الروض الندي شرح كافي المبتديكتاب القضاء
أهل الأثرالأرشيف العلمي

صومـ (ـه، أو) نذر (أياما معدودة) كعشرين يوما (لم يلزمه تتابع) لعدم دلالة الأيام على التتابع (إلا بشرط) بأن يقول متتابعة (أو نية) التتابع، ومن نذر صوم الدهر لزمه فإن أفطر كفر فقط بغير صوم، ولا يدخل فيه رمضان ولا يوم نهى ولا يقضى فطره برمضان، ويصام لظهار ونحوه من الدهر ويكفر مع صوم ظهار ونحوه، ونذر صوم يوم الخميس ونحوه فوافق عيدا أو حيضا أو أيام تشريق أفطر وقضى وكفر، ومن نذر صوما فعجز عنه لكبر أو مرض لا يرجى برؤه أو نذره حال عجزه أطعم لكل يوم مسكينا وكفر كفارة يمين، وإن نذر صلاة ونحوها وعجز فعليه الكفارة فقط، وإن نذر صوما أو صوم بعض يوم لزمه يوم بنية من الليل، وإن نذر صلاة فركعتان قائما للقادر وتسليمتان، غير حاج أو معتمر لزمه المشي في حج أو في عمرة من مكانه، وإن ركب مطلقا أو نذر الركوب فمشى فكفارة يمين، وإن نذر رقبة فما يجزئ عن واجب إلا أن يعينها فيجزئه ما عينه، لكن لو مات المنذورا وأتلفه ناذر قبل عتقه لزمه كفارة يمين بلا عتق وعلى متلف عين قيمته له.
(وسن وفاء بوعد) ولا يلزم نصا، (وحرم) وعد (بلا استثناء) لقوله تعالى ﴿ولا تقولن لشئ إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله﴾ [الكهف: 22] والله أعلم.
كتاب القضاة القضاء تبيين الحكم الشرعي وفصل الخصومات، والفتيا تبين الحكم الشرعي للسائل عنه.
كان السلف الصالح يهابون الفتيا كثيرا ويشددون فيها حتى ترجع إلى الأول لما فيها من المخاطرة، وأنكر أحمد وغيره من الأعيان على من يهجم على الجواب وقال: لا ينبغى أن يجيب في كل ما يستفتى، وينبغي للمستفتى حفظ الأدب مع المفتى ويجله ويعظمه، ولا يفعل ما جرت عادة العوام كإيماء بيده على وجهه، ولا يلزم جواب ما لم يقع، ولا ما لا يحتمله السائل ولا ما لا نفع فيه، ويحرم

الجزء: 1 - الصفحة: 503

وهو فرض كفاية كالإمامة، وفيه خطر عظيم ووزر كبير لمن لم يؤذ الحق فيه، فمن عرف الحق ولم يقض به أو قضى على جهل ففى النار، ومن عرف الحق وقضى به ففى الجنة.
وعلى الإمام أن ينصب بكل إقليم قاضيا، ويختار لذلك أفضل من يجد علما وورعا ويأمره بالتقوى وبتجرى العدل.
تساهل مفت وتقليد معروف به، ويقلد العدل ولو ميتا، ويقلد عاى من ظنه عالما لا إن جهل عدالته، ولمفت رد الفتيا إن خاف غائلتها أو كان فى البلد من يقوم مقامه وإلا لم يجز كقول حاكم لمن ارتفع إليه امض إلى غيرى لو وجد غيره، ويحرم إطلاق الفتيا فى اسم مشترك فمن سئل أيؤكل فى رمضان الفجر لابد أن يقول: الأول أو الثانى؟ (وهو) أى القضاء (فرض كفاية) لأن أمر الناس لا يستقيم بدونه (كالإمامة) العظمى والجهاد، وفيه فضل عظيم لمن قوى على القيام به وأداء الحق فيه، والواجب اتخاذها دينا وقربة فإنها من أفضل القرب، وإنما فسد حال الأكثر لطلب الرياسة والمال بها، (وفيه خطر عظيم ووزر كبير لمن لم يؤد الحق فيه، فمن عرف الحق ولم يقض به أو قضى على جهل فـ) ـهو (فى النار، ومن عرف الحق وقضى به فـ) ـهو (فى الجنة)، ومن فعل ما يمكنه لم يلزمه ما يعجز عنه (و) يجب (على الإمام أن ينصب بكل إقليم قاضيا) لأن الإمام لا يمكنه تولى الخصومات والنظر فيها في جميع البلاد فائدة: إقليم بكسر الهمزة أحد الأقاليم السبعة.
قال شيخى الشيخ عبد القادر التغلى: أولها الهند، الثانى الحجاز، الثالث مصر، الرابع بابل، الخامس الروم والشام، السادس بلاد الترك، السابع بلاد الصين.
قال: كذا رأيته بخط سيدى الشيخ عبد الباقى الحنبلي (و) على الإمام أن (يختار لذلك) أى لمنصب القضاء (أفضل من يجد علما وورعا) لأن الإمام ناظر للمسلمين فوجب عليه اختيار الأصلح، (ويأمره بالتقوى) إذا ولاه لأنها رأس الدين، (و) يأمره (بتحرى العدل) أة إعطاء الحق لمستحقه من غير ميل.
ويجب على من طلب القضاء إذا طلب ولم يوجد غيره ممن يوثق به أن يدخل فيه إن لم يشغله عما هم أهم منه، ومع وجود غيره الأفضل أن لا يجيب، وكره طلبه إذن، ويحرم بذل مال فيه

الجزء: 1 - الصفحة: 504

وشرط التولية قضاء كونها من إمام أو نائبه ومشافهته بها أو مكاتبته مع بعد وإشهاد عدلين عليها، فصريح لفظها: وليتك الحكم وقلدتكه وفوضت ورددت وجعلت إليك الحكم واستخلفتك واستنبتك فى الحكم، وكنايته نحو اعتمدت وعولت عليك ووكلت واستندت إليك.
ولا تنعقد بها إلا بقرين نحو فاحكم أو فتول ما عولت عليك فيه

فصل وتفيد ولاية حكم عامة فصل الخصومة وأخذ الحق ودفعه إلى ربه والنظر في مال يتيم ومجنون وسفيه غائب وفى وقف عمله

وأخذه، وطلب القضاء وفيه مباشر أهل.
(وشرط أ) صحة (تولية قضاء كونها من إمام أو نائبه) فيه وأن يعرف أن المولى صالح للقضاء، وتعيين ما يوليه الحكم فيه من عمل وبلد، (ومشافهته بها) أى الولاية إن كان بمجلسه (أو مكاتبته) بالولاية (مع بعد) البلد عن المولى بفتح اللام فوق خمسة أيام، (وإشهاد عدلين عليها)، وتكفى استفاضة إذا كان بلد الإمام خمسة أيام فما دون.
(فصريح لفظها) أى الولاية سبعة: (وليتك الحكم)، (و) الثانى (تلدتكه) أى الحكمم، (و) الثالث (فوضت) إليك الحكم، (و) الرابع (رددت) إليك الحكم، (و) الخامس (جعلت إليك الحكم)، (و) السادس (اتسخلفتك) فى الحكم، (و) السابع (استنبتك فى الحكم)، فإذا وجد أحدها وقبل مولى حاضر بالمجلس أو غائب بعده أو شرع الغائب فى العمل انعقدت.
(وكنايته) أى كناية لفظها (نحو اعتمدت) عليك (وعولت عليك ووكولت) إليك (واستندت إليك)، (ولا تنعقد) الولاية (بها) أى الكناية (إلا بقرينة نحو: فاحكم أو فتول ما عولت عليك فيه) أو اقض فصل (وتفيد ولاية حكم عامة) أى لم تتقيد مجال دون أخرى (فصل الخصومة وأخذ الحق) ممن هو عليه (ودفعه إلى ربه والنظر فى مال يتيم و) مال (مجنون و) مال (سفيه) لا ولى لهم غيره (و) مال (غائب و) النظر (في وقف عمله

الجزء: 1 - الصفحة: 505

ليجري على شرطه وفى مصالح طرق عمله وافنيته والحجر لسفه وفلس وتنفيذ الوصايا وتزويج من لا ولى لها وإقامة حد وإمامة جمعة وعيد وغير ذلك، ويجوز أن يوليه عموم النظر فى عموم العمل وخاصا فة أحدها وفيها.
وشرط كون قاض بالغا عاقلا ذكرا حرا مسلما عدلا سميعا بصيرا متكلما مجتهدا ولو فى مذهب إمامه،  ليجرى على شرطه و) النظر (فى مصالح طرق عمله وأفنيته) جمع فناء ما اتسع أمام دور عمله (والحجر لسفه و) الحجر لـ (ـفلس وتنفيذ الوصايا وتزويج من لا ولى لها) وتصفح شهوده وأمناته ليستبدل من ثبت جرحه (وإقامة حد و) إقامة (إمامة جمعة وعيد) ما لم يخصا بإمام (وغير ذلك) كجباية خراج وزاكاة إن لم يخصا بعامل، قال فى النبصرة ويستفيد أيضا الاحتساب على الباعه وإلزامهم بالشرع خلافا لما فى المنتهى، وله طلب رزق من بيت المال لنفسه وأمنائه وخلفائه حتى مع عدم حاجة، فإن لم يحصل له شيئا وليس له ما يكفيه، وقال للخصمين لا أقضى بينكما إلا بجعل جاز، ولا يجوز الاستئجار على القضاء، وللمفتى أخذ رزق من بيت المال، ولو تعين عليه أن يفتى وله كفاية لم يأخذ شيئا، وإن أخذ رزقا لم يأخذ وإلا أخذ أجرة خطه، (ويجوز) للإمام (أن يوليه) أى القاضى (عموم النظر فى عموم العمل) أى سائر الأحكام ببلد معين أو يوليه الأنكحة مثلا فى سائر البلاد، (و) يجوز أن يوليه خاصا (فيها) بأن يوليه الأنكحة بالشام مثلا فينفذ حكمه فيها فقط، وإذا ولاه بمعين لم ينفذ حكمه فى غيره، ولا يسمع بينة إلا فيه كتعديلها، ومن عزل نفسه انعزل لا بعزل قبل علمه ويشترط فى القاصى عشر صفات: وأشار إليها بقوله (وشرط كون قاض بالغا عاقلا ذكرا حرا)، لكن تصح ولاية عبد إمارة سرية وقسم صدقة وفى إمامة صلاة، وكونه (مسلما عدلا) ولو تائبا فلا يجوز تولية فاسق ولا من فيه نقص يمنع الشهادة، وكونه (سميعا بصيرا متكلما مجتهد ولو) كان اجتهاده (فى مذهب إمامه) للضرورة، واختار فى الافصاح والرعاية أو مقلدا أو عليه عمل الناس من مدة طويلة وإلا تعطلت أحكام الناس، وكذا المفتى فيراعى كل منهما ألفاظ إمامه ومتأخرها، ويقلد كبار مذهبه فى ذلك، ولا يشترط كونه كاتبا أو ورعا

الجزء: 1 - الصفحة: 506

وإن حكم بينهما رجلا يصلح للقضاء نفذ حكمه فيما ينفذ فيه حكم من ولاه إمام أو نائبه.
فصل وسن كونه قويا بلا عنف لينا بلا ضعف حليما متأنيا فطنا عفيفا، وعليه العدل بين المتحاكمين فى لحظه ولفظه، ويجوز رفع أحدهما باذن الآخر، ويقدم مسلم على كفار فى دخول وجلوس،  أو زاهدا أو يقظا أو مثبتا للقياس أو حسن الخلق، والأولى كونه كذلك (وإن حكم) بتشديد الكاف (اثنان) فأكثر (بينهما) أو بينهم (رجلا) غير قاض (يصلح للقضاء) أى يتصف بالشروط لحكم بينهما (نفذ حكمه فى) كل (ما أى مال وقصاص وحد ونكاح ولعان وغيرها مما (ينفذ فيه حكم من ولاه إمام أو نائبه) حتى مع وجود قاض فهو كحاكم الإمام، لكن لكل من الخصمين الرجوع قبل شروعه فى الحكم

فصل في آداب القاضي

(وسن كونه) أى القاضى (قويا بلا عنف) لئلا يطمع فيه الظالم، (لينا بلا ضعف) لئلا يهابه صاحب الحق، (حليما) لئلا يغضب من كلام الخصم، (متأنيا) لئلا تؤدى عجلته إلى ما لا ينبغى، (قطنا) لئلا يخدعه بعض الأخصام، (عفيفا) لئلا يطمع في ميله بأطماعه، بصيرا بأحكام الحكام قبله، وسؤاله إن ولى فى غيرخ بلده عن علمائه، ودخوله يوم اثنين أو خميس أو سبت ضحوة لابسا هو وأصحابه أجمل ثيابه ويدعو الله بالتوفيق والعصمة سرا، وليكن مجلسه فى وسط البلد فسيحا (و) يجب (عليه العدل بين المتحاكمين) اذا ترافعا إليه (فى لحظه) أى أحدهما فيرد ولا ينتظر سلام الثانى، (ويجوز رفع أحدهما) أى المتحاكمين (بإذن الآخر، ويقدم مسلم على كافر فى دخول) على قاض، (و) يرفع فى (جلوس) لحرمة الإسلام قال تعالى: ﴿أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون﴾

الجزء: 1 - الصفحة: 507

ويسن أن يحضر فقهاء المذهب ويشاورهم فيما يشكل عليه، ورحم تقليد غيره ولو أعلم منه والقضاء وهو غضبان كثيرا أو حاقن أو في شدة جوع أو عطش أو هم أو ملل أو كسل أو نعاس أو برد مؤلم أو حر مزعج، فان خالف فأصاب الحق نفذ، وحرم قبوله رشوة وهدية لا ممن كان يهدى اليه قبل ولايته ولا حكومة له

فصل ويسن أن يبدأ بالمحبوسين

،  ويحرم أن يسار أحد الخصمين أو يلقنه حجته أو يضيفه أو يعله كيف يدعى، إلا أن يترك ما يلزم ذكره كشرط عقد وسبب إرث فله أن يسأل عنه.
(وبسن) لفاض (أن يحضر مجلسه فقهاء المذهب) أى من كل مذهب إن أمكن، (و) أن (يشاورهم فيما يشكل عليه)، ويسألهم إذا حدثت حادثة ليذكروا جوابهم وأدلتهم فيها، فإن اتضح وإلا أخره، فلو حكم ولم يجتهد لم يصح ولو أصاب الحق.
(وحرم) عليه (تقليد غيره ولو) كان غيره (أعلم منه)، (و) حرم عليه (القضاء وهو غضبان كثيرا أو) وهو (حاقن) ببول أو حاقب بغائط (أو فى شدة جوع أو) فى شدة (عطش أو هم أو ملل أو كسل أو نعاس أو برد مؤلم أو حر مزعج) ونحو ولأن ذلك كله يشغل الفكر الموصل إلى إصابة الحق غالبا، (فإن خالف) وحكم (فأصاب الحق نفذ) حكمه لموافقة الصواب، وكان للنبي عليه السلام القضاء مع ذلك.
(وحرم) على حاكم (قبوله رشوة) وهى ما يعطى بعد طلبه، (و) حرم على حاكم قبوله (هدية) وهى الدفع ابتداء و (لا) يحرم عليه قبوله هدي (ممن كان يهدى له قبل ولايته و) الحال أنه (لا حكومة له) فيباح له أخذها لانتفاء التهمة إذن كمفت، وردها أولى.
ويكره بيعه وشراؤه إلا بوكيل لا يعرف به ويوصى الوكلاء والأعوان الذين ببايه بالرفق بالخصوم وقلة الطمع، ويجتهد أن يكونوا شيوخنا أو كهولا من أهل الدين والعفة والصيانة فصل (وبسن) لقاض (أن يبدأ) النظر فى أمر (المحبوسين) فينفذ ثقة يكتب

الجزء: 1 - الصفحة: 508

ثم ينظر في أمر أيتام ومجانين ووقوف ووصايا لا ولى لهم ولا ناظر، وحكمه بحضرة شهود، ولا ينفذ على عدوه ولا لنفسه ولا لمن لا تقبل شهادته لهم وله استخلافهم ومن استعداه على خصم فى البلد بما نتبعه الهمة لزمه احضاره، إلا غير برزة  اسم كل محبوس ومن حبسه وفيما حبسه فى رقعة منفردة ويأمر مناديا ينادى في البلد: إن القاضى ينظر في أمر المحبوسين يوم كذا فمن له خصم فليحضر، فإذا جلس لوعده فمن حضر له خصم نظر بينهما فإن استحق الإبقاء أبقاه وإن استحق الإطلاق أطلقه وآذنه ولو فى قضاء دين وفى نفقة ليرجع وفى وضع ميزاب وبناء غيره، وأمره بأراقة نبييذ وشراء عين غائبة وعقد نكاح بلا ولى وإقراراه غيره على فعل مختلف فيه وثبوت شئ ليس حكما به، (ثم ينظر) وجوبا (فى أمر أيتام ومجانين ووقوف ووصايا لاولى لهم) أى الأيتام والمجانين (ولا ناظر) للوقوف والوصايا، فلو نفذ الأول وصية موص إليه أمضاها الثانى، ولا نظر له مع الولى أو الناظر الخاص، لكن له الاعتراض إن فعل ما لا يسوغ، ومن تغير حاله عزله إن فسق، وإن ضعف ضم إليه قويا أمينا.
ويحرم أن ينفض من حكم صالح للقضاء غير ما خالف نص كتاب الله تعالى أو خالف سنة متواترة أو آحادا كالحكم بقتل مسلم بكافر ويجعل من وجد عين ماله إسوة الغرماء أو إجماعا قطعيا أو ما يعتقده فيلزمه نقضه، والناقض له حاكمه إن كان فيثبت السبب وينقضه.
(و) سن (حكمه) أى القاضى (بحضرة شهود) ليستوفى بهم الحقوق ونثبت بهم الحجج والمحاضرة، وليس له أن يرتب شهودا لا يقبل غيرهم، (ولا ينفذ) حكمه (على عدوه) كالشهادة عليه (ولا لنفسه ولا لمن تقبل شهادته لهم) كزوجته وعمودى نسبه ولو كانت الخصومة بين والديه أو بين والده وولده لعدم قبول شهادته لأحدهما على الآخر، (و) يجوز (له) أى القاضى (استخلافهم) أى إسنخلاف والده وولده ونحوهما فى الحكم مع صلاحيتهم كحكمه لغيرهم بشهادتهم وعليه، وله أن يفتى على عدوه، (ومن استعداه على خصم) أى طلب من القاضى أن يحضر خصما (فى البلد) الذى به القاضى (بما) أى شئ (تتبعه الهمة لزمه) أى القاضى (إحضاره) أى الخصم ولو لم يحرر الدعوى نصا، (إلا غير برزة) والمخدرة التي

الجزء: 1 - الصفحة: 509

فتوكل كمريض ونحوه، وإن وجبت يمين عليهما أرسل من يحلفهما فصل وإذا حضر اليه خصمان فله أن يسكت حتى يبدأ، وله أن يقول أيكما المدعى فمن سبق بالدعوى منهما قدم، وان ادعيا معا قدم أحدهما بقرعة، وإذا حرر دعواه فان أقر الخصم حكم عليه بسؤال مدع لا بدونه، وإن أنكر  لا تبرز لقضاء حوائجها إذا استعدى عليها (ة) إنها (توكل كمريض ونحوه) ممن له عذر، (وإن وجبت يمين عليهما) أى على برزة ومريض ونحوه (أرسل) الحاكم (من) أى أمينا معه شاهدان (يحلفهما) بحضرتهما، ولا يعتبر لمن تبرز لحوائجها محرم، ومن ادعى على غائب بموضع لا حاكم به بعث إلى من يتوسط بينهما فإن تعذر حرر دعواه ثم أحضره ولو بعد بعمل

فصل في طريق الحكم وصفته

(وإذا حضر إليه) أى القاضى (خصمان) سن له أن يجلسهما بين يديه لأنه أمكن للحاكم فى العدل بينهما، فإذا جلسا (فله أن يسكت حتى يبدأ) أى حق تكون البدأة من جتهما، (و) له (أن يقول: أيكما المدعى) لأنه لا تخصيص فيه لواحد (فمن سبق بالدعوى منهما قدم) لترجيحه بالسبق، فإذا قال خصمه أنا المدعى لم يلتفت الحاكم إليه وقال له أجب عن دعواه ثم ادع بعد ما شئت، (وإن ادعيا معا قدم أحدهما بقرعة) لأنها تعين المستحق، فإذا انتهت جكومته ادعى الآخر، ولا تسمع دعوى مقلوبة ولا حسبة بحق الله تعالى كعبادة وحد وكفارة ونحوها، وتسمع ببينة بذلك وبعتق وبطلاق وبحق غير معين كوقف ووصية على فقراء ومسجد على خصم لا بينة بحق معين قبل دعواه، (وإذا حرر) المدعى عليه بالدعوى (حكم عليه) أى المدعى عليه (بسؤال مدع) و (لا) يحكم له (بدون سؤالـ (ـه) الحكم لأن الحق له فى الحكم فلا يستوفى بدون إذنه، وإن اعترف بسبب الحق ثم ادعى البراء لم يلتفت لقوله بل يحلف المدعى على نفى ما ادعاه ويلزمه بالحق إلا أن يقيم بينة ببراءته، (وإن أنكر) الخصم ابتداء بأن

الجزء: 1 - الصفحة: 510

فلمدع أن يقول لى بينة، ولحاكم أن يقول ألك بينة؟ فان قال نعم قال له ان شئت فأحضرها.
فاذا حضرت سمعها، فاذا اتضح الحكم لزمه بسؤال مدع، ولا يحكم بعله الا بعدالة بينة وجرحها.
وان قال ما لى بينة فقول منكر بيمينه فيعلمه حاكم بذلك، فان سأل إحلافه أحلف على صفة جوابه وخلى، ومن لم يحلف قال له الحاكم ان حلفت والا قضيت عليك بالنكول، وسن تكراره ثلاثا، فان لم يحلف قضى عليه بسؤال مدع.
واذا أحضر مدع بينة  قال لمدع قرضا أو ثمنا ما أقرضنى أو ما باعنى أو لا يستحق على شيئا مما ادعاه (فلمدع) أنكر خصمه (أن يقول لى بينة) لأن الجواب صحيح وهذا موضع البينة، (ولحاكم أن يقول) له (ألك بينة؟ فإن قال) مدع (نعم قال له) حاكم (إن شئت فأحضرها)، (فإذا حضرت) البينة لم يسألها ولم يلقنها، فإذا شهدت (سمعها) وحرم عليه ترديدها، ويكره تعنتها اونتهارها لا قوله لمدعى عليه ألك فيها دافع أو مطعن، (فإذا اتضح) للحاكم (الحكم لزمه) الحكم فورا (بسؤال مدع) إن كان معينا، ولا يحكم بدونه سؤاله لما تقدم.
(ولا يحكم) القاضى (بعلمه إلا) الحكم (بعدالة بنية وجرحها) أو يإقرار فى مجلس حكمه، وإن لم يسمعه غيره فله الحكم، ويحرم ولا يصح مع علمه بضده بل يتوقف أو مع لبس قبل البيان، ويأمر بالصلح.
(وإن قال) مدع ابتداء (مالى بينة فقول منكر بيمينه فيعلمه حاكم بذلك) أى بأن له اليمين على خصمه، (فإن سأل) المدعى من القاضى (إحلافه) أى الخصم ولو علم المدعى عدم قدرته على حقه ويكره (أحلفـ) ـه (على صفة جوابه) نصا ولا يصلها باستثناء ولا بما لا يفهم، ولا يعتد بيمينه قبل أمر حاكم وسؤال مدع.
(و) إذا حلف (خلى) سبيله لانقطاع الخصومة، وتحرم دعواه ثانيا وتحليفه كبرى.
وتأويل إلا لمظلوم وحلف معسر خاف حبسا أنه لا حق له على ولو نوى الساعة، ومن عليه مؤجل أراد تغريمه منعه من سفر، (ومن) أنكر فوجهت عليه اليمين، (لم يحلف) وامتنع (قال له الحاكم إن حلفت وإلا قضيت عليك بالنكول، وسن تكراره) بأن يقول له إن حلفت وإلا قضيت عليك بالنكول (ثلاثا) قطعا لحجته (فإن لم يحلف قضى عليه) الحاكم (بسؤال مدع) لأن النكول كإقامة البينة على الناكل، ولا يكون كالإقرار لأنه لو كان كالإقرار لم تسمع منه بالبينة بعد نكوله بالابراء.
(وإذا حضر مدع بينة

الجزء: 1 - الصفحة: 511

بعد حلف منكر حكم بها

فصل وشرط تحرير دعوى، وعلم مدعى به الا فيما تصح به مجهولا

كوصية وعبد من عبيده مهرا ونحوه، فمن ادعى عقدا ولو غير نكاح ذكر شروطه ما لم يدع دوام الزوجية، وان ادعته المرأة  بعد حلف) خصم (منكر) عليه سمعت و (حكم) القاضى له (بها) لأن اليمين لا تكون مزيلة للحق، لكن إن قال مالى بينة أو قال كذب شهودى أو قال كل بينة أقيمها فهى زور أو باطلة أو لا حق لى فيها ثم أحضرها لم تسمع لأنه مكذب لهما كما لو شهدت بغير مدعى به.
ومن ادعى عليه بشئ فأقر بغيره لزمه إذا صدقه المقر له والدعوى بحالها، وإن قال مدع لى بينة وأريد يمينه فإن كانت حاضرة بالمجلس فليس له إلا أحدهما وإلا فله ذلك فصل (وشرط) لصحة الدعوى شروط: أحدها (تحرير دعوى) لترتب الحكم عليها ولذلك قال عليه الصلاة والسلام «وإنما أقضى على نحو ما أسمع».
(و) الثانى (علم مدعى به) ليتمكن الحاكم من الإلزام به إذا ثبت (إلا) الدعوى (فيما تصح به مجهولا كوصية) بشئ من ماله أو يثوب منه ونحو ذلك، (و) كالدعوى (عبد من عبيده) جعله (مهرا، ونحوه) كخلع أو طلاق على مجهول وكافر أو بمجهول فتصح الدعوى ويطالبه بما وجب له، والثالث كون المدعى مصرح بالدعوى فلا يكفى قوله عند فلان كذا حتى يقول وأنا الآن مطالب به، والرابع أن تكون متعلقة بالجمال فلا تصح بمؤجل لإثباته، وتصح بتدبير وكتابة واستيلاد، والخامس أن تكون منفكة عما يكذبها فلا تصح بأنه قتل أو سرق من عشرين سنة وسنة دونها، ولا يعتبر ذكر سبب الاستحقاق (فمن ادعى عقدا ولو) كان (غير) عقد (نكاح) من بيع وإجارة وغيرهما (ذكر شروطه) للاختلاف فيها، وقد لا يكون العقد صحيحا عند القاضى فلا يتأنى له الحكم بصحته مع جهله (ما لم يدع) الزوج (دوام الزوجية) فلا يشترط ذكر عقد النكاح لأنه يدعى خروجها عن طاعته.
(وإن ادعته) أى ادعت (المرأة) نكاح رجل

الجزء: 1 - الصفحة: 512

لطلب نفقة أو مهر ونحوهما سمعت والا فلا، أو ادعى ارثا ذكر سببه أو محلى بأحد النقدين قومه بالآخر أو بهما قومه بأيهما شاء للحاجة

فصل وشرط في بينة عدالة ظاهرا وفى غير عقد نكاح باطنا أيضا

(لطلب نفقة أو) طلب (مهر ونحوهما) ككسوة ومسكن (سمعت) دعواها لادعائها حقا تضيفه إلى سببه (وألا) تدعى سوى النكاح (فلا) تسمع دعواها لأن النكاح ليس حقا لها فلا تسمع دعواها بحق لغيرها، (أو) أى ومن (أدعى إرثا ذكر سببه) وجوبا لاختلاف الإرث (أو) ادعى شيئا (محلى) بضم أوله وفتح ثانيه (بأحد النقدين) الذهب والفضة (قومه) النقد (الآخر) فان ادعى محل بذهب قومه بفضة وعكسه بعكسه، قال فى شرح المنتهى: قلت وكذا لو ادعى مضوغا من أحدهما صياغة مباحة تزيد بها قيمته أو تبرا تخالف قيمته وزنه (أو) ادعى محلى (بهما) أى النقدين أو مصوغا منهما مباحا تزيد قيمته عن وزنه (قومه بأيهما) أى النقدين (شاء للحاجة) أى لانحصار الثمنية فيهما فاذا ثبت أعطى عروضا نبيه: يشترط تعيين مدعى به بالمجلس، وإحضار عين بالبلد لتعين، فان كانت غائبة عنه أو تالفة أو فى الذمة وصفها كسلم، والأولى ذكر قيمتها أيضا فائدة: تصح الدعوى يالقليل ولو لم تتبعه الهمة، لكن لو استعدى الحاكم أحد على خصمه بما لا تتبعه الهمة لم يلزمه أن يعديه، وذكر فى عيون المسائل لا ينبغى للحاكم أن يسمع شكية أحد إلا ومعه خصمه فصل (وشرط في بينة عدالة ظاهرا) فى عقد نكاح وتقدم، ولا يبطل لو بانا فاسقين، (و) شرط في بينة عدالة (فى غير عقد نكاح) ظاهرا أو (باطنا أيضا) ولو لم يطعن فيها خصمه فلابد من العلم بها ولو قيل إن الأصل في المسلمين العدالة.
قال الزركشى: لأن الغالب الخروج عنها، قال الشيخ: من قال إن الأصل فى المسلمين العدالة لقد أخطأ وإنما الأصل الجهل والظلم لقوله تعالى ﴿إنه كان ظلوما جهولا﴾

الجزء: 1 - الصفحة: 513

وفي مزك معرفة جرح وتعديل ومعرفة حكام خبرته الباطنة.
ومن جرح الشهود ذكر سببه مفسرا كلف البينة فان سأل انظارا لها أو لجرح أنظر ثلاثا ولمدع ملازمته، وبينة جرح مقدمة، فمتى جهل حاكم حال بينة طلب التزكية من مدع ولو سكت عنها الخصم، ويكفى فيها: أشهد أنه عدل، وإن جهل لسان خصم ترجم له من يعرفه، ولا يقبل فى ترجمة وجرح وتعديل ورسال تعريف عند حاكم فى زنا أولواط إلا أربعة رجال،  (و) شرط (فى مزك معرفة جرح وتعديل) لم يزكيه وخبرته الباطنة ويكفى: أشهد أنه عدل، (و) شرط فى مزك (معرفة حاكم خبرته) أى خبرة المزكى (الباطنة) بصحبة أو معاملة ونحوهما، (ومن جرح الشهود وبين سببه) أى الجرح (مفسرا) بما يقدح فى العدالة بذكر عن رؤية قادح كقوله رأيته يشرب الخمر أو يأخذ أموال الناس ظلما ونحوه أو سمعته يقذف ونحو أو عن استفاضة عنه ذلك (كلف البينة) لحديث "البينة على المدعى" وكذا لو أراد جرحها، (فان سأل) من جرح البينة (إنظارا لها) أى لبينة تشهد بقادح جرحها به (أو) سأل إنظارا (لجرح) فى رده البينة (أنظر ثلاثا، ولمدع ملازمته) فى الثلاث لئلا يهرب، فان لم يأت بها حكم له عليها.
(وبينة بجرح مقدمة) على بينة بتعديل لأن الجارح يخبر بأمر باطن خفى على المعدل وشاهد العدالة يخبر بأمر ظاهر والجارح مثبت للجرح والمعدل ناف له والمثبت مقدم على النافى، ومن ثبتت عدالته مرة لزم البحث عنها مع طول المدة (فمتى جهل حاكم حال بينة طلب التزكية من مدع) لأن التزكية حق للشرع فيطلبها الحاكم حتى (ولو سكت عنها الخصم) فلو رضى أن يحكم عليه بشهادة فاسق لم يجز الحكم بها، (ويكفى فيها) أى التزكية قول الشاهد (أشهد أنه عدل) أو عدل رضى أو عدل مقبول الشهادة ويكفى فيها الظن بخلاف الجرح، ولا يكفى قوله لا أعلم إلا خيرا، وتعديل الخصم وحده تعديل فى حق الشاهد، وكذا تصديقه، لكن لا يثبت تعديله فى حق غير المشهود به، (وإن جهل) حاكم (لسان خصم ترجم له) أى للحاكم (من يعرف) لسانـ (ـه) أى الخصم (ولا يقبل فى ترجمة و) لا فى (جرح و) لا فى (تعديل و) لا فى (رسالة) أى من يرسله الحاكم يبحث عن حال الشهود (و) لا فى (تعريف عند حاكم فى) حد (زنا أو لواط إلا أربعة رجال) عدول كشهود للأصل، (و) لا يقبل في

الجزء: 1 - الصفحة: 514

وفي غير مال الا رجلان، وفى ذلك وفى مال الا رجلان أو رجل وامرأتان، وذلك شهادة

فصل ومن ادعى على غائب مسافة قصر أو في البلد أو ميت أو غير مكلف وله بينة سمعت وحكم بها في غير حق الله

تعالى، ثم ان وجد له مالا وفاة منه، والغائب دون ذلك والحاضر غير مستتر لا تسمع الدعوى ولا البينة عليهما حتى يحضرا أو يمتنعا.
ترجمة وجرح وتعديل ورسالة وتعريف عند حاكم (فى غير مال) كنسب ونكاح وطلاق وقذف وقصاص (إلا رجلان)، (و) لا يقبل (فى ذلك) المذكور (وفى مال إلا رجلان أو رجل وامرأتان، وذلك) أى الترجمة والجرح والتعديل والرسالة والتعريف عند الحاكم (شهادة) يعتبر فيه لفظ الشهادة وما يعتبر فيها وتجب المشافهة فصل (ومن ادعى على غائب) عن البلد (مسافة قصر) بغير عمله - وقال فى الاقناع ولو فى عمله - (أو) ادعى على مستتر إما (فى البلد) أو دون مسافة قصر (أو) ادعى على (ميت أو) على (غير مكلف) أى صغير أو مجنون (وله) أى المدعى (بينة سمعت) بينته (وحكم) القاضى له (بها) بشرطه (فى غير حق الله تعالى) كالزنا والسرقة، ولك يقضى فى السرقة بالمال فقط، ولا يزم الدعى أن يحلف أن حقه باق، وهى من المفردات.
والاحتياط تحليف وهى رواية قال المنقح أن حقه باق، وهى من المفردات.
والاحتياط تحليف وهى رواية قال المنقح والعمل عليها فى هذه الأزمة انتهى.
(ثم إن وجد) الحاكم (له مالا وفاه) دينه (منه) وإلا قال للمدعى إن عرفت به مالا وثبت عندى وفيتك منه.
ثم إذا كلف غير مكلف ورشد وحضر الغائب أو ظهر المستتر فعلى حجته، فإن جرح البينة بأمر بعد أداء الشهادة أو مطلقا لم يقبل وإلا قبل، (والغائب دون ذلك) تسمع (البينة عليهما حتى يحضرا) أى الغائب دون مسافة وغير المستتر بمجلس الحكم (أو يمتنعا) عن الحضور لتسمع البينة والدعوى عليهما إذن، والحكم

الجزء: 1 - الصفحة: 515

ولو رفع إليه حكم لا يلزمه نقضه لينفذه نفذه وان لم يره فصل ويقبل كتاب قاض إلى قاض فى كل حق لآدمى فيما حكم به لينفذه ولو فى بلد واحد، لا فيما ثبت عنده ليحكم به إلا فى مسافة قصر.
للغائب لا يصح إلا تبعا لمن ادعى موت أبيه عنه وعن أخ غائب أو غير رشيد وله عند فلان عين أو دين ثبت بإقراره أو ببينة أخذ المدعى نصيبه والحاكم نصيب الآخر، (ولو رفع إليه) أى الحاكم (حكم) في مختلف فيه كنكاح امرأة نفسها (لا يلزمه نقصه أ) أجل أن (ينفذه ينفذه) لزوما (وإن لم يره) أى الحكم صحيحا عنده لأنه حكم بما ساغ الاجتهاد به لا يجوز نقضه فلزمه تنفيذ كذلك، وكذا لو كان نفس الحكم مختلفا فيه لحكمه وتزويجه بيتيمة.
وإن رفع إليه خصمان عقدا فاسدا عنده فقط بأنه نافذ الحكم حكم بصحته فله إلزامهما ذلك وله ردهما والحكم بمذهبه، ومن غصبه إنسان مالا مجاهرة أو كان عنده عين ماله فله أخذ قدر ماله المغصوب جهرا أو عين ماله ولو قهرا، لا أخذ قدر دينه من مال مدين تعذر أخذ دينه منه بحاكم لجحد أو غيره إلا إذا تعذر على ضيف أخذ بحقه بحاكم أو منع زوج ومن فى معناه ما وجب عليه من نفقة ونحوها، ولو كان لكل من الاثنين على الآخر دين من غير جنسه فجحد أحدهما فليس للآخر أن يجحد.

فصل في حكم كتاب القاضي إلى القاضي

وأجمعت الأمة على قبوله لدعاء الحاجة.
(ويقبل كتاب قاض إلى قاض فى كل حق لآدمى) كبيع وصلح ورهن ونحوها حتى ما لا يقبل فيه إلا رجلان كقود ونسب وتوكيل ونحوها، لا فى حد لله كحد زنا ونحوه، يقبل كتابه (فيما حكم به) الكاتب (لينفذه) المكتوب إليه (ولو) كان الكاتب والمكتوب إليه (فى بلد واحد) لأن الحكم يجب إمضاؤه بكل حال، و (لا) يقبل (فيما ثبت عنده) أى الكاتب (ليحكم به) المكتوب إليه (إلا فى مسافة قصر) فأكثر لأنه نقل شهادة إلى المكتوب إليه فلم يجز مع القرب كالشهادة على الشهادة، وله أن يكتب

الجزء: 1 - الصفحة: 516

وشرط لقبوله أن يقرأه على عدلين وهما ناقلاه، ويعتبر ضبطهما لمعناه وما يتعلق به الحكم فقط ثم يقول: هذا كتابى إلا فلان ابن فلان، ويدفعه اليهما، فاذا وصلا دفعاه إلى المكتوب اليه فقرأه عليهما فاذا سمعاه قالا نشهد أنه كتاب فلان اليك كتبه بعلمه.
ويلزم من وصل إليه العمل به، وإذا أحضر الخصم المذكور فيه فقال ما أنا المذكور ولا بينة قبل

فصل والقسمة نوعان

: قسمة تراض وتحرم فيما لا ينقسم لا ضرر كحمام ودور  إلى قاض معين ومصر وقرية وإلى كل من يصل إليه من قضاة المسلمين.
(وشرط لقبوله) أى كتاب القاضى والعمل به (أن يقرأه) أى الكتاب (على عدلين وهما) يعنى العدلين (ناقلاه) إلى الآخر، (ويعتبر بطهما لمعناه وما يتعلق به الحكم فقط) أى دون ما لا يتعلق به الحكم لعدم الاحتياج إليه، (ثم يقول) القاضى الكاتب بعد القراءة عليهما (هذا كتابى إلى فلان ابن فلان) أو إلى من يصل إليه من قضاة المسلمين (ويدفعه إليهما) أى العدلين المقروء عليهما (فإذا وصلا) بالكتاب إلى عمل المكتوب إليه (دفعاه إلى المكتوب إليه فقرأه) هو أو غيره (عليهما فإذا سمعاه قالا: نشهد أنه كتاب فلان إليك كتبه بعمله)، ولا يشترط قولهما قرأ علينا أو أشهدنا عليه وإن أشهدهما عليه مدروجا مختوما من غير أن يقرأه عليهما لم يصح (ويلزم من وصل إليه) الكتاب من الحكام (العمل به) أى الكتاب - تغير المكتوب إليه أو لا - اكتفاء بالبينة بدليل ما لو ضاع أو انمحى وشهد الشاهدان بما فيه من حفظهما، (وإذا) وصل الكتاب و (أحضر) المكتوب إليه (الخصم المذكور فيه) باسمه ونسبه وحليته (فقال) الخصم (ما أنا المذكور) فى الكتاب (ولا بينة) تشهد عليه بأنه هو (قبل) قوله بيمينه لأنه منكر، فإن نكل قضى عليه.
فصل (والقسمة) تميز بعض الأنصباء عن بعض وإفرارزها عنها.
وهى (نوعان): أحدهما (قسمة تراض) لا تجوز إلا برضا الشركاء كلهم.
(وتحرم) القسمة (فيما) أى مشترك (لا ينقسم بلا ضرر) على الشركاء أو أحدهم (كحمام) صغير (ودور

الجزء: 1 - الصفحة: 517

صغار ونحوهما إلا برضا كل الشركاء، وحكم هذه كبيع فيجوز فيها ما يجوز فيه.
ومن دعا شريكه فيها أو فى شركة نحو عبد وفرس وسيف إلى بيع أو إجارة أجبر فان أبى بيع أو أجر عليهما وقسم ثمن وأجرة

فصل الثاني قسمة إجبار

، وهي مالا ضرر فيها ولا رد عوض فيجبر شريك أو  صغار ونحوهما) كطاحون صغير بحيث يتعطل الانتفاع بها إذا قسمت أو يقل وكشجر مفرد وأرض ببعضها بئر أو بناء ونحوه ولا تتعدل بأجزاء ولا قيمة (إلا برضا كل الشركاء) لأن فيها إما ضررا ورد عوض وكلاهما لا يجبر الإنسان عليه.
(وحكم هذه) القسمة (كبيع فيجوز فيها) أى القسمة (ما يجوز فيه) أى البيع لمالك ووليه خاصة لما فيها من الرد وبه تعبير بيعا لبذل صاحبه إياه عوضا عما حصل له من حق شريكه.
ولو قال أحدهما أنا آخذ الأدنى ويبقى له فى الأعلى حصتى فلا إجبار، (ومن دعا شريكه فيها) أى قسمة التراضى (أو) دعا شريكه (فى شركة نحو عبد وفرس) وبغل (وسيف إلى بيع أو) دعا شريكه إلى (إجازة أجبر) شريكه على البيع معه وكذا على الإجازة ولو فى وقف (فإن أبى) أى امتنع شريكه من بيع أو إجارة معه (بيع أو أجر) أى باعه أو أجره حاكم (عليهما وقسم ثمن) مبيع (وأجرة) عليهما على قدر حصتيهما، أو آجر ولبن متساوى القوالب من قسمة الأجزاء ومتفاوتها من قسمة التعديل، ومن بينهما دار لها علو وسفل فطلب أحدهما جعل السفل لأحدهما والعلو للآخر وقسم كل واحد على حدة لم يجبر ممتنع، وإن طلب قسمهما معا ولا ضرر وجب وعدل بالقيمة لا ذراع سفل بذراعى علو ولا ذراع بذراع إلا بتراضيهما، ولا إجبار فى قسمة المنافع فإن انتسماها فى زمان أو مكان صح جائزا فلو رجع أحدهما بعد استيفاء نوبته غرم ما انفرد به، وفقفة الحيوان مدة كل واحد عليه فصل النوع (الثانى قسمة إجبار، وهى ما لا ضرر فيها) على أحد الشركاء (ولا رد عوض) من واحد على غيره، (فيجبر شريك) غير محجور عليه (أو وليه)

الجزء: 1 - الصفحة: 518

وليه عليها وبقسم حاكم على غائب بطلب شريك أو وليه كمكيل وموزون من جنس واحد وقرية ودار كبيرة ودكان وأرض واسعين ونحوها وهذه افراز لا بيع، فيصح قسم رهن ولحم هدى وأضحية وما يكال وزنا عكسه.
وللشركاء أن يقسموا بأنفسهم ينصبونه أو يسألون الحاكم نصبه.
وشرط كونه مسلما عدلا عارفا بالقسمة ما لم يرضوا بغيره، ويكفى واحد، ومع تقويم اثنان، وأجرته بقدر الأملاك.
إن كان محجورًا عليه (عليها ويقسم حاكم على غائب) من الشريكين أو وليه (بطلب شريك) مكلف للغائب (أو) طلب (وليه) إن لم يكن مكلفا قسم مشترك (كمكيل) من جنس واحد كحبوب ومائع وتمر وزبيب ونحوه مما يكال من الثمار.
وكذا اشنان (و) كـ (موزون من جنس واحد) كذهب وفضة ونحاس ونحو مامسته نار كدبس أولا كدهن) (و) كـ (ـقرية ودار كبيرة ودكان وأرض واسعين ونحوها) كبساتين ولو لم تتساو أجزاؤها إذا أمكن قسمها بالتعديل بأن لا يجعل شئ معها.
وشرط لاجبار الحاكم على القسمة ثلاثة شروط: ثبوت مالك الشركاء، وثبوت أن لا ضرر فيها، وثبوت إمكان تعديل السهام فى المقسوم بلا شئ يجعل معها، وإلا فلا إجبار، ومن دعا شريكه فى بستان إلى قسم شجره فقط لم يجبر، وإلى قسم أرضه أجبر ودخل الشجر تبعا.
(وهذه) القسمة (إفراز) حق أحد الشريكين من حق الآخر (لا بيع) لأنها لو كانت بيعا لم تصح تغير رضا شريك ولو جبت فيها الشفعة ولما لزمت بالقرعة، (فيصح قسم) وقف (ورهن)، فلو رهن سهمه مشاعا ثم قاسم شريكه صح واختص قسمه بالرهن، (و) يصح قسم (لحم هدى و) لحم (أضحية) وثمر يخرص خرصا (و) قسم (ما يكال) من ربوى وغيره (وزنا وعكسه) بأن يقسم ما يوزن كيلا وما يشترط لصحة بيعه قبضه بالمجلس كذهب وإن لم يقبض بالمجلس، ومتى ظهر فيها غبن فاحش بطلت، وتنفسخ بعيب (وللشركاء أن يقسموا بأنفسهم و) لهم أن يقتسموا (بقاسم ينصبونه أو يسألون الحاكم نصبه) وتجب عليه إجابتهم لقطع النزاع، (وشرط) فى قاسم إذا نصبه حاكم (كونه مسلما عدلا عارفا بالقسمة ما لم يرضوا بغيره) لأن الحق لا يعدوهم، وتصح من عبد (ويكفى) قاسم (واحد) حيث لم يكن في القسمة تقويم (و) لا يكفى (مع تقويم) إلا (اثنان) لأنه شهادة بالقيمة، (و) تباح (أجرته) وتسمى القسامة بضم القاف وهى على (قدر الاملاك) نصا ولو شرط خلافه ولا ينفرد

الجزء: 1 - الصفحة: 519

وتعدل السهام بالأجزاء ان تساوت والا فبالقيمة أو بالرد ان اقتضته ثم يقرع، وكيفما أقرع جاز وتلزم القسمة بها، وان خير أحدهما الآخر صحت ولزمت برضاهما وتفرقهما  بعضهم باستئجاره، وكقاسم حافظ ونحوه.
(وتعدل السهام) أى يعدلها القاسم (بالأجزاء) أى أجزاء المقسوم (إن تساوت) أجزاؤها كالمكيلات والموزونات والأراضى التى ليس بعضها أجود من بعض، (وإلا) تتساوى أجزاؤها بأن اختلف (فـ) ـتعدل (بالقيمة أو بالرد إن اقتضته) بان لم يمكن تعديل السهام بالأجزاء أو لا بالقيمة فتعدل بالرد بأن يجعل لمن يأخذ الردئ أو القليل دراهم على من يأخذ الجيد أو الأكثر (ثم يقرع) بين الشركاء لازالة الابهام فمن خرج له سهم صار له (وكيف ما أقرع جاز) إن شاء رقاعا وإن شاء خواتيم يطرح ذلك في حجر من لم يحضر ويكون لكل واحد خاتم معين ثم يقال أخرج خاتما على هذا السهم فمن خرج خاتمه فهو له، وعلى هذا فلو أقرع بالحصا وغيره جاز.
(وتلزم القسمة بها) أى بخروج القرعة لأن القاسم كالحاكم وقرعته حكم نص عليه ولو فيما فيه رد عوض أو ضرر، ولا عبرة برضاهم بعدها.
(وإن خير أحدهما) أى الشريكين (الآخر) من غير قرعة بأن قال له اختر أى القسمين شئت (صحت) القسمة (ولزمت برضاهما وتفرقهما) بأبدانهما كتفرق متبايعين.
ومن ادعى غلطا فيما تقاسماه وأشهدا على رضاهما به لم يلتفت إليه، ويقبل ببينة فيما قسمه قاسم حاكم وإلا حلف منكر وكذا قاسم نصباه، وإن استحق بعدها معين من حصتيهما على السواء لم تبطل فيما بقى إلا أن يكون ضرر المستحق في نصيب أحدهما أكثر كسد طريقه ونحوه فتبطل كما لو كان فى أحدهما أو شائعا ولو فيهما.
ولو ادعى كل شيئا أنه من سهمه تحالفا ونقضت.
فائدة: يصح بيع التركة قبل قضاء الدين إن قضى ويصح العتق ولا يمنع دين الميت انتقال تركته أو ورثته بخلاف ما ثلثها من معين موصى به لفقراء أو نحو مسجد، والمنافع لهم، لأن تعلق الدين بها كتعلق جناية لا رهن

الجزء: 1 - الصفحة: 520

فصل والمدعي إذا سكت ترك، وعكسه المدعى عليه.
ولا تصح دعوى ولا انكار الا من جائز التصرف، واذا تداعيا عينا فان كانت بيد أحدهما ولا بينة فله بيمينه، وان كانت بيديهما أو لا بيد أحد تحالفا وتقسم بينهما وكذا لو نكلا، وان أقام كل بينة وتساوتا من كل وجه تعارضتا وتساقطتا، ما لم تكن بيد

فصل في الدعاوى والبينات

(والمدعى من) يطالب غيره بحق يذكر استحقاقه عليه، و (إذا سكت ترك، وعكسه المدعى عليه) أى إذا سكت لم يترك فهو مطالب.
والبينة العلامة الواضحة كالشاهد فأكثر، (ولا تصح دعوى ولا إنكار إلا من) إنسان (جائز التصرف) أى حر مكلف رشيد، لكن تصح الدعوى على سيفه فيما يؤخذ به حال سفهه وبعد فك حجره، ويحلف إذا أنكر، (وإذا تداعيا) أى ادعى كل من اثنين (عينا) أنها له فلا يخلو إما أن تكون بيد أحدهما أو بيدهما أو بيد أحدهما بل بيد ثالث، (فإن كانت بيد أحدهما ولا بينة) لواحد منهما (ة) ـهى (له بيمينه) فيحلف أنه لا حق له فيها للآخر لثبوت يده عليها، فإن نكل قضى عليه بالنكول، قال الشيخ مرعى: ولو أقام بينة.
(وإن كانت) العين المنازع فيها (بيديهما) أى المنازعين (أو لا) أى لم تكن (بيد أحد) ولا ثم قرينة ولا بينة وادعى كل منهما أنها كلها له (تحالفا ونقسم بينهما) أنصافا بعد حلف كل منهما أنها له ولا حق فيها للآخر لاستوائهما فى الدعوى وعدم المرجح، (وكذا لو نكلا) عن اليمين فتقسم بينهما لأن كل منهما يستحق ما فى يد الآخر بنكوله، وإن وجد ظاهر لأحدهما عمل به، وإن نكل أحدهما وحلف الآخر بنكوله، وإن وجد ظاهر لأحدهما نصفه فما دون والآخر أكثر ما بقى أو كلها فقول مدعى الأقل بيمينه، وإن كان لأحدهما بينة بالعين حكم له بها (وإن أقام كل) منهما (بينة) بها لم تقدم إحداهما بكثرة عدد ولا الشاهدان على الشاهد ويمين، (و) إذا (تساوتا) أى البيننان (من كل وجه تعارضتا وتساقطنا ما لم تكن) العين (بيد

الجزء: 1 - الصفحة: 521

أحدهما فيحكم بها للخارج وهو المدعى ببينة وبتحالفات ويتناصفان ما بيديهما ويقرع فيما ليس بيد أحدهما أو بيد ثالث ولم ينازع.
والله أعلم

فصول الكتاب · 18 فصل
جارٍ التحميل