الصارم المسلول على شاتم الرسولصفحات 3-42

المسألة الأولى: أن من سب النبي صلى الله عليه وسلم من مسلم أو كافر فإنه يجب قتله.

صفحات 3-42

هذا مذهب عليه عامة أهل العلم قال ابن المنذر: "أجمع عوام أهل العلم على أن حد من سب النبي صلى الله عليه وسلم القتل" وممن قاله مالك والليث وأحمد وإسحاق وهو مذهب الشافعي قال: "وحكي عن النعمان لا يقتل" يعني الذي هم عليه من الشرك أعظم وقد حكى أبو بكر الفارسي من أصحاب الشافعي إجماع المسلمين على أن حد من يسب النبي صلى الله عليه وسلم القتل كما أن حد من سب غيره الجلد وهذا الإجماع الذي حكاه هذا محمول على إجماع الصدر الأول من الصحابة والتابعين أو أنه أراد به إجماعهم على أن ساب النبي صلى الله عليه وسلم يجب قتله إذا كان مسلما وكذلك قيده القاضي عياض فقال: "أجمعت الأمة على قتل متنقصه من المسلمين وسابه" وكذلك حكي عن غير واحد الإجماع على قتله وتكفيره وقال الإمام إسحاق بن راهويه أحد الأئمة الأعلام: "أجمع المسلمون على أن

من سب الله أو سب رسوله صلى الله عليه وسلم أو دفع شيئا مما أنزل الله عز وجل أو قتل نبيا من أنبياء الله عز وجل: "أنه كافر بذلك وان كان مقرا بكل ما أنزل الله" قال الخطابي: "لا أعلم أحدا من المسلمين اختلف في وجوب قتله" وقال محمد بن سحنون: "أجمع العلماء على أن شاتم النبي صلى الله عليه وسلم المتنقص له كافر والوعيد جار عليه بعذاب الله له وحكمه عند الأمة القتل ومن شك في كفره وعذابه كفر".
وتحرير القول فيه: أن الساب إن كان مسلما فإنه يكفر ويقتل بغير خلاف وهو مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم وقد تقدم ممن حكى الإجماع على ذلك إسحاق بن راهوية وغيره وان كان ذميا فإنه يقتل أيضا في مذهب مالك وأهل المدينة وسيأتي حكاية ألفاظهم وهو مذهب أحمد وفقهاء الحديث.
وقد نص أحمد على ذلك في مواضع متعددة قال حنبل: "سمعت أبا عبد الله يقول: "كل من شتم النبي صلى الله عليه وسلم أو تنقصه مسلما كان أو كافرا فعليه القتل وأرى أن يقتل ولا يستتاب" قال: وسمعت أبا عبد الله يقول: "كل من نقض العهد وأحدث في الإسلام حدثا مثل هذا رأيت عليه القتل ليس على هذا أعطوا العهد والذمة" وكذلك قال أبو الصفراء: "سألت أبا عبد الله عن رجل من أهل الذمة شتم النبي ماذا عليه؟ قال: إذا قامت عليه البينة يقتل من شتم النبي صلى الله عليه وسلم مسلما كان أو كافرا" رواهما الخلال.
وقال في رواية عبد الله وأبي طالب وقد سئل عن شتم النبي صلى الله عليه وسلم قال: يقتل قيل له: فيه أحاديث؟ قال: نعم أحاديث منها: حديث الأعمى الذي قتل المرأة قال: سمعتها تشتم النبي صلى الله عليه وسلم وحديث حصين أن ابن عمر قال: "من شتم النبي صلى الله عليه وسلم قتل" وعمر ابن عبد العزيز يقول: "يقتل" وذلك أنه من شتم النبي صلى الله عليه وسلم

فهو مرتد عن الإسلام ولا يشتم مسلم النبي صلى الله عليه وسلم زاد عبد الله: "سألت أبي عمن شتم النبي صلى الله عليه وسلم يستتاب قال: "قد وجب عليه القتل ولا يستتاب لأن خالد بن الوليد قتل رجلا شتم النبي صلى الله عليه وسلم ولم يستتبه" رواهما أبو بكر في الشافي وفي رواية أبي طالب: سئل أحمد عمن شتم النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يقتل قد نقض العهد" وقال حرب: سألت أحمد عن رجل من أهل الذمة شتم النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يقتل إذا شتم النبي صلى الله عليه وسلم" رواهما الخلال وقد نص على هذا في غير هذه الجوابات.
فأقواله كلها نص في وجوب قتله وفي أنه قد نقض العهد وليس عنه في هذا اختلاف.
وكذلك ذكر عامة أصحابه متقدمهم ومتأخرهم لم يختلفوا في ذلك إلا أن القاضي في المجرد ذكر الأشياء التي يجب على أهل الذمة تركها وفيها ضرر على المسلمين وآحادهم في نفس أو مال وهي: الإعانة على قتال المسلمين وقتل المسلم أو المسلمة وقطع الطريق عليهم وأن يؤوي للمشركين جاسوسا وأن يعين عليهم بدلالة مثل أن يكاتب المشركين بأخبار المسلمين وأن يزنى بمسلمة أو يصيبها باسم نكاح وأن يفتن مسلما عن دينه قال: "فعليه الكف عن هذا شرط أو لم يشرط فإن خالف انتقض عهده" وذكر نصوص أحمد في بعضها مثل نصه في الزنا بالمسلمة وفي التجسس للمشركين وقتل المسلم وإن كان عبدا كما ذكره الخرقي ثم ذكر نصه في قذف المسلم على أنه لاينتقض عهده بل يحد حد القذف قال: فتخرج المسألة على روايتين ثم قال: "وفي معنى هذه الأشياء ذكر الله وكتابه ودينه ورسوله بما لا ينبغي فهذه أربعة أشياء الحكم فيها كالحكم في الثمانية التي قبلها ليس ذكرها شرطا في صحة العقد فإن أتوا

واحدة منها نقضوا الأمان سواء كان مشروطا في العهد أو لم يكن" وكذلك قال في الخلاف بعد ذكر أن المنصوص انتقاض العهد بهذه الأفعال والأقوال.
قال: وفيه رواية أخرى لا ينتقض عهده إلا بالامتناع من بذل الجزية وجرى أحكامنا عليهم.
ثم ذكر نصه على أن الذمي إذا قذف المسلم يضرب قال: فلم يجعله ناقضا للعهد بقذف المسلم مع ما فيه من الضرر عليه بهتك عرضه.
وتبع القاضي جماعة من أصحابه ومن بعدهم مثل الشريف أبي جعفر وابن عقيل وأبي الخطاب والحلواني فذكروا أنه لا خلاف أنهم إذا امتنعوا من أداء الجزية أو التزام أحكام الملة انتقض عهدهم وذكروا في جميع هذه الأفعال والأقوال التي فيها ضرر على المسلمين وآحادهم في نفس أو مال أو فيها غضاضة على المسلمين في دينهم مثل سب الرسول وما مثله روايتين إحداهما: ينتقض العهد بذلك والأخرى: لا ينتقض عهده وتقام فيه حدود ذلك مع أنهم كلهم متفقون على أن المذهب انتقاض العهد بذلك.
ثم إن القاضي والأكثرين لم يعدوا قذف المسلم من الأمور المضرة الناقضة مع أن الرواية المخرجة إنما خرجت من نصه في القذف.
وأما أبو الخطاب ومن تبعه فنقلوا حكم تلك الخصال إلى القذف كما نقلوا حكم القذف إليها حتى حكوا في انتقاض العهد بالقذف روايتين.
ثم إن هؤلاء كلهم وسائر الأصحاب ذكروا مسألة سب النبي صلى الله عليه وسلم في موضع آخر وذكروا أن سابه يقتل وأن كان ذميا وأن عهده ينتقض وذكروا نصوص أحمد من غير خلاف في المذهب إلا أن الحلواني قال: "ويحتمل أن لا يقتل من سب الله ورسوله إذا كان ذميا".

وسلك القاضي أبو الحسين في نواقض العهد طريقة ثانية توافق قولهم هذا فقال: "أما الثمانية التي فيها ضرر على المسلمين وآحادهم في مال أو في نفس فإنها تنقض العهد في أصح الروايتين" وأما ما فيه إدخال غضاضة ونقص على الإسلام وهي ذكر الله وكتابه ودينه ورسوله بما لا ينبغي فإنه ينقض العهد نص عليه ولم يخرج في هذا رواية أخرى كما ذكرها أولئك في أحد الموضعين وهذا أقرب من تلك الطريقة وعلى الرواية التي تقول: "لا ينتقض العهد بذلك" فإنما ذلك إذا لم يكن مشروطا عليهم في العقد فأما إن كان مشروطا ففيه وجهان أحدهما: ينتقض قاله الخرقي قال أبو الحسن الآمدي: "وهو الصحيح في كل ما شرط عليهم تركه" صحح قول الخرقي بانتقاض العهد إذا خالفوا شيئا مما شرط عليهم والثاني: لا ينتقض قاله القاضي وغيره صرح أبو الحسين بذلك هنا كما ذكره الجماعة فيما إذا أظهروا دينهم وخالفوا هيئتهم من غير إضرار كإظهار الأصوات بكتابهم والتشبه بالمسلمين مع أن هذه الأشياء كلها يجب عليهم تركها بخصوصها.
وهاتان الطريقتان ضعيفتان والذي عليه عامة المتقدمين من أصحابنا ومن تبعهم من المتأخرين إقرار نصوص أحمد على حالها وقد نص في مسائل سب الله ورسوله على انتقاض العهد في غير موضع وعلى أنه يقتل وكذلك فيمن جسس على المسلمين أو زنى بمسلمة على انتقاض عهده وقتله في غير موضع وكذلك نقله الخرقي فيمن قتل مسلما وقطع الطريق أولى وقد نص أحمد على أن قذف المسلم وسحره لا يكون نقضا للعهد في غير موضع هذا هو الواجب لأن تخريج حكم المسألتين إلى الأخرى وجعل المسألتين على روايتين مع وجود الفرق بينهما نصا واستدلالا أو مع وجود معنى يجوز أن يكون مستندا للفرق غير جائز وهذا كذلك وكذلك قد وافقنا

على انتقاض العهد بسب النبي صلى الله عليه وسلم جماعة لم يوافقوا على الانتقاض ببعض هذه الأمور.
وأما الشافعي فالمنصوص عنه نفسه أن عهده ينتقض بسب النبي صلى الله عليه وسلم وأنه يقتل هكذا حكاه ابن المنذر والخطابي وغيرهما والمنصوص عنه في الأم أنه قال: "إذا أراد الإمام أن يكتب كتاب صلح على الجزية كتب" وذكر الشروط إلى أن قال: "وعلى أن أحدا منكم إن ذكر محمدا صلى الله عليه وسلم أو كتاب الله أو دينه بما لا ينبغي أن يذكره فقد برئت منه ذمة الله ثم ذمة أمير المؤمنين وجميع المسلمين ونقض ما أعطى من الأمان وحل لأمير المؤمنين ماله ودمه كما تحل أموال أهل الحرب ودماؤهم وعلى أن أحدا من رجالهم إن أصاب مسلمة بزنا أو اسم نكاح أو قطع الطريق على مسلم أو فتن مسلما عن دينه أو أعان المحاربين على المسلمين بقتال أو دلالة على عورات المسلمين أو إيواء لعيونهم فقد نقض عهده وحل دمه وماله وإن نال مسلما بما دون هذا في ماله أو عرضه لزمه فيه الحكم".
ثم قال: فهذه الشروط اللازمة إن رضيها فبها وإن لم يرضها فلا عقد له ولا جزية.
ثم قال: ولو فعل شيئا مما وصفته نقضا للعهد وأسلم لم يقتل إذا كان ذلك قولا وكذلك إذا كان فعلا لم يقتل إلا أن يكون في دين المسلمين أن من فعله قتل حدا أو قصاصا فيقتل بحد أو قصاص لا نقض عهد.
وإن فعل مما وصفنا وشرط أنه نقض لعهد الذمة فلم يسلم ولكنه قال: "أتوب وأعطي الجزية كما كنت أعطيها أو على صلح أجدّدُه" عوقب ولم يقتل إلا أن يكون فعل فعلا يوجب القصاص أو الحد فأما ما دون هذا من الفعل أو القول فكل قول يعاقب عليه ولا يقتل.

قال: فإن فعل أو قال ما وصفنا وشرط أنه يحل دمه فظفر به فامتنع من أن يقول: "أسلم أو أعطى جزية" قتل وأخذ ماله فيئا.
ونص في الأم أيضا أن العهد لا ينتقض بقطع الطريق ولا بقتل المسلم ولا بالزنا بالمسلمة ولا بالتجسس بل يحد فيما فيه الحد ويعاقب عقوبة مكملة فيما فيه العقوبة ولا يقتل إلا أن يجب عليه القتل.
قال: ولا يكون النقض للعهد إلا بمنع الجزية أو الحكم بعد الإقرار والامتناع بذلك.
قال: ولو قال "أؤدّي الجزية ولا أقر بالحكم" نبذ إليه ولم يقتل على ذلك مكانه وقيل: قد تقدم لك أمان فأمانك كان للجزية وإقرارك بها وقد أجلناك في أن تخرج من بلاد الإسلام ثم إذا خرج فبلغ مأمنه قتل إن قدر عليه.
فعلى كلامه المأثور عنه يفرق بين ما فيه غضاضة على الإسلام وبين الضرر بالفعل أو يقال: يقتل الذمي بسبه وإن لم ينقض عهده كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
وأما أصحابه فذكروا فيما إذا ذكر الله أو كتابه أو رسوله بسوء وجهين: أحدهما: ينتقض عهده بذلك سواء شرط عليه تركه أو لم يشرط بمنزلة ما إذا قاتلوا المسلمين وامتنعوا من التزام الحكم كطريقة أبي الحسين من أصحابنا وهذه طريقة أبي إسحاق المرزوي.
ومنهم من خص سب رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده بأنه يوجب القتل.
والثاني: أن السب كالأفعال التي على المسلمين فيها ضرر من قتل المسلم

والزنا بالمسلمة والجس وما ذكر معه وذكروا في تلك الأمور وجهين أحدهما: أنه إن لم يشرط عليهم تركها بأعيانها ففي انتقاض العهد بفعلها وجهان والثاني: لم ينتقض العهد بفعلها مطلقا.
ومنهم من حكى هذه الوجوه أقوالا وهي أقوال مشار إليها فيجوز أن تسمى أقوالا ووجوها هذه طريقة العراقيين وقد صرحوا بأن المراد شرط تركها لا شرط انتقاض العهد بفعلها كما ذكره أصحابنا.
وأما الخراسانيون فقالوا: "المراد بالاشتراط هنا شرط انتقاض العهد بفعلها لا شرط تركها" قالوا: "لأن الترك موجب لنفس العقد" ولذلك ذكروا في تلك الخصال المضرة ثلاثة أوجه أحدها: ينتقض بفعلها والثاني: لا ينتقض والثالث: إن شرط في العقد انتقاض العهد بفعلها انتقض وإلا فلا.
ومنهم من قال: إن شرط نقض وجها واحدا وإن لم يشرط فوجهان وحسبوا أن مراد العراقيين بالاشتراط هذا فقالوا حكاية عنهم: إن لم يجر شرط لم ينتقض العهد وإن جرى فوجهان ويلزم من هذا أن يكون العراقيون قائلين بأنه إن لم يجر شرط الانتقاض بهذه الأشياء لم ينتقض بها وجها واحدا وإن صرح بشرط تركها وهذا غلط عليهم والذي نصروه في كتب الخلاف أن سب النبي صلى الله عليه وسلم ينقض العهد ويوجب القتل كما ذكرنا عن الشافعي نفسه.
وأما أبو حنيفة وأصحابه فقالوا: لا ينتقض العهد بالسب ولا يقتل الذمي بذلك لكن يعزر على إظهار ذلك كما يعزر على إظهار المنكرات التي ليس لهم فعلها من إظهار أصواتهم بكتابهم ونحو ذلك وحكاه الطحاوي عن الثوري ومن أصولهم أن ما لا قتل فيه عندهم مثل القتل بالمثقل والجماع في غير القبل إذا تكرر فللإمام أن يقتل فاعله وكذلك له أن يزيد على الحد المقدر إذا رأى المصلحة في ذلك ويحملون ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من

القتل في مثل هذه الجرائم على أنه رأى المصلحة في ذلك ويسمونه القتل سياسة وكان حاصله أن له أن يعزر بالقتل في الجرائم التي تغلظت بالتكرار وشرع القتل في جنسها ولهذا أفتى أكثرهم بقتل من أكثر من سب النبي صلى الله عليه وسلم من أهل الذمة وإن أسلم بعد أخذه وقالوا: يقتل سياسة وهذا متوجه على أصولهم.
والدلائل على انتقاض عهد الذمي بسب الله أو كتابه أو دينه أو رسوله ووجوب قتله وقتل المسلم إذا أتى ذلك: الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والتابعين والاعتبار.
أما الكتاب فيستنبط ذلك منه من مواضع: أحدها: قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِر﴾ إلى قوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ فأمرنا بقتالهم إلى أن يعطوا الجزية وهم صاغرون ولا يجوز الإمساك عن قتالهم إلا إذا كانوا صاغرين حال إعطائهم الجزية ومعلوم أن إعطاء الجزية من حين بذلها والتزامها إلى حين تسليمها وإقباضها فإنهم إذا بذلوا الجزية شرعوا في الإعطاء ووجب الكف عنهم إلى أن يقبضوناها فيتم الإعطاء فمتى لم يلتزموها أو التزموها أولا وامتنعوا من تسليمها ثانيا لم يكونوا معطين للجزية لأن حقيقة الإعطاء لم توجد وإذا كان الصغار حالا لهم في جميع المدة فمن المعلوم أن من أظهر سب نبينا في وجوهنا وشتم ربنا على رؤوس الملإ منا وطعن في ديننا في مجامعنا فليس بصاغر لأن الصاغر الذليل الحقير وهذا فعل متعزز مراغم بل هذا

غاية ما يكون من الإذلال لنا والإهانة قال أهل اللغة: الصغار الذل والضيم يقال: صغر الرجل بالكسر يصغر بالفتح صغرا وصغرا والصاغر: الراضي بالضيم ولا يخفى على المتأمل أن إظهار السب والشتم لدين الأمة التي اكتسب شرف الدنيا والآخرة ليس فعل راض بالذل والهوان وهذا ظاهر لا خفاء به.
وإذا كان قتالهم واجبا علينا إلا أن يكونوا صاغرين وليسوا بصاغرين كان القتال مأمورا به وكل من أمرنا بقتاله من الكفار فإنه يقتل إذا قدرنا عليه.
وأيضا فإنا إذا كنا مأمورين أن نقاتلهم إلى هذه الغاية لم يجز أن نعقد لهم عهد الذمة بدونها ولو عقد لهم كان عقدا فاسدا فيبقون على الإباحة.
ولا يقال فيهم: فهم يحسبون أنهم معاهدون فتصير لهم شبهة أمان وشبهة الأمان كحقيقة فإن من تكلم بكلام يحسبه الكافر أمانا كان في حقه أمانا وإن لم يقصده المسلم.
لأنا نقول: لا يخفى عليهم أنا لم نرض بأن يكونوا تحت أيدينا مع إظهار شتم ديننا وسب نبينا وهم يدرون أنا لا نعاهد ذميا على مثل هذه الحال فدعواهم أنهم اعتقدوا أنا عاهدناهم على مثل هذا مع اشتراطنا عليهم أن يكونوا صاغرين تجري عليهم أحكام الملة دعوى كاذبة فلا يلتفت إليها.
وأيضا فإن الذين عاهدوهم أول مرة هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل عمر وقد علمنا أنه يمتنع أن يعاهدهم عهدا خلاف ما أمر الله به في كتابه.
وأيضا فإنا سنذكر شروط عمر رضي الله عنه وأنها تضمنت أن من أظهر الطعن في ديننا حل دمه وماله.

الموضع الثاني: قوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَام﴾ إلى قوله: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾ نفى سبحانه أن يكون لمشرك عهد ممن كان النبي صلى الله عليه وسلم قد عاهدهم إلا قوما ذكرهم فإنه جعل لهم عهدا ما داموا مستقيمين لنا فعلم أن العهد لا يبقى للمشرك إلا ما دام مستقيما ومعلوم أن مجاهرتنا بالشتيمة والوقيعة في ربنا ونبينا وكتابنا وديننا يقدح في الاستقامة كما تقدح مجاهرتنا بالمحاربة في العهد بل ذلك أشد علينا إن كنا مؤمنين فإنه يجب علينا أن نبذل دماءنا وأموالنا حتى تكون كلمة الله هي العليا ولا يجهر في ديارنا بشيء من أذى الله ورسوله فإذا لم يكونوا مستقيمين لنا بالقدح في أهون الأمرين كيف يكونون مستقيمين مع القدح في أعظمهما؟.
يوضح ذلك قوله تعالى: ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً﴾ أي كيف يكون لهم عهد ولو ظهروا عليكم لم يرقبوا الرحم التي بينكم ولا العهد الذي بينكم وبينهم؟ فعلم أن من كانت حاله أنه إذا ظهر لم يرقب ما بيننا وبينه من العهد لم يكن له عهد من جاهرنا بالطعن في ديننا كان ذلك دليلا على أنه لو ظهر لم يرقب العهد الذي بيننا وبينه فإنه إذا كان مع وجود العهد والذلة يفعل هذا فكيف يكون مع العزة والقدرة؟ وهذا بخلاف من لم يظهر لنا مثل هذا الكلام فإنه يجوز أن يفي لنا بالعهد لو ظهر.
وهذه الآية وإن كانت في أهل الهدنة الذين يقيمون في دارهم فإن معناها ثابت في أهل الذمة المقيمين في دارنا بطريق الأولى.

الموضع الثالث: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ وهذه الآية تدل من وجوه: أحدها: أن مجرد نكث الأيمان مقتض للمقاتلة وإنما ذكر الطعن في الدين وأفرده بالذكر تخصيصا له بالذكر وبيانا لأنه من أقوى الأسباب الموجبة للقتال ولهذا يغلظ على الطاعن في الدين من العقوبة ما لا يغلظ على غيره من الناقضين كما سنذكره إن شاء الله تعالى أو يكون ذكره على سبيل التوضيح وبيان سبب القتال فان الطعن في الدين هو الذي يجب أن يكون داعيا إلى قتالهم لتكون كلمة الله هي العليا وأما مجرد نكث اليمين فقد يقاتل لأجله شجاعة وحمية ورياء أو يكون ذكر الطعن في الدين لأنه أوجب القتال في هذه الآية بقوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ وبقوله تعالى: ﴿أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَأُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ فيفيد ذلك أن من لم يصدر منه إلا مجرد نكث اليمين جاز أن يؤمن ويعاهد وأما من طعن في الدين فإنه يتعين قتاله وهذه كانت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه كان يهدر دماء من آذى الله ورسوله وطعن في الدين وإن أمسك عن غيره وإذا كان نقض العهد وحده موجبا للقتال وإن تجرد عن الطعن علم أن الطعن في الدين إما سبب آخر أو سبب مستلزم لنقض العهد فإنه لابد أن يكون له تأثير في وجوب المقاتلة وإلا كان ذكره ضائعا.
فان قيل: هذا يفيد أن من نكث عهده وطعن في الدين يجب قتاله أما من طعن في الدين فقط فلم تتعرض الآية له بل مفهومها أنه وحده لا يوجب هذا

الحكم لأن الحكم المعلق بصفتين لا يجب وجوده عند وجود إحدهما.
قلنا: لا ريب أنه لابد أن يكون لكل صفة تأثير في الحكم وإلا فالوصف العديم التأثير لا يجوز تعليق الحكم به كمن قال: من زنى وأكل جلد ثم قد يكون كل صفة مستقلة بالتأثير لو انفردت كما يقال: يقتل هذا لأنه مرتد زان وقد يكون مجموع الجزاء مرتبا على المجموع ولكل وصف تأثير في البعض كما قال: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ﴾ الآية وقد تكون تلك الصفات متلازمة كل منها لو فرض تجرده لكان مؤثرا على سبيل الاستقلال أو الاشتراك فيذكر إيضاحا وبيانا للموجب كما يقال: كفروا بالله وبرسوله وعصى الله ورسوله وقد يكون بعضها مستلزما للبعض من غير عكس كما قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ الآية وهذه الآية من أي الأقسام فرضت كان فيها دلالة لأن أقصى ما يقال أن نقض العهد هو المبيح للقتال والطعن في الدين مؤكد له وموجب له فنقول: إذا كان الطعن يغلظ قتال من ليس بيننا وبينه عهد ويوجبه فأن يوجب قتال من بيننا وبينه ذمة وهو ملتزم للصغار أولى وسيأتي تقرير ذلك على أن المعاهد له أن يظهر في داره ما شاء من أمر دينه الذي لا يؤذينا والذمي ليس له أن يظهر في دار الإسلام شيئا من دينه الباطل وإن لم يؤذنا فحاله أشد وأهل مكة الذين نزلت فيهم هذه الآية كانوا معاهدين لا أهل ذمة فلو فرض أن مجرد طعنهم ليس نقضا للعهد لم يكن الذمي كذلك.

الوجه الثاني: أن الذمي إذا سب الرسول أو سب الله أو عاب الإسلام علانية فقد نكث يمينه وطعن في ديننا لأنه لا خلاف بين المسلمين أنه يعاقب على ذلك ويؤدب عليه فعلم أنه لم يعاهد عليه لأنا لو عاهدناه عليه ثم فعله لم تجز عقوبته عليه وإذا كنا قد عاهدناه على أن لا يطعن في ديننا ثم يطعن في ديننا فقد نكث في دينه من بعد عهده وطعن في ديننا فيجب قتله بنص الآية وهذه دلالة قوية حسنة لأن المنازع يسلم لنا أنه ممنوع من ذلك بالعهد الذي بيننا وبينه لكن نقول: ليس كل ما منع منه نقض عهده كإظهار الخمر والخنزير ونحو ذلك فنقول: قد وجد منه شيئان: ما منعه منه العهد وطعن في الدين بخلاف أولئك فإنه لم يوجد منهم إلا فعل ما هم ممنوعون منه بالعهد فقط والقرآن يوجب قتل من نكث يمينه من بعد عهده وطعن في الدين ولا يمكن أن يقال "لم ينكث" لأن النكث هو مخالفة العهد فمتى خالفوا شيئا مما صولحوا عليه فهو نكث مأخوذ من نكث الحبل وهو نقض قواه ونكث الحبل يحصل بنقض قوة واحدة كما يحصل بنقض جميع القوى ولكن قد بقى من قواه ما يستمسك الحبل به وقد يهن بالكلية وهذه المخالفة من المعاهد قد تبطل العهد بالكلية حتى تجعله حربيا وقد شعث العهد حتى تبيح عقوبتهم كما أن نقض بعض الشروط في البيع والنكاح ونحوهما قد يبطل البيع بالكلية كما لو وصفه بأنه فرس فظهر بعيرا وقد يبيح الفسخ كالإخلال بالرهن والضمين هذا عند من يفرق في المخالفة وأما من قال: "ينتقض العهد بجميع المخالفات" فالأمر ظاهر على قوله وعلى التقديرين قد اقتضى العقد أن لا يظهروا شيئا من عيب ديننا وأنهم متى أظهروا فقد نكثوا وطعنوا في الدين فيدخلون في عموم الآية لفظا ومعنى ومثل هذا العموم يبلغ درجة النص.

الوجه الثالث: أنه سماهم أئمة الكفر لطعنهم في الدين وأوقع الظاهر موقع المضمر لأن قوله ﴿أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ إما أن يعنى به الذين نكثوا أو طعنوا أو بعضهم والثاني لا يجوز لأن الفعل الموجب للقتال صدر من جميعهم فلا يجوز تخصيص بعضهم بالجزاء إذا العلة يجب طردها إلا لمانع ولا مانع ولأنه علل ذلك ثانيا بأنهم لا أيمان لهم وذلك يشمل جميع الناكثين الطاعنين ولان النكث والطعن وصف مشتق مناسب لوجوب القتال وقد رتب عليه بحرف الفاء ترتيب الجزاء على شرطه وذلك نص في أن ذلك الفعل هو الموجب للثاني فثبت أنه عنى الجميع فيلزم أن الجميع أئمة كفر وإمام الكفر هو الداعي إليه المتبع فيه وإنما صار إماما في الكفر لأجل الطعن فإن مجرد النكث لا يوجب ذلك وهو مناسب لأن الطعن في الدين يعيبه ويذمه ويدعو إلى خلافه وهذا شأن الإمام فثبت أن كل طاعن في الدين فهو إمام في الكفر فإذا طعن الذمي في الدين فهو إمام في الكفر فيجب قتله لقوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ ولا يمين له لأنه عاهدنا على أن لا يظهر عيب الدين وخالف واليمين هنا المراد بها العهود لا القسم بالله فيما ذكره المفسرون وهو كذلك فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يقاسمهم بالله عام الحديبية وإنما عاقدهم عقدا ونسخة الكتاب معروفة ليس فيها قسم وهذا لأن اليمين يقال: إنما سميت بذلك لأن المعاهدين يمد كل منهما يمينه إلى الآخر ثم غلبت حتى صار مجرد الكلام بالعهد يسمى يمينا ويقال: سميت يمينا لأن اليمين هي القوة والشدة كما قال الله تعالى: ﴿لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ فلما كان الحلف معقودا مشددا سمي يمينا فاسم اليمين جامع للعقد الذي بين العبد وبين ربه وإن كان نذرا ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم "النذر حلفة" وقوله: "كفارة النذر كفارة اليمين" وقول

جماعة من الصحابة للذي نذَر نذْر اللجاج والغضب: "كفر يمينك" وللعهد الذي بين المخلوقين ومنه قوله تعالى: ﴿وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ والنهي عن نقض العهود وإن لم يكن فيها قسم وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ﴾ وإنما لفظ العهد "بايعناك على أن لا نفر" ليس فيه قسم وقد سماهم معاهدين لله وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ﴾ قالوا: معناه يتعاهدون ويتعاقدون لأن كل واحد من المعاهدين إنما عاهده بأمانة الله وكفالته وشهادته فثبت أن كل من طعن في ديننا بعد أن عاهدناه عهدا يقتضي أن لا يفعل ذلك فهو إمام في الكفر لا يمين له فيجب قتله بنص الآية وبهذا يظهر الفرق بينه وبين الناكث الذي ليس بإمام وهو من خالف بفعل شيء مما صولحوا عليه من غير الطعن في الدين.
الوجه الرابع: أنه قال تعالى: ﴿أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَأُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ فجعل همهم بإخراج الرسول من المحضضات على قتالهم وما ذاك إلا لما فيه من الأذى وسبه أغلظ من الهم بإخراجه بدليل أنه صلى الله عليه وسلم عفا عام الفتح عن الذين هموا بإخراجه ولم يعف عمن سبه فالذمي إذا أظهر سبه فقد نكث عهده وفعل ما هو أعظم من الهم بإخراج الرسول وبدأ بالأذى فيجب قتاله.
الوجه الخامس: قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ

وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أمر سبحانه بقتال الناكثين الطاعنين في الدين وضمن لنا إن فعلنا ذلك أن يعذبهم بأيدينا ويخزيهم وينصرنا عليهم ويشفي صدور المؤمنين الذين تأذوا من نقضهم وطعنهم وأن يذهب غيظ قلوبهم لأنه رتب ذلك على قتالهم ترتيب الجزاء على الشرط والتقدير: إن تقاتلوهم يكن هذا كله فدل على أن الناكث الطاعن مستحق هذا كله وإلا فالكفار يدالون علينا المرة وندال عليهم الأخرى وإن كانت العاقبة للمتقين وهذا تصديق ما جاء في الحديث: "ما نقض قوم العهد إلا أديل عليهم العدو" والتعذيب بأيدينا هو القتل فيكون الناكث الطاعن مستحقا للقتل والساب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ناكث طاعن كما تقدم فيستحق القتل وإنما ذكر سبحانه النصر عليهم وأنه يتوب من بعد ذلك على من يشاء لأن الكلام في قتال الطائفة الممتنعة فأما الواحد المستحق للقتل فلا ينقسم حتى يقال فيه "يعذبه الله ويتوب الله من بعد ذلك على من يشاء" على أن قوله ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ يجوز أن يكون عائدا إلى من لم يطعن بنفسه وإنما أقر الطاعن فسميت الفئة طاعنة لذلك وعند التمييز فبعضهم دون بعضهم مباشر ولا يلزم من التوبة على الردء التوبة على المباشر ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم أهدر عام الفتح دم الذين باشروا الهجاء ولم يهدر دم الذين سمعوه وأهدر دم بني بكر ولم يهدر دم الذين أعاروهم السلاح.
الوجه السادس: أن قوله تعالى: ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ دليل على أن شفاء الصدور من ألم النكث والطعن وذهاب الغيظ الحاصل في صدور المؤمنين من ذلك أمر مقصود للشارع مطلوب الحصول وأن ذلك يحصل إذا جاهدوا كما جاء في الحديث المرفوع:

" عليكم بالجهاد فإنه باب من أبواب الله يدفع الله به عن النفوس الهم والغم " ولا ريب أن من أظهر سب الرسول صلى الله عليه وسلم من أهل الذمة وشتمه فإنه يغيظ المؤمنين ويؤلمهم أكثر مما لو سفك دماء بعضهم وأخذ أموالهم فإن هذا يثير الغضب لله والحمية له ولرسوله وهذا القدر لا يهيج في قلب المؤمن غيظا أعظم منه بل المؤمن المسدد لا يغضب هذا الغضب إلا لله والشارع يطلب شفاء صدور المؤمنين وذهاب غيظ قلوبهم وهذا إنما يحصل بقتل الساب لأوجه: أحدها: أن تعزيره وتأديبه يذهب غيظ قلوبهم إذا شتم واحدا من المسلمين أو فعل نحو ذلك فلو أذهب غيظ قلوبهم إذا شتم الرسول لكان غيظهم من شتمه مثل غيظهم من شتم واحد منهم وهذا باطل.
الثاني: أن شتمه أعظم عندهم من أن يؤخذ بعض دمائهم ثم لو قتل واحدا منهم لم يشف صدورهم إلا قتله فأن لا تشفى صدورهم إلا بقتل الساب أولى وأحرى.
الثالث: أن الله تعالى جعل قتالهم هو السبب في حصول الشفاء والأصل عدم سبب آخر يحصله فيجب أن يكون القتل والقتال هو الشافي لصدور المؤمنين من مثل هذا.
الرابع: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما فتحت مكة وأراد أن يشفي صدور خزاعة وهم القوم المؤمنين من بني بكر الذين قاتلوهم مكنهم منهم نصف النهار أو أكثر مع أمانه لسائر الناس فلو كان شفاء صدورهم وذهاب غيظ قلوبهم يحصل بدون القتل للذين نكثوا وطعنوا لما فعل ذلك مع أمانه للناس.
الموضع الرابع: قوله سبحانه: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ

فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِداً فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ﴾ فإنه يدل على أن أذى النبي صلى الله عليه وسلم محادة لله ولرسوله لأنه قال هذه الآية عقب قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ﴾ ثم قال: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ فلو لم يكونوا بهذا الأذى محادين لم يحسن أن يوعدوا بأن للمحاد نار جهنم لأنه يمكن حينئذ أن يقال: قد علموا أن للمحاد نار جهنم لكنهم لم يحادوا وإنما آذوا فلا يكون في الآية وعيد لهم فعلم أن هذا الفعل لا بد أن يندرج في عموم المحادة ليكون وعيد المحاد وعيدا له ويلتئم الكلام.
ويدل على ذلك أيضا ما روى الحاكم في صحيحه بإسناد صحيح عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم " كان في ظل حجرة من حجره وعنده نفر من المسلمين فقال: إنه سيأتيكم إنسان ينظر إليكم بعين شيطان فإذا أتاكم فلا تكلموه فجاء رجل أزرق فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: علام تشتمني أنت وفلان وفلان فانطلق الرجل فدعاهم فحلفوا بالله واعتذروا إليه " فأنزل الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ ثم قال بعد ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ فعلم أن هذا داخل في المحادة.
وفي رواية أخرى صحيحة أنه نزل قوله: ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُم﴾ وقد قال: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ﴾ ثم قال عقبه:

﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَه﴾ فثبت ان هؤلاء الشاتمين محادون وسيأتي إن شاء الله زيادة في ذلك.
وإذا كان الأذى محادة لله ورسوله فقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ والأذل أبلغ من الذليل ولا يكون أذل حتى يخاف على نفسه وماله إن أظهر المحادة لأنه إن كان دمه وماله معصوما لا يستباح فليس بأذل يدل عليه قوله تعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلاَّ بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ فبين سبحانه أنهم أينما ثقفوا فعليهم الذلة إلا مع العهد فعلم أن من له عهد وحبل لا ذلة عليه وان كانت عليه المسكنة فإن المسكنة قد تكون مع عدم الذلة وقد جعل المحادين في الأذلين فلا يكون لهم عهد إذ العهد ينافي الذلة كما دلت عليه الآية وهذا ظاهر فإن الأذل هو الذي ليس له قوة يمتنع بها ممن أرداه بسوء فإذا كان له من المسلمين عهد يجب عليهم به نصره ومنعه فليس بأذل فثبت أن المحاد لله ولرسوله لا يكون له عهد يعصمه والمؤذي للنبي صلى الله عليه وسلم محاد فالمؤذي للنبي ليس له عهد يعصم دمه وهو المقصود.
وأيضا فإنه قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ والكبت: الإذلال والخزي والصرع قال الخليل: "الكبت هو الصرع على الوجه" وقال النضر بن شميل وابن قتيبة: "هو الغيظ والحزن وهو في الاشتقاق الأكبر من كبده كأن الغيظ والحزن أصاب كبده" كما يقال: أحرق الحزن والعداوة كبده وقال أهل التفسير: "كبتوا أهلكوا وأخزوا وحزنوا" فثبت أن المحاد مكبوت مخزي ممتل غيظا وحزنا هالك

وهذا إنما يتم إذا خاف إن أظهر المحادة أن يقتل وإلا فمن أمكنه إظهار المحادة وهو آمن على دمه وماله فليس بمكبوت بل مسرور جذلان ولأنه قال: ﴿كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ والذين من قبلهم ممن حاد الرسل وحاد رسول الله إنما كبته الله بأن أهلكه بعذاب من عنده أو بأيدي المؤمنين والكبت وإن كان يحصل منه نصيب لكل من لم ينل غرضه كما قال سبحانه: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ لكن قوله تعالى: ﴿كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يعني محادى الرسل دليل على الهلاك أو كتم الأذى يبين ذلك أن المنافقين هم من المحادين فهم مكبوتون بموتهم بغيظهم لخوفهم أنهم إن أظهروا ما في قلوبهم قتلوا فيجب أن يكون كل محاد كذلك.
وأيضا فقوله تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ عقب قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ﴾ دليل على أن المحادة مغالبة ومعاداة حتى يكون أحد المتحادين غالبا والآخر مغلوبا وهذا إنما يكون بين أهل الحرب لا أهل السلم فعلم أن المحاد وليس بمسالم والغلبة للرسل بالحجة والقهر فمن أمر منهم بالحرب نصر على عدوه ومن لم يؤمر بالحرب أهلك عدوه وهذا أحسن من قول من قال: إن الغلبة للمحارب بالنصر ولغير المحارب بالحجة فعلم أن هؤلاء المحادين محاربون مغلوبون.
أيضا فإن المحادة من المشاقة لأن المحادة من الحد والفصل والبينونة وكذلك المشاقة من الشق وهو بهذا المعنى فهما جميعا بمعنى المقاطعة والمفاصلة ولهذا يقال: إنما سميت بذلك لأن كل واحد من المتحادين والمتشاقين في حد وشق من الآخر وذلك يقتضي انقطاع الحبل الذي بين أهل العهد إذا حاد بعضهم بعضا فلا حبل لمحاد لله ورسوله.

وأيضا فإنها إذا كانت بمعنى المشاقة فإن الله سبحانه قال: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ فأمر بقتلهم لأجل مشاقتهم ومحادتهم فكل من حاد وشاق يجب أن يفعل به ذلك لوجود العلة.
وأيضا فإنه تعالى قال: ﴿وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ والتعذيب هنا والله أعلم القتل لأنهم قد عذبوا بما دون ذلك من الإجلاء وأخذ الأموال فيجب تعذيب من شاق الله تعالى ورسوله ومن أظهر المحادة فقد شاق الله ورسوله بخلاف من كتمها فإنه ليس بمحاد ولا مشاق.
وهذه الطريقة أقوى في الدلالة يقال: هو محاد وإن لم يكن مشاقا ولهذا جعل جزاء المحاد مطلقا أن يكون مكبوتا كما كبت من قبله وأن يكون في الأذلين وجعل جزاء المشاق القتل والتعذيب في الدنيا ولن يكون مكبوتا كما كبت من قبله في الأذلين إلا إذا لم يمكنه إظهار محادته فعلى هذا تكون المحادة أعم ولهذا ذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية: إنها نزلت فيمن قتل من المسلمين أقاربه في الجهاد وفيمن أراد أن يقتل لمن تعرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالأذى من كافر أو منافق قريب له فعلم أن المحاد يعم المشاق وغيره.
ويدل على ذلك أنه قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ﴾ الآيات إلى قوله: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ وإنما نزلت في

المنافقين الذين تولوا اليهود المغضوب عليهم وكان أولئك اليهود أهل عهد من النبي صلى الله عليه وسلم ثم إن الله سبحانه بين أن المؤمنين لا يوادون من حاد الله ورسوله فلا بد أن يدخل في ذلك عدم المودة لليهود وإن كانوا أهل ذمة لأنه سبب النزول وذلك يقتضي أن أهل الكتاب محادون لله ورسوله وان كانوا معاهدين.
ويدل على ذلك أن الله قطع الموالاة بين المسلم والكافر وإن كان له عهد وذمة وعلى هذا التقدير يقال: عوهدوا على أن لا يظهروا المحادة ولا يعلنوا بها بالإجماع كما تقدم وكما سيأتي فإذا أظهروا صاروا محادين لا عهد لهم مظهرين للمحادة وهؤلاء مشاقون فيستحقون خزي الدنيا من القتل ونحوه وعذاب الآخرة.
فإن قيل: إذا كان كل يهودي محادا لله ورسوله فمن المعلوم أن العهد يثبت لهم مع التهود وذلك ينقض ما قدمتم من أن المحاد لا عهد له.
قيل: من سلك هذه الطريقة قال: المحاد لا عهد له على إظهار المحادة فأما إذا لم يظهر لنا المحادة فقد أعطيناه العهد وقوله تعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلاَّ بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ يقتضي أن الذلة تلزمه فلا تزول إلا بحبل من الله وحبل من الناس وحبل المسلمين معه على أن لا يظهر المحادة بالاتفاق فليس معه حبل مطلق بل حبل مقيد فهذا الحبل لا يمنعه أن يكون أذل إذا فعل ما لم يعاهد عليه أو يقول صاحب هذا المسلك: الذلة لازمة لهم بكل حال كما أطلقت في سورة البقرة وقوله: ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلاَّ بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ﴾ يجوز أن يكون تفسيرا للذلة أي ضربت عليهم أنهم أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس فالحبل لا يرفع الذلة وإنما يرفع بعض موجباتها وهو القتل فإن

من كان لا يعصم دمه إلا بعهد فهو ذليل وإن عصم دمه بالعهد لكن على هذا التقدير تضعف الدلالة الأولى من المحادة والطريقة الأولى أجود كما تقدم وفي زيادة تقريرها طول.
الموضع الخامس: قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ وهذه الآية توجب قتل من آذى الله ورسوله كما سيأتي إن شاء الله تعالى تقريره والعهد لا يعصم من ذلك لأنا لم نعاهدهم على أن يؤذوا الله ورسوله.
ويوضح ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم " من لكعب بن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله " فندب المسلمين إلى يهودي كان معاهدا لأجل أنه آذى الله ورسوله فدل ذلك على أنه لا يوصف كل ذمي بأنه يؤذي الله ورسوله وإلا لم يكن فرق بينه وبين غيره ولا يصح أن يقال: اليهود ملعونون في الدنيا والآخرة مع إقرارهم على ما يوجب ذلك لأنا لم نقرهم على إظهار أذى الله ورسوله وإنما أقررناهم على أن يفعلوا بينهم ما هو من دينهم.
فصل.
وأما الآيات الدالات على كفر الشاتم وقتله أو على أحدهما إذا لم يكن معاهدا وإن كان مظهرا للإسلام فكثيرة مع أن هذا مجمع عليه كما تقدم حكاية الإجماع عن غير واحد.
منها قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾

إلى قوله ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَه﴾ فعلم أن إيذاء رسول الله محادة لله ولرسوله لأن ذكر الإيذاء هو الذي اقتضى ذكر المحادة فيجب أن يكون داخلا فيه ولولا ذلك لم يكن الكلام مؤتلفا إذا أمكن أن يقال: إنه ليس بمحاد ودل ذلك على أن الإيذاء والمحادة كفر لأنه أخبر أن له نار جهنم خالدا فيها ولم يقل "هي جزاؤه" وبين الكلامين فرق بل المحادة هي المعاداة والمشاقة وذلك كفر ومحاربة فهو أغلظ من مجرد الكفر فيكون المؤذي لرسول الله صلى الله عليه وسلم كافرا عدوا لله ورسوله محاربا لله ورسوله لأن المحادة اشتقاقها من المبيانة بأن يصير كل واحد منهما في حد كما قيل "المشاقة: أن يصير كل منهما في شق والمعاداة: أن يصير كل منهما في عدوة".
وفي الحديث أن رجلا كان يسب النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " من يكفيني عدوي " وهذا ظاهر قد تقدم تقريره وحينئذ فيكون كافرا حلال الدم لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ﴾ ولو كان مؤمنا معصوما لم يكن أذل لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وقوله: ﴿كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ والمؤمن لا يكبت كما كبت مكذبو الرسل قط ولأنه قد قال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية فإذا كان من يواد المحاد ليس بمؤمن فكيف بالمحاد نفسه؟ وقد قيل: إن من سبب نزولها أن أبا قحافة شتم النبي صلى الله عليه وسلم فأراد الصديق قتله أو أن ابن أبي تنقص النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذن ابنه

النبي صلى الله عليه وسلم في قتله لذلك فثبت أن المحاد كافر حلال الدم.
وأيضا فقد قطع الله الموالاة بين المؤمنين وبين المحادين لله ورسوله والمعادين لله ورسوله فقال تعالى ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُم﴾ الآية وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ فعلم أنهم ليسوا من المؤمنين.
وأيضا فإنه قال سبحانه: ﴿وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ فجعل سبب استحقاقهم العذاب في الدنيا ولعذاب النار في الآخرة هو مشاقة الله ورسوله والمؤذي للنبي صلى الله عليه وسلم مشاق لله ورسوله كما تقدم والعذاب هنا هو الإهلاك بعذاب من عنده أو بأيدينا وإلا فقد أصابهم ما دون ذلك من ذهاب الأموال وفراق الأوطان.
وقال سبحانه: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُم﴾ إلى قوله: ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ فجعل إلقاء الرعب في قلوبهم والأمر بقتلهم لأجل مشاقتهم لله ورسوله فكل من شاق الله ورسوله يستوجب ذلك.
وقولهم: ﴿هُوَ أُذُنٌ﴾ قال مجاهد: "هو أذن" يقولون: سنقول ما شئنا ثم نحلف له فيصدقنا".
وقال الوالبي عن ابن عباس: "يعني أنه يسمع من كل أحد".

قال بعض أهل التفسير: كان رجال من المنافقين يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقولون ما لا ينبغي فقال بعضهم: لا تفعلوا فإنا نخاف أن يبلغه ما تقولون فيقع بنا فقال الجلاس: "بل نقول ما شئنا ثم نأتيه فيصدقنا فإنما محمد أذن سامعة فأنزل الله هذه الآية".
وقال ابن إسحاق: كان نبتل بن الحارث الذي قال النبي صلى الله عليه وسلم فيه: " من أراد أن ينظر إلى الشيطان فلينظر إلى نبتل بن الحارث " ينم حديث النبي إلى المنافقين فقيل له: لا تفعل فقال: إنما محمد أذن من حدثه شيئا صدقه نقول ما شئنا ثم نأتيه فنحلف له فيصدقنا عليه فأنزل الله هذه الآية.
وقولهم: "أذن" قالوا: ليتبينوا أن كلامهم مقبول عنده فأخبر الله أنه لا يصدق إلا المؤمنين وإنما يسمع الخبر فإذا حلفوا له فعفا عنهم كان ذلك لأنه أذن خير لا لأنه صدقهم قال سفيان بن عيينة: "أذن خير يقبل منكم ما أظهرتم من الخير ومن القول ولا يؤاخذكم بما في قلوبكم ويدع سرائركم إلى الله تعالى وربما تضمنت هذه الكلمة نوع استهزاء واستخفاف".
فإن قيل: فقد روى نعيم بن حماد ثنا محمد بن ثور عن يونس عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " اللهم لا تجعل لفاجر ولفاسق عندي يدا ولا نعمة فإني وجدت فيما أوحيته ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ " قال سفيان: "يرون أنها أنزلت فيمن يخالط السلطان" رواه أبو أحمد العسكري وظاهر هذا أن كل فاسق لا يبغي مودته فهو محاد لله ورسوله مع أن هؤلاء ليسوا منافقين النفاق المبيح للدم.

قيل: المؤمن الذي يحب الله ورسوله ليس على الإطلاق بمحاد لله ورسوله كما أنه ليس على الإطلاق بكافر ولا منافق وإن كانت له ذنوب كثيرة إلا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لنعيمان وقد جلد في الخمر غير مرة "إنه يحب الله ورسوله" لأن مطلق المحادة يقتضي مطلق المقاطعة والمصارمة والمعاداة والمؤمن ليس كذلك لكن قد يقع اسم النفاق على من أتى بشعبة من شعبه ولهذا قالوا: "كفر دون كفر" و"ظلم دون ظلم" و"فسق دون فسق" وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "كفر بالله تبرأ من نسب وإن دق " و" من حلف بغير الله فقد أشرك " و"آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان ". وقال ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه.
فوجه هذا الحديث أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم عنى بالفاجر المنافق فلا ينقض الاستدلال أو يكون عنى كل فاجر لأن الفجور مظنة النفاق فما من فاجر إلا يخاف أن يكون فجوره صادرا عن مرض في القلب أو موجبا له فإن المعاصي بريد الكفر فإذا أحب الفاسق فقد يكون محبا للمنافق فحقيقة الإيمان بالله واليوم الآخر أن لا يواد من أظهر من الأفعال ما يخاف معها أن يكون محادا لله ورسوله فلا ينقض الاستدلال أيضا أو أن تكون الكبائر من شعب المحادة لله ورسوله فيكون مرتكبها محادا من وجه وإن كان مواليا لله ورسوله من وجه آخر ويناله من الذلة والكبت بقدر قسطه من المحادة كما قال الحسن: "وإن طقطقت بهم البغال وهملجت بهم البراذين إنّ ذلّ المعصية لفي رقابهم أبى الله إلا أن يذل من عصاه فالعاصي يناله من الذلة والكبت بحسب معصيته وإن كان له من عزة الإيمان بحسب إيمانه كما يناله من الذم والعقوبة وحقيقة الإيمان أن لا يواد المؤمن من حاد الله بوجه من

وجوه المودة المطلقة وقد جبلت القلوب على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها فإذا اصطنع الفاجر إليه يدا أحبه المحبة التي جبلت القلوب عليها فيصير موادا له مع أن حقيقة الإيمان توجب عدم مودته من ذلك الوجه وإن كان معه من أصل الإيمان ما يستوجب به أصل المودة التي تستوجب أن يخص بها دون الكافر والمنافق وعلى هذا فلا ينقض الاستدلال أيضا لأن من آذى النبي صلى الله عليه وسلم فإنه أظهر حقيقة المحادة ورأسها الذي يوجب جميع أنواع المحادة فاستوجب الجزاء المطلق وهو جزاء الكافرين كما أن من أظهر حقيقة النفاق ورأسه استوجب ذلك وإن لم يستوجبه من أظهر شعبة من شعبه والله سبحانه أعلم.
الدليل الثاني: قوله سبحانه: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُون وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ وهذا نص في أن الاستهزاء بالله وبآياته وبرسوله كفر فالسب المقصود بطريق الأولى وقد دلت هذه الآية على أن كل من تنقص رسول الله صلى الله عليه وسلم جادا أو هازلا فقد كفر.
وقد روى عن رجال من أهل العلم منهم ابن عمر ومحمد بن كعب وزيد بن أسلم وقتادة دخل حديث بعضهم في بعض أنه قال رجل من المنافقين في غزوة تبوك: "ما رأيت مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونا ولا اكذب ألسنا ولا أجبن عند اللقاء" يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه القراء فقال

له عوف بن مالك: "كذبت ولكنك منافق لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم فذهب عوف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخبره فوجد القرآن قد سبقه فجاء ذلك الرجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ارتحل وركب ناقته فقال: يا رسول الله إنما كنا نلعب ونتحدث حديث الركب نقطع به عناء الطريق".
قال ابن عمر: "كأني أنظر إليه متعلقا بنسعة ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن الحجارة لتنكب رجليه وهو يقول: إنما كنا نخوض ونلعب فيقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ ما يلتفت إليه ولا يزيده عليه ". وقال مجاهد: "قال رجل من المنافقين: يحدثنا محمد أن ناقة فلان بوادي كذا وكذا وما يدريه ما الغيب فأنزل الله عز وجل هذه الآية".
وقال معمر عن قتادة: "بينا النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك وركب من المنافقين يسيرون بين يديه فقالوا: أيظن هذا أن يفتح قصور الروم وحصونها؟ فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ما قالوا فقال النبي صلى الله عليه وسلم " علي بهؤلاء النفر" فدعا بهم فقال: أقلتم كذا وكذا؟ فحلفوا ما كنا إلا نخوض ونلعب ". قال معمر: قال الكلبي: "كان رجل منهم لم يماثلهم في الحديث يسير عائبا لهم فنزلت ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَة﴾ فسمي طائفة وهو واحد".
فهؤلاء لما تنقصوا النبي صلى الله عليه وسلم حيث عابوه والعلماء من أصحابه

واستهانوا بخبره أخبر الله أنهم كفروا بذلك وإن قالوه استهزاء فكيف بما هو أغلظ من ذلك؟ وإنما لم يقم الحد عليهم لكون جهاد المنافقين لم يكن قد أمر به إذ ذاك بل كان مأمورا بأن يدع أذاهم ولأنه كان له أن يعفو عمن تنقصه وآذاه.
الدليل الثالث: قوله سبحانه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَات﴾ واللمز: العيب والطعن قال مجاهد: "يتهمك ويزريك" وقال عطاء: "يغتابك" وقال تعالى: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيّ﴾ الآية وذلك يدل على أن كل من لمزه أو آذاه كان منهم لأن ﴿الَّذِينَ﴾ و ﴿مَنْ﴾ اسمان موصولان وهما من صيغ العموم والآية وإن كانت نزلت بسبب لمز قوم وإيذاء آخرين فحكمها عام كسائر الآيات اللواتي نزلن على أسباب وليس بين الناس خلاف نعلمه أنها تعم الشخص الذي نزلت بسببه ومن كان حاله كحاله ولكن إذا كان اللفظ أعم من ذلك السبب فقد قيل: أنه يقتصر على سببه والذي عليه جماهير الناس أنه يجب الأخذ بعموم القول ما لم يقم دليل يوجب القصر على السبب كما هو مقرر في موضعه.
وأيضا فإن كونه منهم حكم معلق بلفظ مشتق من اللمز والأذى وهو مناسب لكونه منهم فيكون ما منه الاشتقاق هو علة لذلك الحكم فيجب اطراده.
وأيضا فإن الله سبحانه وإن كان قد علم منهم النفاق قبل هذا القول لكن لم يعلم نبيه بكل من لم يظهر نفاقه بل قال: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ ثم أنه سبحانه ابتلى الناس بأمور تميز بين المؤمنين والمنافقين

كما قال سبحانه: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ وذلك لأن الإيمان والنفاق أصله في القلب وإنما الذي يظهر من القول والفعل فرع له ودليل عليه فإذا ظهر من الرجل شيء من ذلك ترتب الحكم عليه فلما أخبر سبحانه أن الذين يلمزون النبي صلى الله عليه وسلم والذين يؤذونه من المنافقين ثبت أن ذلك دليل على النفاق وفرع له ومعلوم أنه إذا حصل فرع الشيء ودليله حصل أصله المدلول عليه فثبت أنه حيثما وجد ذلك كان صاحبه منافقا سواء كان منافقا قبل هذا القول أو حدث له النفاق بهذا القول.
فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون هذا القول دليلا للنبي صلى الله عليه وسلم على نفاق أولئك الأشخاص الذين قالوه في حياته بأعينهم وإن لم يكن دليلا من غيرهم؟.
قلنا: إذا كان دليلا للنبي صلى الله عليه وسلم الذي يمكن أن يغنيه الله بوحيه عن الاستدلال فأن يكون دليلا لمن لا يمكنه معرفة البواطن أولى وأحرى.
وأيضا فلو لم تكن الدلالة مطردة في حق كل من صدر منه ذلك القول لم يكن في الآية زجر لغيرهم أن يقول مثل هذا القول ولا كان في الآية تعظيم لذلك القول بعينه فإن الدلالة على عين المنافق قد تكون مخصوصة بعينه وإن كانت أمرا مباحا كما لو قيل: من المنافقين صاحب الجمل الأحمر وصاحب الثوب الأسود ونحو ذلك فلما دل القرآن على ذم عين هذا القول

والوعيد لصاحبه علم أنه لم يقصد به الدلالة على المنافقين بأعيانهم فقط بل هو دليل على نوع من المنافقين.
وأيضا فإن هذا القول مناسب للنفاق فإن لمز النبي صلى الله عليه وسلم وأذاه لا يفعله من يعتقد أنه رسول الله حقا وأنه أولى به من نفسه وأنه لا يقول إلا الحق ولا يحكم إلا بالعدل وأن طاعته لله وأنه يجب على جميع الخلق تعزيره وتوقيره وإذا كان دليلا على النفاق نفسه فحيثما حصل حصل النفاق.
وأيضا فإن هذا القول لا ريب أنه محرم فإما أن يكون خطيئة دون الكفر أو يكون كفرا والأول باطل لأن الله سبحانه قد ذكر في القرآن أنواع العصاة من الزاني والقاذف والسارق والمطفف والخائن ولم يجعل ذلك دليلا على نفاق معين ولا مطلق فلما جعل أصحاب هذه الأقوال من المنافقين علم أن ذلك لكونها كفرا لا لمجرد كونها معصية لأن تخصيص بعض المعاصي يجعلها دليلا على النفاق دون بعض لا يكون حتى يختص دليل النفاق بما يوجب ذلك وإلا كان ترجيحا بلا مرجح فثبت أنه لا بد أن يختص هذه الأقوال بوصف يوجب كونها دليلا على النفاق وكلما كان كذلك فهو كفر.
وأيضا فإن الله سبحانه كما ذكر بعض الأقوال التي جعلهم بها من المنافقين وهو قوله تعالى: ﴿ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي﴾ قال في عقب ذلك: ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِر﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾

فجعل ذلك علامة مطردة على عدم الإيمان وعلى الريب مع أنه رغبة عن الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد استنفاره وإظهار من القاعد أنه معذور بالقعود وحاصله عدم إرادة الجهاد فلمزه وأذاه أولى أن يكون دليلا مطردا لأن الأول خذلان له وهذا محاربة له وهذا ظاهر.
وإذا ثبت أن كل من لمز النبي صلى الله عليه وسلم أو آذاه منهم فالضمير عائد على المنافقين والكافرين لأنه سبحانه لما قال: ﴿انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ قال: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قَاصِداً لاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّه﴾ وهذا الضمير عائد إلى معلوم غير مذكور وهم الذين حلفوا ﴿لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ﴾ وهؤلاء هم المنافقون بلا ريب ولا خلاف ثم أعاد الضمير إليهم إلى قوله: ﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ فثبت أن هؤلاء الذين أضمروا كفروا بالله ورسوله وقد جعل منهم من يلمز ومنهم من يؤذي وكذلك قوله: ﴿وَمَا هُمْ مِنْكُمْ﴾ إخراج لهم عن الإيمان.
وقد نطق القرآن بكفر المنافقين في غير موضع وجعلهم أسوأ حالا من الكافرين وأنهم في الدرك الأسفل من النار وأنهم يوم القيامة يقولون للذين آمنوا: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُم﴾ الآية إلى قوله: ﴿فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وأمر نبيه في آخر الأمر بأن

لا يصلي علي أحد منهم وأخبر أنه لن يغفر لهم وأمره بجهادهم والإغلاظ عليهم وأخبر أنهم إن لم ينتهوا ليغرين الله نبيه بهم حتى يقتلوا في كل موضع.
الدليل الرابع على ذلك أيضا: قوله سبحانه وتعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ أقسم سبحانه بنفسه أنهم لا يؤمنون حتى يحكموه في الخصومات التي بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم ضيقا من حكمه بل يسلموا لحكمه ظاهرا وباطنا وقال قبل ذلك: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً﴾ فبين سبحانه أن من دعي إلى التحاكم إلى كتاب الله وإلى رسوله فصد عن رسوله كان منافقا وقال سبحانه: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ

إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ فبين سبحانه أن من تولى عن طاعة الرسول وأعرض عن حكمه فهو من المنافقين وليس بمؤمن وأن المؤمن هو الذي يقول: سمعنا وأطعنا فإذا كان النفاق يثبت ويزول الإيمان بمجرد الإعراض عن حكم الرسول وإرادة التحاكم إلى غيره مع أن هذا ترك محض وقد يكون سببه قوة الشهوة فكيف بالتنقص والسب ونحوه؟.
ويؤيد ذلك ما رواه أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن دحيم في تفسيره: حدثنا شعيب بن شعيب حدثنا أبو المغيرة حدثنا عتبة بن ضمرة حدثني أبي: "أن رجلين اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقضى للمحق على المبطل فقال المقضي عليه: لا أرضى فقال صاحبه: فما تريد؟ قال: أن نذهب إلى أبي بكر الصديق فذهبا إليه فقال الذي قضي له: قد اختصمنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقضى لي عليه فقال أبو بكر: فأنتما على ما قضى به النبي صلى الله عليه وسلم فأبى صاحبه أن يرضى وقال: نأتي عمر بن الخطاب فأتياه فقال المقضي له: قد اختصمنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقضى لي عليه فأبى أن يرضى ثم أتينا أبا بكر الصديق فقال: أنتما على ما قضى به النبي صلى الله عليه وسلم فأبى أن يرضى فسأله عمر فقال كذلك فدخل عمر منزله فخرج والسيف في يده قد سله فضرب به رأس الذي أبى أن يرضى فقتله" فأنزل الله تبارك وتعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُم﴾ الآية.
وهذا المرسل له شاهد من وجه آخر يصلح للاعتبار.
قال ابن دحيم: حدثنا الجوزجاني حدثنا أبو الأسود حدثنا ابن لهيعة

عن أبي الأسود عن عروة بن الزبير قال: "اختصم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلان فقضى لأحداهما فقال الذي قضى عليه: ردنا إلى عمر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " نعم انطلقوا إلى عمر" فانطلقا فلما أتيا عمر قال الذي قضي له: يا ابن الخطاب إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى لي وإن هذا قال: ردنا إلى عمر فردنا إليك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر: أكذلك؟ للذي قضي عليه قال: نعم فقال عمر: مكانك حتى أخرج فأقضي بينكما فخرج مشتملا على سيفه فضرب الذي قال "ردنا إلى عمر" فقتله وأدبر الآخر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله قتل عمر صاحبي ولولا ما أعجزته لقتلني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما كنت أظن أن عمر يجتري على قتل مؤمن" فأنزل الله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُم﴾ فبرأ الله عمر من قتله".
وقد رويت هذه القصة من غير هذين الوجهين قال أبو عبد الله أحمد بن حنبل: "ما أكتب حديث ابن لهيعة إلا للاعتبار والاستدلال وقد أكتب حديث هذا الرجل على هذا المعنى كأني أستدل به مع غيره يشده لا أنه حجة إذا انفرد".
الدليل الخامس مما استدل به العلماء على ذلك: قوله سبحانه تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُهِيناً وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً﴾ ودلالتها من وجوه: أحدها: أنه قرن أذاه بأذاه كما قرن طاعته بطاعته فمن آذاه فقد آذى الله تعالى وقد جاء ذلك منصوصا عنه ومن آذى الله فهو كافر حلال الدم يبين ذلك أن الله تعالى جعل محبة الله ورسوله وإرضاء الله ورسوله وطاعة الله ورسوله شيئا واحدا فقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية وقال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُول﴾ في مواضع متعددة وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ فوحد الضمير وقال أيضا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ وقال أيضا: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُول﴾.
وجعل شقاق الله ورسوله ومحادة الله ورسوله وأذى الله ورسوله ومعصية الله ورسوله شيئا واحدا فقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَه﴾ وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ وقال تعالى:

﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَه﴾ وقال: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية.
وفي هذا وغيره بيان لتلازم الحقين وأن جهة حرمه الله تعالى ورسوله جهة واحدة فمن آذى الرسول فقد آذى الله ومن أطاعه فقد أطاع الله لأن الأمة لا يصلون ما بينهم وبين ربهم إلا بواسطة الرسول ليس لأحد منهم طريق غيره ولا سبب سواه وقد أقامه الله مقام نفسه في أمره ونهيه وإخباره وبيانه فلا يجوز أن يفرق بين الله ورسوله في شيء من هذه الأمور.
وثانيها: أنه فرق بين أذى الله ورسوله وبين أذى المؤمنين والمؤمنات فجعل على هذا أنه ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً﴾ وجعل على ذلك اللعنة في الدنيا والآخرة وأعد له العذاب المهين ومعلوم أن أذى المؤمنين قد يكون من كبائر الإثم وفيه الجلد وليس فوق ذلك إلا الكفر والقتل.
الثالث: أنه ذكر أنه لعنهم في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا واللعن: الإبعاد عن الرحمة ومن طرده عن رحمته في الدنيا والآخرة لا يكون إلا كافرا فإن المؤمن يقرب إليها بعض الأوقات ولا يكون مباح الدم لأن حقن الدم رحمة عظيمة من الله فلا يثبت في حقه.
ويؤيد ذلك قوله: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلاَّ قَلِيلاً مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً﴾ فإن أخذهم وتقتيلهم والله أعلم بيان صفة لعنهم وذكر لحكمة فلا موضع له من الإعراب وليس بحال ثانية لأنهم إذا جاوروه ملعونين ولم يظهر أثر لعنهم في الدنيا لم يكن في ذلك وعيد لهم

بل تلك اللعنة ثابتة قبل هذا الوعيد وبعده فلا بد أن يكون هذا الأخذ والتقتيل من آثار اللعنة التي وعدوها فثبت في حق من لعنه الله في الدنيا والآخرة.
ويؤيده قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لعن المؤمن كقتله" متفق عليه فإذا كان الله قد لعن هذا في الدنيا والآخرة فهو كقتله فعلم أن قتله مباح.
قيل: واللعن إنما يستوجبه من هو كافر لكن ليس هذا جيدا على الإطلاق.
ويؤيده قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً﴾ ولو كان معصوم الدم يجب على المسلمين نصره لكان له نصير.
ويوضح ذلك أنه قد نزل في شأن ابن الأشرف وكان من لعنته أن قتل لأنه كان يؤذي الله ورسوله.
وأعلم أنه لا يرد على هذا أنه قد لعن من لا يجوز قتله لوجوه: أحدها أن هذا قيل فيه "لعنه الله في الدنيا والآخرة" فبين أنه سبحانه أقصاه عن رحمته في الدارين وسائر الملعونين إنما قيل فيهم "لعنه الله" أو "عليه لعنة الله" وذلك يحصل بإقصائه عن الرحمة في وقت من الأوقات وفرق بين من لعنه الله أو عليه لعنة مؤبدة عامة ومن لعنه لعنا مطلقا.

جارٍ التحميل