المقدمة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن مفلح، برهان الدين
- الكتاب
- النكت والفوائد السنية على مشكل المحرر لمجد الدين ابن تيمية
- المؤلف
- إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن محمد ابن مفلح، أبو إسحاق، برهان الدين (المتوفى: 884هـ)
- الناشر
- مكتبة المعارف - الرياض
- الطبعة
- الثانية، 1404
- عدد الأجزاء
- 2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
النكت والفوائد السنية على مشكل المحرر
- عَلَم: ابن مفلح، برهان الدين
- الكتاب: النكت والفوائد السنية على مشكل المحرر لمجد الدين ابن تيمية
- المؤلف: إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن محمد ابن مفلح، أبو إسحاق، برهان الدين (المتوفى: 884هـ)
- الناشر: مكتبة المعارف - الرياض
- الطبعة: الثانية، 1404
- عدد الأجزاء: 2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم قَالَ الشَّيْخ الإِمَام الْعَالم الْعَلامَة مفتي الْمذَاهب رحْلَة الطلاب نَسِيج وَحده وفريد عصره شيخ الْإِسْلَام أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن الشَّيْخ الإِمَام الْعَالم أبي المفاخر مُفْلِح بن مفرج الْمَقْدِسِي الْحَنْبَلِيّ تغمده الله برحمته وَكَانَ قد صنف هَذَا الْكتاب قبل سنة أَرْبَعِينَ وَسَبْعمائة وَتُوفِّي لَيْلَة يسفر صباحها عَن يَوْم الْخَمِيس ثَانِي رَجَب الْفَرد سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة وَله تصانيف باهرة فِي فنون مَشْهُورَة وَهَذَا الْكتاب اسْمه النكت والفوائد السّنيَّة على مُشكل الْمُحَرر للشَّيْخ مجد الدّين بن تَيْمِية تغمده الله برحمته
قَالَ لما ذَكرْنَاهُ وَإِنَّمَا ذكر الْخلاف فِي الْقَلِيل المطهر إِذا أضيف إِلَى كثير نجس وَهَذَا فِيهِ نظر وَاحْتج الْأَصْحَاب للراجح فِي الْمَذْهَب وَالْجَوَاب عَن خبر الْقلَّتَيْنِ والاحتجاج بِهِ هُنَا يطول ذكره فليطلب فِي كَلَامهم فَأَما إِن لم يبلغ الْمَجْمُوع قُلَّتَيْنِ فَهُوَ نجس وَكَذَا فِي الْمُحَرر فِيهِ إِطْلَاق فَإِن كَانَ مُرَاده وَبلغ الْمَجْمُوع قُلَّتَيْنِ وَردت هَذِه الصُّورَة على كَلَامه وَإِن كَانَ مُرَاده أَن التَّخْرِيج يجْرِي فِي هَذِه الصُّورَة أَيْضا فَقَالَ بَعضهم يكون التَّخْرِيج من رِوَايَة إِن المَاء لَا ينجس إِلَّا بالتغيير وَفِيه نظر لِأَن التَّفْرِيع إِنَّمَا هُوَ على الْمَذْهَب فَأَما على رِوَايَة إِن المَاء لَا ينجس إِلَّا بالتغيير فَلَا إِشْكَال والقليل كالكثير فتطهيره بِزَوَال تغيره على أَي وَجه كَانَ وَإِضَافَة مَاء إِلَيْهِ قل أَو كثر وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد أَن المَاء مطهر للْمَاء النَّجس وَإِن لم يبلغ هَذَا الْقدر الْمَخْصُوص إِذا غمره لِأَنَّهُ عين للْمَاء أثر فِي تطهيرها فأثر وَإِن لم يبلغ الْقدر الْمَخْصُوص كَسَائِر الْمحَال وَهَذَا للْمَاء طهر الْمحل وأزال النَّجَاسَة من غير انْفِصَال فَيكون حكمه حكم مَا انْفَصل غير متغير بعد زَوَال النَّجَاسَة لَا فَارق بَينهمَا إِلَّا الِانْفِصَال وَلَا أثر لَهُ هُنَا لعدم اعْتِبَاره كَمَا نقُول فِي المَاء الْكثير أَو فِي نَجَاسَة الأَرْض فَإِنَّهُ لَا يعْتَبر فِي تطهيرها الِانْفِصَال وَقَوْلهمْ مَاء لَا يدْفع النَّجَاسَة عَن نَفسه فَعَن غَيره أولى إِن أَرَادوا
لَا يَدْفَعهَا عَن نَفسه فِيمَا إِذا كَانَت وَارِدَة عَلَيْهِ فَمُسلم وَعَلِيهِ يدل خبر الْقلَّتَيْنِ لَكِن لَا يحصل الْمَقْصُود وَإِن أَرَادوا مُطلقًا فَمَمْنُوع وَلَا يَقُولُونَ بِهِ وَحمل كَلَام صَاحب الْمُحَرر على هَذَا أَو مَا أشبهه أولى لَكِن يستبعد هَذَا من جِهَة أَنِّي لم أجد أحدا ذكره فَيَنْبَغِي أَن يتَأَمَّل هَذَا وَينظر هَل قَالَ بِهِ أحد أم لَا فَإِن كَانَ قد قيل بِهِ فقد لَا يبعد حمل كَلَامه عَلَيْهِ وَإِن كَانَ هُوَ لم يُصَرح بِهِ فَإِن أضيف إِلَى المَاء النَّجس غير المَاء فَهَل يطهره كَلَام الْأَصْحَاب فِيهِ مَشْهُور وَسَيَأْتِي كَلَامه فِي الْمُحَرر فِي المَاء وَأَنه الَّذِي يطهر المَاء النَّجس لَا غَيره وأظن أَنه لم يحك فِي إِضَافَة غَيره خلافًا فِي شرح الْهِدَايَة فِي أَنه لَا يطهر وَهَذَا ظَاهر كَلَام جمَاعَة من الْأَصْحَاب كَابْن عقيل وَهَذَا مُتَوَجّه فِيمَا إِذا كَانَ المَاء النَّجس قَلِيلا أما إِذا كَانَ كثيرا فَلَا فرق إِذا كَانَ لَا يستر النَّجَاسَة وَلَا يُغير رائحتها وَقطع فِي الْمُسْتَوْعب بِأَن غير المَاء لَا يطهر المَاء النَّجس قَوْله وَمن خفى عَلَيْهِ مَوضِع النَّجَاسَة غسل مَا يستيقن بِهِ غسلهَا أطلق الْعبارَة كَغَيْرِهِ وَمرَاده فِي غير الصَّحرَاء قطع بذلك الْأَصْحَاب وَعَن أَحْمد مَا يدل على التَّحَرِّي فِي غير الصَّحرَاء قَالَ إِسْمَاعِيل بن سعيد سَأَلت أَحْمد عَن الْمَذْي يُصِيب الثَّوْب وَلَا يعلم مَكَانَهُ قَالَ إِن علم بمكانه غسله وَإِن أشكل عَلَيْهِ ذَلِك نضح الْمَكَان الَّذِي يظنّ أَنه أَصَابَهُ أما الصَّحرَاء فَلَا يُمكن حفظهَا
من النَّجَاسَة وَلَا يُمكن غسلهَا إِلَّا بِمَشَقَّة شَدِيدَة وَله أَن يُصَلِّي فِيهَا بِلَا تحر فِي ظَاهر كَلَام الْأَصْحَاب وَصرح بِهِ بَعضهم وَيَنْبَغِي أَن يسْتَحبّ مُبَالغَة فِي تَحْصِيل شَرط الْعِبَادَة قَالَ فِي الرِّعَايَة ويجتنب مَا ظن نَجَاسَته وَهَذَا صَحِيح لِأَنَّهُ كالمتلاعب كَمَا لَو أقدم على الْعِبَادَة ظَانّا عدم دُخُول الْوَقْت وكالصلاة وَالصَّوْم فِي حق من اشتبهت عَلَيْهِ الْأَشْهر وَكَذَا لَو دفع الزَّكَاة إِلَى من يظنّ عدم اسْتِحْقَاقه فَتبين بِخِلَافِهِ
قَوْله وَإِن اشْتبهَ طَاهِر بِطهُور تَوَضَّأ بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا ثمَّ صلى
كَذَا عبر جمَاعَة من الْأَصْحَاب وتبعهم وَكَذَا تَبِعَهُمْ فِي مَسْأَلَة اشْتِبَاه الثِّيَاب الطاهرة بالنجسة وَهَذَا الْإِطْلَاق يَقْتَضِي أَن الحكم كَذَلِك مَعَ الْقُدْرَة على اسْتِعْمَال مَاء طهُور بِيَقِين أَو ثوب طَاهِر وَلَيْسَ كَذَلِك عِنْده على مَا ذكره فِي شرح الْهِدَايَة وَكَذَا لم أجد أحدا من الْأَصْحَاب صرح بالْقَوْل بِمُقْتَضى هَذَا الْإِطْلَاق وَوجه عدم القَوْل بِهِ أما فِي مَسْأَلَة الثِّيَاب فلعدم الْجَزْم بِالنِّيَّةِ من غير حَاجَة وَأما مَسْأَلَة الْوضُوء من الطَّاهِر وَالطهُور عِنْد الِاشْتِبَاه مَعَ الْقُدْرَة على اسْتِعْمَال طهُور غير مشتبه فَإِن تَوَضَّأ وضوءين لم يَصح لما تقدم وَهُوَ إخلاله بِالْجَزْمِ بِالنِّيَّةِ من غير حَاجَة وَإِن كَانَ وضُوءًا وَاحِدًا غرفَة من هَذَا وغرفة من هَذَا لكل وضوء إِلَى كَمَال الطَّهَارَة صَحَّ لجزمه بِالنِّيَّةِ وتشاغله فِي خلال الطَّهَارَة بِمَا لَيْسَ مِنْهَا بِشَيْء يسير لَا يطول الْفَصْل بِهِ وَلَا يُؤثر قَوْله يحرم اسْتِقْبَال الْقبْلَة ثمَّ ذكر بعد هَذَا أَنه لَا يفعل كَذَا وَلَا كَذَا قد يُقَال فِيهِ إِشْعَار بِأَن هَذِه الْأُمُور غير مُحرمَة لِأَنَّهُ لَو أَرَادَ التَّحْرِيم ثمَّ صرح بِهِ وَلَو أوضح حكم ذَلِك بِالتَّحْرِيمِ أَو الْكَرَاهَة كَانَ أَجود وَبَيَان ذَلِك أما اسْتِصْحَاب مَا فِيهِ ذكر الله تَعَالَى فمكروه صرح بِهِ المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة وَغَيره وَعَن الإِمَام أَحْمد لَا يكره ذكرهَا الشريف وَقطع فِي الْمُسْتَوْعب بِأَن إِزَالَة ذَلِك أفضل وَهَذَا قَول ثَالِث وَلَعَلَّه أقرب وَأما قَوْله وَلَا يتَكَلَّم فَكَذَا عبر جمَاعَة وَصرح جمَاعَة بِالْكَرَاهَةِ
وَلم أجد أحدا مِنْهُم ذكر التَّحْرِيم مَعَ أَن دليلهم يَقْتَضِيهِ وَعَن الإِمَام أَحْمد مَا يدل عَلَيْهِ قَالَ صَالح سَأَلت أبي عَن الْكَلَام فِي الْخَلَاء قَالَ يكره وَقَالَ إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم سَأَلت أَحْمد عَن الْكَلَام فِي الْخَلَاء قَالَ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَن يتَكَلَّم قَوْله وَلَا يمْكث فَوق الْحَاجة كَذَا عبر جمَاعَة وَعبر جمَاعَة بِالْكَرَاهَةِ وَهَذِه الْمَسْأَلَة هِيَ مَسْأَلَة كشف الْعَوْرَة خلْوَة لغير حَاجَة وفيهَا ثَلَاث رِوَايَات التَّحْرِيم وَالْكَرَاهَة وَالْجَوَاز لَكِن هُنَا يتَعَيَّن نفي الْجَوَاز لأمر اخْتصَّ بِهِ هَذَا الْموضع وَبِه يعرف قُوَّة الْكَرَاهَة أَو التَّحْرِيم قَوْله وَلَا يسْتَقْبل الشَّمْس وَلَا الْقَمَر كَذَا عبر جمَاعَة وَعبر جمَاعَة بِالْكَرَاهَةِ وَلم يذكر بَعضهم هَذِه الْمَسْأَلَة مَعَ شهرتها فَلَعَلَّهُ لم يرهَا وَالْكَرَاهَة تفْتَقر إِلَى دَلِيل وَالْأَصْل عَدمه وَظَاهر قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَكِن شرقوا أَو غربوا يدل على عدمهَا وَقطع أَبُو الْفرج الشِّيرَازِيّ الْمَقْدِسِي فِي كِتَابه الْإِيضَاح بِالتَّحْرِيمِ قَوْله وَلَا يَبُول فِي شقّ وَلَا سرب كَذَا عبر جمَاعَة وَصرح جمَاعَة بِالْكَرَاهَةِ وَلَا فرق بَين أَن يكون فَم بالوعة أَو غَيرهَا صرح بِهِ الْأَزجيّ فِي النِّهَايَة وَفِي الرِّعَايَة
قَوْله وَلَا طَرِيق وَلَا ظلّ نَافِع كَذَا ذكر جمَاعَة وَشرط غير وَاحِد فِي الطَّرِيق أَن يكون مأتيا وَلم يُقيد غير وَاحِد الظل بالنفع وَصرح فِي الْمُبْهِج وَالْكَافِي وَالشَّرْح للمقنع وَغَيرهَا بِالْكَرَاهَةِ وَصرح فِي المغنى بِالتَّحْرِيمِ وَقطع بِهِ ابْن تَمِيم قَوْله وَلَا تَحت شَجَرَة مثمرة كَذَا ذكر جمَاعَة وَصرح جمَاعَة بِالْكَرَاهَةِ وَصرح ابْن تَمِيم بِالتَّحْرِيمِ وَقطع فِي الْمُسْتَوْعب وَالنِّهَايَة بِأَنَّهُ لَا يَبُول تَحت شَجَرَة مثمرة وَلَا غير مثمرة
قَوْله الرَّابِع لمس الرجل للْمَرْأَة الْمَرْأَة للرجل بِشَهْوَة فينفضيوضوء اللامس وَفِي الملموس رِوَايَتَانِ أطلق الْخلاف وَمرَاده مَعَ الشَّهْوَة من
الملموس لِأَنَّهُ فرع على مَا قدمه وَهُوَ ظَاهر الْمَذْهَب فَإِن قيل بِاعْتِبَار الشَّهْوَة من اللامس فَهَل يلْحق الملموس بِهِ مَعَ الشَّهْوَة فِيهِ رِوَايَتَانِ وَإِن قيل لَا تعْتَبر الشَّهْوَة من اللامس لم تعْتَبر فِي الملموس وَفِي إِلْحَاقه بِهِ الرِّوَايَتَانِ وَلِهَذَا قَالَ القَاضِي أَبُو الحسنين الملموس هَل ينْتَقض وضوءه فِي الْموضع الَّذِي ينْتَقض فِيهِ وضوء اللامس على رِوَايَتَيْنِ وَعَن الشَّافِعِي كالروايتين انْتهى كَلَامه أما اعْتِبَار الشَّهْوَة من اللامس وَعدم اعْتِبَارهَا من الملموس فَلَا وَجه لَهُ لِأَن غَايَة حكم الملموس أَن يُسَاوِي حكم اللامس لِأَنَّهُ فَرعه وَغَايَة الْفَرْع مساواته لأصله وَلِهَذَا صحّح جمَاعَة عدم نقض وضوءه الملموس مُطلقًا وَإِن قُلْنَا ينْقض وضوء اللامس مِنْهُم المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة والأزجي فِي النِّهَايَة وَذكر ابْن هُبَيْرَة أَنه أظهر الرِّوَايَتَيْنِ وَلم أجد أحدا صحّح خلاف هَذَا غير ابْن عقيل وَمذهب مَالك اعْتِبَار الشَّهْوَة من الملموس كاللامس فَإِن وجدت لزمَه الْوضُوء وَإِلَّا فَلَا قَالَ المُصَنّف وَيجب أَن تحمل رِوَايَة النَّقْض عندنَا على ذَلِك قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين فِي شرح الْعُمْدَة إِذا قُلْنَا بِالنَّقْضِ اعْتبرنَا الشَّهْوَة فِي الْمَشْهُور كَمَا نعتبرها فِي اللامس حَتَّى ينْتَقض وضوءه إِذا وجدت الشَّهْوَة فِيهِ دون اللامس وَلَا ينْتَقض إِذا لم تُوجد فِيهِ وَإِن وجدت فِي اللامس انْتهى كَلَامه
وَقَول ابْن تَمِيم وَلم يعْتَبر أَصْحَابنَا الشَّهْوَة فِي الملموس هَذَا يجب أَن يكون اكْتِفَاء مِنْهُم بِبَيَان حكم اللامس وَأَن الشَّهْوَة مُعْتَبرَة مِنْهُ وَأَن من الْوَاضِح أَن حكم الملموس مُفَرع عَلَيْهِ لَا أَنَّهَا تعْتَبر مِنْهُ وَإِن اعْتبرت من اللامس وَلم أجد أحدا صرح بِهَذَا وَيُؤْخَذ من كَلَامه أَن الممسوس فرجه لَا ينْتَقض وضوءه رِوَايَة وَاحِدَة وَصرح بِهِ غير وَاحِد وَهُوَ مَذْهَب مَالك وَالشَّافِعِيّ مَعَ أَن مَذْهَبهمَا نقض وضوء الملموس كاللامس على أَصلهمَا لِأَن الْمُلَامسَة تَقْتَضِي الْمُشَاركَة إِلَّا مَا خرج بِدَلِيل وَهنا ورد بِلَفْظ الْمس والممسوس لم يمس وَمن أَصْحَابنَا من ذكر فِي الممسوس فرجه وَجْهَيْن وَمِنْهُم من ذكر رِوَايَتَيْنِ وَذكر القَاضِي فِي شَرحه أَن مس الْمَرْأَة لفرج الرجل أَو الرجل لفرج الْمَرْأَة هَل هُوَ من قبيل مس النِّسَاء أَو من قبيل مس الْفرج على وَجْهَيْن وَالْأَظْهَر أَنه ينْتَقض وضوء الماس مِنْهُمَا لفرج الآخر وَإِن لم يكن بِشَهْوَة والممسوس فرجه لَا ينْتَقض وضوءه فِي ظَاهر الْمَذْهَب إِلَّا أَن يكون عَلَيْهِ شَهْوَة فَفِيهِ الرِّوَايَتَانِ قَوْله فَإِن تيقنهما وَشك فِي السَّابِق مِنْهُمَا كَانَ على عكس حَاله قبلهمَا إِلَّا أَن يتيقين أسبق فعلَيْهِمَا فَيكون على مثل حَاله قبلهمَا هَكَذَا ذكر الْأَصْحَاب
قبله هَاتين الْمَسْأَلَتَيْنِ وتبعهم وَتكلم عَلَيْهِمَا فِي شرح الْهِدَايَة كلَاما حسنا وَهَذَا كَلَامه أَو مَعْنَاهُ أما الْمَسْأَلَة الأولى فصورتها أَن يتيقين أَنه على طَهَارَة فِي وَقت وَزنه أَنه مُحدث فِي وَقت آخر وَلَا يتَيَقَّن ابتدائها فَإِنَّهُ يكون على خلاف حَاله قبلهمَا لِأَن الْحَالة السَّابِقَة زَالَت يَقِينا لمخالفتهما من الْحَالين الْمَشْكُوك فيهمَا وَأما الْمُوَافقَة لَهَا فَيحْتَمل أَن تكون هِيَ بِعَينهَا وَقد استمرت إِلَى أَن زَالَت بالمخالفة وَيحْتَمل أَنه بعد الْمُخَالفَة بِسَبَب متجدد فَحِينَئِذٍ لَا نزيل يَقِين الْحَالة الْمُخَالفَة بِأَمْر مَشْكُوك فِيهِ مِثَاله إِذا قَالَ أتحقق أَنِّي بعد الزَّوَال مرّة مُحدثا وَمرَّة متطهرا وَلَا أعلم السَّابِق مِنْهُمَا إِلَى حَالَة قبل الزَّوَال فَإِن كَانَ متطهرا فَهُوَ الْآن مُحدث لِأَن تِلْكَ الطَّهَارَة المتيقنة قبل الزَّوَال زَالَت بِيَقِين الْحَدث بعد الزَّوَال وَأما الطَّهَارَة المتيقنة بعد الزَّوَال فَجَائِز أَن تكون هِيَ السَّابِقَة وَقد استمرت إِلَى مَا بعد الزَّوَال وَجَائِز أَن تكون طَهَارَة مستأنفة فَلَا نزيل يَقِين الْحَدث بِالشَّكِّ وَإِن قَالَ كنت قبل الزَّوَال مُحدثا فَهُوَ الْآن متطهر لماسبق من الِاسْتِدْلَال وَهَذَا كَمَا لَو علمنَا لزيد على عَمْرو ألف دِرْهَم فَأَقَامَ عَمْرو بَينه بِالْأَدَاءِ أَو الْإِبْرَاء فَأَقَامَ زيد بَيِّنَة أَن عمرا أقرّ لَهُ بِأَلف دِرْهَم مُطلقًا لم تثبت لَهُ هَذِه الْبَيِّنَة شَيْئا لاحْتِمَال أَن الْألف الَّذِي أقرّ بِهِ هُوَ الأف الَّذِي علمنَا وُجُوبه وَقَامَت الْبَيِّنَة ببراءته فَلَا تشتغل ذمَّته بِالِاحْتِمَالِ وَقَالَ الْأَزجيّ من أَصْحَابنَا الْمُتَأَخِّرين فِي كتاب النِّهَايَة لَهُ لَو قيل إِنَّه يجب عَلَيْهِ الطَّهَارَة لَكَانَ لَهُ وَجه لِأَن يَقِين الطَّهَارَة قد عَارضه يَقِين الْحَدث وَإِذا تَعَارضا سقطا وَوَجَب عَلَيْهِ الْوضُوء احْتِيَاطًا
للصَّلَاة فَإِنَّهُ يكون مُؤديا فَرْضه بِيَقِين وَالْأول أصح فَلَو لم يعرف مَا كَانَ قبلهمَا لزمَه الْوضُوء لِأَنَّهُ لَا بُد لَهُ من طَهَارَة متيقنة أَو مظنونة أَو مستصحبة وَلَيْسَ هُنَا شَيْء فَوَجَبَ الْوضُوء وَأما الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة فصورتها أَنه ابْتَدَأَ نقض الطَّهَارَة وفعلها عَن حدث فِي وَقت بِعَيْنِه وَشك فِي السَّابِق مِنْهُمَا رَجَعَ إِلَى حَاله قبلهمَا مِثَاله إِذا قَالَ فعلت ذَلِك بِيَقِين بعد الزَّوَال وَلَا أعلم السَّابِق قُلْنَا مَا كنت قبله فَإِن قَالَ متطهرا فَهُوَ الْآن متطهر لِأَنَّهُ تَيَقّن أَنه نقض تِلْكَ الطَّهَارَة ثمَّ تَوَضَّأ إِذْ لَا يُمكن أَن يتَوَضَّأ عَن حدث مَعَ بَقَاء تِلْكَ الطَّهَارَة وَنقض هَذِه الطَّهَارَة الثَّانِيَة مَشْكُوك فِيهِ فَلَا يَزُول عَن الْيَقِين بِالشَّكِّ وَجَعَلنَا الْحَدث بَين الطهارتين تَحْقِيقا لقَوْله إِذْ لَو كَانَ بعد الثَّانِيَة لكَانَتْ تجديدا لَا يُزِيلهُ الْحَدث فَإِن قيل بل يُمكن ذَلِك بِأَن يكون قد أحدث بَينهمَا حَدثا آخر وأنسيه قيل الأَصْل عدم ذَلِك وَإِن قَالَ كنت قبل الزَّوَال مُحدثا فَهُوَ الْآن مُحدث لِأَن قَوْله إِنَّمَا يتَحَقَّق بِجعْل الطَّهَارَة بَين الحدثين إِذْ لَو كَانَت بعد الثَّانِي لم يكن قد نقض طَهَارَة وَاحْتِمَال طَهَارَة أُخْرَى بَين الحدثين لَا يبْنى عَلَيْهِ لِأَن الأَصْل عدم ذَلِك وَقَالَ الشَّيْخ وجيه الدّين من أَصْحَابنَا فِي شرح الْهِدَايَة لَهُ هَذَا إِذا كَانَ الْوَقْت لَا يَتَّسِع لَهما وَلَو اتَّسع الْوَقْت لَهما لكَانَتْ الْمَسْأَلَة بِعَينهَا وَيصير
هَذَا كتعارض الْبَيِّنَتَيْنِ إِذا شهدتا بتاريخ وَاحِد سقطتا لِأَنَّهُ لَا يُمكن الْعَمَل بهما انْتهى كَلَامه وَالْأول أصح وَهَذِه الصُّورَة هِيَ مُرَاد صَاحب الْمُحَرر وَإِن كَانَ كَلَامه يدْخل فِيهِ مَا لَو تَيَقّن فعلَيْهِمَا وَلم يتَيَقَّن أَن الطَّهَارَة عَن حدث وَلَا الْحَدث عَن طَهَارَة وَهِي مَسْأَلَة فقد الِابْتِدَاء وَهِي ثَلَاث صور إِحْدَاهَا فقدانه فيهمَا مِثَاله أَن يَقُول أتحقق أَنِّي بعد الزَّوَال تَوَضَّأت وضُوءًا لَا أَدْرِي عَن حدث كَانَ أَو تجديدا وَإِنِّي أحدثت وَلَا أَدْرِي كنت حِين الْحَدث مُحدثا أَو متطهرا وَلَا أعلم السَّابِق من الْفِعْلَيْنِ فَهَذَا يكون على عكس حَاله قبل الزَّوَال فَإِن قَالَ كنت قبل الزَّوَال متطهرا فَهُوَ الْآن مُحدث لِأَن الطَّهَارَة السَّابِقَة زَالَت بِالْحَدَثِ يَقِينا وَأما الْوضُوء الثَّانِي فَيحْتَمل أَنه تَجْدِيد قبل الْبَوْل وَيحْتَمل أَنه رفع الْحَدث بعده فَلَا يزِيل الْحَدث الْمُتَيَقن بِالشَّكِّ وَلَو قَالَ كنت قبل الزَّوَال مُحدثا فَهُوَ الْآن متطهر لِأَن الْحَدث السَّابِق زَالَ يَقِينا بِطَهَارَة متيقنة بعده إِمَّا بِالْوضُوءِ الَّذِي ذكره إِن كَانَ رَافعا وَإِمَّا بِوضُوء تقدمه إِن كَانَ تجديدا وَالْحَدَث الْمُتَيَقن يحْتَمل أَنه قبل هَذِه الطَّهَارَة وَيحْتَمل أَنه بعْدهَا وَلَا يزيلها بِالشَّكِّ هَكَذَا ذكره الشَّيْخ مجد الدّين فِي شرح الْهِدَايَة وَغَيره وَقَالَ فِي الرِّعَايَة ورن جهل فاعلهما حَالهمَا وأسبقهما أَو عين لَهما وقتا لَا يسعهما فَهَل هُوَ بعدهمَا كحالة قبلهمَا أَو بضده فِيهِ وَجْهَان وَقيل رِوَايَتَانِ
وَمَسْأَلَة جهل فاعلهما حَالهمَا هِيَ هَذِه الصُّورَة وَمَسْأَلَة تعْيين وَقت لَا يسعهما كَلَامه فِي الرِّعَايَة فِيهِ إِطْلَاق يدْخل فِيهِ تحقق الِابْتِدَاء وفقدانه وَلَعَلَّ مُرَاده مَعَ تحقق الِابْتِدَاء فَتكون الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة الَّتِي خَالف فِيهَا أَبُو الْمَعَالِي وَذكر فِي الْمُسْتَوْعب الْمَسْأَلَة الأولى الَّتِي خَالف فِيهَا الْأَزجيّ ثمَّ قَالَ فَإِن تَيَقّن فعلهمَا فِي وَقت لَا يَتَّسِع لَهما تعَارض هَذَا الْيَقِين وَسقط وَكَانَ على حَاله قبل ذَلِك من طَهَارَة أوجدت وَلم يزدْ على ذَلِك وأظن أَن الشَّيْخ وجيه الدّين أَخذ اخْتِيَاره من هَذَا وَنزل كَلَام من أطلق من الْأَصْحَاب عَلَيْهِ الصُّورَة الثَّانِيَة أَن يفقد الِابْتِدَاء فِي فعل الْحَدث وَحده مِثَاله أَن يَقُول أتيقن أَنِّي بعد الزَّوَال تطهرت عَن حدث وَأَنِّي أحدثت وَلَا أعلم أَنِّي كنت حِين الْحَدث طَاهِرا أَو مُحدثا وَشك فِي السَّابِق من الْفِعْلَيْنِ فَهَذَا متطهر سَوَاء كَانَ قبل الزَّوَال مُحدثا أَو متطهرا لِأَنَّهُ إِن كَانَ متطهرا قبله فقد زَالَت طَهَارَته بِالْحَدَثِ الَّذِي تطهر عَنهُ بعد الزَّوَال وَإِن كَانَ مُحدثا فطهارة هَذِه تزيل كل حدث قبلهَا وَأما الْحَدث الْمُتَيَقن فَيحْتَمل أَنه كَانَ قبل هَذِه الطَّهَارَة وَيحْتَمل أَنه بعْدهَا فَلَا يزيلها بِالشَّكِّ الصُّورَة الثَّالِثَة أَن يفقد الِابْتِدَاء فِي فعل الطَّهَارَة مِثَاله إِذا قَالَ أتحقق أَنِّي بعد الزَّوَال أحدثت حَدثا صَادف طَهَارَة وَأَنِّي تَوَضَّأت وضُوءًا لَا أَدْرِي تجديدا كَانَ أَو رَافعا زَاد صَاحب الرِّعَايَة وعادته التَّجْدِيد غاليا فَإِنَّهُ يكون مُحدثا سَوَاء كَانَ قبل الزَّوَال مُحدثا أَو متطهرا للتَّعْلِيل فِي الصُّورَة قبلهَا قَوْله وَمن قَامَ من نَومه فَوجدَ بللا لم يتيقنه منيا لزمَه الْغسْل إِلَّا أَن
يتقدمه لمس وتفكر أَو يكون بِهِ برد فَلَا غسل هَذَا هُوَ الْمَشْهُور وَعنهُ لاغسل عَلَيْهِ مُطلقًا وَعنهُ عَكسه كَذَا ذكر الْمَسْأَلَة جمَاعَة وَظَاهر هَذَا أَنه لَا فرق بَين أَن يذكر احتلاما أَولا وَذكر ابْن تَمِيم وَفِي الرِّعَايَة رِوَايَة أَنه إِذا تقدمه فكر وَنَحْوه لَا غسل عَلَيْهِ وَإِن ذكر احتلاما وَفِي شرح الْعُمْدَة للشَّيْخ تَقِيّ الدّين رِوَايَة أَنه لَا غسل عَلَيْهِ مُطلقًا وَقطع الشَّيْخ
مجد الدّين فِي شرح الْهِدَايَة بِأَنَّهُ يلْزمه الْغسْل إِن ذكر احتلاما سَوَاء تقدم نَومه فكر أَو ملاعبة أَولا قَالَ وَهُوَ قَول عَامَّة الْعلمَاء إِلَّا فِي وَجه للشَّافِعِيَّة أَنه لَا يجب تمّ بحث الْمَسْأَلَة وعَلى هَذَا ظَاهر مَا فِي الْمُحَرر يحْتَمل أَن يكون مرَادا كَمَا صرح بِهِ غَيره وَيحْتَمل أَن يكون مُرَاده إِذا لم يتقدمه احْتِلَام جمعا بَين كَلَامه وَكَلَام الْمُتَكَلّم الْوَاحِد أَو من فِي حكمه يُقيد بعضه بَعْضًا وَقد ذكر الشَّيْخ وجيه الدّين أَبُو الْمَعَالِي ابْن المنجي فِي شرح الْهِدَايَة لَهُ فِي هَذِه الْمَسْأَلَة شَيْئا لم أجد من الْأَصْحَاب ذكره قَالَ إِن وجد رَائِحَة الطلح
والعجين فَهُوَ منى وَإِن لم يجد الرَّائِحَة وَلم يجد بَيَاضًا وثخنا فَالظَّاهِر أَنه لَيْسَ بِمني قَالَ هُوَ وَالشَّيْخ موفق الدّين وَقد توقف الإِمَام أَحْمد رَحمَه الله تَعَالَى فِي هَذِه الْمَسْأَلَة فِي مَوَاضِع قَوْله وَمن خَافَ عطشا على نَفسه أَو رفقته أَو بهائمه حبس المَاء وَتيَمّم
ظَاهر كَلَام جمَاعَة أَنه يجوز ذَلِك وقاسوه على خوف الْمَرَض وَظَاهر كَلَام الإِمَام أَحْمد أَنه يحرم عَلَيْهِ اسْتِعْمَال المَاء فِي هَذِه الصُّورَة قَالَ أَبُو طَالب سَأَلت الإِمَام أَحْمد عَن الرجل يَتِيم وَمَعَهُ المَاء الْقَلِيل وَهُوَ يخَاف الْعَطش قَالَ نعم يتَيَمَّم وَلَا يتَوَضَّأ بِهِ وَقَالَ حَنْبَل سَمِعت أَبَا عبد الله يَقُول إِذا خَافَ على نَفسه تيَمّم وَصلى يعين على نَفسه قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَا تقتلُوا أَنفسكُم إِن الله كَانَ بكم رحِيما﴾ قَالَ أَبُو عبد الله إِذا كَانَ مَعَه مَاء أَو كَانَ مَعَه قَلِيل يخْشَى على نَفسه تيَمّم وَصلى وَترك المَاء لشفته إِذا خَافَ على نَفسه وَلَا يُعِيد الصَّلَاة
وَهَذَا ظَاهر كَلَام الْأَزجيّ فِي النِّهَايَة وَغَيره لِأَن حفظ النَّفس وَاجِب حسب الْإِمْكَان وَخَوف الضَّرَر بالعطش كَذَلِك فِي إِبَاحَة التَّيَمُّم قطع بِهِ ابْن تَمِيم وَغَيره قَالَ فِي النِّهَايَة يعْتَبر فِي خوف الضَّرَر مَا يعْتَبر فِي خوف الْمَرَض قَالَ أَبُو الْخطاب وَغَيره يحبس المَاء لخوف الضَّرَر وَالْمَرَض لَا فرق بَينهمَا وَلَا بُد من قيد الاحترام فَإِن الْحَرْبِيّ وَالْخِنْزِير وَالْكَلب الْأسود البهيم وَنَحْو ذَلِك مِمَّا يُبَاح قَتله لَا يجوز صرف المَاء فِي سقيه لم أجد فِيهِ خلافًا فَإِن فعل أَثم وَهُوَ فِي الْإِعَادَة كَمَا لَو أراقه قَوْله وَيمْنَع الْحيض وجوب الصَّلَاة الخ
ظَاهره أَنه لَا يمْنَع غير ذَلِك وَلَيْسَ كَذَلِك فَإِنَّهُ يمْنَع صِحَة الطَّهَارَة صرح بِهِ غير وَاحِد وَهُوَ ظَاهر قَوْله وَيجوز التَّمَتُّع بالحائض إِلَّا بِالْوَطْءِ فِي الْفرج وَعَن الإِمَام أَحْمد لَا يجوز ذكرهَا صَاحب الْوَسِيلَة وَقَالَ الْخلال وَالشَّيْخ يَعْنِي القَاضِي بحملانها على الِاسْتِحْبَاب انْتهى كَلَامه قَالَ جَعْفَر بن مُحَمَّد قلت للامام أَحْمد مَا للرجل من إمرأته وَهِي حَائِض قَالَ قَالَت عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَأْمر إحدانا أَن تتزر وَاخْتَارَ هَذَا وَرخّص فِيمَا دون الْفرج وَيَنْبَغِي أَن يكون هَذَا رِوَايَة بِالْكَرَاهَةِ لِأَن مُخَالفَة الْأَمر توجب ارْتِكَاب الْمَكْرُوه وَقَالَ حَنْبَل سَمِعت أَبَا عبد الله يَقُول فِي الْحَائِض تقبل وتلمس وَإِذا جَامعهَا كَانَ بَينهمَا إِزَار إِلَى السُّرَّة وَإِلَى الرّكْبَة ويباشرها وَهَذِه الرِّوَايَة مُحْتَملَة لِأَنَّهُ لَا بُد فِيهَا من إِضْمَار وَقَالَ الْخلال كَأَن فِي مَسْأَلَة جَعْفَر وحنبل أَن أَبَا عبد الله أحب لَهما الْإِزَار فِي وَقت الْجِمَاع وَهُوَ على مَا رَوَت عَائِشَة وَأم سَلمَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثمَّ بَين عَنهُ الْبَاقُونَ أَنه لَا بَأْس بِهِ وَاحْتج فِي ذَلِك وَالْعَمَل فِي مذْهبه أَنه لَا بَأْس أَن يُجَامع بِغَيْر إِزَار إِذا اتَّقى مخرج الدَّم انْتهى كَلَامه وَلَا إِشْكَال أَن الْمَذْهَب عدم الْكَرَاهَة وَقد صرح فِي رِوَايَة أبي طَالب أَنه لَا بَأْس أَن يَأْتِيهَا دون الْفرج وَصرح قَاطعا صَاحب النِّهَايَة وَغَيرهَا قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين وَمَعَ هَذَا فالمستحب تَركه وَظَاهر كَلَام إمامنا وأصحابنا أَنه لَا فرق بَين أَن يَأْمَن على نَفسه مواقعه الْمَحْظُور أَو يخَاف وَقطع الْأَزجيّ فِي نهايته بِأَنَّهُ إِذا لم يَأْمَن على نَفسه من ذَلِك حرم عَلَيْهِ لِئَلَّا يكون طَرِيقا إِلَى مواقعه الْمَحْظُور
وَقد يُقَال يحمل كَلَام غَيره على هَذَا قَوْله وَإِذا وطئ لزمَه نصف دِينَار كَفَّارَة وَعنهُ لَا يلْزمه وَقَالَ وَتجب الْكَفَّارَة بِوَطْء النُّفَسَاء وَلم يذكر خلافًا وَظَاهره أَن الْكَفَّارَة تجب بِوَطْء النُّفَسَاء رِوَايَة وَاحِدَة بِخِلَاف وَطْء الْحَائِض وَقد يُؤْخَذ من كَلَام بعض الْأَصْحَاب إِيمَاء إِلَى هَذَا لِأَن دَاعِي الْجِمَاع فِي النّفاس يُقَوي لطول مدَّته غَالِبا فَنَاسَبَ تَأَكد الزاجر بِخِلَاف الْحيض وَالَّذِي نَص عَلَيْهِ الإِمَام وَالْأَصْحَاب رَحِمهم الله أَن وَطْء النُّفَسَاء كَوَطْء الْحَائِض فِي وجوب الْكَفَّارَة لِأَن الْكَفَّارَة إِنَّمَا وَجَبت بِوَطْء النُّفَسَاء قِيَاسا على وَطْء الْحَائِض وَغَايَة الْفَرْع مساواته لأصله وَإِذا لم تجب الْكَفَّارَة فِي الأَصْل انْتَفَى وُجُوبهَا فِي الْفَرْع لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا دَلِيل لوُجُوبهَا وَلَعَلَّ صَاحب الْمُحَرر فرع على ظَاهر الْمَذْهَب فِي الْحَائِض قَوْله وَلَا حيض مَعَ الْحمل نَص على هَذَا فِي رِوَايَة الْجَمَاعَة الْأَثْرَم وَإِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ وَأبي دَاوُد وحمدان بن عَليّ وَغَيرهم فَقَالَ الْحَامِل إِذا رَأَتْ دَمًا تتوضأ وَتصلي وتصوم وَقَالَ أَيْضا كَيفَ يكون حَبل مَعَ الْحيض وَكَيف تَنْقَضِي الْعدة إِذا كَانَ حبلا يَعْنِي مَعَ الْحيض وَاخْتَارَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين أَنَّهَا تحيض وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ عَن إمامنا أَحْمد رَضِي الله عَنهُ
بِأَن الْمُرْتَدَّة إِذا حَاضَت ثمَّ طهرت وَأسْلمت لَا تقضي الصَّلَاة وَقطع المُصَنّف وَالشَّيْخ وجيه الدّين وَغَيرهمَا بِأَن الْمُرْتَد لَا تسْقط عَنهُ عبَادَة زمن جُنُونه فِي ردته وَقدمه الْأَزجيّ لِأَن سُقُوطهَا بِالْحيضِ عَزِيمَة وبالجنون رخصَة وَتَخْفِيف وَلَيْسَ من أَهله قَالَ الشَّيْخ وجيه الدّين وَلَيْسَ هُوَ من أَهله قَالَ الشَّيْخ وجيه الدّين لَو صلى الْمَجْنُون لَا تكون صلَاته مَعْصِيّة بل طَاعَة وَلَو صلت كَانَت مَعْصِيّة قَالَ الْأَزجيّ وَيحْتَمل أَن لَا يجب الْقَضَاء لِأَنَّهُ فِي هَذِه الْحَال غير مُخَاطب بشئ من الْعِبَادَات لفقد آلَة الْخطاب وَهُوَ الْعقل لِأَن الْمعْصِيَة لَا تتمكن من سَبَب الرُّخْصَة حَتَّى تمنع التَّخْفِيف قَوْله وَمن صلى صَلَاة ثمَّ ارْتَدَّ ثمَّ أسلم ووقتها بَاقٍ لم تجب إِعَادَتهَا وَيتَخَرَّج أَن تجب كمن حج ثمَّ ارْتَدَّ فَإِن فِي إِعَادَة الْحَج رِوَايَتَيْنِ وَالرِّوَايَتَانِ فِي مَسْأَلَة الْحَج مشهورتان ذكرهمَا جمَاعَة مِنْهُم أَبُو إِسْحَاق بن شاقلا وَالْقَاضِي وَعَن مَالك أَيْضا رِوَايَتَانِ وَرِوَايَة عدم وجوب إِعَادَته نصرها أَبُو الْخطاب وَغَيره وَهِي ظَاهر مَا قطع بِهِ الشَّيْخ وَغَيره وَقدمه غير وَاحِد وَهِي قَول
الشَّافِعِي وَرِوَايَة الْوُجُوب ذكرهَا القَاضِي أَبُو الْحُسَيْن وَغَيره أَنَّهَا أصَحهمَا وَهِي قَول أبي حنيفَة وَأما مَسْأَلَة الصَّلَاة فَلَا أجد أحدا ذكر فِيهَا نصا عَن الإِمَام أَحْمد وَمن الْأَصْحَاب من جعلهَا كَمَسْأَلَة الْحَج كَأبي الْخطاب وَغَيره وَمِنْهُم من يَأْبَى ذَلِك قَالَ القَاضِي أَبُو يعلى قِيَاس الْمَذْهَب أَن لَا يُعِيد الصَّلَاة وَيُعِيد الْحَج قَالَ أَبُو الْخطاب وَلَا أعرف لذَلِك وَجها قَالَ وَاعْتمد على أَن الصَّلَاة يفعل أَمْثَالهَا فِي الْإِسْلَام الثَّانِي وَالْحج لَا يفعل أَمْثَاله وَتسَمى حجَّة الْإِسْلَام وَلَا بُد فِي هَذَا الْإِسْلَام الثَّانِي من حجَّة قَالَ وَهَذَا ظَاهر الْفساد لِأَنَّهُ إِن كَانَت الْحجَّة فِي الْإِسْلَام الأول بطلت بِالرّدَّةِ فَالصَّلَاة فِي أول وَقت الصَّلَاة تبطل بِالرّدَّةِ وَإِذا أسلم فَإِن لزمَه حجَّة الْإِسْلَام فَيجب أَن يلْزمه هَهُنَا صَلَاة الْوَقْت فَإِن وَقت الْحَج جَمِيع الْعُمر كَمَا أَن وَقت الصَّلَاة مَشْرُوع لَهَا وَتَسْمِيَة حجَّة الْإِسْلَام مثل تَسْمِيَة صَلَاة الظّهْر وَالْعصر قَوْله فَإِن بلغ الْوَقْت وَقد صلاهَا أَو ابتدأها أَعَادَهَا كَذَا ذكر الْأَصْحَاب لِأَنَّهُ دخل فِيهَا قبل وُجُوبهَا وَوُجُود سَبَب وُجُوبهَا أشبه الْبَالِغ إِذا دخل فِيهَا دُخُول الْوَقْت لِأَنَّهَا من فروع الدّين مَقْصُودَة فِي نَفسهَا أشبه الْحَج وَفِيه احْتِرَاز من الْإِيمَان وَالْوُضُوء وَهَذَا قَول أبي حنيفَة وَمَالك وَقَالَ الشَّيْخ وجيه الدّين فِي شرح الْهِدَايَة وَأما الْإِسْلَام فَيجب تجديده وَلم
يزدْ على ذَلِك وَاخْتَارَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين عدم وجوب إِعَادَتهَا وَذكر أَن بَعضهم حَكَاهُ وَجها لنا وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي وقاس أَبُو الْخطاب على الْحَج فَقيل لَهُ الْحَج لَو بلغ فِي أَثْنَائِهِ أَجزَأَهُ فَيجب إِذا بلغ فِي أثْنَاء الصَّلَاة أَن تُجزئه فَأجَاب بِأَن كل وَقت من عَرَفَة وُقُوفه يُجزئ فِي الْحَج وَلَيْسَ كل رَكْعَة من الصَّلَاة تُجزئ عَن بَقِيَّة الصَّلَاة فنظيره أَن ينْصَرف من عَرَفَة قبل الْبلُوغ ثمَّ يبلغ فَإِنَّهُ لَا يُجزئهُ حَتَّى يعود فيقف بِعَرَفَة قَالَ وَالصَّحِيح أَن الْحَج مثل الصَّلَاة فعلى الرِّوَايَة الَّتِي تَقول لَا تُجزئ الصَّلَاة نقُول لَا يُجزئ الْحَج إِذا بلغ بعد إِحْرَامه قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين هَذَا قَول مِنْهُ بروايتين فِي الصَّلَاة قبل وُجُوبهَا قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين فَيصير لنا فِي الصَّلَاة وَالْحج جَمِيعًا ثَلَاثَة أَقْوَال وَفِي الصَّوْم رِوَايَتَانِ أَعنِي إِذا بلغ فِي نفس الْفِعْل فَأَما إِذا بلغ بعد الْفِعْل وَبَقَاء الْوَقْت فَلَا خلاف فِي وجوب الْحَج وَيمْتَنع مثل ذَلِك فِي الصَّوْم انْتهى كَلَامه وَظَاهر كَلَامه فِي الْمُحَرر أَن هَذَا التَّفْرِيع على قَوْلنَا لَا تجب عَلَيْهِ كَمَا هُوَ الْمَذْهَب وَأَن على رِوَايَة وُجُوبهَا عَلَيْهِ كَمَا هُوَ قَول أبي الْحسن التَّمِيمِي وَأبي بكر لاإعادة وَيجب عَلَيْهِ إِتْمَامهَا وَلَا يجب عَلَيْهِ إِتْمَامهَا على الأول صرح بذلك القَاضِي وَغَيره وَعَلِيهِ يحمل إِطْلَاق كَلَام غير وَاحِد من الْأَصْحَاب وَهُوَ ظَاهر كَلَام الإِمَام أَحْمد فَإِنَّهُ قَالَ فِي رِوَايَة يَعْقُوب بن بختان فِي غُلَام احْتَلَمَ فِي بعض اللَّيْل يُصَلِّي الْمغرب وَالْعشَاء فَقيل لَهُ وَإِن كَانَ قد صلاهما قَالَ نعم أَلَيْسَ صلاهما وَهُوَ مَرْفُوع عَنهُ الْقَلَم قَالَ القَاضِي فقد أوجب الْإِعَادَة بعد الْفَرَاغ مِنْهَا وَجعل الْعلَّة فِيهَا أَنه فعلهَا قبل جَرَيَان الْقَلَم انْتهى كَلَامه وَصرح بَعضهم على رِوَايَة الْوُجُوب أَنه يقْضِي مَا فَاتَهُ بعد عشر وَهَذَا وَاضح وَيَنْبَغِي أَن يُقَال لَو بلغ عشر سِنِين فِي أثْنَاء صَلَاة أَو بعْدهَا فِي وَقتهَا
لزمَه إِعَادَتهَا على هَذِه الرِّوَايَة كَمَا بلغ خمس عشرَة لتوجه الْخطاب إِلَيْهِ وَيُؤْخَذ هَذَا من تَعْلِيل الإِمَام وَالْأَصْحَاب وَهُوَ وَاضح إِن شَاءَ الله تَعَالَى