النكت والفوائد السنية على مشكل المحررصفحات 313-225
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الصَّلَاة على الْمَيِّت

صفحات 313-225
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن مفلح، برهان الدين
الكتاب
النكت والفوائد السنية على مشكل المحرر لمجد الدين ابن تيمية
المؤلف
إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن محمد ابن مفلح، أبو إسحاق، برهان الدين (المتوفى: 884هـ)
الناشر
مكتبة المعارف - الرياض
الطبعة
الثانية، 1404
عدد الأجزاء
2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

وَنَصره فِي المغنى وَصَححهُ فِي الْكَافِي وَالرِّعَايَة وَغَيرهمَا وَقدمه غير وَاحِد وَجه هَذَا أَن الْعدة انْقَضتْ بِوَضْعِهِ فصادفها الطَّلَاق بَائِنا فَلم يَقع كَمَا لَو قَالَ لغير مَدْخُول بهَا إِذا طَلقتك فَأَنت طَالِق ثمَّ قَالَ لَهَا أَنْت طَالِق وَكَذَا إِذا مت فَأَنت طَالِق لَا وُقُوع مَعَ عدم الزَّوْجِيَّة لِأَنَّهَا شَرطه وَلَا صِحَة للمشروط مَعَ عدم شَرطه وَهَذَا من الجليات وَلِأَنَّهُ لَو قَالَ أَنْت طَالِق مَعَ موتى لم تطلق فَهُنَا كَذَلِك بل أولى لِأَن هُنَاكَ صادفها الطَّلَاق بَائِنا وَهنا حصل التَّصَرُّف فِي ملك لِأَنَّهُ تمّ مَعَ تَمَامه وَالْفرق بَين هَذَا ونظائره يطول مَعَ أَنه لَيْسَ الْغَرَض وَالْوَجْه الثَّانِي يَقع مَا علق عَلَيْهِ اخْتَارَهُ ابْن حَامِد لِأَن زمن الْبَيْنُونَة زمن الْوُقُوع وَلَا تنَافِي بَينهمَا بِهَذَا علل وَقد بَان فَسَاده مِمَّا سبق

وَظَاهر هَذَا أَنه لَا عدَّة عَلَيْهَا بعد وضع الثَّانِي وَكَلَام صَاحب الْمُحَرر صَرِيح فِي ذَلِك أَو ظَاهر وَصرح الشَّيْخ شمس الدّين بن عبد الْقوي فِي نظمه فِي حِكَايَة قَول ابْن حَامِد وَأَنَّهَا بِوَضْع الثَّانِي تطلق وتنقضي بِهِ الْعدة وَهُوَ يدل على ضعفه لِأَن كل طَلَاق لَا بُد لَهُ من عدَّة متعقبة وعَلى هَذَا يعايى بِهَذَا فَيُقَال على أصلنَا أَن الطَّلَاق بعد الدُّخُول وَلَا مَانع والزوجان مكلفان لَا عدَّة فِيهِ وَيُقَال طَلَاق بِلَا عوض دون الثَّلَاث بعد الدُّخُول فِي نِكَاح صَحِيح لَا رَجْعَة فِيهِ وَقد يُقَال على بعد الطَّلَاق يسْبق الْبَيْنُونَة فَلم يخل من عدَّة المتعقبة إِمَّا حَقِيقَة أَو حكما وَبِهَذَا قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي حِكَايَة قَول ابْن حَامِد تطلق الثَّانِيَة لقرب زمَان

الْبَيْنُونَة والوقوع فَلم يَجْعَل زمانها زمانها فعلى الأول إِن أشكل طلقت طَلْقَة لِأَنَّهَا الْيَقِين وَالزَّائِد مَشْكُوك فِيهِ وَالْأَصْل عَدمه وَلَا يشبه هَذَا مَا إِذا طلق فَلم يدر طلق وَاحِد أَو ثَلَاثًا على قَول الْخرقِيّ لِأَنَّهُ هُنَاكَ شَاك فِي إباحتها بالرجعة بِخِلَاف هَذَا وَيُفَارق مالو أعتق أحد عبديه واشتبه حَيْثُ نقُول بِالْقُرْعَةِ لِأَنَّهَا تعيّنت طَرِيقا إِلَى تعْيين الْعتْق فِي أَحدهمَا لتساويهما وَهنا لم تتَعَيَّن عملا بِالْأَصْلِ فِي نفي الزَّائِد وَلِهَذَا لم تشرع الْقرعَة فِيمَا إِذا شكّ فِي عدد الطلقات والمطلقات وإلحاق الشَّيْء بِجِنْسِهِ وَنَظِيره أولى وَنَظِير مَسْأَلَة الْعتْق مالو طلق إِحْدَى امرأتيه لِأَنَّهُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ شَاك فِي الْمَحْكُوم فيعين وَفِي مَسْأَلَتنَا الْمَحْكُوم بِهِ معِين وَهُوَ المتيقين وَهُوَ مَعْلُوم فَلم يحْتَج إِلَى تعْيين بل تعْيين الْمعِين محَال وَهُوَ وَاضح إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَقَالَ القَاضِي قِيَاس الْمَذْهَب أَن يقرع بَينهمَا فَمن خرجت قرعته فَإِنَّهُ الأول يحكم بِأَنَّهُ الأول لِأَنَّهُ لَا يُمكن الحكم بِوُقُوع طَلْقَة مُطلقَة لِأَن الْكَلَام معِين وَلَا بِوُقُوع الطَّلقَة المفردة لِأَنَّهُ تعْيين لأحد المشروطين مَعَ مُسَاوَاة احْتِمَال

وجود شَرطهمَا وَهُوَ غير جَائِز لما فِيهِ من التحكم وَالتَّرْجِيح من غير مُرَجّح وَلَا يُمكن الحكم بِوُقُوع طَلْقَة من الطلقتين لما تقدم وَلما فِيهِ من وُقُوع بعض الْمَشْرُوط وَهُوَ غير جَائِز وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَيجب أَن تتَعَيَّن الْقرعَة طَرِيقا وبيانا للمحكوم بِهِ كَمَا تعيّنت طَرِيقا وبيانا للمحكوم عَلَيْهِ فِيمَا إِذا أعتق أحد عبديه معينا ثمَّ نَسيَه أَو قَالَ إِن جَاءَ زيد فعبد من عَبِيدِي حر وَإِن جَاءَ عَمْرو فعبدان من عَبِيدِي أَحْرَار وَإِن جَاءَ زيد فسالم حر وَإِن جَاءَ عَمْرو فغانم وَبكر حران فجَاء أَحدهمَا وَلم يعلم من هُوَ وَكَذَلِكَ نظيرتها فِي الطَّلَاق كَذَلِك يَنْبَغِي أَن يكون الحكم فِيمَا إِذا طَار طَائِر وَقَالَ إِن كَانَ غرابا فَأَنت طَالِق وَاحِدَة وَإِن لم يكن غرابا فَأَنت طَالِق اثْنَتَيْنِ فطار وَلم يعلم حَاله وعَلى هَذَا إِن رَاجع قبل وضع الثَّانِي وَقع مَا علق بِهِ وَتعْتَد بعد وَضعه وَأما قَوْله وَإِن كَانَ بَينهمَا فَوق سِتَّة أشهر إِلَى آخِره لِأَنَّهُ لَا يُمكن أَن يكون حملا وَاحِدًا وَبَينهمَا فَوق سِتَّة أشهر بل الثَّانِي حمل آخر مُسْتَقل وَبنى رَحمَه الله الْمَسْأَلَة على أصلين

أَحدهمَا أَن هَذَا الْحمل هَل يلْحق بالمطلق أم لَا وَالثَّانِي هَل تَنْقَضِي عدتهَا بِهِ على تَقْدِير أَن لَا يحلق بِهِ أم لَا أما كَون هَذَا الْحمل هَل يلْحق بالمطلق فمأخوذ من قَوْله فِيمَا يلْحق من النّسَب وَإِذا ولدت الرَّجْعِيَّة بعد أَكثر مُدَّة الْحمل مُنْذُ طَلقهَا ولدون سِتَّة أشهر مُنْذُ أخْبرت بِانْقِضَاء عدتهَا أَو لم تخبر بانقضائها أصلا فَهَل يلْحقهُ نسبه على رِوَايَتَيْنِ وَحل هَذَا أَن الرَّجْعِيَّة إِذا ولدت بعد أَكثر مُدَّة الْحمل مُنْذُ طَلقهَا فلهَا حالان أَحدهمَا أَن تخبر بِانْقِضَاء عدتهَا وتلد لدوّنَ سِتَّة أشهر مُنْذُ إخبارها فَيعلم بطلَان الْخَبَر وَأَن الْحمل كَانَ مَوْجُودا فِي مُدَّة الْعدة وَالثَّانِي أَن لَا تخبر وَلم يحكم بانقضائها وَهَذِه الْعبارَة أَشد وأكمل لِأَن عبارَة بَعضهم وَإِن طَلقهَا طَلَاقا رَجْعِيًا فَولدت لأكْثر من أَربع سِنِين مُنْذُ طَلقهَا وَأَقل من أَربع مُنْذُ انْقَضتْ عدتهَا وَعبارَة بَعضهم وَإِن وطىء زَوجته ثمَّ طَلقهَا طَلَاقا رَجْعِيًا ثمَّ

أَتَت بِولد بعد أَكثر مُدَّة الْحمل وَقبل انْقِضَاء عدتهَا لِأَن الْعبارَة الأولى هِيَ للحالة الأولى ذكرهَا المُصَنّف وحررها لِأَنَّهَا تصدق على مَا لَو أقرَّت بِانْقِضَاء عدتهَا بالقرء ثمَّ أَتَت بِولد بعد سِتَّة أشهر وَقد صرح قَائِلهَا بِهَذِهِ الصُّورَة وَأَنه لَا يلْحق بِهِ وَكَذَا صرح غَيره ولسنا ننكر الْخلاف فِيهَا فَإِن فِي المغنى ذكر أَن كَلَام الْخرقِيّ يحْتَمل أَن يلْحق بِهِ وَذكره بعض الْمُتَأَخِّرين قولا والعبارة الثَّانِيَة هِيَ للحالة الثَّانِيَة وَيدخل فِيهَا الأولى لَكِن هَذِه أَجود وأصرح فَتَأمل ذَلِك ثمَّ إِن الْخلاف فِي هَذِه الْمَسْأَلَة ذكره بَعضهم وَجْهَيْن وَذكره بَعضهم رِوَايَتَيْنِ وَاخْتلف كَلَام الشَّيْخ فِي ذَلِك وَجه لُحُوق النّسَب وَهُوَ الصَّحِيح وَالرَّاجِح عِنْد جمَاعَة من الْأَصْحَاب أَن حكمهَا حكم الزَّوْجَات فِي أَكثر الاحكام بِلَا إِشْكَال فَكَذَا فِي مَسْأَلَتنَا لِأَنَّهُ الأَصْل كثبوته بالأكثرية وَالنَّقْل عَنهُ يفْتَقر إِلَى دَلِيل وَالْأَصْل عَدمه

لَا سِيمَا وَالنّسب يحْتَاط لَهُ فتحقيقه وإثباته أولى من غَيره من الْأَحْكَام وَقِيَاسًا على مَا قبل الطَّلَاق وَوجه عدم لُحُوقه أَنَّهَا مُطلقَة علقت بِهِ بعد الطَّلَاق يَقِينا لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يكون مَوْجُودا قبل الطَّلَاق مَعَ بَقَائِهِ أَكثر من مُدَّة الْحمل فَأَشْبَهت الْبَائِن وَالْأولَى أولى وَالْفرق ظَاهر إِذا تقرر هَذَا فمسألتنا الْمَقْصُودَة مُطلقَة رَجْعِيَّة تحقق حملهَا بعد طَلاقهَا بِوَضْع الأول وَلم يحكم بِانْقِضَاء عدتهَا فَعلم بذلك أَن التعليلين السَّابِقين يجريان هُنَا وَأَن مَا ذكره فِي لُحُوق النّسَب أصل لما ذكره فِي الطَّلَاق وَقد يُقَال يحمل قَوْله وَإِن كَانَ بَينهمَا فَوق سِتَّة أشهر على الصُّورَة الْمَذْكُورَة فِي لُحُوق النّسَب لِأَنَّهَا إِذا وضعت بعد أَكثر مُدَّة الْحمل وَقبل الحكم بِانْقِضَاء الْعدة صدق أَنَّهَا وضعت وَبَينهمَا فَوق سِتَّة أشهر وَدلّ على هَذَا الْحمل تَقْيِيد كَلَامه فِي لُحُوق النّسَب

وَصرح بِسِتَّة أشهر فَأكْثر للْفرق بَين الْحمل الْوَاحِد والحملين وَالْأول هُوَ الصَّوَاب لما فِيهِ من التَّقْيِيد بِغَيْر دَلِيل والتفريق بَين المتماثلين وَالْمَسْأَلَة الْأُخْرَى وَهِي أَن من أَتَت امْرَأَته بِولد لَا يلْحقهُ نسبه هَل تَنْقَضِي عدتهَا بِهِ أم لَا مَشْهُورَة وَقد صرح بهَا المُصَنّف وَغَيره وَالْكَلَام عَلَيْهَا يطول وَالرَّاجِح فِيهَا وَاضح فَلَا حَاجَة إِلَى بحثها إِذا تقرر هَذَا فَقَوله فَالْحكم كَمَا فصلنا إِن قُلْنَا الثَّانِي تَنْقَضِي بِهِ الْعدة وَلَا يلْحق بالمطلق أَي الْخلاف السَّابِق جَازَ هُنَا وَالدَّلِيل كَمَا تقدم وَإِن قُلْنَا تَنْقَضِي بِهِ الْعدة كملت بِهِ الثَّلَاث لِأَنَّهَا وجدت صفتهَا كَمَا لَو وجدت دفْعَة وَاحِدَة وَانْتِفَاء عدم الْوُقُوع لانْتِفَاء سَببه لآن هَذَا الْحمل الثَّانِي لَا أثر لَهُ فِي انْقِضَاء الْعدة فوجوده كَعَدَمِهِ كَمَا لَو خرج مِنْهَا نُطْفَة أَو دم وَلِهَذَا لَو كَانَ

قَالَ كلما ولدت ولدا فَأَنت طَالِق فَولدت ثَلَاثَة وَاحِد بعد وَاحِد لدوّنَ سِتَّة أشهر طلقت بِالثَّانِي أَيْضا لانْتِفَاء انْقِضَاء الْعدة بِهِ وَلَا تطلق بالثالث على الرَّاجِح كَمَا تقدم وَإِن قُلْنَا بِأَنَّهُ يلْحق بِهِ كملت بِهِ الثَّلَاث أَيْضا لِأَن الحكم بلحوقه حكم بِثُبُوت وَطْء الزَّوْج وَالْحكم بِثُبُوت وَطئه حكم بِحُصُول الرّجْعَة لِأَن الرّجْعَة تحصل بِالْوَطْءِ فِي ظَاهر الْمَذْهَب وَلَو رَاجعهَا وَقع مَا علق بِالثَّانِي بِلَا إِشْكَال لانْتِفَاء الْعدة وعَلى رِوَايَة عدم حُصُول الرّجْعَة بِالْوَطْءِ وَأَنَّهَا لَيست مُبَاحَة لَا يلْحقهُ النّسَب على ظَاهر كَلَامه فِي الْمُسْتَوْعب وَقد قَالَ فِي المغنى فِي النَّفَقَات فِي الْفَصْل قبل مَسْأَلَة وَيجْبر الرجل على

نَفَقَة وَالِديهِ وَولده فِي الْمَرْأَة الرَّجْعِيَّة قَالَ وَإِن وَطئهَا زَوجهَا فِي الْعدة للرجعة حصلت الرّجْعَة وَإِن قُلْنَا لَا تحصل فالنسب لَاحق بِهِ وَعَلِيهِ النَّفَقَة لمُدَّة حملهَا انْتهى كَلَامه فَيَنْبَغِي أَن يكون قَوْلنَا لَا تحصل الرّجْعَة بِالْوَطْءِ إِن اعْتقد تَحْرِيمه لم يلْحق وَإِلَّا لحق فَإِن قيل مَا تقدم من الْبناء غير صَحِيح لَا سِيمَا على قَول المُصَنّف إِنَّه لَا يلْزم من الحكم بلحوق النّسَب الحكم بِثُبُوت وَطْء الزَّوْج لكَون ذَلِك مستلزما للرجعة بل قد يحكم بلحوق النّسَب وَإِن لم يحكم بِثُبُوت الْوَطْء وَلَا تترتب عَلَيْهِ ثمراته كَمَا ترتبت على الْوَطْء الْحَقِيقِيّ ومظنته فَيحكم بلحوق النّسَب وَإِن لم يحكم بِالْبُلُوغِ وَلَا باستقرار مهر عَن الْمَدْخُول بهَا وَلَا بِثُبُوت الْعدة عَلَيْهَا وَلَا بِثُبُوت الرّجْعَة عَلَيْهَا فِيمَا اذا طلق كَمَا ذكره المُصَنّف فِي بَاب مَا يلْحق من النّسَب

وَيُؤْخَذ ذَلِك من كَلَام الشَّيْخ موفق الدّين بعضه صَرِيحًا وَبَعضه إِيمَاء لِأَنَّهُ ذكر فِي مَسْأَلَة قذف الصَّغِيرَة من كتاب اللّعان أَن الزَّوْج إِذا كَانَ ابْن عشر فَأكْثر يلْحقهُ نسبه خلافًا لأبي بكر قَالَ وَلَيْسَ لَهُ نَفْيه فِي الْحَال حَتَّى يتَحَقَّق بُلُوغه بِأحد أَسبَاب فَلهُ نفى الْوَلَد واستلحاقه فَإِن قيل إِذا ألحقتم الْوَلَد فقد حكم بِبُلُوغِهِ فَهَلا منعتم نَفْيه ولعانه قُلْنَا إِلْحَاق الْوَلَد يَكْفِي فِيهِ الْإِمْكَان وَالْبُلُوغ لَا يثبت إِلَّا بِسَبَب ظَاهر وَلِأَن إِلْحَاق الْوَلَد بِهِ حق عَلَيْهِ وَاللّعان حق لَهُ فَلم يثبت مَعَ الشَّك انْتهى كَلَامه

وَكَذَلِكَ احتطنا للنسب فاكتفينا فِيهِ بالإمكان لوُجُود مقتضية وَهُوَ الْفراش الثَّابِت بِالْعقدِ كَمَا هُوَ مَذْكُور مَوْضِعه ونفينا غَيره من الْأَحْكَام على أَصله وَقد تقرر أَنه لَا ينْتَقل عَن الأَصْل بِالِاحْتِمَالِ وَالوهم وَهَذَا كَمَا نحكم بِدُخُول وَقت الْعِبَادَة فيحتاط لَهَا بِإِيجَاب فعلهَا وَإِن لم تترتب بَاقِي الْأَحْكَام كوجوب صَوْم لَيْلَة النَّعيم مَعَ أَنه لَا يَقع طَلَاق وَلَا عتاق وَلَا يحل دين لَهُ وَلَا عَلَيْهِ على ظَاهر الْمَذْهَب وَإِذا انْتَفَت الرّجْعَة انْتَفَى وُقُوع الثَّلَاث فِي مَسْأَلَتنَا لِأَنَّهُ مَبْنِيّ عَلَيْهَا قيل يلْزم من ذَلِك حُصُول الرّجْعَة فِي مَسْأَلَتنَا كَمَا صرح بِهِ فِي الْمُسْتَوْعب ولظن وَغَيره وَالظَّاهِر أَن المُصَنّف تبع غَيره من الْأَصْحَاب على ذَلِك لِأَن لُحُوق النّسَب شرعا اعْتِرَاف أَو كاعتراف الزَّوْج بِالْوَطْءِ لِأَنَّهُ دَلِيل عَلَيْهِ ووقوف ثُبُوته على الْبَيِّنَة مُتَعَذر وَلَا يُمكن القَوْل بوقوفه على الِاعْتِرَاف وَلَو اخْتلف فِي الْوَطْء هُنَا كَانَ القَوْل قَول من يَدعِيهِ لِأَنَّهُ اخْتِلَاف بعد الدُّخُول والتمكين وَهَذَا الْخلاف مَا ذكره المُصَنّف فِي لُحُوق النّسَب لِأَن كَلَامه فِيهِ قبل الدُّخُول

وَلَو اخْتلفَا قبل الدُّخُول فِي الْإِصَابَة كَانَ القَوْل قَول من ينفيها لِأَن الأَصْل مَعَه وَلَا معَارض فَإِن قيل يلْزم على هَذَا مَا لَو طلق مَدْخُولا بهَا ثمَّ أَتَت بِولد يلْحقهُ نسبه كَمَا لَو أَتَت بِهِ قبل مُجَاوزَة أَكثر مُدَّة الْحمل مُنْذُ طلق فَإِن الرّجْعَة لَا تثبت وَإِن لحقه نسبه مَعَ أَنَّهَا مَدْخُول بهَا قبل الطَّلَاق قُلْنَا لَا يلْزم لِأَن الْوَطْء فِي هَذِه الْمَسْأَلَة يحْتَمل أَن يكون وجد قبل الطَّلَاق وَيحْتَمل أَن يكون وجد بعده مصادفا زمن الْعدة فَلَا تحصل الرّجْعَة مَعَ الشَّك بِخِلَاف مَا تقدم لأَنا نتحقق مصادفة الْوَطْء زمن الْعدة لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يكون سَبَب الْوَضع الثَّانِي وجد قبل الطَّلَاق مَعَ كَونهمَا حملين كَمَا سبق

وَإِذا كَانَ كَذَلِك لزم حُصُول الرّجْعَة وَمن زعم أَن لفظ المُصَنّف وَإِن قُلْنَا لَا تنقضى بِهِ وألحقناه بِحَذْف الْألف فَلَيْسَ كَمَا زعم بل النّسخ الصَّحِيحَة الْمَشْهُورَة الْمُعْتَمدَة بِإِثْبَات الْألف وَلم أجد حذفهَا فِي نُسْخَة صَحِيحَة وَقد صَحَّ كَمَا سبق أَن عدم انْقِضَاء الْعدة سَبَب مُسْتَقل فِي وُقُوع الثَّلَاث وعَلى تَقْدِير حذف الْألف يكون عدم انْقِضَاء الْعدة جُزْء السَّبَب فَتعين أَن يثبت الْألف حَتَّى يكون عدم انْقِضَاء الْعدة سَببا كَامِلا لوُقُوع الثَّلَاث فَإِن وجدت الْألف فِي نُسْخَة صَحِيحَة محذوفة تعين أَن تكون مقدرَة وَتَكون الْوَاو بِمَعْنى أَو وَهُوَ سَائِغ وَلَا يَنْبَغِي أَن يَجْعَل مَا إِذا أَبَانهَا فَولدت آخر بعد سِتَّة أشهر أصلا لهَذِهِ الْمَسْأَلَة لِأَنَّهُ إِن جعل أصلا للحوق النّسَب لم يستقم لِأَن فِي لُحُوق النّسَب فِي الْفَرْع تعددا وَلَا خلاف فِي الْمَذْهَب فِي عدم لُحُوق النّسَب فِي الأَصْل وَإِن

جعل أصلا لانقضاء الْعدة فَهُوَ فرع محَال على أصل فَذكر الأَصْل الْمحَال عَلَيْهِ أولى مَعَ أَن فِيهِ تَخْصِيص بعض النَّظَائِر بِالذكر وَذكر القَاضِي رَحمَه الله الْخلاف فِيمَا إِذا كَانَ بَينهمَا دون سِتَّة أشهر وَذكر أَنه إِن كَانَ بَينهمَا سِتَّة أشهر فَصَاعِدا أَنَّهَا تبين بِالثَّانِي وَلَا تطلق بِهِ وَقَالَ فَهَذَا حمل عَادَتْ بعد الْبَيْنُونَة فَلَا يلْحق بِهِ وَلَا يتَعَلَّق بِهِ طَلَاق وَقَوله بعد الْبَيْنُونَة أَي بعد سَببهَا لِأَنَّهُ حدث بعد الْحمل الأول الَّذِي وَقع بِهِ الطَّلَاق وَإِلَّا فمحال بينونتها بِالْحملِ الثَّانِي مَعَ بينونتها بِالْأولِ فقد قطع بِأَن الثَّانِي تَنْقَضِي بِهِ الْعدة وَلَا يلْحق بالمطلق وَمَعَ هَذَا قطع بِعَدَمِ وُقُوع الطَّلَاق بِهِ وَفِيه إِشْعَار بِأَنا لَو قُلْنَا لَا تَنْقَضِي بِهِ الْعدة أَو ألحقناه بالمطلق طلقت بِهِ فَيكون كَمَا ذكره صَاحب الْمُحَرر وَقطع القَاضِي فِي هَذِه الْمَسْأَلَة بِأَن لَا يلْحق بِهِ وَقطع فِي مَسْأَلَة لُحُوق النّسَب الْمَذْكُورَة بلحوقه وَهَذَا أَمر قريب لَا سِيمَا فِي اصْطِلَاح الْمُتَقَدِّمين فَإِن الْفَقِيه قد يذكر فِي مَوضِع أحد الْقَوْلَيْنِ وَيذكر فِي مَوضِع آخر القَوْل الآخر وَذكر أَبُو الْخطاب الْخلاف فِيمَا إِذا كَانَ بَينهمَا دون سِتَّة أشهر وَقَالَ فان كَانَ بَينهمَا فَوق سِتَّة أشهر

فَهُوَ على مَا تقدم من الْوَجْهَيْنِ وَظَاهر هَذَا ثُبُوت الْوَجْهَيْنِ فِي جَمِيع الصُّور وَكَأن الشَّيْخ فِي كتاب الْمقنع لما رأى أَبَا الْخطاب حَال الْوَجْهَيْنِ فِيمَا اذا كَانَ فَوق سِتَّة أشهر على الْوَجْهَيْنِ فِيمَا اذا كَانَ بَينهمَا دونهَا لم يتَعَرَّض للتفصيل لعدم فَائِدَته وَكَذَلِكَ قَول الشَّيْخ فِي كتاب زَوَائِد الْهِدَايَة على الْخرقِيّ وَالشَّيْخ وجيه الدّين أَبُو الْمَعَالِي فِي كتاب الْخُلَاصَة تبع أَبَا الْخطاب فِي التَّفْضِيل من غير زِيَادَة وَلَا نُقْصَان إِلَّا أَنه صحّح عدم وُقُوع الطَّلَاق فِي الْحَالين وَكَذَلِكَ فعل غَيرهمَا وَذَلِكَ من إقرارهم وَعدم تغييرهم ظَاهر فِي فهمهم ظَاهره فَإِن قيل كَلَام أبي الْخطاب مَحْمُول على القَوْل بِأَن الثَّانِي تَنْقَضِي بِهِ الْعدة وَلَا يلْحق بالمطلق كَمَا قَيده صَاحب الْمُحَرر

قيل كَلَام شخص لَا يُقيد كَلَام شخص آخر بل يحمل من أطلق على عُمُومه اللَّهُمَّ إِلَّا أَن ينْدَرج تَحت الْإِطْلَاق صُورَة لَا يكون لِلْقَوْلِ بهَا مساغ فَحِينَئِذٍ تخرج تِلْكَ الصُّورَة من الْإِلْحَاق لتعذر حمل الْمُطلق عَلَيْهَا لَا سِيمَا هُنَا لِأَن أَبَا الْخطاب ذكر انْقِضَاء الْعدة بِمَا لَا يلْحق بالمطلق احْتِمَالا فَجعل كَلَامه تَفْرِيعا مِنْهُ على احْتِمَال بعيد من غير إِشَارَة مِنْهُ إِلَى ذَلِك بعيد بل قد يُقَال فِيهِ إِشَارَة إِلَى الْخلَافَة لِأَنَّهُ أحَال هَذِه الْمَسْأَلَة على الَّتِي قبلهَا فَدلَّ على اشتراكهما فِي الْمدْرك وَالْحكم يُؤَيّد هَذَا أَن صَاحب الْوَجِيز من متأخري الْأَصْحَاب ذكر فِيهِ أَنَّهَا تطلق بِالْأولِ وَتبين بِالثَّانِي وَلَا تطلق بِالثَّانِي وَقطع بِهَذَا وَلم يفصل بَين سِتَّة أشهر وَغَيرهَا وَقطع فِي مَسْأَلَة لُحُوق النّسَب بِأَنَّهُ يلْحقهُ وَقطع فِي الْعدة بِأَن مَالا يلْحقهُ نسبه لَا تنقضى بِهِ الْعدة وَهُوَ كتاب حسن وَقد اطلع عَلَيْهِ القَاضِي تَقِيّ الدّين الزريراني الْبَغْدَادِيّ وَأَجَازَ الْفتيا بِهِ وَأَنه الْمَذْهَب فقد ظهر من هَذَا أَن الْأَصْحَاب رَحِمهم الله تَعَالَى فِي الْحَال الرَّابِع وَهُوَ فِيمَا إِذا ألحقناه بِهِ هَل تكمل بِهِ الثَّلَاث على وَجْهَيْن وَقِيَاس القَوْل

بالتسوية بَين الْأَحْكَام فِي مَسْأَلَة الْغَيْم أَنه يلْزم من الحكم بلحوق النّسَب الحكم بِجَمِيعِ الْأَحْكَام لِأَنَّهُ مَحْكُوم بِوَطْئِهِ شرعا بِالنِّسْبَةِ إِلَى بعض الْأَحْكَام فَكَذَلِك إِلَى الْبَعْض الآخر تَسْوِيَة بَين جَمِيعهَا وَقد قَالَ صَالح قَالَ أبي إِذا أغلق الْبَاب وأرخى السّتْر لزمَه الصَدَاق قلت وَإِن لم يطَأ قَالَ وَإِن لم يطَأ أَرَأَيْت لَو جَاءَت بِولد أَلَيْسَ تلْزمهُ إِيَّاه الْعَجز جاءمن قبله قلت فَإِنَّهُ قَالَ لم أَطَأ وَقَالَت لم يطأني قَالَ هَذَا فار من الصَدَاق وَهَذِه فارة من الْعدة

فقد احْتج الإِمَام أَحْمد على لُزُوم الصَدَاق بِلُزُوم الْوَلَد لَو جَاءَت بِهِ فَدلَّ على تلازمهما عِنْده ظَاهرا وَشرعا وَالْمَشْهُور من قَول الْأَصْحَاب أَنه لَا فرق فِي الْوَصِيَّة للْحَمْل بَين أَن تكون الْمَرْأَة فراشا لزوج أَو سيد يَطَؤُهَا أَو لَا يَطَؤُهَا لأَنهم لم يفرقُوا فِي لُحُوق النّسَب بِالزَّوْجِ وَالسَّيِّد فِي حكم من يَطَؤُهَا فقد جعلُوا الْحَالين سَوَاء فِي الْوَصِيَّة لِاسْتِوَائِهِمَا فِي لُحُوق النّسَب وَلَو كَانَ لرجل ولد من امْرَأَة فَقَالَ مَا وطئتها لم يثبت إحْصَانه وَلَا

يرْجم إِذا زنا عندنَا وَعند الشَّافِعِي وَقَالَ أَبُو حنيفَة فِيمَا حَكَاهُ أَصْحَابنَا عَنهُ يرْجم لِأَن الْوَلَد لَا يكون إِلَّا من وَطْء فقد حكم بِالْوَطْءِ ضَرُورَة الحكم بِالْوَلَدِ وأصحابنا يَقُولُونَ الْوَلَد يلْحق بالإمكان والإحصان لَا يثبت بالإمكان وَلَا يكون أَحدهمَا دَالا على الآخر وَبَيَانه أَنَّهَا يجوز أَن تعلق من وَطْء دون الْفرج أَو تستدخل مَاء الرجل فَتعلق وَبِهَذَا لَا يجوز أَن يثبت الْإِحْصَان وَالْمَقْصُود أَن مَسْأَلَتنَا على أصُول أبي حنيفَة أولى لِأَن الْإِحْصَان لَا يثبت إِلَّا بِحَقِيقَة الْوَطْء وَلَا يثبت بالخلوة بِخِلَاف مَسْأَلَتنَا وَإِذا تقرر هَذَا فَلَا يستبعد مَا أُشير إِلَيْهِ من جري الْخلاف فِي مَسْأَلَتنَا وَالله أعلم

قَوْله وَإِن غلظها بِزَمَان أَو مَكَان أَو لفظ جَازَ وَلم يسْتَحبّ وَهَذَا اخْتِيَار القَاضِي وَغَيره وَقطع بِهِ فِي الْمُسْتَوْعب وَغَيره وَاخْتَارَ أَبُو الْخطاب الِاسْتِحْبَاب كمذهب الشَّافِعِي وَذكر الشَّيْخ تَقِيّ الدّين أَن أحد الْأَقْسَام معنى الْأَقْوَال أَنه يسْتَحبّ إِذا رَآهُ الإِمَام مصلحَة وَقَالَ بن هُبَيْرَة وَاخْتلفُوا فِي تَغْلِيظ الزَّمَان وَالْمَكَان فَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ تغلظ وَعند أبي حنيفَة لَا تغلظ وَعَن الإِمَام أَحْمد رِوَايَتَيْنِ كالمذهبين

وَاخْتَارَ الشَّيْخ موفق الدّين أَن تَركه أولى إِلَّا فِي مَوضِع ورد الشَّرْع بِهِ وَصَحَّ وَقدم فِي الرِّعَايَة الْكَرَاهَة وَاخْتَارَ أَبُو بكر التَّغْلِيظ فِي حق أهل الذِّمَّة فَقَط وَاخْتَارَ الْخرقِيّ التَّغْلِيظ فِي حق الْكَافِر فِي الْمَكَان وَاللَّفْظ فَهَذِهِ نَحْو ثَمَانِيَة أَقْوَال فِي الْمَسْأَلَة وَلم أجد فِي وُجُوبه خلافًا فِي الْمَذْهَب فَأَما الْبَيِّنَة فَإِنَّهَا تكون بِموضع الدَّعْوَى وَلَا تغلظ بمَكَان وَلَا زمَان وَلَا لفظ ذكره القَاضِي مَحل وفَاق قَاس عَلَيْهِ وَسلم لَهُ قَوْله وَبَيت الْمُقَدّس عِنْد الصَّخْرَة كَذَا ذكر غَيره وَكَأن ذَلِك إِمَّا لوُرُود آثَار لَا يحْتَج بِمِثْلِهَا تدل على فضيلتها وَبَعضهَا مَذْكُور فِي فَضَائِل الشَّام وَإِمَّا لِأَن الْعَامَّة يَعْتَقِدُونَ فِيهَا ويعظمونها وَهَذَانِ الْأَمْرَانِ فيهمَا نظر أما الأول فَظَاهر وَأما الثَّانِي فَلِأَن الْيَمين لَا تغلظ باعتقاد الْعَامَّة كَمَا لَا تغلظ عِنْد قبر بعض الْمَشَايِخ أَو بعض الشّجر وَنَحْو ذَلِك بِأَن لَهُ عِنْد الْعَامَّة عَظمَة واعتقاد وحظ وافر على أَن كَانَ يلْزم تَخْصِيص الْمَسْأَلَة بالعامة لِئَلَّا يلْزم أَن يكون الدَّلِيل أخص وَهَذَا يدل على إرادتهم الْمَعْنى الأول وَهُوَ غير صَالح للحجة لضعف تِلْكَ الْآثَار وَعدم وجوب الرُّجُوع إِلَى قَائِلهَا وَهُوَ وهب وَكَعب وَنَحْوهمَا قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين فِي اقْتِضَاء الصِّرَاط الْمُسْتَقيم بعد ذكره هَذِه الْمَسْأَلَة لَيْسَ لَهَا أصل فِي كَلَام الإِمَام أَحْمد وَنَحْوه من الْأَئِمَّة بل السّنة أَن تغلظ الْيَمين

فِيهَا كَمَا تغلظ فِي سَائِر الْمَسَاجِد عِنْد الْمِنْبَر وَلَا تغلظ الْيَمين بالتحليف عِنْد مَا لم يشرع للْمُسلمين تَعْظِيمه كَمَا لَا تغلظ بالتحليف عِنْد الْمشَاهد وَنَحْو ذَلِك قَوْله وَيَقُول النَّصْرَانِي إِلَى آخِره قَالَ بعض الْأَصْحَاب تَغْلِيظ الْيَمين بذلك فِي حَقهم فِيهِ نظر لِأَن أَكْثَرهم إِنَّمَا يعْتَقد أَن عِيسَى ابْنا لله قَوْله وَيحلف الْمَجُوسِيّ إِلَى آخِره لِأَنَّهُ يعظم خالقه ورازقه وَذكر ابْن أبي مُوسَى أَنه يحلف مَعَ ذَلِك بِمَا يعظمه من الْأَنْوَار وَغَيرهَا وَفِي تَعْلِيق أبي إِسْحَاق بن شاقلا عَن أبي بكر بن جَعْفَر أَنه قَالَ وَيحلف الْمَجُوسِيّ فَيُقَال لَهُ قل والنور والظلمة قَالَ القَاضِي هَذَا غير مُمْتَنع أَن يحلفوا بهَا وَإِن كَانَت مخلوقة كَمَا يحلفُونَ فِي الْمَوَاضِع الَّتِي يعظمونها وَإِن كَانَت مَوَاضِع يعْصى الله فِيهَا كَالْبيع وَالْكَنَائِس وَبَيت النَّار قَوْله وَإِن بذل الْحَالِف الْيَمين بِاللَّه وَأبي التَّعْظِيم لم يكن ناكلا لِأَنَّهُ قد بذل الْوَاجِب عَلَيْهِ فَيجب الِاكْتِفَاء بِهِ وَيحرم التَّعَرُّض لَهُ وَفِيه نظر لجَوَاز أَن يُقَال يجب التغليط إِذا رَآهُ الْحَاكِم وَطَلَبه وَقد ذكر

القَاضِي فِي الْجَواب عَن تَغْلِيظ الصَّحَابَة أَنه روى عَن زيد خلاف ذَلِك لِأَنَّهُ خَاصم إِلَى مَرْوَان فتوجهت عَلَيْهِ الْيَمين فَقَالَ لَهُ زيد تحلف عِنْد الْمِنْبَر فَقَالَ زيد أَحْلف هَهُنَا قَالَ مَرْوَان لَا بل عِنْد الْمِنْبَر فوزن المَال قَالَ القَاضِي وَلَو كَانَ التَّغْلِيظ وَاجِبا أَو مَنْسُوبا لم يجز أَن يمْتَنع من الْإِجَابَة بعد أَن دَعَا إِلَيْهِ انْتهى كَلَامه وَهَذَا يدل على أَنه لَا يجوز الِامْتِنَاع مِنْهُ إِذا رَآهُ الْحَاكِم وعَلى هَذَا يكون بامتناعه مِنْهُ ناكلا عَمَّا يجب عَلَيْهِ فَيكون كالنكول عَن الْيَمين قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين قصَّة مَرْوَان تدل على أَن القَاضِي إِذا رأى التَّغْلِيظ فَامْتنعَ من الْإِجَابَة أدّى مَا ادّعى بِهِ عَلَيْهِ وَلَو لم يكن كَذَلِك مَا كَانَ فِي التَّغْلِيظ زجر قطّ وَهَذَا الَّذِي قَالَه صَحِيح والردع والزجر عِلّة التَّغْلِيظ كَمَا ذكره جمَاعَة من أَصْحَابنَا وَغَيرهم فَلَو لم يجب بِرَأْي الإِمَام لتمكن كل أحد من الِامْتِنَاع مِنْهُ لعدم الضَّرَر عَلَيْهِ فِي ذَلِك وانتفت فَائِدَته وَقَالَ أَيْضا مَتى قُلْنَا هُوَ مُسْتَحبّ للامام فَيَنْبَغِي أَنه إِذا امْتنع مِنْهُ الْخصم صَار ناكلا قَوْله وَلَا يسْتَحْلف فِي الْعِبَادَات وَلَا فِي حُدُود الله تَعَالَى وَعند الشَّافِعِي وَأبي يُوسُف يسْتَحْلف فِي الزَّكَاة وَنَحْوهَا لِأَنَّهَا دَعْوَى مسموعة يتَعَلَّق بهَا حق آدَمِيّ أشبه حق الْآدَمِيّ وَاخْتَارَهُ ابْن حمدَان فِي الزَّكَاة وَوجه قَوْلنَا أَنه حق لَهُ أشبه الصَّلَاة وَالْحَد وَلَو ادّعى عَلَيْهِ أَن عَلَيْهِ كَفَّارَة أَو نذرا أَو صَدَقَة أَو غَيرهَا فَكَذَلِك قَالَ الشَّيْخ موفق الدّين لَا تسمع الدَّعْوَى فِي هَذَا وَلَا فِي حد لله تَعَالَى

لِأَنَّهُ حق للْمُدَّعى فِيهِ وَلَا ولَايَة لَهُ عَلَيْهِ وَلَا تسمع مِنْهُ دَعْوَاهُ كَمَا لَو ادّعى حَقًا لغيره من غير إِذْنه وَلَا ولَايَة وَكَذَا ذكره ابْن الزَّاغُونِيّ وَغَيره وَذكر القَاضِي الْحُدُود مَحل وفَاق وَأَنه لَا يَصح دَعْوَاهَا وَلَا يجب سماعهَا وَلَا يسْأَل الْمُدعى عَلَيْهِ عَن الْجَواب عَنْهَا لَكِن قَالَ شَهَادَة الشُّهُود دَعْوَى مِنْهُم وَذكر أَيْضا فِي مَوضِع آخر أَن الزِّنَا وَالشرب وَنَحْوه لَا يسمع الاستعداء فِيهِ والإعداء فِيهِ وَتسمع الشَّهَادَة بِهِ وَذكر الشَّيْخ موفق الدّين فِي مَوضِع آخر أَن مَا كَانَ حَقًا لله كالحدود وَالزَّكَاة وَالْكَفَّارَة لَا تفْتَقر الشَّهَادَة بِهِ إِلَى تقدم دَعْوَى قَالَ وَكَذَلِكَ مَالا يتَعَلَّق بِهِ حق أحد كتحريم الزَّوْجَة أَو إِعْتَاق الرَّقِيق يجوز الْحِسْبَة بِهِ وَلَا يعْتَبر بِهِ دَعْوَى قَالَ فَإِن تَضَمَّنت دَعْوَاهُ حَقًا مثل أَن يدعى سَرقَة مَاله لتضمين السَّارِق أَو ليَأْخُذ مِنْهُ مَا سَرقه أَو يَدعِي عَلَيْهِ الزِّنَا بِجَارِيَتِهِ ليَأْخُذ مهرهَا مِنْهُ سَمِعت دَعْوَاهُ ويستحلف الْمُدعى عَلَيْهِ لحق الْآدَمِيّ دون حق الله وَكَذَا ذكره ابْن عقيل فَإِن حلف برىء وَإِن نكل قضى عَلَيْهِ بِالْمَالِ دون الْقطع وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين فَأَما حُقُوق الله تَعَالَى إِذا تعلق بهَا حق آدَمِيّ معِين أَو غير معِين على الْفرق بَين الزَّكَاة وَغَيرهَا مثل أَن يدعى على من يطْلب ولَايَة المَال أَو النِّكَاح أَو الْحَضَانَة أَنه فَاسق فينكر ذَلِك فَيحلف فَإِن مَضْمُون الْيَمين الْحلف على اسْتِحْقَاق الْولَايَة أَو على نفي مَا يَدْفَعهَا وَهُوَ بِمَنْزِلَة أَن يدعى على الحاضنة أَنَّهَا تزوجت فتنكر أَو تدعى على الْوَلِيّ أَن ثمَّ وليا أقرب مِنْهُ وَكَذَا لَو ادّعى الْقَرِيب الْإِرْث فَقيل إِنَّه رَقِيق فَهَل يحلف على نفي الرّقّ كَمَا يحلف لَو ادَّعَاهُ مُدع وَكَذَلِكَ لَو تعلق بِصَلَاتِهِ وصيامه حق الْغَيْر مثل تَعْلِيق طَلَاق أَو عتق بِهِ وَنَحْو ذَلِك فَهَل يحلف على فعل ذَلِك لَكِن

هَذَا الْحق الْمُتَعَلّق بِهِ لَيْسَ لَهُ وَلَاء عَلَيْهِ فَهُوَ أَمِين مَحْض بِخِلَاف مَا إِذا كَانَ الْحق لَهُ أَو عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ إِذا ادّعى الْمَشْهُود عَلَيْهِ فسق الشَّاهِد مُفَسرًا أَو مُطلقًا فَهَل لَهُ أَن يحلفهُ على نفي ذَلِك السَّبَب أَو على نفي الْفسق وَكَذَلِكَ إِذا ادّعى فِي الشَّاهِد مَا يُوجب رد الشَّهَادَة من قرَابَة أَو عَدَاوَة أَو تبرع أَو صداقة ملاطفة على القَوْل بهَا وَأنكر الشَّاهِد ذَلِك فَهَل لَهُ أَن يحلف الشَّاهِد على نفي ذَلِك وَسَوَاء كَانَ الشَّاهِد مزكيا أَو جارحا لشاهد أَو وَال فَادّعى عَلَيْهِ تُهْمَة توجب رد التَّزْكِيَة وَالْجرْح أَو شَاهد بِغَيْر صفة الشَّاهِد والوالي وَلَا يُقَال الشَّاهِد لَا يحلف فَإِنَّمَا ذَلِك إِذا ثَبت مَا يُوجب قبُول شَهَادَته لَكِن يُقَال لَا بُد أَن يعلم الْحَاكِم مَا يقبل مَعَه فِي الظَّاهِر ثمَّ الشَّأْن فِي وجود الْمعَارض فِي الْبَاطِن أَو فَوَات بعض الشُّرُوط فِي الْبَاطِن وَإِن لم يحلف الشَّاهِد فَهَل يحلف الْمَشْهُود لَهُ بِأَنَّهُ لَا يعلم هَذَا القادح وَهَذَا مُتَوَجّه إِذا استحلفناه على مَا شهد بِهِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ الَّتِي قضى بهَا عَليّ رَضِي الله عَنهُ وَابْن أبي ليلى وَالْيَمِين على حق الله الْمُتَعَلّق بهَا حق آدَمِيّ لَهَا أصل فِي الشَّرِيعَة وَهُوَ اللّعان فَإِن دَعْوَى الزِّنَا دَعْوَى مَا يُوجب الْحَد وَالْقِيَاس أَن لَا يَمِين فِيهَا لَكِن شرعت إِذا ادَّعَاهُ الزَّوْج لِأَن لَهُ حَقًا فِي ذَلِك وَهُوَ إِفْسَاد فرَاشه وإفساد الْعَارِية كَمَا أُقِيمَت يَمِينه مقَام شَهَادَة غَيره فِي دَرْء الْحَد عَنهُ وَهَكَذَا دَعْوَى السّرقَة لَا يحلفهُ على مَا يَنْفِي الْقطع لَكِن على مَا يَنْفِي اسْتِحْقَاق

المَال فَيَنْبَغِي أَن يحلف أَنه مَا أَخذ المَال لَا أَنه مَا سرق بِخِلَاف الْقصاص وحد الْقَذْف وَأما الْيَمين فِي الْمُحَاربَة

فصول الكتاب · 87 فصل · 499 صفحة
جارٍ التحميل