار فانطلق فوجده قد لدغ فمات فحرقه بالنار فعند ذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ". ورواه أبو أحمد بن عدي في كتابه الكامل قال: ثنا الحسن بن محمد بن عنبر ثنا حجاج بن يوسف الشاعر ثنا زكريا بن عدي ثنا علي بن مسهر عن صالح بن حيان عن ابن بريدة عن أبيه قال: كان حي من بني ليث من المدينة على ميلين وكان رجل قد خطب منهم في الجاهلية فلم يزوجوه فأتاهم وعليه حلة فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كساني هذه الحلة وأمرني أن أحكم في أموالكم ودمائكم ثم انطلق فنزل على تلك المرأة التي كان يحبها فأرسل القوم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "كذب عدو الله" ثم أرسل رجلا فقال: إن وجدته حيا وما أراك تجده حيا فاضرب عنقه وإن
وجدته ميتا فاحرقه بالنار قال: فذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار " هذا إسناد صحيح على شرط الصحيح لا نعلم له علة.
وله شاهد من وجه آخر رواه المعافى بن زكريا الجريري في كتاب الجليس قال: ثنا أبو حامد الحصري ثنا السري ابن مرثد الخراساني ثنا أبو جعفر محمد بن علي الفزاري ثنا داود ابن الزبرقان قال: أخبرني عطاء بن السائب عن عبد الله بن الزبير أنه قال يوما لأصحابه: أتدرون ما تأويل هذا الحديث: " من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار "؟ قال: كان رجل عشق امرأة فأتى أهلها مساء فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثني إليكم أن أتضيف في أي بيوتكم شئت قال: وكان ينتظر بيتوتة المساء قال: فأتى رجل منهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن فلانا أتانا يزعم أنك أمرته أن يبيت في أي بيوتنا شاء فقال: "كذب يا فلان انطلق معه فإن أمكنك الله منه فاضرب عنقه واحرقه بالنار ولا أراك إلا قد كفيته " فلما خرج الرسول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ادعوه" فلما جاء قال: " إني كنت أمرتك أن تضرب عنقه وأن تحرقه بالنار فإن أمكنك الله منه فاضرب عنقه ولا تحرقه بالنار فإنه لا يعذب بالنار إلا رب النار ولا أراك إلا قد كفيته " فحانت السماء بصيب فخرج الرجل يتوضأ فلسعته أفعى فلما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال: " هو في النار ".
وقد روى أبو بكر بن مردويه من حديث الوازع عن أبي سلمة عن أسامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من يقل علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار " وذلك أنه بعث رجلا فكذب عليه فوجد ميتا قد انشق بطنه ولم تقبله الأرض.
وروي أن رجلا كذب عليه فبعث عليا والزبير إليه ليقتلاه.
وللناس في هذا الحديث قولان: أحدهما: الأخذ بظاهره في قتل من تعمد الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن هؤلاء من قال: يكفر بذلك قاله جماعة منهم أبو محمد الجويني حتى قال ابن عقيل عن شيخه أبا الفضل الهمداني: "مبتدعة الإسلام والكذابون والواضعون للحديث أشد من الملحدين لأن الملحدين قصدوا إفساد الدين من خارج وهؤلاء قصدوا إفساده من داخل فهم كأهل بلد سعوا في فساد أحواله والملحدون كالمحاصربن من خارج فالدخلاء يفتحون الحصن فهم شر على الإسلام من غير الملابسين له".
ووجه هذا القول أن الكذب عليه كذب على الله ولهذا قال: " إن كذبا علي ليس ككذب على أحدكم " فإن ما أمر به الرسول فقد أمر الله به يجب إتباعه كوجوب إتباع أمر الله وما أخبر به وجب تصديقه كما يجب تصديق ما أخبر الله به.
ومن كذبه في خبره أو امتنع من التزام أمره ومعلوم أن من كذب على الله بأن زعم أنه رسول الله أو نبيه أو أخبر عن الله خبرا كذب فيه كمسيلمة والعنسي ونحوهما من المتنبئين فإنه كافر حلال الدم فكذلك من تعمد الكذب على رسوله
ويبين ذلك أن الكذب عليه بمنزلة التكذيب له ولهذا جمع الله بينهما بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ﴾ بل ربما كان الكاذب عليه أعظم إثما من المكذب له ولهذا بدأ الله به كما أن الصادق عليه أعظم درجة من المصدق بخبره فإذا كان الكاذب مثل المكذب أو أعظم والكاذب على الله كالمكذب له فالكاذب على الرسول كالمكذب له.
يوضح ذلك أن تكذيبه نوع من الكذب فإن مضمون تكذيبه الإخبار عن خبره أنه ليس بصدق وذلك إبطال لدين الله ولا فرق بين تكذيبه في خبر واحد أو في جميع الأخبار وإنما صار كافرا لما يتضمنه من إبطال رسالة الله ودينه والكاذب عليه يدخل في دينه ما ليس منه عمدا ويزعم أنه يجب على الأمة التصديق بهذا الخبر وامتثال هذا الأمر لأنه دين الله مع العلم بأنه ليس لله بدين.
والزيادة في الدين كالنقص منه ولا فرق بين من يكذب بآية من القرآن أو يضيف كلاما يزعم أنه سورة من القرآن عامدا لذلك.
وأيضا فإن تعمد الكذب عليه استهزاء به واستخفاف لأنه يزعم أنه أمر بأشياء ليست مما أمر به بل وقد لا يجوز الأمر بها وهذه نسبة له إلى السفه أو أنه يخبر بأشياء باطلة وهذه نسبة له إلى الكذب وهو كفر صريح.
وأيضا فإنه لو زعم زاعم أن الله فرض صوم شهر آخر غير رمضان
أو صلاة سادسة زائدة ونحو ذلك أو أنه حرم الخبز واللحم عالما بكذب نفسه كفر بالاتفاق.
فمن زعم أن النبي صلى الله عليه وسلم أوجب شيئا لم يوجبه أو حرم شيئا لم يحرمه فقد كذب على الله كما كذب عليه الأول وزاد عليه بأن صرح بأن الرسول قال ذلك وأنه أعنى القائل لم يقله اجتهادا واستنباطا.
وبالجملة فمن تعمد الكذب الصريح على الله فهو كالمتعمد لتكذيب الله وأسوأ حالا وليس يخفى أن من كذب على من يجب تعظيمه فإنه مستخف به مستهين بحقه.
وأيضا فإن الكاذب عليه لا بد أن يشينه بالكذب عليه وينقصه بذلك ومعلوم أنه لو كذب عليه كما كذب عليه ابن أبي سرح في قوله: "كان يتعلم مني" أو رماه ببعض الفواحش الموبقة أو الأقوال الخبيثة كفر بذلك فكذلك الكاذب عليه لأنه إما أن يأثر عنه أمرا أو خبرا أو فعلا فإن أثر عنه أمرا لم يأمر به فقد زاد في شريعته وذلك الفعل لا يجوز أن يكون مما يأمر به لأنه لو كان كذلك لأمر به صلى الله عليه وسلم لقوله: "ما تركت من شيء يقربكم إلى الجنة إلا أمرتكم به ولا من شيء يبعدكم عن النار إلا نهيتكم عنه " فإذا لم يأمر به فالأمر به غير جائز منه فمن روى عنه أنه قد أمر به فقد نسبه إلى الأمر بما لا يجوز له الأمر به وذلك نسبة له إلى السفه.
وكذلك أن يقل عنه خبرا فلو كان ذلك الخبر مما ينبغي له الإخبار به لأخبر به لأن الله تعالى قد أكمل الدين فإذا لم يخبر به فليس هو مما ينبغي له أن يخبر به وكذلك الفعل الذي ينقله عنه كاذبا فيه لو كان مما ينبغي فعله ويترجع لفعله فإذا لم يفعله فتركه أولى.
فحاصله أن الرسول صلى الله عليه وسلم أكمل البشر في جميع أحواله فما تركه من القول والفعل فتركه أكمل من فعله وما فعله ففعله أكمل من تركه فإذا كذب الرجل عليه متعمدا أو أخبر عنه بما لم يكن فذلك الذي أخبر عنه نقص بالنسبة إليه إذ لو كان كمالا لوجد منه ومن انتقص الرسول فقد كفر.
واعلم أن هذا القول في غاية القوة كما تراه لكن يتوجه أن يفرق بين الذي يكذب عليه مشافهة وبين الذي يكذب عليه بواسطة مثل أن يقول: حدثني فلان بن فلان عنه بكذا فهذا إنما كذب علي ذلك الرجل ونسب إليه ذلك الحديث فأما إن قال: "هذا حديث صحيح" أو ثبت عنه أنه قال ذلك عالما بأنه كذب فهذا قد كذب عليه أما إذا افتراه ورواه رواية ساذجة ففيه نظر لا سيما والصحابة عدول بتعديل الله لهم.
فالكذب لو وقع من أحد ممن يدخل فيهم لعظم ضرره في الدين فأراد صلى الله عليه وسلم قتل من كذب عليه وعجل عقوبته ليكون ذلك عاصما من أن يدخل في العدول من ليس منهم المنافقين ونحوهم.
وأما من روى حديثا يعلم أنه كذب فهذا حرام كما صح عنه أنه قال: " من روى عني حديثا يعلم أنه كذب فهو أحد الكاذبين " لكن لا يكفر إلا أن ينضم إلى روايته ما يوجب الكفر لأنه صادق في أن شيخه حدثه به لكن لعلمه بأن شيخه كذب فيه لم تكن تحل له الرواية فصار بمنزلة أن يشهد على إقرار أو شهادة أو عقد وهو يعلم أن ذلك باطل فإن هذه الشهادة حرام لكنه ليس بشاهد زور.
وعلى هذا القول فمن سبه فهو أولى بالقتل ممن كذب عليه فإن الكاذب عليه قد زاد في الدين ما ليس منه وهذا قد طعن في الدين بالكلية وحينئذ
فالنبي صلى الله عليه وسلم قد أمر بقتل الذي كذب عليه من غير استتابة فكذلك الساب له أولى.
فإن قيل: الكذب عليه فيه مفسدة وهو أن يصدق في خبره فيزاد في الدين ما ليس منه أو ينتقص منه ما هو منه والطاعن عليه قد علم بطلان كلامه بما أظهر الله من آيات النبوة.
قيل: والمحدث عنه لا يقبل خبره إن لم يكن عدلا ضابطا فليس كل من حدث عنه قبل خبره لكن قد يظن عدلا وليس كذلك والطاعن عليه قد يؤثر طعنه في نفوس كثير من الناس ويسقط حرمته من كثير من القلوب فهو أوكد على أن الحديث عنه له دلائل يميز بها بين الكذب والصدق.
القول الثاني: أن الكاذب عليه تغلظ عقوبته لكن لا يكفر ولا يجوز قتله لأن موجبات الكفر والقتل معلومة وليس هذا منها فلا يجوز أن يثبت ما لا أصل له ومن قال هذا فلا بد أن يقيد قوله بأنه لم يكن الكذب عليه متضمنا لعيب ظاهر فأما إن أخبر أنه سمعه يقول كلاما يدل على نقصه وعيبه دلالة ظاهرة مثل حديث عرق الخيل ونحوه من الترهات فهذا مستهزئ به استهزاء ظاهرا ولا ريب أنه كافر حلال الدم.
وقد أجاب من ذهب إلى هذا القول عن الحديث بأن النبي صلى الله عليه وسلم علم أنه كان منافقا فقتله لذلك لا للكذب.
وهذا الجواب ليس بشيء لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن من سننه أنه يقتل أحد من المنافقين الذين أخبر الثقة عنهم بالنفاق أو الذين نزل القرآن بنفاقهم فكيف يقتل رجلا بمجرد علمه بنفاقه؟ ثم إنه سمى خلقا
من المنافقين لحذيفة وغيره ولم يقتل منهم أحدا.
وأيضا فالسبب المذكور في الحديث إنما هو كذبه على النبي صلى الله عليه وسلم كذبا له فيه غرض وعليه رتب القتل فلا تجوز إضافة القتل إلى سبب آخر.
وأيضا فإن الرجل إنما قصد بالكذب نيل شهوته ومثل هذا قد يصدر من الفساق كما يصدر من الكفار.
وأيضا فإما أن يكون نفاقه لهذه الكذبة أو لسبب ماض فإن كان لهذه فقد ثبت أن الكذب عليه نفاق والمنافق كافر وإذا كان النفاق متقدما وهو المقتضي للقتل لا غيره فعلام يؤخر الأمر بقتله إلى هذا الحين؟ وعلام لم يؤاخذه الله تعالى بذلك النفاق حتى فعل ما فعل.
وأيضا فإن القوم أخبروا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله فقال: "كذب عدو الله" ثم أمر بقتله إن وجده حيا ثم قال: "ما أراك تجده حيا" لعلمه صلى الله عليه وسلم بأن ذنبه يوجب تعجيل العقوبة.
والنبي صلى الله عليه وسلم إذا أمر بالقتل أو غيره من العقوبات والكفارات عقب فعل وصف له صالح لترتب ذلك الجزاء عليه كان ذلك الفعل هو المقتضي لذلك الجزاء ولا غيره كما أن الأعرابي لما وصف له الجماع في رمضان أمره بالكفارة ولما أقر عنده ماعز والغامدية وغيرهما بالزنا أمر بالرجم وهذا مما لا خلاف فيه بين الناس نعلمه نعم قد يختلفون في نفس الموجب هل هو مجموع تلك الأوصاف أو بعضها وهو نوع من تنقيح المناط فأما أن يجعل ذلك الفعل عديم التأثير والموجب لتلك العقوبة غيره الذي لم يذكر وهذا فاسد بالضرورة لكن يمكن أن يقال فيه ما هو أقرب من هذا وهو أن هذا الرجل كذب على
النبي صلى الله عليه وسلم كذبا يتضمن انتقاصه وعيبه لأنه زعم أن النبي صلى الله عليه وسلم حكمه في دمائهم وأموالهم وأذن له أن يبيت حيث شاء من بيوتهم ومقصوده بذلك أن يبيت عند تلك المرأة ليفجر بها ولا يمكنهم الإنكار عليه إذا كان محكما في الدماء والأموال.
ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يحلل الحرام ومن زعم أنه أحل المحرمات من الدماء والأموال والفواحش فقد انتقصه وعابه ونسب النبي صلى الله عليه وسلم إلى أنه يأذن له أن يبيت عند امرأة أجنبية خاليا بها وأنه يحكم بما شاء في قوم مسلمين وهذا طعن على النبي صلى الله عليه وسلم وعيب له وعلى هذا التقدير فقد أمر بقتل من عابه وطعن عليه من غير استتابة وهو المقصود في هذا المكان فثبت أن الحديث نص في قتل الطاعن عليه من غير استتابة على كلا القولين.
ومما يؤيد القول الأول أن القوم لو ظهر لهم أن هذا الكلام سب وطعن لبادروا إلى الإنكار عليه ويمكن أن يقال: رابهم أمره فتوقفوا حتى استثبتوا ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم لما تعارض وجوب طاعة الرسول وعظم ما أتاهم به هذا اللعين ومن نصر القول الأول قال: كل كذب عليه فإنه متضمن للطعن عليه كما تقدم ثم إن هذا الرجل لم يذكر في الحديث أنه قصد الطعن والإزراء وإنما قصد تحصيل شهوته بالكذب عليه وهذا شأن كل من تعمد الكذب عليه فإنه إنما يقصد تحصيل غرض له إن لم يقصد الاستهزاء به والأغراض في الغالب إما مال أو شرف كما أن المسيء إنما يقصد إذا لم يقصد مجرد الإضلال إما الرياسة بنفاذ الأمر وحصول التعظيم أو تحصيل الشهوات الظاهرة وبالجملة فمن قال أو فعل
ما هو كفر كفر بذلك وإن لم يقصد أن يكون كافرا إذ لا يقصد الكفر أحد إلا ما شاء الله.
السنة الرابعة عشرة: حديث الأعرابي الذي قال للنبي صلى الله عليه وسلم لما أعطاه: ما أحسنت ولا أجملت فأراد المسلمون قتله ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لو تركتكم حين قال الرجل ما قال فقتلتموه دخل النار " وسيأتي ذكره في ضمن الأحاديث المتضمنة لعفوه عمن آذاه فإن هذا الحديث يدل على أن من آذاه إذا قتل دخل النار وذلك دليل على كفره وجواز قتله وإلا كان يكون شهيدا وكان قاتله من أهل النار وإنما عفا النبي صلى الله عليه وسلم عنه ثم استرضاه بعد ذلك حتى رضي لأنه كان له أن يعفو عمن آذاه كما سيأتي إن شاء الله.
ومن هذا الباب: أن الرجل الذي قاله له لما قسم غنائم حنين: إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله فقال عمر: "دعني يا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقتل هذا المنافق" فقال: " معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي " ثم أخبر أنه يخرج من ضئضه أقوام يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم وذكر حديث الخوارج رواه مسلم فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يمنع عمر من قتله إلا لئلا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه ولم يمنعه لكونه في نفسه معصوما كما قال في حديث حاطب بن أبي بلتعة فإنه لما قال: "ما فعلت ذلك كفرا ولا رغبة عن ديني ولا رضا بالكفر بعد الإسلام" فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إنه قد صدقكم " فقال عمر: "دعني أضرب عنق هذا المنافق" فقال: " إنه قد شهد بدرا وما يدريك لعل
الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم " فبين صلى الله عليه وسلم أنه باق على إيمانه وأنه صدر منه ما يغفر له به الذنوب فعلم أن دمه معصوم وهنا علل بمفسدة زالت.
فعلم أن قتل مثل هذا القائل إذا أمنت هذه المفسدة جائز وكذلك لما أمنت هذه المفسدة أنزل الله قوله: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِم﴾ بعد أن كان قد قال له: ﴿وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾ قال زيد بن أسلم: "قوله: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ نسخت ما كان قبلها".
ومما يشبه هذا أن عبد الله بن أبيّ لما قال: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلّ﴾ وقال: ﴿لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ استأمر عمر في قتله فقال: "إذن ترعد له أنوف كثيرة بالمدينة" وقال: " لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه " والقصة مشهورة وهي في الصحيحين وستأتي إن شاء الله تعالى.
فعلم أن من آذى النبي صلى الله عليه وسلم بمثل هذا الكلام جاز قتله كذلك مع القدرة وإنما ترك النبي صلى الله عليه وسلم قتله لما خيف في قتله من نفور الناس عن الإسلام لما كان ضعيفا.
ومن هذا الباب: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال: " من يعذرني
في رجل بلغني أذاه في أهلي " قال له سعد بن معاذ: "أنا أعذرك إن كان من الأوس ضربت عنقه" والقصة مشهورة فلما لم ينكر ذلك عليه دل على أن من آذى النبي صلى الله عليه وسلم وتنقصه يجوز ضرب عنقه والفرق بين ابن أبيّ وغيره ممن تكلم في شأن عائشة أنه كان يقصد بالكلام فيها عيب رسول الله صلى الله عليه وسلم والطعن عليه وإلحاق العار به ويتكلم بكلام ينتقصه به فلذلك قالوا نقتله بخلاف حسان ومسطح وحمنة فإنهم لم يقصدوا ذلك ولم يتكلموا بما يدل على ذلك ولهذا إنما استعذر النبي صلى الله عليه وسلم من ابن أبيّ دون غيره ولأجله خطب الناس حتى كاد الحيان يقتتلون.
الحديث الخامس عشر: قال سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي في مغازيه: حدثني أبي عن المجالد بن سعيد عن الشعبي قال: "لما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة دعا بمال العزى فنثره بين يديه ثم دعا رجلا قد سماه فأعطاه منها ثم دعا أبا سفيان بن حرب فأعطاه منها ثم دعا سعد ابن حريث فأعطاه منها ثم دعا رهطا من قريش فأعطاهم فجعل يعطي الرجل القطعة من الذهب فيها خمسون مثقالا وسبعون مثقالا ونحو ذلك فقام رجل فقال: إنك لبصير حيث تضع التبر ثم قام الثانية فقال مثل ذلك فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم ثم قام الثالثة فقال: إنك لتحكم وما نرى عدلا قال: "ويحك إذا لا يعدل أحد بعدي " ثم دعا نبي الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر فقال: "اذهب فاقتله" فذهب فلم يجده فقال: " لو قتلته لرجوت أن يكون أولهم وآخرهم ".
فهذا الحديث نص في قتل مثل هذا الطاعن على رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير استتابة وليست هي قصة قسم غنائم حنين ولا قسم التبر الذي بعث به علي من اليمن بل هذه القصة قبل ذلك في قسم مال العزى وكان هدم العزى قبل الفتح في أواخر شهر رمضان سنة ثمان وغنائم حنين قسمت بعد ذلك بالجعرانة في ذي القعدة وحديث علي في سنة عشر.
وهذا الحديث مرسل ومخرجه عن مجالد وفيه لين لكن له ما يؤيد معناه فإنه قد تقدم أن عمر قتل الرجل الذي لم يرض بحكم النبي صلى الله عليه وسلم ونزل القرآن بإقراره على ذلك وجرمه أسهل من جرم هذا.
وأيضا فإن في الصحيحين عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الذي لمزه في قسمة الذهيبة التي أرسل بها علي من اليمن وقال: " يا رسول الله اتق الله" أنه قال: "أنه يخرج من ضئضئ هذا قوم يتلون كتاب الله رطبا لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد ". وفي الصحيحين عن علي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " سيخرج قوم في آخر الزمان أحداث الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من خير قول البرية لا يجاوز إيمانهم حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم يوم القيامة ".
وروى النسائي عن أبي برزة قال: "أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمال فقسمه فأعطى من عن يمينه ومن عن شماله ولم يعط من وراءه شيئا فقام رجل من وراءه فقال: يا محمد ما عدلت في القسمة رجل أسود مطموم الشعر عليه ثوبان أبيضان فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم غضبا شديدا وقال: " والله لا تجدون بعدي رجلا هو أعدل مني" ثم قال: "يخرج في آخر الزمان قوم كان هذا منهم يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية سيماهم التحليق لا يزالون يخرجون حتى يخرج آخرهم مع المسيح الدجال فإذا لقيتموهم فاقتلوهم هم شر الخلق والخليقة ". فهذه الأحاديث كلها دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل طائفة هذا الرجل العائب عليه وأخبر أن في قتلهم أجرا لمن قتلهم وقال: "لئن أدركتم لأقتلنهم قتل عاد" وذكر أنهم شر الخلق والخليقة.
وفيما رواه الترمذي وغيره عن أبي أمامة أنه قال: "هم شر قتلى تحت أديم السماء خير قتلى من قتلوه" وذكر أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول ذلك مرات متعددة وتلا فيهم قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ وقال: "هؤلاء الذين كفروا بعد إيمانهم" وتلا فيهم قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ
فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ وقال: "زاغوا فزيغ بهم" ولا يجوز أن يكون أمر بقتلهم لمجرد قتالهم الناس كما يقاتل الصائل من قاطع الطريق ونحوه وكما يقاتل البغاة لأن أولئك إنما يشرع قتالهم حتى تنكسر شوكتهم ويكفوا عن الفساد ويدخلوا في الطاعة ولا يقتلون أينما لقوا ولا يقتلون قتل عاد وليسوا شر قتلى تحت أديم السماء ولا يؤمر بقتلهم وإنما يؤمر في آخر الأمر بقتالهم فعلم أن هؤلاء أوجب قتلهم مروقهم من الدين لما غلوا فيه حتى مرقوا منه كما دل عليه قوله في حديث علي: "يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية فأينما لقيتموهم فاقتلوهم" فرتب الأمر بالقتل على مروقهم فعلم أنه الموجب له ولهذا وصف النبي صلى الله عليه وسلم الطائفة الخارجة وقال: "لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم ما قضي لهم علي لسان محمد لنكلوا عن العمل وآية ذلك أن فيهم رجلا له عضد ليس له ذراع على رأس عضده مثل حلمة الثدي عليه شعيرات بيض" وقال: " إنهم يخرجون على خير فرقة من الناس يقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق " وهذا كله في الصحيح فثبت أن قتلهم لخصوص صفتهم لا لعموم كونهم بغاة أو محاربين وهذا القدر موجود في الواحد منهم كوجوده في العدد منهم وإنما لم يقتلهم علي رضي الله عنه أول ما ظهروا لأنه لم يبن له أنهم الطائفة المنعوتة حتى سفكوا دم ابن خباب وأغاروا على سرح الناس فظهر فيهم قوله: " يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان " فعلم أنهم المارقون ولأنه لو قتلهم قبل المحاربة لربما غضبت لهم قبائلهم وتفرقوا على علي رضي الله عنه وقد كان حاجته إلى مداراة عسكره واستئلافهم
كحال النبي صلى الله عليه وسلم في حاجته في أول الأمر إلى استئلاف المنافقين.
وأيضا فإن القوم لم يعترضوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم بل كانوا يعظمونه ويعظمون أبا بكر وعمر ولكن غلوا في الدين غلوا جازوا به حده لنقص عقولهم فصاروا كما تأوله علي فيهم من قوله عز وجل: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾.
وأوجب ذلك لهم عقائد فاسدة ترتب عليها أفعال منكرة كفرهم بها كثير من الأمة وتوقف فيها آخرون فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم الرجل الطاعن عليه في القسمة الناسب له عدم العدل بجهله وغلوه وظنه أن العدل هو ما يعتقده من التسوية بين جميع الناس دون النظر إلى ما في تخصيص بعض الناس وتفضيله من مصلحة التأليف وغيرها من المصالح علم أن هذا أول أولئك فإنه إذا طعن عليه في وجهه على سنته فهو يكون بعد موته وعلى خلفائه أشد طعنا.
وقد حكى أرباب المقالات عن الخوارج أنهم يجوزون على الأنبياء الكبائر ولهذا لا يلتفتون إلى السنة المخالفة في رأيهم لظاهر القرآن وإن كانت متواترة فلا يرجمون الزاني ويقطعون يد السارق فيما قل أو كثر زعما منهم على ما قيل أن لا حجة إلا القرآن وأن السنة الصادرة عن الرسول صلى الله عليه وسلم ليست حجة بناء على ذلك الأصل الفاسد
قال من حكى ذلك عنهم: إنهم لا يطعنون في النقل لتواتر ذلك وإنما يبنونه على هذا الأصل ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في صفتهم: "إنهم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم" يتأولونه برأيهم من غير استدلال على معانيه بالسنة وهم لا يفهمونه بقلوبهم إنما يتلونه بألسنتهم والتحقيق أنهم أصناف مختلفة فهذا رأي طائفة منهم وطائفة قد يكذبون النقلة وطائفة لم يسمعوا ذلك ولم يطلبوا علمه وطائفة يزعمون أن ما ليس له ذكر في القرآن بصريحه ليس حجة على الخلق: إما لكونه منسوخا أو مخصوصا بالرسول أو غير ذلك وكذلك ما ذكر من تجويزهم الكبائر فأظنه والله أعلم قول طائفة منهم وعلى كل حال فمن كان يعتقد أن النبي صلى الله عليه وسلم جائر في قسمه يقول إنه يفعلها بأمر الله فهو مكذب له ومن زعم أن يجور في حكم أو قسمة فقد زعم أنه جائر وأن إتباعه لا يجب وهو مناقض لما تضمنته الرسالة من أمانته ووجوب طاعته وزوال الحرج عن الجنس من قضائه بقوله وفعله فإنه قد بلغ عن الله أنه أوجب طاعته والانقياد لحكمه وأنه لا يحيف على أحد فم طعن في هذا فقد طعن في صحة تبليغه وذلك طعن في نفس الرسالة وبهذا يتبين صحة رواية من روى الحديث "ومن يعدل إذا لم أعدل؟ لقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل" لأن هذا الطاعن يقول: أنه رسول الله وأنه يجب عليه تصديقه وطاعته فإذا قال إنه لم يعدل فقد لزم أنه صدق غير عدل ولا أمين ومن اتبع مثل ذلك فهو خائب خاسر كما وصفهم الله بأنهم من الأخسرين أعمالا وإن حسبوا أنهم يحسنون صنعا ولأنه من لم يؤتمن على المال يؤتمن على ما هو أعظم منه ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: "ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء يأتيني خبر السماء صباحا ومساء " وقال صلى الله عليه وسلم لما قال له اتق الله: "أولست
أحق أهل الأرض أن يتق الله" وذلك لأن الله قال فيما بلغه إليهم الرسول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ بعد قوله: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ الآية فبين سبحانه أنه ما نهى عنه من مال الفيء فعلينا أن ننتهي عنه فيجب أن يكون أحق أهل الأرض أن يتق الله إذ لولا ذلك لكانت الطاعة له ولغيره إن تساويا أو لغيره دونه إن كان دونه وهذا كفر بما جاء به وهذا ظاهر.
وقوله صلى الله عليه وسلم: "شر الخلق والخليقة" وقوله: "شر قتلى تحت أديم السماء" نص في أنهم من المنافقين لأن المنافقين أسوأ حالا من الكفار كما ذكر أن قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَات﴾ نزلت فيهم.
وكذلك في حديث أبي أمامة أن قوله تعالى ﴿أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ نزلت فيهم هذا مما لا خلاف فيه إذا صرحوا بالطعن في الرسول والعيب عليه كفعل أولئك اللامزين له.
فإذا ثبت بهذه الأحاديث الصحيحة أنه صلى الله عليه وسلم أمر بقتل من كان من جنس ذلك الرجل الذي لمزه أينما لقوا وأخبر أنهم شر الخليقة وثبت أنهم من المنافقين كان ذلك دليلا على صحة معنى حديث الشعبي في استحقاق أصلهم للقتل.
يبقى أن يقال: ففي الأحاديث الصحيحة أنه نهى عن قتل ذلك اللامز.
فنقول: حديث الشعبي هو أول ظهور هؤلاء كما تقدم فالأشبه والله
أعلم أن يكون أمر بقتله أولا طمعا في انقطاع أمرهم وإن كان قد كان يعفو عن أكثر المنافقين لأنه خاف من هذا انتشار الفساد من بعده على الأمة ولهذا قال: "لو قتلته لرجوت أن يكون أولهم وآخرهم" وكان ما يحصل لقتله من المصلحة العظيمة أعظم مما يخاف من نفور بعض الناس بقتله فلما لم يوجد وتعذر قتله ومع النبي صلى الله عليه وسلم بما أوحاه الله إليه من العلم ما فضله الله به فكأنه علم أنه لا بد من خروجهم أنه لا مطمع في استئصالهم كما أنه لما علم أن الدجال خارج لا محالة نهى عمر عن قتل ابن صياد وقال: "إن يكنه فلن تسلط عليه وإن لا يكنه فلا خير لك في قتله" فكان هذا مما أوجب نهيه بعد ذلك عن قتل ذي الخويصرة لما لمزه في غنائم حنين وكذلك لما قال عمر: "ائذن لي فاضرب عنقه" قال: "دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية" إلى قوله: "يخرجون على حين فرقة من الناس " فأمر بتركه لأجل أن له أصحابا خارجين بعد ذلك فظهر أن علمه بأنهم لا بد أن يخرجوا منعه من أن يقتل منهم أحدا فيتحدث الناس بأن محمدا يقتل أصحابه الذين يصلون معه وتنفر بذلك عن الإسلام قلوب كثيرة من غير مصلحة تعمر هذه المفسدة هذا مع أنه كان له أن يعفو عمن آذاه مطلقا بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم.
وبهذا يتبين سبب كونه في بعض الحديث يعلل بأنه يصلي وفي بعضه بأن لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه وفي بعضه بأن له أصحابا سيخرجون وسيأتي إن شاء الله تعالى ذكر بعض هذه الأحاديث وإن كان هذا الموضع خليقا بها أيضا.
فثبت أن كل من لمز النبي صلى الله عليه وسلم في حكمه أو قسمه فإنه يجب
قتله كما أمر به في حياته وبعد موته وأنه إنما عفا عن ذلك اللامز في حياته كما قد كان يعفو عمن يؤذيه من المنافقين لما علم أنهم خارجون في الأمة لا محالة وأن ليس في قتل ذلك الرجل كثير فائدة بل فيه من المفسدة ما في قتل سائر المنافقين وأشد.
ومما يشهد لمعنى هذا الحديث قول أبو بكر رضي الله عنه في الحديث المشهور لما أراد أبو برزة أن يقتل الرجل الذي أغلظ لأبي بكر وتغيظ عليه أبو بكر وقال له أبو برزة أقتله فقال أبو بكر: "ما كانت لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقتل أحدا" فإن هذا كما تقدم من دليل على أن الصديق علم أن النبي صلى الله عليه وسلم يطاع أمره في قتل من أمر بقتله ممن أغضب النبي صلى الله عليه وسلم.
فلما كان في حديث الشعبي أنه أمر أبا بكر بقتل ذلك الذي لمزه حتى أغضبه كانت هذه القصة بمنزلة العمدة لقول الصديق وكان قول صديق رضي الله عنه دليلا على صحة معناها.
ومما يدل على أنهم كانوا يرون قتل من علموا أنه من أولئك الخوارج وإن كان منفردا حديث صبيغ بن عسل وهو مشهور قال أبو عثمان النهدي: "سأل رجل من بني يربوع أو من بني تميم عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن الذاريات والمرسلات والنازعات أو عن بعضهن فقال عمر: ضع عن رأسك فإذا له وفرة فقال عمر: أما والله لو رأيتك محلوقا لضربت الذي فيه عيناك ثم قال: ثم كتب إلى أهل البصرة أو قال إلينا أن لا تجالسوه قال: فلو جاء ونحن مئة تفرقنا" رواه الأموي وغيره بإسناد صحيح
فهذا عمر يحالف بين المهاجرين والأنصار أنه لو رأى العلامة التي وصف بها النبي صلى الله عليه وسلم الخوارج لضرب عنقه مع أنه هو الذي نهاه النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل ذي الخويصرة فعلم أنه فهم من قول النبي صلى الله عليه وسلم: "أينما لقيتموهم فاقتلوهم" القتل مطلقا وأن العفو عن ذلك كان في حال الضعف والاستئلاف.
فإن قيل: فما الفرق بين قول هؤلاء اللامزين في كونه نفاقا موجبا للكفر وحل الدم حتى صار جنس هذا القائل شر الخلق وبين ما ذكر من موجدة قريش والأنصار؟.
ففي حديث أبي سعيد الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قسم الذهيبة بين أربعة غضبت قريش والأنصار وقالوا: تعطيه صناديد أهل نجد وتدعنا؟ فقال: "إنما أتألفهم" فأقبل رجل غائر العينين وذكر حديث اللامز.
وفي رواية لمسلم: فقال رجل من أصحابه: كنا نحن أحق بهذا من هؤلاء قال فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء؟ يأتيني خبر السماء صباحا ومساء " فقام رجل غائر العينين.
وذكر موجدة الأنصار في غنائم حنين فعن أنس بن مالك أن ناسا من الأنصار قالوا يوم حنين حين أفاء الله على رسوله من أموال هوازن ما أفاء فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي رجالا من قريش المائة من الإبل فقالوا: "يغفر الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم؟ " وفي رواية: لما فتحت مكة قسم الغنائم في قريش فقالت الأنصار: "إن هذا لهو العجب إن سيوفنا تقطر من دمائهم
وإن غنائمنا ترد عليهم" وفي رواية: فقال الأنصار: "إذا كانت الشدة فنحن ندعى ويعطى الغنائم غيرنا" قال أنس: فحدثت رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك من قولهم فأرسل إلى الأنصار فجمعهم في قبة من أدم ولم يدع معهم غيرهم فلما اجتمعوا جاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "ما حديث بلغني عنكم؟ " فقال له فقهاء الأنصار: أما ذوو رأينا يا رسول الله فلم يقولوا شيئا وأما أناس منا حديثة أسنانهم فقالوا: يغفر الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فإني أعطي رجالا حديثي عهد بكفر أتألفهم أفلا ترضون أن يذهب الناس بالأموال وترجعون إلى رحالكم برسول الله؟ ما تنقلبون به خير مما ينقلبون به" قالوا: بلى يا رسول الله قد رضينا قال: "فإنكم ستجدون بعدي أثرة شديدة فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله على الحوض" قالوا: "سنصبر ". قيل: إن أحدا من المؤمنين من قريش والأنصار وغيرهم لم يكن في شيء من كلامه تجوير لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تجويز ذلك عليه ولا اتهام له أنه حابى في القسمة لهوى النفس وطلب الملك ولا نسبة له إلى أنه لم يرد بالقسمة وجه الله تعالى ونحو ذلك مما جاء مثله في كلام المنافقين.
وذوو الرأي من القبيلتين وهم الجمهور لم يتكلموا بشيء أصلا بل قد رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا: "حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله" كما قالت فقهاء الأنصار: "أما ذوو رأينا فلم يقولوا شيئا" وأما الذين تكلموا من أحداث الأسنان ونحوهم فرأوا أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما يقسم المال لمصالح الإسلام ولا يضعه في محل إلا لأن وضعه فيه أولى من وضعه في غيره هذا مما لا يشكون فيه.
وكان العلم بجهة المصلحة قد تنال بالوحي وقد تنال بالاجتهاد ولم يكونوا علموا أن ذلك مما فعله النبي صلى الله عليه وسلم وقال: إنه بوحي من الله فإن من كره ذلك أو اعترض عليه بعد أن يقول ذلك فهو كافر مكذب.
وجوزوا أن يكون قسمه اجتهادا وكانوا يراجعونه بالاجتهاد في الأمور الدنيوية المتعلقة بمصالح الدين وهو باب يجوز له العمل فيه باجتهاده باتفاق الأمة وربما سألوه عن الأمر لا لمراجعته فيه لكن ليتثبتوا وجهه ويتفقهوا في سننه ويعلموا علته.
وكانت المراجعة المشهورة منهم لا تعدو هذين الوجهين: إما لتكميل نظره صلى الله عليه وسلم في ذلك إن كان من الأمور السياسة التي للاجتهاد فيها مساغ أو ليتبين لهم وجه ذلك إذا ذكر ويزدادوا علما وإيمانا وينفتح لهم طريق التفقه فيه.
فالأول كمراجعة الحباب بن المنذر له لما نزل ببدر منزلا قال: يا رسول الله أرأيت هذا المنزل الذي نزلته أهو منزل أنزلكه الله فليس لنا أن نتعداه أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فقال: "بل هو الرأي والحرب والمكيدة" فقال: إن هذا ليس بمنزل قتال فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيه وتحول إلى غيره.
وكذلك أيضا لما عزم أن يصالح غطفان عام الخندق على نصف تمر المدينة ثم جاء سعد بن معاذ في طائفة من الأنصار فقال: يا رسول الله بأبي أنت وأمي هذا الذي تعطيهم أشيء من الله أمرك فسمع وطاعة لله ولرسوله أم شيء من قبل رأيك؟ قال: " لا بل من قبل رأيي أني رأيت القوم أعطوا الأموال فجمعوا لكم ما رأيتم من القبائل وإنما أنتم قبيل
واحد فأردت أن أدفع بعضهم ونعطيهم شيئا وننصب لبعض أشتري بذلك ما قد نزل بكم معشر الأنصار " فقال سعد: والله يا رسول الله لقد كنا في الشرك وما يطمعون منا في أخذ النصف أو كما قال وفي رواية: ما يأكلون منها تمرة إلا بشرى أو قرى فكيف اليوم والله معنا وأنت بين أظهرنا لا نعطيهم ولا كرامة لهم ثم تناول الصحيفة فتفل فيها ثم رمى بها.
وما كان من قبل الرأي والظن في الدنيا فقد قال صلى الله عليه وسلم لما سئل عن التلقيح: " ما أظن يعني ذلك شيئا إنما ظننت فلا تؤاخذوني بالظن ولكن إذا حدثتكم عن الله بشيء فخذوا به فإني لن أكذب على الله " رواه مسلم.
وفي حديث آخر: "أنتم أعلم بأمر دنياكم فما كان من أمر دينكم فإليّ ". ومن هذا الباب حديث سعد بن أبي وقاص قال: أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم رهطا وأنا جالس فترك رجلا منهم هو أعجبهم إلي فقمت فقلت له: يا رسول الله أعطيت فلانا وفلانا وتركت فلانا وهو مؤمن فقال: "أو مسلم" ذكر ذلك سعد له ثلاثا وأجابه بمثل ذلك ثم قال: "إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه خشية أن يكب في النار على وجهه" متفق عليه.
فإنما سأله سعد رضي الله عنه ليذكر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك الرجل لعله يرى أنه ممن ينبغي إعطاؤه أو ليتبين لسعد وجه تركه مع إعطاء من هو دونه فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم عن المقدمتين فقال: إن العطاء ليس لمجرد الإيمان بل أعطي وأمنع والذي أترك أحب إلي من الذي أعطيه لأن
الذي أعطيه لو لم أعطه لكفر فأعطيه لأحفظ عليه إيمانه ولا أدخله في زمرة من يعبد الله على حرف والذي أمنعه معه من اليقين والإيمان ما يغنيه عن الدنيا وهو أحب إلي وعندي أفضل وهو يعتصم بحبل الله ورسوله ويعتاض بنصيبه من الدين عن نصيبه من الدنيا كما اعتاض به أبو بكر وغيره وكما اعتاضت الأنصار حين ذهب الطلقاء وأهل نجد بالشاة والبعير وانطلقوا هم برسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لو كان العطاء لمجرد الإيمان فمن أين لك أن هذا مؤمن؟ بل يجوز أن يكون مسلما وإن لم يدخل الإيمان في قلبه فإن النبي صلى الله عليه وسلم أعلم من سعد بتمييز المؤمن من غيره حيث أمكن التمييز.
ومن ذلك أيضا ما ذكره ابن إسحاق عن محمد بن إبراهيم بن الحارث أن قائلا قال: يا رسول الله أعطيت عيينة بن حصن والأقرع بن حابس مائة من الإبل مائة وتركت جعيل بن سراقة الضمري فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أما والذي نفسي بيده لجعيل بن سراقة خير من طلاع الأرض كلها مثل عيينة والأقرع ولكني تألفتهما على إسلامهما ووكلت جعيل بن سراقة إلى إسلامه ". وقد ذكر بعض أهل المغازي في حديث الأنصار: وددنا أن نعلم من أين هذا إن كان من قبل الله صبرنا وإن كان من رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم استعتبناه.
فهذا يبين أن من وجد منهم جوز أن يكون القسم وقع باجتهاد في المصلحة فأحب أن يعلم الوجه الذي أعطى به غيره ومنع هو مع فضله على غيره في الإيمان والجهاد وغير ذلك.
وهذا في بادي الرأي هو الموجب للعطاء وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعطيه كما أعطى غيره وهذا معنى قولهم: "استعتبناه" أي طلبنا منه أن يعتبنا أي يزيل عتبنا: إما ببيان الوجه الذي به أعطى غيرنا أو بإعطائنا وقد قال صلى الله عليه وسلم: "" فأحب النبي صلى الله عليه وسلم أن يعذره في ما أحد أحب إليه العذر من الله من أجل ذلك بعث الرسل مبشرين ومنذرين ما فعل فبين لهم ذلك فلما تبين لهم الأمر بكوا حتى أخضلوا لحاهم ورضوا حق الرضاء والكلام المحكي عنهم يدل على أنهم رأوا القسمة وقعت اجتهادا وأنهم أحق بالمال من غيرهم فتعجبوا من إعطاء غيرهم وأرادوا أن يعلموا هل هو وحي أو اجتهاد يتعين إتباعه لأنه المصلحة أو اجتهاد يمكن النبي صلى الله عليه وسلم أن يأخذ بغيره إلى رأي أنه أصلح وإن كان هذا القسم إنما يمكن فيما لم يستقر أمره ويقره عليه ربه ولهذا قالوا: "يغفر الله لرسول الله يعطي قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم؟ " وقالوا: "إن هذا لهو العجب إن سيوفنا لتقطر من دمائهم وإن غنائمنا لترد عليهم" وفي رواية: "إذا كانت الشدة فنحن ندعى ويعطي الغنائم غيرنا".
واختلف الناس في العطايا: هل كانت من أصل الغنيمة أو من الخمس؟.
فروي عن سعد بن إبراهيم ويعقوب بن عتبة قالا: كانت العطايا فارغة من الغنائم وعلى هذا فالنبي صلى الله عليه وسلم إنما أخذ نصيبهم من المغنم لطيب أنفسهم.
وقد قيل: إنه أراد أن يقطعهم بدل ذلك قطائع من البحرين فقالوا: لا حتى يقطع إخواننا من المهاجرين مثله ولهذا لما جاء مال البحرين وافوه صلاة الفجر وقال لجابر: لو قد جاء مال البحرين أعطيتك كذا وكذا لكن لم يستأذنهم النبي صلى الله عليه وسلم قبل القسم لعلمه بأنهم يرضون
بما يفعل وإذا علم الرجل من حال صديقه أنه تطيب نفسه بما يأخذ من ماله فله أن يأخذ وإن لم يستأذنه نطقا وكان هذا معروفا بين كثير من الصحابة والتابعين كالرجل الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم كبة من شعر فقال: " أما ما كان لي ولبني هاشم فهو لك " وعلى هذا فلا حرج عليهم إذا سألوا نصيبهم.
وقال موسى بن إبراهيم عن أبيه: "كانت من الخمس".
قال الواقدي: وهو أثبت القولين وعلى هذا فالخمس إما أن يقسمه الإمام باجتهاد كما يقوله مالك أو يقسمه خمسة أقسام كما يقوله الشافعي وأحمد وإذا قسمه خمسة أقسام فإذا لم يوجد يتامى أو مساكين أو ابن سبيل أو استغنوا ردت أنصباؤهم في مصارف سهم الرسول.
وقد كان اليتامى والمساكين وأبناء السبيل إذ ذاك مع قلتهم مستغنين بنصيبهم من الزكاة لأنه لما فتحت خيبر واستغنى أكثر المسلمين رد رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأنصار منائح النخل التي كانوا قد منحوها للمهاجرين فاجتمع للأنصار أموالهم التي كانت والأموال التي غنموها بخيبر وغيرها فصاروا مياسير ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته: "ألم أجدكم عالة فأغناكم الله بي؟ " فصرف النبي صلى الله عليه وسلم عامة الخمس في مصارف سهم الرسول؟ فإن أولى المصالح تأليف أولئك القوم ومن زعم أن مجرد خمس الخمس قام بجميع ما أعطي المؤلفة فإنه لم يدر كيف القصة ومن له خبرة بالقصة يعلم أن المال لم يكن يحتمل هذا.
وقد قيل: إن الإبل كانت أربعة وعشرين ألف بعير والغنم أربعين ألفا أو أقل أو أكثر والورق أربعة آلاف أوقية والغنم كانت تعدل
عشرة منها ببعير فهذا يكون قريبا من ثلاثين ألف بعير فخمس الخمس منه ألف ومئتا بعير وقد قسم في المؤلفة أضعاف ذلك على ما لا خلاف فيه بين أهل العلم.
وأما قول بعض قريش والأنصار في الذهيبة التي بعث بها علي من اليمن: أيعطي صناديد أهل نجد ويدعنا؟ فمن هذا الباب أيضا إنما سألوا على هذا الوجه.
وها هنا جوابان آخران: الجواب الأول: أن بعض أولئك القائلين قد كان منافقا يجوز قتله مثل الذي سمعه ابن مسعود يقول في غنائم حنين: إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله وكان في ضمن قريش والأنصار منافقون كثيرون فما ذكر من كلمة لا مخرج لها فإنما صدرت من منافق والرجل الذي ذكر عنه أبو سعيد أنه قال: "كنا أحق بهذا من هؤلاء" ولم يسمه منافقا والله أعلم.
الجواب الثاني: أن الاعتراض قد يكون ذنبا ومعصية يخاف على صاحبه النفاق وإن لم يكن نفاقا مثل قوله تعالى: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ﴾ ومثل مراجعتهم له في فسخ الحج إلى العمرة وإبطائهم عن الحل وكذلك كراهتهم للحل عام الحديبية وكراهتهم للصلح ومراجعة من راجع منهم فإن من فعل ذلك فقد أذنب ذنبا كان عليه أن يسغفر الله منه كما أن الذين رفعوا أصواتهم فوق صوته أذنبوا ذنبا
تابوا منه وقد قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾.
قال سهل بن حنيف: "اتهموا الرأي على الدين فلقد رأيتني يوم أبي جندل ولو أستطيع أن أرد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لفعلت".
فهذه أمور صدرت عن شهوة وعجلة لا عن شك في الدين كما صدر عن حاطب التجسس لقريش مع أنها ذنوب ومعاص يجب على صاحبها أن يتوب وهي بمنزلة عصيان أمر النبي صلى الله عليه وسلم.
ومما يدخل في هذا حديث أبي هريرة في فتح مكة قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن ألقى السلاح فهو آمن ومن أغلق بابه فهو آمن " فقالت الأنصار: أما الرجل فقد أدركته رغبة في قرابته ورأفة في بعشيرته.
قال أبو هريرة: وجاء الوحي وكان إذا جاء لا يخفى علينا فإذا جاء فليس أحدا منا يرفع طرفه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ينقضي الوحي.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا معشر الأنصار" قالوا: لبيك يا رسول الله قال: "قلتم أما الرجل فأدركته رغبة في قرابته ورأفة بعشيرته؟ " قالوا: قد كان ذلك قال: "كلا إني عبد الله ورسوله هاجرت إلى الله وإليكم المحيا محياكم والممات مماتكم" فأقبلوا إليه يبكون ويقولون: والله ما قلنا إلا لظن بالله وبرسوله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله ورسوله يصدقانكم ويعذرانكم " رواه مسلم.
وذلك أن الأنصار لما رأوا النبي صلى الله عليه وسلم قد آمن أهل مكة وأقرهم على أموالهم ودمائهم مع دخوله عليهم عنوة وقهرا وتمكنه من قتلهم وأخذ أموالهم لو شاء خافوا أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يستوطن مكة ويستبطن قريشا لأن البلد بلده والعشيرة عشيرته وأن يكون نزاع النفس إلى الوطن والأهل يوجب انصرافه عنهم فقال من قال منهم ذلك ولم يقله الفقهاء وأولو الألباب الذين يعلمون أنه لم يكن له سبيل إلى استيطان مكة فقالوا ذلك لا طعنا ولا عيبا ولكن ضنا بالله وبرسوله والله ورسوله قد صدقاهم أنما حملهم على ذلك الضن بالله ورسوله وعذراهم فيما قالوا لما رأوا وسمعوا ولأن مفارقة الرسول شديد على مثل أولئك المؤمنين الذين هم شعار وغيرهم دثار والكلمة التي تخرج عن محبة وتعظيم وتشريف وتكريم تغفر لصاحبها بل يحمد عليها وإن كان مثلها لو صدر بدون ذلك استحق صاحبها النكال.
وكذلك الفعل ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال لأبي بكر حين أراد أن يتأخر عن موقعه في الصلاة لما أحس بالنبي صلى الله عليه وسلم: "مكانك" فتأخر أبو بكر فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "ما منعك أن تثبت مكانك وقد أمرتك" فقال: ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم.
وكذلك أبو أيوب الأنصاري لما استأذن النبي صلى الله عليه وسلم في أن ينتقل إلى السفل وأن يصعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى العلو وشق عليه أن يسكن فوق رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمكث في مكانه وذكر له
أن سكناه أسفل أرفق به من أجل دخول الناس عليه فامتنع أبو أيوب من ذلك أدبا مع النبي صلى الله عليه وسلم وتوقيرا له فكلمة الأنصار رضي الله عنهم من هذا الباب.
وبالجملة فالكلمات في هذا الباب ثلاثة أقسام: إحداهن: ما هو كفر مثل قوله: "إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله".
الثاني: ما هو ذنب ومعصية يخاف على صاحبه أن يحبط عمله مثل رفع الصوت فوق صوته ومثل مراجعة من راجعه عام الحديبية بعد ثباته على الصلح ومجادلة من جادله يوم بدر بعد ما تبين له الحق وهذا كله يدخل في المخالفة عن أمره.
الثالث: ما ليس من ذلك بل يحمد عليه صاحبه أو لا يحمد كقول عمر: "ما بالنا نقصر الصلاة وقد أمنا؟ " وكقول عائشة: "ألم يقل الله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِه﴾ " وكقول حفصة: "ألم يقل الله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ " وكمراجعة الحباب في منزل بدر ومراجعة سعد في صلح غطفان على نصف تمر المدينة ومثل مراجعتهم له لما أمرهم بكسر الآنية التي فيها لحوم الحمر فقالوا: "أو لا نغسلها" فقال: "اغسلوها" وكذلك رد عمر لأبي هريرة لما خرج مبشرا ومراجعته للنبي صلى الله عليه وسلم في ذلك وكذلك مراجعته له لما أذن له في نحر الظهر في بعض المغازي وطلبه منه أن يجمع الأزواد ويدعو الله ففعل ما أشار به عمر ونحو ذلك مما فيه سؤال عن إشكال ليتبين لهم أو عرض لمصلحة قد يفعلها الرسول صلى الله عليه وسلم.
فهذا ما اتفق ذكره من السنن المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قتل
من سبه من معاهد وغير معاهد وبعضها نص في المسألة وبعضها ظاهر وبعضها مستنبط مستخرج استنباطا قد يقوى في رأي من فهمه وقد يتوقف عنه من لم يفهمه أو لم يتوجه عنده أو رأى أن الدلالة منه ضعيفة ولن يخفى الحق على من توخاه وقصده ورزقه الله تعالى بصيرة وعلما والله سبحانه وتعالى أعلم.
فصل.
وأما إجماع الصحابة رضي الله عنهم فلأن ذلك نقل عنهم في قضايا متعددة ينتشر مثلها ويستفيض ولم ينكرها أحد منهم فصارت إجماعا.
واعلم أنه لا يمكن ادعاء إجماع الصحابة على مسالة فرعية بأبلغ من هذا الطريق.
فمن ذلك ما ذكره سيف بن عمر التميمي في كتاب "الردة والفتوح" عن شيوخه قال: "ورفع إلى المهاجر يعني المهاجر بن أبي أمية وكان أميرا على اليمامة ونواحيها امرأتان مغنيتان غنت إحداهما بشتم النبي صلى الله عليه وسلم فقطع يدها ونزع ثنيتيها وغنت الأخرى بهجاء المسلمين فقطع يدها ونزع ثنيتيها فكتب إليه أبو بكر: بلغني الذي سرت به في المرأة التي تغنت وزمرت بشتم النبي صلى الله عليه وسلم فلولا ما قد سبقتني لأمرتك بقتلها لأن حد الأنبياء ليس يشبه الحدود فمن تعاطى ذلك من مسلم فهو مرتد أو معاهد فهو محارب غادر".
وكتب إليه أبو بكر في التي تغنت في بهجاء المسلمين: "أما بعد فإنه بلغني أنك قطعت يد امرأة في أن تغنت بهجاء المسلمين ونزعت ثنيتيها فإن كانت ممن تدعي الإسلام فأدب وتقدمة دون المثلة وإن كانت ذمية فلعمري لما صفحت عنه من الشرك أعظم ولو كنت تقدمت إليك في مثل هذا لبلغت
مكروهك فاقبل الدعة وإياك في المثلة في الناس فإنها مأثم ومنفرة إلا في قصاص.
وقد ذكر هذه القصة غير سيف وهذا يوافق ما تقدم عنه أن من شتم النبي صلى الله عليه وسلم كان له أن يقتله وليس ذلك لأحد بعده وهو صريح في وجوب قتل من سب النبي صلى الله عليه وسلم من مسلم ومعاهد وإن كان امرأة وأنه يقتل بدون استتابة بخلاف من سب الناس وأن قتله حد للأنبياء كما جلد من سب غيرهم حد له وإنما لم يأمر أبو بكر بقتل تلك المرأة لأن المهاجر سبق منه فيها حد باجتهاده فكره أبو بكر أن يجمع عليها حدين مع أنه لعلها أسلمت أو تابت فقبل المهاجر توبتها قبل كتاب أبي بكر وهو محل اجتهاد سبق منه فيه حكم فلم يغيره لأن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد وكلامه يدل على أنه إنما منعه من قتلها ما سبق من المهاجر.
وروى حرب في مسائله عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد قال: أتي عمر برجل سب النبي صلى الله عليه وسلم فقتله ثم قال عمر: "من سب الله أو سب أحدا من الأنبياء فاقتلوه" قال ليث: وحدثني مجاهد عن ابن عباس قال: "أيما مسلم سب الله أو سب أحدا من الأنبياء فقد كذب برسول الله صلى الله عليه وسلم وهي ردة يستتاب فإن رجع وإلا قتل وأيما معاهد عاند فسب الله أو سب أحدا من الأنبياء أو جهر به فقد نقض العهد فاقتلوه".
وعن أبي مشجعه بن ربعي قال: "لما قدم عمر بن الخطاب الشام قام قسطنطين بطريق الشام وذكر معاهدة عمر له وشروطه عليهم
قال: اكتب بذلك كتابا قال عمر: نعم فبينما هو يكتب الكتاب إذ ذكر عمر فقال: إني استثني عليك معرة الجيش مرتين قال: لك ثنتان وقبح الله من أقالك فلما فرغ عمر من الكتاب قال له: يا أمير المؤمنين قم في الناس فأخبرهم الذي جعلت لي وفرضت علي ليتناهوا عن ظلمي قال عمر: نعم فقام في الناس فحمد الله وأثنى عليه فقال: الحمد لله أحمده وأستعينه من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له فقال النبطي: إن الله لا يضل أحدا فقال عمر: ما يقول؟ قال: لا شيء وعاد النبطي لمقالته فقال: أخبروني ما يقول قالوا: يزعم أن الله لا يضل أحدا قال عمر: إنا لم نعطك الذي أعطيناك لتدخل علينا في ديننا والذي نفسي بيده لئن عدت لأضربن الذي فيه عيناك وعاد عمر ولم يعد النبطي فلما فرغ عمر أخذ النبطي الكتاب" رواه حرب.
فهذا عمر رضي الله عنه بمحضر من المهاجرين والأنصار يقول لمن عاهده: إنا لم نعطك العهد على أن تدخل علينا في ديننا وحلف لئن عاد ليضربن عنقه فعلم بذلك إجماع الصحابة على أن أهل العهد ليس لهم أن يظهروا الاعتراض علينا في ديننا وأن ذلك منهم مبيح لدمائهم.
وإن من أعظم الاعتراضات سب نبينا صلى الله عليه وسلم وهذا ظاهر لا خفاء به لأن إظهار التكذيب بالقدر من إظهار شتم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وإنما لم يقتله عمر لأنه لم يكن قد تقرر عنده أن هذا الكلام طعنا في ديننا لجواز أن يكون اعتقد أن عمر قال ذلك من عنده فلما تقدم إليه عمر وبين له أن هذا ديننا قال له: "لئن عدت لأقتلنك".