المسألة الثالثة: أنه يقتل ولا يستتاب سواء كان مسلما أو كافرا.
عنه جوابان: أحدهما: المنع فإن سب الذمي للمسلم جائز عنده لأنه يعتقد كفره وضلاله وإنما يحرمه عنده العهد الذي بيننا وبينه فلا فرق بينهما وإن فرض الكلام في سب خارج عن الدين مثل الرمي بالزنا والافتراء عليه ونحو ذلك فلا فرق في ذلك بين سب الرسول وسب الواحد من أهل الأمة ولا ريب أن الكافر إذا أسلم صار أخا للمسلمين يؤذيه ما يؤذيهم وصار معتقدا لحرمة أعراضهم وزال المبيح لانتهاك أعراضهم ومع ذلك لا يسقط حق المشتوم بإسلامه وقد تقدم هذا الوجه غير مرة.
الثاني: أن شاتم الواحد من الناس لو تاب وأظهر براءة المشتوم وأثنى عليه ودعا له بعد رفعه إلى السلطان كان له أن يستوفي حده مع ذلك فلا فرق بينه وبين شاتم الرسول إذا أظهر اعتقاد رسالته وعلو منزلته وسبب ذلك أن إظهار مثل هذه التوبة لا يزيل ما لحق المشتوم من الغضاضة والمعرة بل قد يحمل ذلك على خوف العقوبة وتبقى آثار السب الأول جارحة فإن لم يمكن المشتوم من أخذ حقه بكل حال لم يندمل جرحه.
قولهم: "القتل حق الرسالة وأما البشرية فإنما لها حقوق البشرية والتوبة تقطع حق الرسالة".
قلنا: لا نسلم ذلك بل هو من حيث هو بشر مفضل في بشريته على الآدميين تفضيلا يوجب قتل سابه ولو كان القتل إنما وجب لكونه قدحا في النبوة لكان مثل غيره من أنواع الكفر ولم يكن خصوص السب موجبا للقتل وقد قدمنا من الأدلة ما يدل على أن خصوص السب موجب للقتل وأنه ليس بمنزلة سائر أنواع الكفر ومن سوى بين الساب للرسول وبين المعرض عن تصديقه فقط في العقوبة فقد خالف الكتاب والسنة الظاهرة والإجماع الماضي وخالف المعقول وسوى بين الشيئين المتباينين
وكون القاذف له لم يجب عليه مع القتل جلد ثمانين أوضح دليل على أن القتل عقوبة لخصوص السب وإلا كان قد اجتمع حقان: حق لله وهو تكذيب رسوله فيوجب القتل وحق لرسوله وهو سبه فيوجب الجلد على هذا الرأي فكان ينبغي قبل التوبة على هذا أن يجتمع عليه الحدان كما لو ارتد وقذف مسلما وبعد التوبة يستوفى منه حد القذف فكان إنما للنبي عليه الصلاة والسلام أن يعاقب من سبه وجاء تائبا بالجلد فقط كما أنه ليس للإمام أن يعاقب قاطع الطريق إذ جاء تائبا إلا بالقود ونحوه مما هو خالص حق الآدمي ولو سلمنا أن القتل حق الرسالة فقط فهو ردة مغلظة بما فيه ضرر أو نقض مغلظ بما فيه ضرر كما لو اقترن بالنقض حراب وفسادا بالفعل من قطع طريق وزنى بمسلمة وغير ذلك فإن القتل هنا حق لله ومع هذا لم يسقط بالتوبة والإسلام وهذا متحقق سواء قلنا إن ساب الله يقتل بعد التوبة أو لا يقتل كما تقدم تقريره.
قولهم: "إذا أسلم سقط القتل المتعلق بالرسالة".
قلنا: هذا ممنوع أما إذا سوينا بينه وبين سب الله فظاهر وإن فرقنا فإن هذا شبه من باب فعل المحارب لله ورسوله الساعي في الأرض فسادا والحاجة داعية إلى ردع أمثاله كما تقدم وإن سلمنا سقوط الحق المتعلق بالكفر بالرسالة لكن لم يسقط الحق المتعلق بشتم الرسول وسبه فإن هذه جناية زائدة على نفس الرسول مع التزام تركها فإن الذمي يلتزم لنا أن لا يظهر السب وليس ملتزما لنا أن لا يكفر به فكيف يجعل ما التزم تركه من جنس ما أقررناه عليه؟ وجماع الأمر أن هذه الجناية على الرسالة له نقض يتضمن حرابا وفسادا أو ردة تضمنت فسادا وحرابا وسقوط القتل عن مثل هذا ممنوع كما تقدم.
قولهم: "حق البشرية انغمر في حق الرسالة وحق الآدمي انغمر في حق الله".
قلنا: هذه دعوة محضة ولو كان كذلك لما جاز للنبي عليه الصلاة والسلام العفو عمن سبه ولا جاز عقوبته بعد مجيئه تائبا ولا احتيج خصوص السب أن يفرد بذكر العقوبة لعلم كل أحد أن سب الرسول أغلظ من الكفر به فلما جاءت الأحاديث والآثار في خصوص سب الرسول بالقتل علم أن ذلك لخاصة في السب وإن اندرج في عموم الكفر.
وأيضا فحق العبد لا ينغمر في حق الله قط نعم العكس موجود كما تندرج عقوبة القاتل والقاذف على عصيانه لله في القود وحد القذف أما أن يندرج حق العبد في حق الله فباطل فإن من جنى جناية واحدة تعلق بها حقان لله ولآدمي ثم سقط حق الله لم يسقط حق الآدمي سواء كان من جنس أو جنسين كما لو جنى جنايات متفرقة كمن قتل في قطع الطريق فإنه إذا سقط عنه تحتم القتل لم يسقط عنه القتل ولو سرق سرقة ثم سقط عنه القطع لم يسقط عنه الغرم بإجماع المسلمين حتى عند من قال "إن القطع والغرم لا يجتمعان" نعم إذا جنى جناية واحدة فيها حقان لله ولآدمي: فإن كان موجب الحقين من جنس واحد تداخلا وإن كانا من جنسين ففي التداخل خلاف معروف مثال الأول قتل المحارب فإنه يوجب القتل حقا لله وللآدمي والقتل لا يتعدد فمتى قتل لم يبق للآدمي حق في تركته من الدية وإن كان له أن يأخذ الدية إذا قتل عدة مقتولين فيقتل ببعضهم عند الشافعي وأحمد وغيرهما أما إن قلنا: "إن موجب العمد القود عينا" فظاهر وإن قلنا: "إن موجبه أحد شيئين" فإنما ذاك حيث يمكن العفو وهنا لا يمكن العفو وصار موجبه القود عينا وولي استيفائه الإمام لأن ولايته أعم ومثال الثاني أخذ المال
سرقة وإتلافه فإنه موجب للقطع حدا لله وموجب للغرم حقا للآدمي ولهذا قال الكوفيون: إن حد الآدمي يدخل في القطع فلا يجب وقال الأكثرون: بل يغرم للآدمي ماله وإن قطعت يده وأما إذا جنى جنايات متفرقة لكل جناية حد فإن كانت لله وهي من جنس واحد تداخلت بالاتفاق وإن كانت من أجناس وفيها القتل تداخلت عند الجمهور ولم تتداخل عند الشافعي وإن كانت للآدمي لم تتداخل عند الجمهور وعند مالك تتداخل في القتل إلا حد القذف فهنا هذا الشاتم الساب لا ريب أنه يتعلق بسبه حق لله وحق لآدمي ونحن نقول: إن موجب كل منهما القتل ومن ينازعنا إما أن يقول: اندرج حق الآدمي في حق الله أو موجبه الجلد فإذا قتل فلا كلام إلا عند من يقول: إن موجبه الجلد فإنه يجب أن يخرج على الخلاف وأما إذا أسقط حق الله في بالتوبة فكيف يسقط حق العبد؟ فإنا لا نحفظ لهذا نظيرا بل النظائر تخالفه كما ذكرناه والسنة تدل على خلافه وإثبات حكم بلا أصل ولا نظير غير جائز بل مخالفته للأصول دليل على بطلانه.
وأيضا فهب أن هذا حد محض لله لكن لم يقال: "إنه يسقط بالتوبة"؟ وقد قدمنا أن الردة ونقض العهد نوعان: مجرد ومغلظ فما تغلظ منه بما يضر المسلمين يجب قتل صاحبه بكل حال وإن تاب وبينا أن السب من هذا النوع.
وأيضا فأقصى ما يقال أن يلحق هذا السب بسب الله وفيه من الخلاف ما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى.
وأما ما ذكر من الفرق بين سب المسلم وسب الكافر فهو وإن كان له توجه كما للتسوية بينهما في السقوط توجه أيضا فإنه معارض بما يدل على أن
الكافر أولى بالقتل لكل حال من المسلم وذلك أن الكافر قد ثبت المبيح لدمه وهو الكفر وإنما عصمه العهد وإظهاره السب لا ريب أنه محاربة لله ورسوله وإفساد في الأرض ونكاية في المسلمين فقد تحقق الفساد من جهته وإظهاره التوبة بعد القدرة عليه لا يوثق بها كتوبة غيره من المحاربين لله ورسوله الساعين في الأرض فسادا بخلاف من علم منه الإسلام وصدرت منه الكلمة من السب مع إمكان أنها لم تصدر عن اعتقاد بل خرجت سفها أو غلطا فإذا عاد إلى الإسلام مع أنه لم يزل يتدين به لم يعلم منه خلافه كان أولى بقبول توبته لأن ذنبه أصغر وتوبته أقرب إلى الصحة.
ثم إنه يجاب عنه بأن إظهار المسلم تجديد الإسلام بمنزلة إظهار الذمي الإسلام لأن الذمي كان يزعه عن إظهار سبه ما أظهره من الأمان كما يزع المسلم ما أظهره من عقد الإيمان فإذا كان المسلم الآن إنما يظهر عقد إيمان قد ظهر ما يدل على فساده فكذلك الذمي إنما يظهر عقد إيمان قد ظهر ما يدل على فساده فإن من يتهم في أمانه يتهم في إيمانه ويكون منافقا في الإيمان كما كان منافقا في الأمان بل ربما كان حال هذا الذي تاب بعد معاينة السيف أشد على المسلمين من حاله قبل التوبة فإنه كان في ذلة الكفر والآن فإنه قد يشرك المسلمين في ظاهر العز مع ما ظهر من نفاقه وخبثه الذي لم يظهر ما يدل على زواله على أن في تعليل سبه بالزندقة نظرا فإن السب أمر ظاهر أظهره ولم يظهر منه ما يدل على استبطانه إياه قبل ذلك ومن الجائز أن يكون قد حدث له ما أوجب الردة.
نعم إن كان ممن تكرر ذلك منه أو له دلالات على سوء العقيدة فهنا الزندقة ظاهرة لكن يقال: نحن نقتله لأمرين لكونه زنديقا ولكونه
سابا كما نقتل الذمي لكونه كافرا غير ذي عهد ولكونه سابا فإن الفرق بين المسلم والذمي في الزندقة لا يمنع اجتماعهما في علة أخرى تقضي كون السب موجبا للقتل وإن أحدث الساب اعتقادا صحيحا بعد ذلك بل قد يقال: إن السب إذا كان موجبا للقتل قتل صاحبه وإن كان صحيح الاعتقاد في الباطن حال سبه كسبه لله تعالى وكالقذف في إيجابه للجلد وكسب جميع البشر.
وأما الفرق الثاني الذي مبناه على أن السب يوجب قتل المسلم حدا لأن مفسدته لا تزول بسقوطه بتجديد الإسلام بخلاف سب الكافر فمضمونه أنا نرخص لأهل الذمة في إظهار السب إذا أظهروا بعده الإسلام ونأذن لهم أن يشتموا ثم بعد ذلك يسلمون وما هذا إلا بمثابة أن يقال: على الذمي بأنه إذا زنى بمسلمة أو قطع الطريق أخذ فقتل إلا أن يسلم يزعه عن هذه المفاسد إلا أن يكون من يريد الإسلام وإذا أسلم فالإسلام يجب ما كان قبله ومعلوم أن معنى هذا أن الذمي يحتمل منه ما يقوله ويفعله من أنواع المحاربة والفساد إذا قصد أن يسلم بعده وأسلم ومعلوم أن هذا غير جائز فإن الكلمة الواحدة من سب النبي صلى الله عليه وسلم لا تحتمل بإسلام ألوف من الكفار ولأن يظهر دين الله ظهورا يمنع أحدا أن ينطق فيه بطعن أحب إلى الله ورسوله من أن يدخل فيه أقوام وهو منتهك مستهان وكثير ممن يسب الأنبياء من أهل الذمة قد يكون زنديقا لا يبالي إلى أي دين انتسب فلا يبالي أن ينال غرضه من السب ثم يظهر الإسلام كالمنافق سواء ثم هذا يوجب الطمع منهم في عرضه فإنه ما دام العدو يرجو أن يستبقى ولو بوجه لم يزعه ذلك عن إظهار مقصوده في وقت ما ثم إن ثبت ذلك عليه ورفع إلى السلطان وأمر بقتله أظهر الإسلام وإلا
فقد حصل غرضه وكل فساد قصد إزالته بالكلية لم يجعل لفاعله سبيل إلى استبقائه بعد الأخذ كالزنى والسرقة وقطع الطريق فإن كان مقصود الشارع من تطهير الدار من ظهور كلمة الكفر والطعن في الدين أبلغ من مقصوده من تطهيرها من وجود هذه القبائح ابتغى أن يكون تحتم عقوبة من فعل ذلك أبلغ من تحتم عقوبة هؤلاء.
وفقه هذا الجواب أن تعلم أن ظهور الطعن في الدين من سب الرسول ونحوه فسادا عريض وراء مجرد الكفر فلا يكون حصول الإسلام ماحيا لذلك الفساد.
وأما الفرق الثالث قولهم: "إن الكافر لم يلتزم تحريم السب" فباطل فإنه لا فرق بين إظهاره لسب النبي صلى الله عليه وسلم وبين إظهاره لسب آحاد من المسلمين وبين سفك دمائهم وأخذ أموالهم فإنه لولا العهد لم يكن فرق عنده بيننا وبين سائر من يخالفه في دينه من المحاربين له ومعلوم أنه يستحل ذلك كله منهم ثم إنه بالعهد صار بذلك محرما عليه في دينه منا لأجل العهد فإذا فعل شيئا من ذلك أقيم عليه حده وإن أسلم سواء انتقض عهده بما يفعله أو لم ينتقض فتارة يجب عليه الحد مع بقاء العهد كما لو سرق أو قذف مسلما وتارة ينتقض عهده ولا حد عليه فيصير بمنزلة المحاربين وتارة يجب عليه الحد وينتقض عهده كما إذا سب الرسول أو زنى بمسلمة أو قطع الطريق على المسلمين فهذا يقتل وإن أسلم وعقوبة هذا النوع من الجنايات القتل حتما كعقوبة القاتل في المحاربة من المسلمين جزاء له على ما فعل من الفساد الذي التزم بعقد الإيمان أن لا يفعله مع كون مثل ذلك الفساد موجبا للقتل ونكالا لأمثاله عن فعل مثل هذا إذا علموا أنه لا يترك صاحبه حتى يقتل.
فهذا هو الجواب عما ذكر من الحجج للمخالف مع أن فيما تقدم من كلامنا ما يغني عن الجواب لمن تبينت له المآخذ والله سبحانه وتعالى أعلم.
فصل: في مواضيع التوبة.
وذلك مبني على التوبة من سائر الجرائم فنقول: لا خلاف علمناه أن قاطع الطريق إذا تاب قبل القدرة عليه سقط عنه ما كان حدا لله من تحتم القتل والصلب والنفي وقطع الرجل وكذلك قطع اليد عند عامة العلماء إلا في وجه لأصحاب الشافعي وقد نص الله على ذلك بقوله: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ومعنى القدرة عليهم إمكان الحد عليهم لثبوته بالبينة أو الإقرار وكونهم في قبضة المسلمين فإذا تابوا قبل أن يؤخذوا سقط ذلك عنهم.
وأما من لم يوجد منه إلا مجرد الردة وقد أظهرها فذلك أيضا تقبل توبته عند العامة إلا ما يروى عن الحسن ومن قيل إنه وافقه.
وأما القاتل والقاذف فلا أعلم مخالفا أن توبتهم لا تسقط عنهم حق الآدمي بمعنى أنه إذا طلب بالقود وحد القذف فله ذلك وإن كانوا قد تابوا قبل ذلك.
وأما الزاني والسارق والشارب فقد أطلق بعض أصحابنا أنه إذا تاب قبل أن يقام عليه الحد فهل يسقط عنه الحد؟ على روايتين: أصحهما: أنه يسقط عنه الحد بمجرد التوبة ولا يعتبر مع ذلك إصلاح العمل.
والثانية: لا يسقط ويكون من توبته تطهيره بالحد.
وقيد بعضهم إذا تاب قبل ثبوت حده عند الإمام وليس بين الكلامين خلاف
في المعنى فإنه لا خلاف أنه لا يسقط في الموضع الذي لا يسقط حد المحارب بتوبته وإن اختلفت عباراتهم: هل ذلك لعدم الحكم بصحة التوبة أو لإفضاء سقوط الحد إلى المفسدة؟ فقال القاضي أبو يعلى وغيره وهو ممن أطلق الروايتين: التوبة غير محكوم بصحتها بعد قدرة الإمام عليه لجواز أن يكون أظهرها تقية من الإمام والخوف من عقوبته قال: ولهذا نقول في توبة الزاني والسارق والشارب: لا يحكم بصحتها بعد علم الإمام بحدهم وثبوته عنده وإنما يحكم بصحتها قبل ذلك قال: وقد ذكره أبو بكر في "الشافي" فقال: "إذا تاب يعني الزاني بعد أن قدر عليه فمن توبته أن يطهر بالرجم أو الجلد وإذا تاب قبل أن يقدر عليه قبلت توبته" فمأخذ القاضي أن نفس التوبة المحكوم بصحتها مسقطة للحد في كل موضع فلم يحتج إلى التقييد هو ومن سلك طريقته من أصحابه مثل الشريف أبي جعفر وأبي الخطاب ومأخذ أبي بكر وغيره الفرق بين ما قبل القدرة وبعدها في الجميع مع صحة التوبة بعد القدرة ويكون الحد من تمام التوبة فلهذا قيدوا فلا فرق في الحكم بين القولين والتقييد بذلك موجود في كلام الإمام أحمد نقل عنه أبو الحارث في سارق جاء تائبا ومعه السرقة فردها قبل أن يقدر عليه قال: "لم يقطع" وقال: قال الشعبي: "ليس على تائب قطع" وكذلك نقل حنبل ومهنا في السارق إذا جاء إلى الإمام تائبا: "يدرأ عنه القطع".
ونقل عنه الميموني في الرجل إذا اعترف بالزنا أربع مرات ثم تاب قبل أن يقام عليه الحد: إنه تقبل توبته ولا يقام عليه الحد وذكر قصة ماعز إذ وجد مس الحجر فهرب قال النبي صلى الله عليه وسلم: "فهلا تركتموه" قال الميموني: وناظرته في مجلس آخر قال: إذا رجع عما أقر به لم يرجم قلت: فإن تاب؟ قال: من توبته أن يطهر بالرجم قال: ودار بيني وبينه الكلام غير مرة أنه إذا رجع لم يقم عليه وإن تاب فمن توبته أن يطهر بالجلد
قال القاضي: والمذهب الصحيح أنه يسقط بالتوبة كما نقل أبو الحارث وحنبل ومهنا.
فتلخص من هذا أنه إذا أظهر التوبة بعد أن ثبت عليه الحد عند الإمام بالبينة لم يسقط عنه الحد وأما إن تاب قبل أن يقدر عليه بأن يتوب قبل أخذه وبعد إقراره الذي له أن يرجع عنه ففيه روايتان وقد صرح بذلك غير واحد من أئمة المذهب منهم الشيخ أبو عبد الله بن حامد قال: "فأما الزنا فإنه لا خلاف أنه فيما بينه وبين الله تصح توبته منه".
فأما إذا تاب الزاني وقد رفع إلى الإمام فقول واحد: لا يسقط الحد فأما إن تاب بحضرة الإمام فإنه ينظر فإن كان بإقرار منه ففيه روايتان وإن كان ذلك ببينه فقول واحد: لا يسقط لأنه إذا قامت البينة عليه بالزنا فقد وجب القضاء بالبينة والإقرار بخلاف البينة لأنه إذا رجع عن إقراره قبل منه.
وقال في السرقة: لا خلاف أن الحق الذي لله يسقط بالتوبة سواء تاب قبل القطع أو بعده وإنما الخلاف فيمن تاب قبل إقامة الحد فإن كان ذلك قبل أن يرفع إلى الإمام سقط الحد سواء رفع إلى الإمام أو لم يرفع وأما إذا تاب بعد أن رفع إلى الإمام فلا يسقط الحد عنه لأنه حق يتعلق بالإمام فلا يجوز تركه.
قال: وكذلك المحارب إذا تاب من حق الله وقد قدمنا أنا إذا قلنا يسقط الحد عن غير قطاع الطريق بالتوبة فإنه يكفي مجرد التوبة وهذا هو المشهور من المذهب كما يكفي ذلك في قطاع الطريق.
وفيه وجه ثان: أنه لا بد من إصلاح العمل مع التوبة وعلى هذا فقد قيل: يعتبر مضي مدة يعتبر بها صدق توبته وصلاح نيته وليست مقدرة بمدة معلومة لأن التوقيت يفتقر إلى توقيف ويتحرج أن يعتبر مضي سنة كما
نص عليه الإمام أحمد في توبة الداعي إلى البدعة أنه يتعين فيه مضي سنة إتباعا لما أمر به عمر بن الخطاب رضي الله عنه في قضية صبيغ بن عسل فإنه تاب عنده ثم نفاه إلى البصرة وأمر المسلمين بهجره فلما حال الحول ولم يظهر منه إلا خير أمر المسلمين بكلامه وهذه قضية مشهورة بين الصحابة هذه طريقة أكثر أصحابنا.
وظاهر طريقة أبي بكر أنه يفرق بين التوبة قبل أن يقر بأن يجيء تائبا وبين أن يقر ثم يتوب لأن أحمد رضي الله عنه إنما أسقط الحد عمن جاء تائبا فأما إذا أقر ثم تاب فقد رجع أحمد عن القول بسقوط الحد.
وللشافعي أيضا في سقوط سائر الحدود غير حد المحارب بالتوبة قولان أصحهما أنه يسقط لكن حد المحارب يسقط بإظهار التوبة قبل القدرة وحد غيره لا يسقط بالتوبة حتى يقترن بها الإصلاح في زمن يوثق بتوبته وقيل: مدة ذلك سنة.
هكذا ذكر العراقيون من أصحابه وذكر بعض الخراسانيين أن في توبة المحارب وغيره بعد الظفر قولين إذا اقترن بها الإصلاح واستشكلوا ذلك فيما إذا أنشأ التوبة حيث أخذ لإقامة الحد فإنه لا يؤخر حتى يصلح العمل.
ومذهب أبي حنيفة ومالك أنه لا يسقط بالتوبة وذكر بعضهم أن ذلك إجماع وإنما هو إجماع في التوبة بعد ثبوت الحد.
فصل.
إذا تلخص ذلك فمن سب الرسول صلى الله عليه وسلم ورفع إلى السلطان وثبت ذلك عليه بالبينة ثم أظهر التوبة لم يسقط عنه الحد عند من يقول: "إنه يقتل حدا" سواء تاب قبل أداء البينة أو بعد أداء البينة لأن هذه توبة بعد أخذه والقدرة عليه فهو كما لو تاب قاطع الطريق والزاني والسارق
في هذه الحال وكذلك لو تاب بعد أن أريد رفعه إلى السلطان والبينة بذلك ممكنة وهذا لا ريب فيه والذمي في ذلك كالملي إذا قيل: "إنه يقتل حدا" كما قررناه.
وأما إن أقر بالسب ثم تاب أو جاء تائبا منه فذهب المالكية أنه يقتل أيضا لأنه حد من الحدود والحدود لا تسقط عندهم بالتوبة قبل القدرة ولا بعدها ولهم في الزنديق إذا جاء تائبا قولان لكن قال القاضي عياض: "مسألته أقوى لا يتصور فيها الخلاف لأنه حق يتعلق بالنبي صلى الله عليه وسلم ولأمته بسببه لا تسقطه التوبة كسائر حقوق الآدميين" وكذلك يقول من يرى أنه يقتله حدا كما يقرر الجمهور ويرى أن التوبة لا تسقط الحد بحال كأحد قولي الشافعي وإحدى الروايتين عن أحمد وأما على المشهور في المذهبين من أن التوبة قبل القدرة تسقط الحد فقد ذكرنا أنما ذاك في حدود الله فأما حدود الآدميين من القود وحد القذف فلا تسقط بالتوبة فعلى هذا لا يسقط القتل عنه وإن تاب قبل القدرة كما لا يسقط القتل قودا عن قاطع الطريق إذا تاب قبل القدرة لأنه حق آدمي ميت فأشبه القود وحد القذف وهذا قول القاضي أبي يعلى وغيره وهو مبني على أن قتله حق لآدمي وأنه لم يعف عنه ولا يسقط إلا بالعفو وهو قول من يفرق بين من سب الله ومن سب رسوله وأما من سوى بين من سب الله ومن سب رسوله وقال: "إن الحدود تسقط بالتوبة قبل القدرة" فإنه يسقط القتل هنا لأنه حد من الحدود الواجبة لله تعالى تاب صاحبه قبل القدرة عليه وهذا موجب قول من قال: "إن توبته تنفعه فيما بينه وبين الله ويسقط عنه حق الرسول في الآخرة" وبه صرح بذلك غير واحد من أصحابنا وغيرهم لأن التوبة المسقطة لحق الله وحق العبد وجدت قبل أخذه لإقامة الحد عليه وذلك أن هذا الحد ليس له عاف عنه فإن لم تكن التوبة مسقطة له لزم أن يكون من الحدود ما لا تسقطه توبة قبل القدرة ولا عفو
وليس لهذا نظير نعم لو كان الرسول صلى الله عليه وسلم حيا لتوجه أن يقال: لا يسقط الحد إلا عفوه بكل حال.
وأما إن أخذ وثبت السب بإقراره ثم تاب أو جاء فأقر بالسب غير مظهر للتوبة ثم تاب فذلك مبني على جواز رجوعه عن هذا الإقرار: فإذا لم يقبل رجوعه أقيم عليه الحد بلا تردد وإن قبل رجوعه وأسقط الحد عمن جاء تائبا ففي سقوطه عن هذا الوجهان المتقدمان وإن أقيم الحد على من جاء تائبا فعلى هذا أولى والقول في الذمي إذا جاء مسلما معترفا أو أسلم بعد إقراره كذلك.
فهذا ما يتعلق بالتوبة من السب ذكرنا ما حضرنا ذكره كما يسره الله سبحانه وتعالى.
وقد حان أن نذكر المسألة الرابعة فنقول: