الصَّلَاة على الْمَيِّت
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن مفلح، برهان الدين
- الكتاب
- النكت والفوائد السنية على مشكل المحرر لمجد الدين ابن تيمية
- المؤلف
- إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن محمد ابن مفلح، أبو إسحاق، برهان الدين (المتوفى: 884هـ)
- الناشر
- مكتبة المعارف - الرياض
- الطبعة
- الثانية، 1404
- عدد الأجزاء
- 2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قَوْله وَإِن كَانَ صَغِيرا قَالَ اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لِوَلَدَيْهِ فرطا إِلَى آخر الدُّعَاء يحْتَمل أَن يكون مُرَاده أَن يَأْتِي بِهَذَا الدُّعَاء فَقَط وَيحْتَمل أَن مُرَاده أَن الدُّعَاء لحَال الصَّغِير وَأَن الدُّعَاء الْمُشْتَرك السَّابِق يَأْتِي بِهِ وَكَلَام الْأَصْحَاب ظَاهره مُخْتَلف وَالثَّانِي ذكره السامري قَالَ إِلَّا قَوْله إِن كَانَ محسنا أَو مسيئا لعدم ذَلِك فِيهِ وَقَالَ فِي الْمُغنِي وَإِن كَانَ الْمَيِّت طفْلا جعل مَكَان الاسْتِغْفَار لَهُ وَذكر الدُّعَاء قَالَ الشَّيْخ وجيه الدّين فَإِن كَانَ الصَّغِير مَمْلُوكا دَعَا لمواليه إِذا لم يعرف إِسْلَام أَبَوَيْهِ لأَنهم أولياؤه وَقَالَ هُوَ وَابْن عقيل وَغَيرهمَا وَإِن كَانَ خُنْثَى سَمَّاهُ بِالِاسْمِ الْعَام فَيَقُول هَذَا الْمَيِّت أَو الشَّخْص قَوْله وَالْغَرَض من ذَلِك الْقيام والتكبيرات تبع أَكثر الْأَصْحَاب وَذكر ابْن الْجَوْزِيّ فِي الْمَذْهَب وَصَاحب التَّلْخِيص فِيهِ الْأَركان وَلم يذكرُوا فِيهَا الْقيام وَقَالَ الْحَنَفِيَّة وَالْقِيَاس جَوَازهَا بِدُونِهِ
كسجود التِّلَاوَة وَإِنَّمَا يمْنَع مِنْهُ اسْتِحْسَانًا ولأصحابنا على وُجُوبه قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لعمران بن حُصَيْن صل قَائِما فَإِن لم تستطع فقاعدا وَقَوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِن أَخَاكُم النَّجَاشِيّ مَاتَ فَقومُوا فصلوا عَلَيْهِ وَالْقِيَاس على الْمَكْتُوبَة والمنذورة وَفِي ذَلِك نظر وَذكر صَاحب التَّلْخِيص وَجَمَاعَة أَنه يشْتَرط حُضُور الْمَيِّت بَين يَدي الْمُصَلِّي وَذكره أَيْضا الشَّيْخ وجيه الدّين فَقَالَ لَو صلى على الْجِنَازَة وَهِي مَحْمُولَة على أَعْنَاق الرِّجَال أَو على دَابَّة أَو صَغِير على رجل لم يجز لِأَن الْجِنَازَة يمنزلة الإِمَام وَلِهَذَا لَا تجوز الصَّلَاة بِدُونِ الْمَيِّت وَيجب تَقْدِيمه إِلَى الْمُصَلِّين عَلَيْهِ وَمَتى كَانَ الإِمَام على الدَّابَّة وَالْقَوْم على الأَرْض لم يجز فَكَذَلِك هُنَا وَلم يذكر فِي الْمُحَرر هَذَا الشَّرْط وَكَذَا لم يذكرهُ جمَاعَة مِنْهُم ابْن الْجَوْزِيّ وَالشَّيْخ موفق الدّين قَوْله وَالصَّلَاة على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَذَا ذكره الْأَصْحَاب مَعَ اخْتلَافهمْ هَل هِيَ وَاجِبَة فِي الصَّلَاة أوركن أَو سنة وَهَذَا يدل على توقف صَلَاة الْجِنَازَة عَلَيْهَا وَإِن لم تتَوَقَّف سَائِر الصَّلَاة عَلَيْهَا وَقد جعل فِي الْمُغنِي رِوَايَة الْوُجُوب وسقوطها بالسهو فِي سَائِر الصَّلَاة اخْتِيَار الْخرقِيّ فِي ظَاهر الْمَذْهَب وَلم يحك فِي صَلَاة الْجِنَازَة خلافًا فِي توقف صِحَّتهَا عَلَيْهَا كالنية وَالتَّكْبِير وَقَالَ المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة بافتراض الصَّلَاة عَلَيْهِ قَالَ الشَّافِعِي وأصل ذَلِك وُجُوبهَا فِي سَائِر الصَّلَوَات وَإِذا قُلْنَا لَا تجب هُنَاكَ لم تجب هُنَا وَقَالَ أَيْضا أَجمعُوا أَنه إِذا خَافَ رفع الْجِنَازَة سقط الدُّعَاء وَالصَّلَاة على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَجَاز قَضَاء التَّكْبِير مُتَتَابِعًا كَذَا قَالَ وَفِيه نظر يَأْتِي فِي الْمَسْأَلَة بعْدهَا
قَالَ ابْن عبد الْقوي جعلهَا الشَّيْخ هُنَا ركنا وَقِيَاس مَا ذكر فِي صفة الصَّلَاة أَن تكون وَاجِبَة أَو سنة قَالَ وَلقَائِل أَن يَقُول لَا يلْزم من قَوْلنَا هِيَ هُنَاكَ سنة أَو وَاجِبَة على الْمُخْتَار أَن تكون هُنَا كَذَلِك لِأَن تِلْكَ الصَّلَاة فِيهَا من غَيرهَا لمتلوها مَا هُوَ ركن وَهُوَ التَّشَهُّد بِخِلَاف هَذِه فَمَا الْمَانِع أَن تجْعَل الصَّلَاة عَلَيْهِ ركنا لِأَنَّهَا سَبَب الْإِجَابَة انْتهى كَلَامه وَفِيه نظر قَوْله لِأَن تِلْكَ الصَّلَاة فِيهَا من غَيره لمتلوها مَا هُوَ ركن وَهُوَ التَّشَهُّد قُلْنَا وَإِذا كَانَ فَأَي شَيْء يلْزمه وماذا يكون وَقَوله بِخِلَاف هَذِه قُلْنَا وَهَذِه الصَّلَاة كَذَلِك وَهُوَ أدنى دُعَاء للْمَيت وَقَوله فَمَا الْمَانِع أَن تجْعَل الصَّلَاة عَلَيْهِ هُنَا ركنا قُلْنَا وَمَا الْمُقْتَضِي وَالشَّيْء لَا يثبت بِعَدَمِ الْمَانِع بل لوُجُود الْمُقْتَضى قَوْله لِأَنَّهَا سَبَب للإجابة قُلْنَا وَفِي سَائِر الصَّلَوَات كَذَلِك وَلَو كبر على جَنَازَة فجيء بثانية فَكبر الثَّانِيَة ونواها لَهما جَازَ نَص عَلَيْهِ وَعلله الإِمَام أَحْمد بِجَوَاز التَّكْبِير إِلَى سبع وَكَذَلِكَ الثَّالِثَة وَالرَّابِعَة فَإِن جِيءَ بِجنَازَة بعد التَّكْبِيرَة الرَّابِعَة لم يجز إدخالها فِي الصَّلَاة وَهل يُعِيد الْقِرَاءَة وَالصَّلَاة على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم للَّتِي حضرت بعدهمَا يحْتَمل وَجْهَيْن ذكرهمَا ابْن عقيل أَحدهمَا يُعِيد اخْتَارَهَا الشَّيْخ موفق الدّين ليكمل أَنْوَاع الْأَذْكَار لكل جَنَازَة وَالثَّانِي لَا يُعِيد بل يَدْعُو عقب كل تَكْبِيرَة قَالَ المُصَنّف وَهُوَ أصح وَاخْتَارَهُ القَاضِي فِي الْخلاف لِأَن هَذَا مَحل للدُّعَاء للسابقة وَمحل غَيره للمسبوقة فغلب حكم من امتاز بِالسَّبقِ وَيُمكن أَن يسْقط عِنْد الِاجْتِمَاع تبعا مَا لَا يسْقط مُنْفَردا كَمَا تسْقط أَفعَال الْعمرَة أَو بَعْضهَا فِي
الْقرَان تبعا لِلْحَجِّ وكما يسْقط ترك الْإِحْرَام بِالْحَجِّ من الْمِيقَات إِذا أدخلهُ على الْعمرَة فَكَذَلِك هُنَا وَالَّذِي وجدت ابْن عقيل ذكره الْوَجْه الثَّانِي أَنه يَأْتِي بِالتَّكْبِيرِ مُتَتَابِعًا نسقا كَمَا يفعل الْمَسْبُوق إِذا رفع الْمَيِّت وَكَذَا نَقله الشَّيْخ موفق الدّين وَالشَّيْخ وجيه الدّين وَقَالَ اخْتَارَهُ ابْن عقيل قَوْله وَمن فَاتَهُ التَّكْبِير قَضَاهُ مُتَتَابِعًا وَقيل يَقْضِيه على صفته مالم ترفع الْجِنَازَة ظَاهره أَنه يَقْضِيه مُتَتَابِعًا مُطلقًا وَهُوَ ظَاهر كَلَام غَيره وَحَكَاهُ غير وَاحِد عَن الْخرقِيّ وَقَالَ بَعضهم إِنَّه روى عَن أَحْمد لِأَن ابْن عمر قَالَ لَا يقْضِي فَإِن كبر مُتَتَابِعًا فَلَا بَأْس احْتج بِهِ وَلم يعرف لَهُ مُخَالف من الصَّحَابَة وَقدم غير وَاحِد أَنه يَقْضِيه على صفته من غير تَفْصِيل لِأَن الْقَضَاء على صفة الْإِدْرَاك كَسَائِر الصَّلَوَات وَلِأَن الصَّلَاة على الْمَيِّت تجوز مَعَ غيبته للْعُذْر وَهُوَ الصَّلَاة على الْغَائِب فيقضيها للْعُذْر أولى وَقَالَ القَاضِي وَأَبُو الْخطاب وَقطع بِهِ فِي الْمَذْهَب وَالتَّلْخِيص إِن رفعت الْجِنَازَة قبل إتْمَام التَّكْبِير قَضَاهُ مُتَتَابِعًا لِأَنَّهَا إِذا رفعت زَالَ شَرط الصَّلَاة فَيَقْتَضِي ذَلِك قطعهَا لَكِن التَّكْبِير فِي نَفسه يسير فَأتى بِهِ مُقْتَصرا عَلَيْهِ وَمَا لم ترفع فَالشَّرْط مُسْتَمر وَحَكَاهُ ابْن عبد الْبر عَن جُمْهُور الْعلمَاء وَقَالَ المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة إِذا خشِي رفع الْجِنَازَة قَضَاهُ مُتَتَابِعًا رفعت الْجِنَازَة أَو لم ترفع على مَنْصُوص الإِمَام أَحْمد وَحَكَاهُ عَن مَالك وَأحد قولي الشَّافِعِي لِئَلَّا ترفع الْجِنَازَة من بَين يَدَيْهِ وَهُوَ شَرط للصَّلَاة فَكَانَ التَّتَابُع أحوط
وَقَالَ أَصْحَاب الرَّأْي فِيمَا حَكَاهُ الْحسن بن زِيَاد عَنْهُم يَقْضِيه مُتَتَابِعًا مالم ترفع فَإِن رفعت قطع التَّكْبِير وَهُوَ قَول ابْن الْمُنْذر وَظَاهر كَلَام الإِمَام أَحْمد فِي رِوَايَة أبي طَالب لِأَن مَا كَانَ شرطا فِي الِابْتِدَاء فهر شَرط فِي الدَّوَام كَسَائِر الشُّرُوط ثمَّ حكى المُصَنّف القَوْل الثَّانِي عَن الشَّافِعِي أَنه يَقْضِيه على صفته وَحَكَاهُ ابْن عبد الْبر عَن أبي حنيفَة وَوَجهه ثمَّ كَمَا تقدم ثمَّ حكى قَول القَاضِي وَأبي الْخطاب وَقَالَ فِي آخر تَوْجِيهه فَالشَّرْط مُسْتَمر فَكَانَ بذكرها أولى قَالَ فَأَما إِذا علم بعادة أَو قرينَة أَنَّهَا تتْرك حَتَّى يقْضِي فَلَا تردد أَنه يقْضِي التَّكْبِيرَات بذكرها هَذَا مُقْتَضى تَعْلِيل أَصْحَابنَا وَغَيرهم من الْقَائِلين بالتتابع وَقد صرح بِهِ الْمَالِكِيَّة انْتهى كَلَامه قَوْله وَيصلى على الْغَائِب بِالنِّيَّةِ إِلَى شهر هَذَا هُوَ الْمَذْهَب كَقَوْل الشَّافِعِيَّة عملا بِصَلَاتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام بِأَصْحَابِهِ على النَّجَاشِيّ وَعَن الإِمَام أَحْمد لَا يجوز كَقَوْل أبي حنيفَة وَمَالك لِأَن من شَرط جَوَاز الصَّلَاة حُضُور الْمَيِّت بِدَلِيل مَا لَو كَانَ مَوْجُودا وَظَاهر هَذَا عدم جَوَاز الصَّلَاة وَلَو لم يكن عِنْده من يُصَلِّي عَلَيْهِ وَقَالَهُ الْمَالِكِيَّة وَالْحَنَفِيَّة وَاخْتَارَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين وَالشَّيْخ شمس الدّين بن عبد القوى أَنه إِن لم يحضر الْغَائِب من يُصَلِّي عَلَيْهِ وَجَبت الصَّلَاة عَلَيْهِ وَأطلق الْغَيْبَة وَظَاهره أَنه من كَانَ خَارج الْبَلَد سَوَاء كَانَ مَسَافَة قصر أَو دونهَا نَص عَلَيْهِ وَصرح بِهِ جمَاعَة وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين مُقْتَضى اللَّفْظ أَن من كَانَ خَارج السُّور أَو خَارج مَا يقدر سورا يصلى عَلَيْهِ بِخِلَاف من كَانَ دَاخله لَكِن هَذَا لَا أصل لَهُ فِي
الشَّرِيعَة فِي المذهبين إِذْ الْحُدُود الشَّرْعِيَّة فِي مثل هَذَا إِمَّا أَن تكون الْعِبَادَات الَّتِي تجوز فِي السّفر الطَّوِيل والقصير كالتطوع على الرَّاحِلَة وَالتَّيَمُّم وَالْجمع بَين الصَّلَاتَيْنِ على قَول فَلَا بُد أَن يكون مُنْفَصِلا عَن الْبَلَد بِمَا يعد الذّهاب إِلَيْهِ نوع سفر وَقد قَالَ طَائِفَة كَالْقَاضِي أبي يعلى إِنَّه يَكْفِي خَمْسُونَ خطْوَة وَإِمَّا أَن يكون الْحَد مَا تجب فِيهِ الْجُمُعَة وَهُوَ مَسَافَة فَرسَخ وَمَا سمع مِنْهُ النداء وَهَذَا أقرب الْحُدُود فَإِنَّهُ إِذا كَانَ دون فَرسَخ حَيْثُ يسمع النداء وَيجب عَلَيْهِ حُضُور الْجُمُعَة كَانَ من أهل الصَّلَاة فِي الْبَلَد فَلَا يعد غَائِبا عَنْهَا بِخِلَاف مَا إِذا كَانَ فَوق ذَلِك فَإِنَّهُ بالغائب أشبه وَإِمَّا أَن يكون الْحَد مَا لَا يُمكن الذَّاهِب إِلَيْهِ الْعود فِي يَوْمه وَهَذَا يُنَاسب قَول من جعل الْغَائِب عَن الْبَلَد كالغائب عَن مجْلِس الحكم وإلحاق الصَّلَاة بِالصَّلَاةِ أولى من إِلْحَاق الصَّلَاة بالحكم فَهَذِهِ هِيَ المآخذ الَّتِي تبنى عَلَيْهَا هَذِه الْمَسْأَلَة وَإِطْلَاق كَلَامه فِي الْمُحَرر وَكَلَام غَيره يَقْتَضِي الصَّلَاة على كل غَائِب مُسلم وَفِيه نظر وَيُوَافِقهُ قَول صَاحب الْبَحْر من الشَّافِعِيَّة لَو صلى على الْأَمْوَات الَّذين مَاتُوا فِي يَوْمه وغسلوا فِي الْبَلَد الْفُلَانِيّ وَلَا يعرف عَددهمْ جَازَ قَالَ الشَّيْخ مُحي الدّين النَّوَوِيّ لَا حَاجَة إِلَى التَّخْصِيص بِبَلَد يعرف بل لَو صلى على أموات الْمُسلمين فِي أقطار الأَرْض الَّذين مَاتُوا فِي يَوْمه مِمَّن يجوز الصَّلَاة عَلَيْهِم جَازَ وَكَانَ حسنا مستحسنا لِأَن الصَّلَاة على الْغَائِب صَحِيحَة عندنَا وَمَعْرِفَة بِلَاد الْمَوْتَى وأعدادهم لَيست شرطا وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين بن تَيْمِية مَا يَفْعَله بعض النَّاس أَنه كل لَيْلَة يصلى على جَمِيع من مَاتَ من الْمُسلمين فَلَا ريب أَنه بِدعَة لم يَفْعَله أحد من السّلف قَوْله جَانِبي الْبَلَد قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين الْقَائِلُونَ بِالْجَوَازِ من الشَّافِعِيَّة والحنابلة قيد محققوهم الْبَلَد بالكبير وَمِنْهُم من أطلق وَلم يُقيد
قَوْله وَلَا يُصَلِّي الإِمَام على من قتل نَفسه أَو غل من غنيمَة كَذَا أطلق أَبُو الْخطاب قَاتل نَفسه قَالَ المُصَنّف يَعْنِي مُتَعَمدا وَهل ذَلِك وَاجِب أَو مُسْتَحبّ كَلَام الإِمَام أَحْمد مُحْتَمل وَظَاهر نَهْيه التَّحْرِيم وَهُوَ ظَاهر كَلَام ابْن عقيل وَصرح المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة بالاستحباب وَصرح أَيْضا أَنه يجب التأسي بِالنَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي تَركه الصَّلَاة عَلَيْهِمَا وَظَاهر كَلَام الشَّيْخ وجيه الدّين الِاسْتِحْبَاب وَقَالَ ابْن تَمِيم امْتنَاع الإِمَام من الصَّلَاة على من تقدم مُسْتَحبّ فَلَو صلى جَازَ وَفِيه وَجه يجب ذَلِك وَحكى فِي الرِّعَايَة رِوَايَتَيْنِ قَوْله من السّنة الْإِسْرَاع بالجنازة
قَالَ المُصَنّف وَصفَة الْإِسْرَاع بالجنازة الخبب بِأَن يمشي بهَا أَعلَى دَرَجَات الْمَشْي الْمُعْتَاد وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَقَالَ أَبُو حنيفَة يخب ويرمل وَكَذَا قَالَ القَاضِي يسْتَحبّ إسراع لَا يخرج عَن الْمَشْي الْمُعْتَاد وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي الْمَذْهَب يسْرع فَوق السَّعْي وَدون الخبب فَإِن خيف على الْمَيِّت من ذَلِك تأنى وَإِن خيف عَلَيْهِ التَّغْيِير أسْرع وَقَالَ فِي الْكَافِي وَلَا يفرط فِي الْإِسْرَاع فيمخضها ويؤذي متبعيها وَقَالَ فِي الرِّعَايَة يسن الْإِسْرَاع بهَا يَسِيرا وَذكر الشَّيْخ وجيه الدّين قَول القَاضِي الْمَذْكُور وَقَالَ فَإِن خيف انفجارها أَو كَانَ فِي التَّابِعين ضعف رفق بِهِ وبهم قَوْله وَالسّنة أَن يتَوَلَّى دفن الْمَيِّت غاسله كَذَا قَالَ غير وَاحِد قَالَ المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة إِنَّه مَتى كَانَ الأحق بِالْغسْلِ كَانَ هُوَ الأحق بالدفن فَالْأولى أَن يتولاهما جَمِيعًا بِنَفسِهِ أَو يَسْتَنِيب فيهمَا وَاحِدًا لِأَنَّهُ أقرب إِلَى ستر أَحْوَاله وَقلة الِاطِّلَاع عَلَيْهِ فَأَما الأحق بالدفن فَهُوَ من أوصى إِلَيْهِ الْمَيِّت بذلك كَمَا قُلْنَا لَو أوصى إِلَيْهِ بِغسْلِهِ ثمَّ الْأَقَارِب الْأَقْرَب فَالْأَقْرَب كَمَا فِي غسله فَأَما الْمَرْأَة فمحارمها الرِّجَال أَحَق بدفنها من النِّسَاء وَهل يقدم الزَّوْج على سَائِر الْمَحَارِم كَقَوْل مَالك وَالشَّافِعِيّ أَو الْعَكْس كَقَوْل أبي حنيفَة فِيهِ رِوَايَتَانِ فَإِن لم يكن محرم فَهَل النِّسَاء أولى بدفنها أم الرِّجَال فِيهِ رِوَايَتَانِ إِحْدَاهمَا الرِّجَال أَحَق فعلى هَذَا لَا مدْخل النِّسَاء فِي الدّفن
إِلَّا عِنْد الضَّرُورَة وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَالثَّانيَِة النِّسَاء أولى اخْتَارَهُ الْخرقِيّ قَالَ المُصَنّف وَهَذِه الرِّوَايَة مَحْمُولَة عِنْدِي على مَا إِذا لم يكن فِي دفنهن مَحْذُور من اتِّبَاع الْجِنَازَة أَو الْكَشْف بِحَضْرَة الْأَجَانِب أَو غَيره لِأَنَّهُ الْمَنْصُوص عَن الإِمَام أَحْمد فِي مثل ذَلِك وَهَذَا معنى كَلَام الشَّيْخ موفق الدّين وَغَيره لكِنهمْ لم يذكرُوا حمل الرِّوَايَة على هَذَا وَاخْتِيَار ابْن عقيل وَغَيره كاختيار الْخرقِيّ وَكَذَلِكَ الشَّيْخ وجيه الدّين وَزَاد وَإِن كَانَ لَهَا زوج فَهُوَ أولى بدفنها كَمَا هُوَ أولى بغسلها فَإِن لم يكن فأمهاتهم يلينها على التَّرْتِيب الْمَذْكُور فِي الْغسْل وَلَعَلَّ مُرَاده أَن الزَّوْج يقدم بعد محارمها من الرِّجَال ثمَّ بعده محارمها من النِّسَاء قَوْله ويعمق قَبره قامة وبسطة يَعْنِي أَن هَذَا هُوَ الْمُسْتَحبّ وَفِي الْمَسْأَلَة خلاف مَشْهُور قَالَ فِي التَّلْخِيص وَغَيره وَأَدْنَاهُ حُفْرَة تستر رَائِحَته وتمنع جثته من السبَاع وَنَحْوهَا زَاد فِي الرِّعَايَة نَص عَلَيْهِ قَوْله ويضعه فِي اللَّحْد على جنبه الْأَيْمن مُتَوَجها كَذَا ذكر جمَاعَة وَلم يبينوا حكم ذَلِك وَقَالَ ابْن عقيل فِيمَا إِذا دفن إِلَى غير الْقبْلَة قَالَ أَصْحَابنَا أينبش لِأَن اسْتِقْبَال الْقبْلَة مَشْرُوع يُمكن فعله فَلَا يتْرك كَمَا ذكر الْمَسْأَلَة وَمثله الدّفن من قبل الْغسْل أَنه ينبش وَيغسل وَيُوجه إِلَّا أَن يخَاف عَلَيْهِ أَن يتفسخ فَيتْرك وَنصب الْخلاف مَعَ أبي حنيفَة وَاسْتدلَّ بِأَنَّهُ
وَاجِب فَلَا يسْقطهُ بذلك كإخراج مَاله قيمَة وَقَوْلهمْ إِن النبش مثلَة قُلْنَا إِنَّمَا هُوَ فِي حق من تغير وَهُوَ لَا ينبش وَنصب المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة الْخلاف مَعَ أبي حنيفَة فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ وَقَالَ فِي مَسْأَلَة الدّفن قبل الْغسْل لِأَنَّهُ وَاجِب مَقْدُور عَلَيْهِ من غير مَانع وَقَالَ فِي مَسْأَلَة الدّفن إِلَى غير الْقبْلَة عَن قَول أبي حنيفَة قَوْله هَهُنَا أوجه لِأَن تَوْجِيهه سنة وَلَيْسَ بِفَرْض فَلَا يلْزم لتحصيله مَنْهِيّ عَنهُ وَلنَا أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَصْحَابه قد نبشوا لما هُوَ دون هَذَا فَهَذَا أولى والنبش الْمنْهِي عَنهُ هُوَ الَّذِي لَيْسَ لغَرَض صَحِيح ثمَّ يبطل تَعْلِيلهم بالختان عِنْدهم فَإِنَّهُ سنة يلْزم لَهُ كشف الْعَوْرَة الْمحرم فِي الأَصْل انْتهى كَلَامه وَعلل الشَّيْخ وجيه الدّين مَسْأَلَة الدّفن إِلَى غير الْقبْلَة بِأَن اسْتِقْبَال الْقبْلَة سنة مَشْرُوعَة وشعار من شعار الْمُسلمين أمكن فعله فَلَا يتْرك كَمَا لَو ذكر قبل تَسْوِيَة اللَّبن قَالَ وَذكر الْمَاوَرْدِيّ صَاحب الْحَاوِي فِي كِتَابه أَن أول من وَجه إِلَى الْقبْلَة الْبَراء فَإِنَّهُ أوصى بذلك فَصَارَت سنة انْتهى كَلَامه وَقطع الْآمِدِيّ والشريف أَبُو جَعْفَر وَغَيرهمَا بِوُجُوب التَّوْجِيه إِلَى الْقبْلَة وَقَالَ القَاضِي أَبُو الْحُسَيْن فِي مَجْمُوعه إِذا دفن من غير غسل نبش وَغسل سَوَاء أهيل عَلَيْهِ التُّرَاب أَو لم يهل عَلَيْهِ هَذَا ظَاهر الْمَذْهَب وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَهَكَذَا الحكم إِذا دفن غير موجه هَذَا كُله إِذا لم يتَغَيَّر الْمَيِّت وَقَالَ أَبُو حنيفَة إِذا أهيل عَلَيْهِ التُّرَاب لم ينبش دليلنا أَنه فَرِيضَة مَقْدُور عَلَيْهِ فَوَجَبَ فعله كَمَا لَو لم يهل عَلَيْهِ التُّرَاب
فَظهر من هَذَا أَن فِي وجوب التَّوْجِيه إِلَى الْقبْلَة وَجْهَيْن فَأن قُلْنَا بِوُجُوبِهِ وَجب نبشه لأَجله فِي الْأَظْهر وَإِلَّا فَالْأَظْهر أَنه لَا يجب لِأَنَّهُ لَا يجب التَّوَصُّل إِلَى فعل مُسْتَحبّ وَلَو دفن موجها على يسَاره أَو مُسْتَلْقِيا على ظَهره هَل ينبش على وَجْهَيْن وَقَالَ الشَّيْخ وجيه الدّين وَإِن حفر الْقَبْر ممتدا من الْقبْلَة إِلَى الشمَال فَإِن دعت الْحَاجة إِلَى ذَلِك لضيق الْمَكَان لم يكره وَإِن كَانَ مَعَ السعَة وَالْقُدْرَة كره وَلم ينبش بعد دَفنه ليدفن على الصّفة المستحبة وَكَانَ دَفنه على الْحَالة الَّتِي يوضع عَلَيْهَا على المغتسل وَعند الْمَوْت وَقَالَ فَإِن خَالف وأضجعه على جنبه الْأَيْسَر واستقبل الْقبْلَة بِوَجْهِهِ جَازَ وَكَانَ تَارِكًا للأفضل وَإِن علمُوا بذلك بعد الدّفن وَإِن كَانَ قبل أَن يهال عَلَيْهِ التُّرَاب وَجه وَوضع على جنبه الْأَيْمن ليحصل شعار السّنة انْتهى كَلَامه وَفِي وجوب نبشه فِيمَا إِذا دفن قبل الْغسْل وَجه أَنه لَا يجب وَقدم ابْن تَمِيم أَنه يسْتَحبّ نبشه فِيمَا إِذا دفن لغير الْقبْلَة فَهَذِهِ ثَلَاثَة أوجه فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ وَقطع المُصَنّف فِي مَسْأَلَة الْغسْل لَا ينبش إِذا خيف تفسخه وَلم يَتَبَعَّض هَذِه الْمَسْأَلَة فِي مَسْأَلَة التَّوْجِيه وَيصلى عَلَيْهِ كَمَسْأَلَة من لم يجد مَاء وَلَا تُرَابا وَظَاهر كَلَامه فِي الْمُحَرر أَنه ينبش فيهمَا وَلَو خيف تفسخه بِخِلَاف نبشه للصَّلَاة عَلَيْهِ وَقَالَ غير وَاحِد لَا ينبش إِذا خيف تفسخه فِي الْمسَائِل الثَّلَاث وَظَاهر كَلَام غير وَاحِد عَكسه قَوْله وَلَا يدْفن فِيهِ اثْنَان إِلَّا لضَرُورَة قد يُقَال اسْتثِْنَاء حَالَة الضَّرُورَة تدل على التَّحْرِيم عِنْد انتفائها لِأَنَّهُ
لَا يحسن اسْتثِْنَاء الضَّرُورَة مَعَ الْكَرَاهَة وَظَاهر كَلَام جمَاعَة من الْأَصْحَاب يحْتَمل التَّحْرِيم وَالْكَرَاهَة وَقَالَ أَحْمد فِي رِوَايَة أبي دَاوُد أما فِي الْمصر فَلَا وَلَا دَلِيل على التَّحْرِيم وَفِي الْكَرَاهَة نظر لِأَنَّهُ أَكثر مَا قيل إِن إِفْرَاد كل ميت بِقَبْر هُوَ الدّفن الْمُعْتَاد حَالَة الِاعْتِبَار وَهَذَا يدل على أَن هَذَا هُوَ الْمُسْتَحبّ وَالْأولَى وَقَالَ المُصَنّف فِي أثْنَاء بحث الْمَسْأَلَة من غير تَصْرِيح بِتَحْرِيم وَلَا كَرَاهَة قَالَ وَنقل أَبُو طَالب عَن أَحْمد إِذا مَاتَت الْمَرْأَة وَقد ولدت ولدا مَيتا فَدفن مَعهَا جعل بَينهمَا حاجز من تُرَاب أَو يحْفر لَهُ فِي نَاحيَة مِنْهَا وَإِن دفن مَعهَا فَلَا بَأْس وَظَاهر هَذَا أَن دفن الِاثْنَيْنِ فِي الْقَبْر من غير ضَرُورَة جَائِز لَا يكره وَيحْتَمل ذَلِك أَن يخْتَص ذَلِك بِمَا إِذا كَانَا أَو أَحدهمَا مِمَّن لَا حكم لعورته لصغره وَقَالَ فِي أثْنَاء بحث مَسْأَلَة ينبش الْمَيِّت إِذا دفن قبل الْغسْل ونبشت الصَّحَابَة موتاهم للافراد فِي الْقَبْر ولإحسان الْكَفَن والتحويل إِلَى خير من الْبقْعَة الأولى وَنَحْو ذَلِك من الْمَقَاصِد الصَّحِيحَة الَّتِي لَيْسَ فِيهَا فعل فرض وَلَا سنة مُؤَكدَة فَلِأَن يجوز ذَلِك للْغسْل الْوَاجِب أولى انْتهى كَلَامه وَقَالَ الشَّيْخ وجيه الدّين الْجمع بَين الِاثْنَيْنِ فِي الْقَبْر وَالثَّلَاثَة لغير ضَرُورَة وحاجة غير جَائِز لِأَن السّنة أَن يفرد كل وَاحِد بِقَبْر وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ فَأَما مَعَ الضَّرُورَة أَو الْحَاجة فَإِنَّهُ جَائِز فِي الْمصر وَغَيره وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَرُوِيَ عَن إمامنا أَنه لَا بَأْس أَن يدْفن الإثنان وَالثَّلَاثَة فِي الْقَبْر الْوَاحِد قَالَ ابْن عقيل إِفْرَاد كل ميت بِقَبْر مُسْتَحبّ انْتهى كَلَامه وَهُوَ الَّذِي قطع بِهِ ابْن عقيل فِي الْفُصُول وَالَّذِي وجدت فِي كَلَام الشَّيْخ تَقِيّ الدّين الْقطع بِالْكَرَاهَةِ وَحكى بَعضهم احْتِمَالا أَنه يخْتَص الْجَوَاز بالمحارم وَقطع فِي الرِّعَايَة بِالْخِلَافِ فِي الْجَوَاز وَعَدَمه
قَوْله من مَاتَت وَفِي بَطنهَا ولد يَتَحَرَّك أخرجته القوابل فَإِن عجزن تركنه قَالَ الإِمَام أَحْمد فِي رِوَايَة صَالح فِي الْمَرْأَة تَمُوت وَفِي بَطنهَا صبي حَيّ يشق عَنْهَا قَالَ لَا يشق عَنْهَا إِذا أَرَادَ أَن يُخرجهُ أخرجه وَقيل يشق بَطنهَا إِذا ظن خُرُوجه حَيا وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَعَن مَالك رِوَايَتَانِ فعلى الأول يدْخل النِّسَاء أَيْدِيهنَّ فيخرجنه إِذا طمعن فِي حَيَاته فَإِن عجزن أَو عدمن فَاخْتَارَ ابْن هُبَيْرَة أَنه يشق بَطنهَا وَيخرج الْوَلَد وَقَالَ صَالح فِي مسَائِله وَسَأَلته عَن الْمَرْأَة تَمُوت وَفِي بَطنهَا ولد قَالَ إِذا لم يقدر النِّسَاء فليسنوا عَلَيْهَا رجلا يُخرجهُ وَقَالَ بَعضهم هَل يفعل الرِّجَال ذَلِك على رِوَايَتَيْنِ قَالَ ابْن تَمِيم وَيَنْبَغِي وَظَاهر كَلَام غَيره أَنه يجب أَن يكون من ذَوي أرحامها فَإِن لم يخرج لم يدْفن مَا دَامَ حَيا وَلَو خرج بعض الْوَلَد وَمَات أخرج إِن أمكن وَغسل وَإِلَّا غسل على حَاله وَلَا يحْتَاج إِلَى تيَمّم لما بَقِي لِأَنَّهُ فِي حكم الْبَاطِن قطع بِهِ بَعضهم وَفِيه احْتِمَال قَوْله وَتسن التَّعْزِيَة قبل الدّفن وَبعده أطلق الِاسْتِحْبَاب بعده وَلَيْسَ هُوَ على ظَاهره وَإِنَّمَا أَرَادَ الْإِشَارَة إِلَى مَذْهَب أبي حنيفَة فَإِن عِنْده لايسن بعد الدّفن لِأَنَّهُ خَاتِمَة أمره قَالَ المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة وَإِلَى مَتى يَمْتَد وَقت التَّعْزِيَة لم أجد فِيهِ كلَاما لِأَصْحَابِنَا وَذكر أَصْحَاب الشَّافِعِي أَن وَقتهَا يَمْتَد إِلَى ثَلَاثَة أَيَّام فَلَا تَعْزِيَة بعْدهَا لِأَنَّهَا فِي حد الْقلَّة وَقد أذن الشَّارِع فِي الْإِحْدَاد فِيهَا ثمَّ ذكر
أَحَادِيث ذَلِك ثمَّ قَالَ وَهَذَا يدل على أَن مَا يهجره الْمُصَاب من حسن الثِّيَاب والزينة لابأس بِهِ مُدَّة الثَّلَاث وَقَالَ فِي مَسْأَلَة كَرَاهَة الْجُلُوس للتعزية وَعِنْدِي أَن جُلُوس أهل الْمُصِيبَة من الرِّجَال وَالنِّسَاء بِالنَّهَارِ فِي مَكَان مَعْلُوم ليأتيهم من يعزيهم مُدَّة الثَّلَاث لَا بَأْس بِهِ انْتهى كَلَامه وَقد ذكر هَذِه الْمَسْأَلَة جمَاعَة مِنْهُم صَاحب الْمُسْتَوْعب أَنه تسْتَحب التَّعْزِيَة إِلَى ثَلَاثَة أَيَّام وَقَالَ أَبُو الْفرج الشِّيرَازِيّ الْمَقْدِسِي وَيكرهُ فِيمَا زَاد عَلَيْهَا لِأَنَّهُ تَجْدِيد للمصيبة وَقطع بِهِ الْآمِدِيّ وَابْن شهَاب العكبرى وَابْن تَمِيم وَغَيرهم وَقَول المُصَنّف أهل الْمُصِيبَة أَعم من أهل الْمَيِّت فيعزى الْإِنْسَان فِي رَفِيقه وَصديقه وَنَحْوهمَا كَمَا يعزى فِي قَرِيبه وَهَذَا مُتَوَجّه وَقطع بِهِ ابْن عبد الْقوي فِي كِتَابَة مجمع الْبَحْرين مذهبا لِأَحْمَد لاتفقها من عِنْده وَقَول الْأَصْحَاب أهل الْمَيِّت خرج مخرج الْغَالِب وَلَعَلَّ مُرَادهم أهل الْمُصِيبَة وَلم يحد جمَاعَة من الْأَصْحَاب مِنْهُم الشَّيْخ موفق الدّين اسْتِحْبَاب التَّعْزِيَة بِثَلَاث وَإِطْلَاق كَلَامهم يَقْتَضِي الِاسْتِحْبَاب بعد الثَّلَاث وَهُوَ ظَاهر الْأَخْبَار وَلِأَن الْقَصْد تَسْلِيَة أهل الْمُصِيبَة وَالدُّعَاء لَهُم ولميتهم وَهَذَا الْمَعْنى تستوي فِيهِ الثَّلَاث وَغَيرهَا وَالتَّعْلِيل بتحديد الْمُصِيبَة مُنَاسبَة مُرْسلَة لَيْسَ لَهَا أصل فَلَا تقبل على أَن هَذَا الْمَعْنى مَوْجُود فِي الثَّلَاث وَقد حَده بعض الْأَصْحَاب بِيَوْم الدّفن وَفِيه أَيْضا ضعف وَقَالَ ابْن عبد الْقوي فَإِن كَانَ المعزى غَائِبا فَلَا بَأْس بهَا وَلَو بعد الثَّلَاث مالم تنس الْمُصِيبَة لِأَن فِيهِ جبر قلب الْأَخ الْمُسلم وتسليته عَمَّا لم ينسه من مَعْذُور فِي تَأَخره وَلَا بَأْس بالتعزية بالمكاتبة للبعيد لذَلِك انْتهى كَلَامه
قَوْله وَمن تطوع بقربة وَأهْدى ثَوَابهَا للْمَيت الْمُسلم نَفعه ذَلِك ظَاهره أَنه لَو أهْدى ثَوَاب فرض أَو أهْدى إِلَى حَيّ لَا يَنْفَعهُ ذَلِك وَذكر القَاضِي وَغَيره فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ خلافًا وَتَبعهُ المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة وَغَيره وَلَو نوى بالقربة الْمَيِّت ابْتِدَاء فَهَل يَكْفِي ذَلِك فِي حُصُول ثَوَابهَا أم لَا بُد من إهدائه فِي كَلَام المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة إِشْعَار بالأمرين وَيُؤْخَذ ذَلِك من كَلَام غَيره أَيْضا وَالْأَحَادِيث فِي هَذَا الْبَاب ظَاهرهَا مُخْتَلف أَيْضا وَقد قَالَ ابْن عقيل فِيمَا يَفْعَله النَّائِب عَن المستنيب فِي الْحَج وَاجِبا كَانَ أَو تَطَوّعا مِمَّا لم يُؤمر بِهِ مثل أَن يُؤمر بِحَجّ فَيَعْتَمِر أَو بِعُمْرَة فيحج يَقع عَن الْمَيِّت لِأَنَّهُ يَصح عَنهُ من غير إِذْنه قَالَ وَذَلِكَ أَن الْمَيِّت عزى إِلَيْهِ الْعِبَادَة عِنْدَمَا وَقعت عَنهُ وَلَا يحْتَاج إِلَى إِذن والحي بِخِلَافِهِ وَذَلِكَ لِأَن الْحَيّ قَادر على الِاكْتِسَاب وَالْمَيِّت بِخِلَافِهِ وَيصير كَأَنَّهُ مهدى إِلَى الْمَيِّت ثَوَابهَا انْتهى كَلَامه وَفِي كَلَام القَاضِي إِذا جَازَ أَن تقع أَفعاله الَّتِي فعلهَا بِنَفسِهِ عَن غَيره وَهُوَ الْحَج وَالصَّدَََقَة جَازَ أَن يَقع الثَّوَاب لغيره لِأَن الثَّوَاب تبع للْفِعْل فَإِذا جَازَ أَن يَقع الْمَتْبُوع لغيره جَازَ أَن يَقع التبع قَالَ وَاحْتج بَعضهم بِأَن الصَّلَاة وَالصِّيَام وَقِرَاءَة الْقُرْآن مِمَّا لَا مدْخل لِلْمَالِ فِيهِ فَلَا يَصح أَن يَفْعَله عَن غَيره كَصَلَاة الْفَرْض وَصَوْم الْفَرْض قَالَ وَالْجَوَاب أَنا نقُول بِمُوجبِه وَأَنه لَا يَفْعَله عَن غَيره وَإِنَّمَا يَقع ثَوَابه عَن غَيره وَهَذَا ظَاهر كَلَام الإِمَام أَحْمد فِي رِوَايَة الْمروزِي إِذا دَخَلْتُم الْمَقَابِر فاقرءوا آيَة الْكُرْسِيّ وَقل هُوَ الله أحد ثمَّ قُولُوا اللَّهُمَّ إِن فَضله لأهل الْمَقَابِر يَعْنِي ثَوَابه
وَإِذا ثَبت هَذَا لم يكن فرق بَين الأَصْل وَالْفَرْض بل نقُول لَو صلى صَلَاة مَفْرُوضَة وَأهْدى ثَوَابهَا لِأَبَوَيْهِ صحت الْهَدِيَّة فَإِن قيل هَذَا خلاف الْأُصُول لِأَنَّهُ يُفْضِي إِلَى أَن يعرى عمله عَن ثَوَاب وَأَنه يحصل لمن لم يعْمل ثَوَاب عمل لم يعمله قيل قَوْلك إِنَّه يُفْضِي إِلَى أَن يعرى عمله عَن ثَوَاب غير مُمْتَنع كَمَا قُلْتُمْ إِذا صلى فِي دَار غصب أَو امْتنع من أَدَاء الزَّكَاة وَأَخذهَا الإِمَام قهرا وقولك إِنَّه يحصل للْغَيْر ثَوَاب مَا لم يعْمل فَغير مُمْتَنع كثواب الاسْتِغْفَار فَإِنَّهُ يحصل للمستغفر لَهُ وَإِن لم يُوجد مِنْهُ عمل وَإِنَّمَا وجد الْعَمَل من المستغفر وَمَعْلُوم أَن المستغفر يسْتَحق الثَّوَاب على ذَلِك لِأَنَّهُ مَنْدُوب إِلَيْهِ بقوله تَعَالَى ﴿وَالَّذين جاؤوا من بعدهمْ يَقُولُونَ رَبنَا اغْفِر لنا وَلِإِخْوَانِنَا﴾ وَقد قيل فِيهِ جَوَاب آخر وَهُوَ أَن الثَّوَاب يحصل لَهما لِلْعَامِلِ وللمهدى إِلَيْهِ فيضاعف الله لِلْعَامِلِ الثَّوَاب عِنْد وجود الْهَدِيَّة كَمَا يُضَاعف ثَوَاب من يُصَلِّي فِي جمَاعَة على من يُصَلِّي فُرَادَى فينقسم بَينهمَا ويؤكده قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من فطر صَائِما فَلهُ مثل أجره فَجعل الْأجر لَهما انْتهى كَلَامه وَالْأولَى أَن يُقَال الْمهْدي ينْقل ثَوَاب عمله إِلَى الْمهْدي اليه وللمهدي الْأجر على هَذَا الْإِحْسَان وَالصَّدَََقَة والهدية وَلَا يلْزم أَن يكون مثل ثَوَاب عمله إِلَّا أَن يَصح مَا رَوَاهُ حَرْب فِي مسَائِله بِإِسْنَادِهِ عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن عَمْرو بن شُعَيْب
عَن أَبِيه عَن جده أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ مَا على أحدكُم إِذا أَرَادَ أَن يتَصَدَّق بِصَدقَة تَطَوّعا أَن يَجْعَلهَا عَن وَالِديهِ إِذا كَانَا مُسلمين فَيكون لوَالِديهِ أجرهَا وَله مثل أجورهما من غير أَن ينقص من أجورهما شَيْئا وَقَوله فِي الْمُحَرر وَأهْدى ثَوَابهَا وَكَذَا لَو أهْدى بعضه كنصفه وَثلثه وَنَحْو ذَلِك وَهَذِه الْمَسْأَلَة قد يعايى بهَا فَيُقَال ايْنَ لنا مَوضِع تصح فِيهِ الْهَدِيَّة مَعَ جَهَالَة الْمهْدي قَالَ القَاضِي أما دَعْوَى جهالته فلاتتم إِذا كَانَت مَعْلُومَة عِنْد الله تَعَالَى كمن وكل رجلا فِي أَن يهدي شَيْئا من مَاله لَا يعرفهُ الْمهْدي ويعرفه الْوَكِيل صَحَّ وَهل يسْتَحبّ إهداء الْقرب أم لَا قَالَ القَاضِي فَإِن قيل فَإِذا كَانَ الثَّوَاب يصل وَالْإِحْسَان مَنْدُوب إِلَيْهِ فَلم كره أَحْمد أَن يخرج من الصَّفّ الأول ليؤثر أَبَاهُ بِهِ وَهِي فَضِيلَة آثر أَبَاهُ بهَا وَقد نقل أَبُو الْفرج بن الصَّباح البرزاطي قَالَ قلت لِأَحْمَد يخرج الرجل من الصَّفّ الأول وَيقدم أَبَاهُ فِي مَوْضِعه فَقَالَ مَا يُعجبنِي هُوَ يقدر أَن يبر أَبَاهُ بِغَيْر هَذَا قيل وَقد نقل عَن أَحْمد مَا يدل على نفي الْكَرَاهَة فَقَالَ أَبُو بكر بن حَمَّاد الْمقري إِن الرجل يَأْمُرهُ وَالِده بِأَن يُؤَخر الصَّلَاة ليُصَلِّي بِهِ قَالَ يؤخرها فقد أمره بِطَاعَة أَبِيه بِتَأْخِير الصَّلَاة وَترك فَضِيلَة أول الْوَقْت الْوَجْه فِيهِ أَنه قد ندب إِلَى طَاعَة أَبِيه فِي ترك صَوْم النَّفْل وَصلَاته وَإِن كَانَ ذَلِك قربَة وَطَاعَة وَقد قَالَ فِي رِوَايَة هَارُون بن عبد الله فِي غُلَام يَصُوم إِذا نهياه وَقَالَ الشَّيْخ وجيه الدّين أَبُو الْمَعَالِي بن المنجي فِي بحث الْمَسْأَلَة فَإِن قيل الإيثار بالفضائل وَالدّين غير جَائِز عنْدكُمْ كالإيثار بِالْقيامِ فِي الصَّفّ الأول ثمَّ ذكر نَحْو كَلَام القَاضِي وَهَذَا مِنْهُمَا تَسْوِيَة بَين نقل الثَّوَاب بعد ثُبُوته واستحقاقه وَبَين نقل سَبَب الثَّوَاب قبل فعله وَلَا يَخْلُو من نظر
وَالْمَشْهُور كَرَاهَة إِيثَار الْإِنْسَان بِالْمَكَانِ الْفَاضِل إِذا لم ينْتَقل إِلَى مثل ثَوَابه مَكَانَهُ بالسواء لِأَنَّهُ يُؤثر على نَفسه فِي الدّين وَذكر ابْن عقيل فِي الْفُصُول أَنه لَا يجوز وَقيل لَا يكره وَإِلَّا كره وَذكر الشَّيْخ تَقِيّ الدّين فِي فَتَاوِيهِ أَنه لم يكن من عادات السّلف إهداء ثَوَاب ذَلِك إِلَى موتى الْمُسلمين بل كَانَ عَادَتهم أَنهم كَانُوا يعْبدُونَ الله بأنواع الْعِبَادَات الْمَشْرُوعَة فَرضهَا ونفلها وَكَانُوا يدعونَ للْمُؤْمِنين وَالْمُؤْمِنَات كَمَا أَمر الله بذلك يدعونَ لأحيائهم وأمواتهم فَلَا يَنْبَغِي للنَّاس أَن يعدلُوا عَن طَرِيق السّلف فَإِنَّهُ أفضل وأكمل انْتهى قَوْله وَيكرهُ الْمَشْي فِي الْمقْبرَة بنعلين إِلَّا من عذر نَص على ذَلِك وَعنهُ لَا يكره وَلَا يسْتَحبّ الْخلْع كَقَوْلِه الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة وَظَاهر كَلَامه بالتمشك وَنَحْوه وَفِيه وَجْهَان أَحدهمَا يكره كالنعل لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ وَلَا يشق خلعه بِخِلَاف الْخُف وَالثَّانِي لَا يكره اخْتَارَهُ القَاضِي وَقطع بِهِ فِي الْمُسْتَوْعب قصرا للْحكم على مورد النَّص وَهُوَ حَدِيث بشير بن الخصاصية ورد فِي النِّعَال السبتية وَهُوَ عُمْدَة الْمَسْأَلَة وَعَلِيهِ اعْتمد الْأَصْحَاب وَالْإِمَام وَقطع ابْن تَمِيم وَابْن حمدَان بِأَنَّهُ لَا يكره بالنعال وَهَذَا غَرِيب ضَعِيف وَهُوَ مُخَالف للخير وَالْمذهب قَوْله وَيكرهُ الْجُلُوس والاتكاء على الْقُبُور قطع المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة بِالتَّحْرِيمِ إِن كَانَ لقَضَاء حَاجَة وَظَاهر كَلَامه هُنَا أَنه لَا فرق وَترْجم القَاضِي فِي الْخلاف الْمَسْأَلَة
بِالْكَرَاهَةِ كَمَا ذكر غَيره وَقَالَ نَص عَلَيْهِ فِي رِوَايَة حَنْبَل فَقَالَ الْقعُود على الْقُبُور والْحَدِيث عِنْدهَا والتغوط بَين الْقُبُور كل ذَلِك مَكْرُوه قَالَ وَكَذَلِكَ نقل أَبُو طَالب وَقَالَ فِي بحث الْمَسْأَلَة وَلِأَن فِي الْجُلُوس عَلَيْهِ اسْتِخْفَافًا بِحقِّهِ واستهانة بِهِ وَهَذَا لَا يجوز وَقد عرف أَن لِأَصْحَابِنَا وَجْهَيْن فِي الْكَرَاهَة فِي كَلَام الإِمَام أَحْمد التَّحْرِيم وَكَرَاهَة التَّنْزِيه وَقَالَ الشريف فِي بحث الْمَسْأَلَة بعد أَن ذكر الْكَرَاهَة لِأَن فِي ذَلِك اسْتِخْفَافًا بِصَاحِبِهِ واستهانة بِهِ أشبه مَا إِذا قعد عَلَيْهِ للبول قَوْله وتستحب زِيَارَة الْقُبُور للرِّجَال ذكره بَعضهم إِجْمَاعًا وَهُوَ أَبُو زَكَرِيَّا النَّوَوِيّ وَحكى بَعضهم عَن طَائِفَة كَرَاهَته قَالَ المُصَنّف وَظَاهر كَلَام الْخرقِيّ أَنَّهَا جَائِزَة لَا اسْتِحْبَاب فِيهَا لِأَنَّهُ قَالَ وَلَا بَأْس أَن يزور الرِّجَال الْمَقَابِر وَكَذَا حكى أَبُو الْمَعَالِي عَن الْخرقِيّ أَنه مُبَاح لَا بَأْس بِهِ وَكَذَا عبارَة الْحلْوانِي وَفِي الْعُمْدَة لِأَن الْأَمر بهَا أَمر بعد حظر وَالْمَشْهُور عندنَا أَنه للاباحة وَمن حمله على النّدب فلقرينة تذكر الْمَوْت أَو الْأَمر فِيهِ وَحكى أَبُو الْمَعَالِي عَن مَالك أَنه يكره وَظَاهر كَلَام الْأَصْحَاب أَنه لَا يكره الْإِكْثَار من زِيَارَة الْمَوْتَى وَقَالَ فِي الرِّعَايَة وَيكرهُ الْإِكْثَار من زِيَارَة قُبُور الْمَوْتَى والاجتماع عِنْدهَا وَالسّفر إِلَيْهَا وَحُضُور الْقَاص لَهَا
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كتاب الْبيُوع قَوْله ينْعَقد البيع بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُول فَيَقُول البَائِع بِعْتُك أَو مَلكتك وَنَحْوهمَا وَيَقُول المُشْتَرِي ابتعت أَو قبلت وَنَحْوهمَا وَذكر القَاضِي فِي التَّعْلِيق رِوَايَة أَنه عبارَة عَن بِعْت واشتريت وحكاها فَخر الدّين وللشافعية وَجْهَان فَإِن كَانَ الْقبُول بِلَفْظ الْمُضَارع مثل أَن يَقُول بِعْتُك فَيَقُول أَنا آخذه بذلك لم يَصح نَص عَلَيْهِ فِي رِوَايَة مهنى فِي رجل قَالَ لرجل قد بِعْتُك هَذَا العَبْد بِأَلف دِرْهَم فَقَالَ لَهُ الآخر أَنا آخذه قَالَ لَا يكون بيعا حَتَّى يَقُول قد أَخَذته وسيأتى ذَلِك فِي قَوْله وَلَو تقدم عَلَيْهِ فِي النِّكَاح مَا يتَعَلَّق بِهَذَا وَنَصّ فِي رِوَايَة أَحْمد بن الْقَاسِم فِيمَن قيل لَهُ بكم هَذَا الثَّوْب قَالَ بِعشْرَة دَرَاهِم فَيَقُول المُشْتَرِي قد قبلت أَنه يَكْفِي وَلَا يحْتَاج بعد هَذَا إِلَى كَلَام آخر قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين فقد نَص على أَن قَوْله هَذَا الثَّوْب بِعشْرَة دَرَاهِم
إِيجَاب وَإِن لم يلفظ بِمَا اشتق من الْمَبِيع وَلَا بِصِيغَة انْتِقَال إِلَى المُشْتَرِي وَقَوله هَذَا بِعشْرَة دَرَاهِم جملَة اسمية لَا فعلية مَعَ احْتِمَاله لِمَعْنى السّوم وَقد نَص على أَن الْقبُول بِصِيغَة الْمُضَارع لَا يَصح انْتهى كَلَامه وَقد ذكر الْجوزجَاني إِذا قَالَ بكم قَالَ بِكَذَا وَكَذَا فَقَالَ الآخر قد أَخَذته فَهُوَ بيع تَامّ لحَدِيث بكر بن عَمْرو قَالَ الشَّيْخ أَبُو الْفرج فَإِن قَالَ لَهُ بكم تبيع هَذَا فَقَالَ بِكَذَا وَكَذَا فَقَالَ شل يدك واتزن الثّمن لم يكن ذَلِك إِيجَابا وَلَا قبولا وَقَالَ مَالك يكون إِيجَابا وقبولا وَقَالَ بعض أَصْحَابنَا يكون ذَلِك إِيجَابا وقبولا فِيمَا قرب من البضائع كالشيء الْيَسِير وَيسْقط اعْتِبَار الْإِيجَاب وَالْقَبُول فِي هَذِه الْأَشْيَاء للْمَشَقَّة انْتهى كَلَامه وَقَالَ حَرْب سَأَلت أَحْمد عَن بيع عيدَان الْمَعَادِن قَالَ إِذا كَانَ شَيْئا ظَاهرا يرى يَقُول أبيعك هَذَا فَلَا بَأْس قيل لَهُ إِنَّمَا هُوَ جَوْهَر غَائِب فِي الأَرْض فَلم يرخص فِيهِ وَظَاهر هَذَا أَنه إِيجَاب بِلَفْظ الْمُضَارع وَنَصّ أَحْمد فِي مسَائِل مثل هَذَا فَإِن عقد البيع بلغته صَحَّ إِذا عرف مقتضاها ذكره ابْن الْجَوْزِيّ وَظَاهره أَنه لَا يَصح إِذا لم يعرف مقتضاها وبنبغي أَن تكون كنظيرتها فِي الطَّلَاق إِن لم ينْو مقتضاها لم يَصح وَإِن نوى خرج على الْوَجْهَيْنِ قَوْله وَإِن تقدم عَلَيْهِ فعلى رِوَايَتَيْنِ يَعْنِي إِن تقدم بِلَفْظ الْمَاضِي أَو الطّلب وَالَّذِي نَصره القَاضِي وَأَصْحَابه أَنه لَا يَصح قَالَ وَهِي الرِّوَايَة الْمَشْهُورَة وَاخْتَارَهُ أَبُو بكر وَغَيره وَذكر ابْن هيبرة أَنَّهَا أشهرهما عَن الإِمَام أَحْمد وَمِمَّا احْتج بِهِ أَبُو الْحُسَيْن
بِأَن الْقبُول تقدم الْإِيجَاب فِي عقد يلْحقهُ الْفَسْخ لم يَصح دَلِيله لَو تَأَخّر الْإِيجَاب عَن الْقبُول سَاعَة وهما فِي الْمجْلس وَهُوَ معنى كَلَام أبي الْفرج وَقطع فِي المغنى وَالْكَافِي بِالصِّحَّةِ فِيمَا إِذا تقدم بِلَفْظ الْمَاضِي كَقَوْل الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة وَقدم الصِّحَّة فِيمَا إِذا تقدم بِلَفْظ الْأَمر خلافًا لأبي حنيفَة وَاخْتَارَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين الصِّحَّة وَظَاهر كَلَام الْأَصْحَاب أَنه لَو قَالَ بِعني عَبدك على أَن على ألفا أَن فِيهِ الْخلاف وَذكر القَاضِي فِي الْجَامِع أَنه لَا يَصح وَقَالَ ابْن عقيل إِذا قَالَ يَعْنِي عَبدك هَذَا وَلَك ألف فَهُوَ بِمَنْزِلَة قَوْله يَعْنِي عَبدك بِأَلف فَإِذا قَالَ بِعْتُك صَحَّ فيهمَا وَلزِمَ الْعِوَض إِذا قُلْنَا بِتَقْدِيم الْقبُول على الْإِيجَاب وَذكر القَاضِي فِي ضمن جعل الدّين صَدَاقا فِي قَوْله بِعْتُك بِكَذَا أَو على كَذَا وزوجتك بِكَذَا أَو على كَذَا قَالَ القَاضِي على بعض الْبَدَل كَمَا إِذا قَالَ أجرتك على عشرَة دَرَاهِم اقْتضى أَن يكون بَدَلا ذكره مَحل وفَاق فَأَما إِن كَانَ بِلَفْظ الِاسْتِفْهَام كَقَوْلِه أبعتني هَذَا بِكَذَا أَو أتبيعني هَذَا بِكَذَا أَو أتبيعني هَذَا بِهِ لم يَصح نَص عَلَيْهِ حَتَّى يَقُول بعده اشْتريت أَو شبهه وَهَذَا قَول الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة وَلم أجد فِيهِ خلافًا فَإِن قَالَ البَائِع للْمُشْتَرِي اشتره بِكَذَا أَو ابتعه بِكَذَا فَقَالَ هُوَ اشْتَرَيْته أَو أبتعته لم يَصح حَتَّى يَقُول البَائِع بعده بِعْتُك أَو نَحوه قطع بِهِ فِي الرِّعَايَة لِأَن طلب المُشْتَرِي قد يقوم مقَام قبُوله لدلالته على رِضَاهُ وَأمر البَائِع بِالشِّرَاءِ لم يوضع للْإِيجَاب وَلَا للبدل وَهَذَا فِيهِ نظر ظَاهر وَالْأولَى أَن يكون كتقدم الطّلب على المُشْتَرِي لِأَنَّهُ دَال على الْإِيجَاب وَالْبدل وللشافعية وَجْهَان وَلَو تَأَخّر الطّلب من المُشْتَرِي لم يَصح قولا وَاحِدًا وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين إِذا كَانَ الْمَبِيع عينا من الطَّرفَيْنِ فكلاهما مُوجب
قَابل فَيَنْبَغِي أَن يقدم أَحدهمَا على الآخر كالعكس لَكِن لَو قَالَ أَحدهمَا ابتعت هَذَا العَبْد بِهَذَا أَو قَالَ بِعني كَانَ تقدما على ظَاهر كَلَام أَصْحَابنَا مَعَ أَن الرِّوَايَة الَّتِي ذكرهَا عَن أَحْمد لَيْسَ فِيهَا إِلَّا إِذا تقدم بِلَفْظ الطّلب والاستدعاء وَلَا يلْزم من الْمَنْع هُنَا الْمَنْع إِذا كَانَ بِلَفْظ الْخَبَر مثل قَوْله اشْتريت وابتعت قَالَ وَأما إِذا كَانَ دينا بِعَين وَهُوَ السّلم فَهُنَا الْمَعْرُوف أَن يَقُول أسلمت إِلَيْك هَذِه الْمِائَة فِي وسق حِنْطَة أَو أسلمت إِلَيْك مائَة فِي وسق حِنْطَة فَيَقُول قبلت فيقدمون لفظ المسلف ويجعلونه بِمَنْزِلَة الْمُوجب والمستسلف بِمَنْزِلَة الْقَابِل لِأَن المسلف هُوَ الَّذِي يقدم الْعين فَصَارَ بِمَنْزِلَة البَائِع وَإِن كَانَ فِي الْمَعْنى المستسلف هُوَ البَائِع فَلَو تقدم قَول المستسلف بِصِيغَة البيع مثل أَن يَقُول بِعْتُك وسق حِنْطَة بِعشْرَة دَرَاهِم فَهَذَا جَار على التَّرْتِيب لكنه بِلَفْظ البيع وَلَو قَالَ الْمُسلم اشْتريت مِنْك وسق حِنْطَة بِعشْرَة دَرَاهِم فَقَالَ بِعْت فقد اسْتَويَا من جِهَة أَن السّلف تقدم قبُوله لَكِن هُنَاكَ جَاءَ بِلَفْظ الْقبُول وَهُوَ اشْتريت وَهنا جَاءَ بِلَفْظ إِيجَاب وَهُوَ أسلمت فَهُنَا يَجِيء أَربع مسَائِل لِأَن التَّرْتِيب بِلَفْظ السّلم غير التَّرْتِيب بِلَفْظ البيع وَيجوز أَن يقارن الْقبُول الْإِيجَاب إِذا تولاهما وَاحِد فِي مثل قَوْله جعلت عتقك صداقك وَقَول الْوَلِيّ تزوجت فُلَانَة وَنَحْو ذَلِك ذكره غير وَاحِد من الْأَصْحَاب لِأَن الْجُمْلَة الْوَاحِدَة تَضَمَّنت جملتي الْقبُول والإيجاب فَيكون اشْتِرَاط تقدم الْإِيجَاب على الْقبُول حَيْثُ افْتقر إِلَى جملتين وَلَو قَالَ إِن بعتني عَبدك هَذَا فلك عَليّ ألف فَقَالَ بِعْتُك لم يَصح البيع بِخِلَاف الْخلْع لِأَن البيع يفْتَقر إِلَى استدعاء تمْلِيك وَالْخلْع لَا يفْتَقر إِلَى استدعاء تمْلِيك لِأَن ملكه يَزُول عَنْهَا بِغَيْر رِضَاهَا ذكره القَاضِي فِي الْجَامِع والمجرد
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين ومضمونه أَن تقدم الْقبُول بِصِيغَة الشَّرْط لَا يَصح الْبَتَّةَ قَوْله وَلَو تقدم عَلَيْهِ فِي النِّكَاح لم يَصح رِوَايَة وَاحِدَة سَوَاء كَانَ بِلَفْظ الْمَاضِي مثل تزوجت ابْنَتك فَيَقُول زوجتكها وَهُوَ الَّذِي ذكره القَاضِي وَغَيره وَنَصّ أَحْمد فِي رِوَايَة عَليّ بن سعيد على التَّفْرِقَة بَين هَذِه الْمَسْأَلَة وَبَين البيع فَقَالَ النِّكَاح أَشد وَحكى الشَّيْخ شمس الدّين فِي شَرحه احْتِمَالا أَنه يَصح سَوَاء تقدم بِلَفْظ الْمَاضِي أَو الطّلب وَهُوَ مَذْهَب الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة وَاحْتج لعدم الصِّحَّة هُوَ وَغَيره بِأَنَّهُ لَو أَتَى بالصيغة الْمَشْرُوعَة مُتَقَدّمَة فَقَالَ قبلت هَذَا النِّكَاح فَقَالَ الْوَلِيّ زَوجتك ابْنَتي لم يَصح فَلِأَن لَا يَصح إِذا أَتَى بغَيْرهَا أولى قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين وَذكر أَبُو الْخطاب أَن تقدم الْقبُول على الْإِيجَاب لَا يضر فِي النِّكَاح مثل أَن يَقُول تزوجت فَيَقُول زَوجتك صرح بِهِ فِي مَسْأَلَة النِّكَاح الْمَوْقُوف قَالَ وَكَذَا ذكر أَبُو حَفْص العكبري يَعْنِي فِي كتاب الْخلاف لَهُ بَين مَالك وَأحمد وَقَالَ أَيْضا وَاشْترط تقدم الْإِيجَاب على الْقبُول فِيمَا إِذا كَانَ أحد الْمُتَعَاقدين مُوجبا وَالْآخر قَابلا سَوَاء أوجب فِي امْرَأَة أَو امْرَأتَيْنِ فَأَما إِن كَانَ كل مِنْهُمَا مُوجبا قَابلا مثل مَسْأَلَة الشّغَار إِذا صححناه إِذا قَالَ أَحدهمَا زَوجتك ابْنَتي على أَن تزَوجنِي ابْنَتك فقد أَتَى بِالْقبُولِ بِصِيغَة الْمُضَارع المقترن بِأَن وَقد ذكر هَذَا القَاضِي وَغَيره وَإِن تقدم لفظ الْقبُول فيهمَا بِأَن يَقُول زَوجنِي ابْنَتك على أَن أزَوجك ابْنَتي أَو زَوجنِي بنتك
وأزوجك بِنْتي فَهَذَا قد ذكره الإِمَام أَحْمد لَكِن كَلَامه مُحْتَمل للخطبة وَالْعقد فَقِيَاس قَوْلنَا أَن لَا يَصح هُنَا حَتَّى يَقُول ذَلِك قد زَوجتك ثمَّ يَقُول الأول قبلت لِأَنَّهُ جعل الْقبُول أصلا والإيجاب تبعا وَجعل الْإِيجَاب بِلَفْظَة المضارعة الْمُسْتَقْبلَة وَمن جوز تقدم الْقبُول على الْإِيجَاب صَححهُ قَوْله وَإِن ترَاخى عَنهُ صَحَّ مَا داما فِي الْمجْلس وَلم يتشاغلا بِمَا يقطعهُ وَإِلَّا فَلَا يَصح قَالَ فِي الرِّعَايَة مِمَّا يقطعهُ عرفا يَعْنِي وَالله أعلم بِكَلَام أَجْنَبِي أَو سكُوت طَوِيل عرفا وَنَحْو ذَلِك قَالَ الشَّيْخ موفق الدّين لِأَن العقد إِذا تمّ بِالْقبُولِ فَلم يتم مَعَ تباعده عَنهُ كالاستثناء وَالشّرط وَخبر الْمُبْتَدَأ الَّذِي لَا يتم الْكَلَام إِلَّا بِهِ وقاسه القَاضِي على خِيَار الْمُجبرَة وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين فِي أثْنَاء كَلَامه فِي اشْتِرَاط الِاتِّصَال قَالَ وَأما فِي الْمُوَالَاة وَهُوَ الِاتِّصَال فإمَّا فِي كَلَام وَاحِد كالأيمان وَالنُّذُور وَالطَّلَاق وَالْعِتْق وفيهَا الرِّوَايَتَانِ فِي الْأَيْمَان وَالطَّلَاق وهما فِي الْعُقُود أولى هَذَا كَلَامه وَقَالَ أَيْضا فِي مَوضِع آخر وَالظَّاهِر أَنه من كَلَام أبي حَفْص العكبري لِأَنَّهُ يعلم لَهُ ك وَفِي الْموضع علم لَهُ ك إِذا قَالَ بِعْت أَو زوجت وَنَحْوهمَا وَطَالَ الْفَصْل قبل الْقبُول ثمَّ قَالَ البَائِع أَلا تقبل مني هَذَا البيع اقبله مني فَقَالَ قبلت فأفتيت بانعقاد البيع وَكَذَلِكَ لَو قَالَ إِن أبرأتني هَذِه السَّاعَة من صداقك فَأَنت طَالِق فَقَالَت مَا أبريك ثمَّ سكتوا زَمَانا ثمَّ قَالَ بل ابريني فَقَالَت أَبْرَأتك أَفْتيت بِوُقُوع الطَّلَاق لِأَن هَذِه الصِّيَغ متضمنة
الطّلب لِأَن كل وَاحِد من الْمُتَعَاقدين طَالب من الآخر مَقْصُوده فَمَتَى تكلم بِصِيغَة العقد وَطَالَ الْفَصْل ثمَّ طلب مَقْصُوده الَّذِي طلبه أَولا طلبا ثَانِيًا كَانَ هَذَا بِمَنْزِلَة ابْتِدَائه الطّلب حِينَئِذٍ وَكَانَ ترك ذكره للعوض الآخر من بَاب الْمَحْذُوف الْمَدْلُول عَلَيْهِ وَيُمكن أَن تبنى هَذِه الْمَسْأَلَة على الشَّرْط الْمُتَقَدّم على العقد هَل هُوَ بِمَنْزِلَة الْمُقَارن وَهَذَا بِنَاء صَحِيح قَوْله وَعنهُ يَصح فِي النِّكَاح وَلَو بعد الْمجْلس قَالَ القَاضِي قد علق القَوْل فِي رِوَايَة أبي طَالب فِي رجل مَشى إِلَيْهِ قوم فَقَالُوا زوج فلَانا فَقَالَ قد زَوجته على ألف فَرَجَعُوا إِلَى الزَّوْج فأخبروه فَقَالَ قد قبلت هَل يكون هَذَا نِكَاحا قَالَ نعم قَالَ وَظَاهر هَذَا أَنه حكم بِصِحَّتِهِ بعد التَّفَرُّق عَن مجْلِس العقد قَالَ وَهَذَا مَحْمُول على أَنه قد كَانَ وكل من قبل العقد عَنهُ ثمَّ أخبر بذلك فأمضاه وَقَالَ أَبُو بكر فِي كتاب الْمقنع مَسْأَلَة أبي طَالب متوجهة على قَوْلَيْنِ أَحدهمَا لَا يجوز بِاتِّفَاق الْوَلِيّ وَالزَّوْج وَالشُّهُود فِي مجْلِس وَاحِد قَالَ وعَلى ظَاهر مَسْأَلَة أبي طَالب يجوز وبالأول أَقُول وَقَالَ ابْن عقيل وَهَذَا يعْطى أَن النِّكَاح الْمَوْقُوف صَحِيح وَشَيخنَا حمل الْمَسْأَلَة على أَنه وكل ذَلِك فِي قبُوله وَلَا وَجه لترك ظَاهر كَلَام الرجل وَالرِّوَايَة ظَاهِرَة وَلَا يتْرك ظَاهرهَا بِغَيْر دلَالَة من كَلَامه فِيهَا لَا فِي غَيرهَا لأَنا لَو صرفنَا رِوَايَة عَن ظَاهرهَا بِرِوَايَة لم يبْق لنا فِي الْمَذْهَب رِوَايَتَانِ قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين قد أحسن ابْن عقيل وَهُوَ طَريقَة أبي بكر فَإِن هَذَا لَيْسَ تراخيا للقبول عَن الْمجْلس وَإِنَّمَا هُوَ تراخ للاجازة وَالْعقد انْعَقَد بقوله زوجت فلَانا فَيكون قد تولى وَاحِد طرفِي العقد وَإِن كَانَ فِي أَحدهمَا
فضوليا لَا سِيمَا إِن جعل قَول أُولَئِكَ لَهُ زوج فلَانا قبولا مِنْهُم مُتَقَدما هم فِيهِ فضوليون قَالَ وَيجوز أَن يُقَال إِن الْعَاقِد الآخر إِن كَانَ حَاضرا اعْتبر قبُوله وَإِن كَانَ غَائِبا جَازَ تراخي الْقبُول عَن الْمجْلس كَمَا قُلْنَا فِي ولَايَة الْقَضَاء مَعَ أَن أَصْحَابنَا قد قَالُوا فِي الْوكَالَة إِنَّه يجوز قبُولهَا على الْفَوْر والتراخي وَفِي ولَايَة الْقَضَاء فرقوا بَين حُضُور الْمولى وغيبته وَإِنَّمَا الْولَايَة نوع من جنس الْوكَالَة وَقَالَ أَيْضا مَسْأَلَة أبي طَالب وَكَلَام أبي بكر فِيمَا إِذا لم يكن الزَّوْج حَاضرا فِي مجْلِس الْإِيجَاب وَهَذَا أحسن أما إِذا تفَرقا عَن مجْلِس الْإِيجَاب فَلَيْسَ فِي كَلَام أَحْمد وَأبي بكر مَا يدل على ذَلِك وَكَذَلِكَ قَالَ فِي الْمُجَرّد انْتهى كَلَامه وَهَذَا مُوَافق لما ذكره الشريف أَبُو جَعْفَر فَإِنَّهُ قَالَ إِذا قَالَ الْوَلِيّ اشْهَدُوا أَنِّي قد زوجت ابْنَتي من فلَان فَبلغ ذَلِك فلَانا لم يَصح وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة وَقَالَ أَبُو يُوسُف يَصح وَعَن أَحْمد مثله دليلنا أَن الْقبُول وجد فِي غير مجْلِس الْإِيجَاب فَلَا يَصح كَمَا لَو كَانَ فِي مجْلِس فَلم يقبل حَتَّى تفَرقا وَوجه الشَّيْخ زين الدّين بن المنجا فِي شَرحه رِوَايَة عدم بطلَان الْإِيجَاب إِذا تفَرقا عَن مجْلِس العقد بِأَنَّهُ قد وَجه مِنْهُ الْقبُول أشبه مَا لَو وجد فِي الْمجْلس وَذكر القَاضِي فِي الْمُجَرّد وَابْن عقيل فِي الْفُصُول فِي تَتِمَّة رِوَايَة أبي طَالب الْمَذْكُورَة فَقَالَ قد قبلت صَحَّ إِذا حَضَره شَاهِدَانِ قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين وَهُوَ يَقْتَضِي أَن إجَازَة العقد الْمَوْقُوف إِذا قُلْنَا بانعقاده يفْتَقر إِلَى شَاهِدين كَأَصْلِهِ وَهُوَ مُسْتَقِيم حسن لِأَن العقد إِنَّمَا يتم بهما بِخِلَاف الْإِذْن للْوَلِيّ فَإِنَّهُ شَرط العقد لإتمام العقد وَالشَّهَادَة مُعْتَبرَة فِي نفس النِّكَاح لَا فِي شُرُوطه
قَوْله وَيصِح بيع المعاطاة إِلَى آخِره طَريقَة الْأَصْحَاب أَن الشَّرْع قد ورد بِالْبيعِ وَالشِّرَاء فِي الْجُمْلَة وَمَا ورد بِهِ الشَّرْع مُطلقًا رَجَعَ فِيهِ إِلَى الْعرف وَالْعَادَة أَن النَّاس يتبايعون بِغَيْر إِيجَاب وَلَا قبُول وعَلى هَذَا قد يعرى بيع المعاطاة عَن لفظ إِذا كَانَ هُنَاكَ عرف بِوَضْع الثّمن وَأخذ الثّمن كَقطع الْحَلَاوَة وجزر البقل أَو بمناولة بِالْيَدِ قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين وأصوله تَقْتَضِي ثُبُوت الْعُقُود والشروط بِالْعرْفِ فِي مَسْأَلَة الْحمام وَالْغسْل وَقد نَص أَحْمد على أَن العقد وَالْفَسْخ لَا يكون إِلَّا بِكَلَام فِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن سعيد قَالَ سَأَلت أَحْمد بن حَنْبَل قلت أَرَأَيْت لَو أعتق المُشْتَرِي العَبْد الَّذِي اشْتَرَاهُ وهما فِي الْمجْلس فَأنْكر البَائِع عتقه وَأَرَادَ أَن يرد بَيْعه هَل لَهُ ذَلِك قَالَ عتق المُشْتَرِي فِيهِ جَائِز بِمَنْزِلَة الْمَوْت مالم يرجع البَائِع فِيهِ قبل عتقه وَلَا يكون الرُّجُوع للْبَائِع فِيهِ إِلَّا بِكَلَام مثل البيع الَّذِي مَا يكون إِلَّا بِكَلَام انْتهى كَلَام الشَّيْخ وَلَعَلَّ هَذَا من أَحْمد على الرِّوَايَة الَّتِي تمنع بيع المعاطاة قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين عبارَة أَصْحَابنَا وَغَيرهم تَقْتَضِي أَن المعاطاة وَنَحْوهَا لَيست من الْإِيجَاب وَالْقَبُول وَهَذَا تَخْصِيص عرفي فَالصَّوَاب الِاصْطِلَاح الْمُوَافق للغة وَكَلَام الْمُتَقَدِّمين أَن لفظ الْإِيجَاب وَالْقَبُول يشْتَمل على صور العقد قولية أَو فعلية قَالَ وَلِهَذَا قَيده القَاضِي فِي آخر كَلَامه حَيْثُ قَالَ لم يُوجد الْإِيجَاب وَالْقَبُول الْمُعْتَاد يَعْنِي الْمُعْتَاد تَسْمِيَته بذلك
قَوْله إِلَى أَن يَتَفَرَّقَا قَالَ القَاضِي فِي التَّعْلِيق ضمن الْمَسْأَلَة وَلَا يتَعَلَّق لُزُوم العقد بالتفرق وَحده حَتَّى يَنْضَم إِلَيْهِ اخْتِيَار الْعَاقِد فَلَو هرب أَحدهمَا من صَاحبه أَو فسخ فِي الْمجْلس ثمَّ تفَرقا لم يلْزم العقد ذكره الشَّيْخ تَقِيّ الدّين وَلم يزدْ عَلَيْهِ وَهُوَ خلاف كَلَام الْأَصْحَاب قَوْله فَإِن أسقطاه فِي الْمجْلس أَو فِي العقد سقط وَعنهُ لَا يسْقط أَكثر الْأَصْحَاب حكى الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ مِنْهُم أَبُو الْخطاب فِي الْهِدَايَة وَذكره فِي الِانْتِصَار فِي ضمن مَسْأَلَة الْأَعْيَان الغائبة وَلم أجد فِي شَيْء من كَلَام الإِمَام أَحْمد إِسْقَاط الْخِيَار فِي الْعُقُود وَإِنَّمَا فِيهِ التَّخْيِير بعد العقد وَقَالَ القَاضِي فِي التَّعْلِيق نقل الْمَيْمُونِيّ عَنهُ إِذا تخايرا حَال العقد انْعَقَد الْخِيَار قَالَ أَبُو بكر وَتَابعه حَرْب قَالَ القَاضِي وَهَذَا تَنْبِيه على مَا بعد العقد لِأَن حَالَة العقد أَضْعَف وَقد قطع الْخِيَار بَينهمَا قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين كتبت لفظ رِوَايَة الْمَيْمُونِيّ وَحرب وَلَيْسَ فيهمَا أَكثر مِمَّا فِي حَدِيث ابْن عمر وَلَفظ رِوَايَة الْأَثْرَم نَص فِيمَن ذهب إِلَى حَدِيث ابْن عمر يَقُول إِذا خَيره بعد البيع وَجب البيع قَالَ وَهَذَا مِنْهُ دَلِيل على أَن إِسْقَاطه فِي العقد لَا يسْقط بِهِ قولا وَاحِدًا
قَالَ القَاضِي إِذا أسقطاه فِي العقد وَقُلْنَا لَا يسْقط فَفِي بطلَان العقد الرِّوَايَتَانِ فِي الشُّرُوط الْفَاسِدَة وَالَّذِي نَصره القَاضِي وَأَصْحَابه ابْنه أَبُو الْحُسَيْن وَأَبُو الْخطاب والشريف وَغَيرهم وَقدمه غير وَاحِد أَنه لَا يسْقط مُطلقًا وَاخْتَارَ ابْن أبي مُوسَى وَالشَّيْخ موفق الدّين أَنه يسْقط وَقدمه المُصَنّف هُنَا وَالْقَوْل بالتفرقة إِلَيْهِ ميل أبي الْخطاب وَالشَّيْخ تَقِيّ الدّين هُنَا وَهُوَ مُتَوَجّه على الْمَذْهَب قَوْله وَيجوز خِيَار الشَّرْط فَوق ثَلَاث لَو بَاعَ مَالا يبْقى إِلَى ثَلَاثَة أَيَّام كطعام رطب بِشَرْط الْخِيَار ثَلَاثًا فَقَالَ القَاضِي يَصح الْخِيَار وَيُبَاع ويحفظ ثمنه إِلَى الْمدَّة وَحكى عَن أَصْحَاب الشَّافِعِي لَا يَصح كَقَوْلِهِم فِي الْإِجَارَة وَعَلِيهِ قاسوها وَكَذَلِكَ يتَوَجَّه على وَجْهي الْإِجَارَة وعَلى قَوْلنَا إِن تلف بِالْعِتْقِ وَغَيره يبطل الْخِيَار فَإنَّا نمْنَع الشَّرْط لاسترجاع الْقيمَة لَكِنَّهَا هُنَا أَمَانَة وَهُنَاكَ فِي الذِّمَّة قَوْله وَيتَخَرَّج أَن لَا يَنْفَسِخ إِذا لم يبلغهُ فِي الْمدَّة هَذَا التَّخْرِيج ذكره أَبُو الْخطاب قَالَ كالموكل هَل يملك عزل وَكيله من غير حُضُوره وَعلمه على رِوَايَتَيْنِ أصلا لهَذِهِ الْمَسْأَلَة قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين قِيَاس أَن الْوكَالَة إِذا قُلْنَا لَا تَنْفَسِخ قبل الْعلم أَن نقُول هُنَا لَا يَنْفَسِخ قبل الْعلم فَإِذا انْقَضتْ الْمدَّة فَلم يتَصَرَّف الآخر حَتَّى بلغه الْخَبَر
انْفَسَخ وَإِن تصرف قبل بُلُوغ الْخَبَر لم يَصح كَمَا قُلْنَا مثل ذَلِك فِي الرّجْعَة على إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ أَنَّهَا إِذا تزوجت قبل أَن يبلغهَا خير الرّجْعَة أنعقد النِّكَاح وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ إِذا كَانَ الْخِيَار لأَحَدهمَا كَانَ لَهُ الْفَسْخ من أَنه لَا يفْسخ إِلَّا بِحُضُورِهِ وَظَاهر كَلَامه وَكَلَام غَيره من الْأَصْحَاب أَنه يملك الْفَسْخ من غير إِحْضَار الثّمن وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين وَلَا يملك الْفَسْخ إِلَّا برد الثّمن نَص عَلَيْهِ قَالَ أَبُو طَالب لِأَحْمَد يَقُولُونَ إِذا كَانَ لَهُ الْخِيَار فَمَتَى قَالَ اخْتَرْت دَاري أَو أرضي فَالْخِيَار لَهُ وَيُطَالب بِالثّمن قَالَ كَيفَ لَهُ الْخِيَار وَلم يُعْطه مَاله لَيْسَ هَذَا بِشَيْء إِن أعطَاهُ فَلهُ الْخِيَار وَإِن لم يُعْطه مَاله فَلَيْسَ لَهُ خِيَار قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين فقد نَص على أَن البَائِع لَا يملك إِعَادَتهَا إِلَى ملكه إِلَّا بإحضار الثّمن كَمَا أَن الشَّفِيع لَا يملك أَخذ الشّقص قَوْله وَإِذا شرطا الْخِيَار وَلم يؤقتاه الْمَذْهَب عدم الصِّحَّة قَالَ فِي رِوَايَة ابْن مَنْصُور فِي الرجل يَبِيع البيع بِشَرْط وَلَا يُسمى أَََجَلًا فَلَا يُعجبنِي حَتَّى يُسَمِّي يَوْمًا أَو يَوْمَيْنِ وَقَالَ أَيْضا فِي رِوَايَة ابْن مَنْصُور فِي رجل اشْترى شَيْئا وَهُوَ فِيهِ بِالْخِيَارِ وَلم يسم إِلَى مَتى فَلهُ الْخِيَار أبدا أَو يَأْخُذهُ قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين يتَوَجَّه أَنه إِذا أطلق الْخِيَار ثَبت ثَلَاثًا لخَبر حبَان
قَوْله وَإِن قَالَ لزيد دوني لم يَصح وَكَذَا قطع بِهِ فِي الْمُسْتَوْعب وَالرِّعَايَة وَغَيرهمَا وَاخْتَارَ الشَّيْخ موفق الدّين فِي الْمُغنِي وَالْكَافِي أَنه يَصح وَنصب الْخلاف فِيهِ مَعَ القَاضِي لِأَنَّهُ أمكن تَصْحِيحه على هَذَا الْوَجْه فَتعين وَقَالَ القَاضِي أَبُو الْحُسَيْن إِذا ابْتَاعَ شَيْئا وَشرط الْخِيَار لغيره صَحَّ سَوَاء شَرط الْخِيَار لنَفسِهِ أَو جعله وَكيلا لَهُ فِي الْإِمْضَاء وَالرَّدّ أَو شَرطه للْوَكِيل دونه إِلَّا أَنه إِن شَرطه لنَفسِهِ وَجعله وَكيلا كَانَ لَهُ دون الْوَكِيل وَإِن شَرطه للْوَكِيل كَانَ الْخِيَار لَهما على ظَاهر كَلَامه وَقَالَ أَصْحَاب أبي حنيفَة يَصح وَيكون لَهما ثمَّ ذكر مَذْهَب الشَّافِعِي وَاسْتدلَّ على صِحَّته بِأَنَّهُ خِيَار مُسْتَفَاد بِالشّرطِ فَكَانَ لمن شَرطه لَهُ دَلِيله لَو شرطاه لأحد الْمُتَبَايعين وَإِذا ثَبت أَن يكون لمن شَرطه لَهُ وَجب أَن يكون للْوَكِيل أَيْضا لِأَن هَذَا فَرعه وَعنهُ ملك وَاسْتحق أَن يكون لَهُ كَسبه ونماؤه وَإِن فسخ العقد قطع بِهَذَا مَعَ ذكره الْخلاف فِي نَمَاء الْمَبِيع الْمَعِيب وَقد قطع فِي الْمُسْتَوْعب وَغَيره بِأَن حكمه حكم نَمَاء الْمَعِيب الْمَرْدُود وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين أما النَّمَاء فَإِن كَانَ الْمُشْتَرى هُوَ الفاسخ فَهُوَ كَمَا لَو فسخ بِالْعَيْبِ وَفِي رد النَّمَاء رِوَايَتَانِ وَإِن كَانَ البَائِع هُوَ الفاسخ فَهُوَ كفسخ البَائِع لإفلاس المُشْتَرِي بِالثّمن وَفِيه أَيْضا خلاف أقوى من الرَّد بِالْعَيْبِ فَإِن الْمَنْصُوص أَنه يرجع بالنماء الْمُنْفَصِل فَلَا يكون الْخِيَار دون هَذَا انْتهى كَلَامه وَقد صرح الشَّيْخ موفق بِأَن ظَاهر الْمَذْهَب أَن الزِّيَادَة للْمُفلس وَقَالَ لَا يَنْبَغِي أَن يكون فِي هَذَا خلاف لظُهُوره وقاسه على مَسْأَلَة الْعَيْب وَالْخيَار وَهَذَا قَوْله جمَاعَة كَابْن حَامِد وَالْقَاضِي
وَعكس هَذَا وَأَن الزِّيَادَة للْبَائِع لَا للْمُفلس نَقله حَنْبَل وتأوله غير وَاحِد وَهُوَ قَول أبي بكر وَنَصره جمَاعَة كَأبي الْخطاب والشريف وَقدمه جمَاعَة كصاحب الْمُحَرر وَالْخُلَاصَة كَمَا فِي الزِّيَادَة الْمُتَّصِلَة وَالْفرق ظَاهر فَأَما على رِوَايَة أَن الْملك للْبَائِع وَلم ينْتَقل عَنهُ فالكسب والنماء لَهُ قَوْله وَمَتى تصرف البَائِع بِعِتْق أَو غَيره لم ينفذ تصرفه كَذَا ذكره جمَاعَة وَيَنْبَغِي أَن يُقَال إِن قُلْنَا الْملك لَهُ وَكَانَ الْخِيَار لَهُ وَحده صَحَّ تصرفه كَمَا ذكره المُصَنّف فِي المُشْتَرِي وَذكر الشَّيْخ موفق الدّين فِي بعض كَلَامه أَنا إِذا قُلْنَا الْملك لَهُ وَكَانَ الْخِيَار لَهما أَو للْبَائِع وَحده أَن تصرفه صَحِيح نَافِذ وَله إبِْطَال خِيَاره فَأَما تصرفه بِالْعِتْقِ فَينفذ إِن قُلْنَا الْملك لَهُ وَقد علل الإِمَام أَحْمد فِي رِوَايَة ابْن الْقَاسِم عدم جَوَاز عتق البَائِع بِأَنَّهُ غير مَالك لَهُ فِي ذَلِك الْوَقْت إِنَّمَا لَهُ فِيهِ خِيَار قَوْله وَلم يكن فسخا تبع القَاضِي وَأَصْحَابه وَمن الْأَصْحَاب من ذكر فِي الْمَسْأَلَة وَجْهَيْن وَمِنْهُم من ذكر رِوَايَتَيْنِ وَقَالَ فِي الرِّعَايَة وَقيل تصرف البَائِع فِي الْمَبِيع فسخ على الْأَصَح فَلَا يَصح قَوْله وَأما المُشْتَرِي فَلَا ينفذ تصرفه إِلَّا بِالْعِتْقِ إِلَّا أَن يتَصَرَّف مَعَ البَائِع أَو يكون الْخِيَار لَهُ وَحده أما تصرفه بِالْعِتْقِ فَينفذ إِن قُلْنَا الْملك لَهُ
وَعند الْجوزجَاني لَا ينفذ عتقه لَكِن إِذا لم يناكره حَتَّى انْقَضى الْخِيَار مضى كَأَنَّهُ يُشبههُ بِالتَّصَرُّفِ فِي الشّقص الْمَشْفُوع وَيتَخَرَّج مثله فِي الرَّهْن ذكره الشَّيْخ تَقِيّ الدّين وَذكر القَاضِي فِي ضمن خِيَار الْمجْلس أَنه إِذا اشْترى أَبَاهُ أَو من يعْتق عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يعْتق بِنَفس الشِّرَاء بل بعد التَّفَرُّق وَعَلِيهِ حمل ظَاهر قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لَا يَجْزِي ولد وَالِده شَيْئا إِلَّا أَن يجده مَمْلُوكا فيشتريه فيعتقه وَذكر فِي مَسْأَلَة انْتِقَال الْملك أَن من فَوَائِد الْخلاف إِذا اشْترى أَبَاهُ أَو ابْنه على أَنه بِالْخِيَارِ عتق عَلَيْهِ عندنَا وَعِنْده لَا يعْتق وَذكر الشَّيْخ موفق الدّين وَغَيره إِن اشْترى من يعْتق عَلَيْهِ يجْرِي مجْرى إِعْتَاقه بِصَرِيح قَوْله وَأما تصرفه بِغَيْر الْعتْق فَلَا ينفذ قطع بِهِ جمَاعَة وَاسْتثنى الشَّيْخ موفق الدّين فِي بعض كَلَامه إِذا كَانَ الْخِيَار لَهُ وَحده لِأَنَّهُ لَا حق لغيره فِيهِ وَكَانَ يَنْبَغِي على قِيَاس كَلَامه السَّابِق تَصْحِيحه وَإِن كَانَ الْخِيَار لَهما كَمَا صَحَّ تصرف البَائِع وَإِن كَانَ الْخِيَار لَهما وَعَن أَحْمد مَا يدل عَلَيْهِ قَالَ مُحَمَّد بن أبي حَرْب قيل لِأَحْمَد رجل اشْترِي سلْعَة بِشَرْط فَبَاعَهُ وَربح الرِّبْح لمن قَالَ الرِّبْح لَهُ لِأَنَّهُ قد وَجب عَلَيْهِ حِين عرضه وَكَذَا نقل يَعْقُوب وَاسْتثنى فِي الْمُحَرر تصرف المُشْتَرِي مَعَ البَائِع وَهُوَ مَبْنِيّ على أَن التَّصَرُّف يدل على الرضى وَفِيه الْخلاف الْمَشْهُور وَتَصْحِيح هَذَا التَّصَرُّف مَعَ عدم تَصْحِيح تصرف البَائِع مُطلقًا فِيهِ نظر وَلَيْسَ بِمذهب للْإِمَام أَحْمد
وَظَاهر كَلَام القَاضِي فِي مَوضِع أَن تصرف المُشْتَرِي صَحِيح سَوَاء كَانَ الْخِيَار لَهما أَو لأَحَدهمَا قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين وَأما المُشْتَرِي فقد أطلق القَاضِي أَن تصرفه ينفذ وَكَأَنَّهُ وَالله أعلم يُرِيد إِذا لم يفْسخ البَائِع العقد كَمَا بَينه أَبُو بكر فِي التَّنْبِيه فَإِنَّهُ اسْتشْهد بقول أبي بكر وكما أَوْمَأ إِلَيْهِ الإِمَام أَحْمد فِيمَن بَاعَ الثَّوْب فَقَالَ يردهُ إِلَى صَاحبه الأول إِن طلبه فمفهومه أَنه إِذا لم يَطْلُبهُ مضى البيع وَهَذَا هُوَ الَّذِي دلّ عَلَيْهِ كَلَام الإِمَام أَحْمد وَهُوَ قَول الْجوزجَاني وَعَلِيهِ يدل حَدِيث ابْن عمر ثمَّ صرح بذلك فِي مَسْأَلَة عتق المُشْتَرِي فَقَالَ وَاحْتج بِأَنَّهُ لَو بَاعه أَو وهبه أَو وَقفه وقف جَمِيع ذَلِك على إِمْضَاء البَائِع كَذَلِك الْعتْق وَالْجَوَاب أَنه لَا يمْنَع أَن لَا ينفذ بَيْعه وهبته وَينفذ عتقه لما فِيهِ من التغليب والسراية كَمَا فِي العَبْد الْمُشْتَرك وَقد ذكر فِي مَسْأَلَة انْتِقَال الْملك أَن تصرفه بِغَيْر الْعتْق ينفذ انْتهى كَلَامه وَقَالَ فِي الرِّعَايَة وَقيل تصرف المُشْتَرِي فِيهِ رضى فِي الْأَصَح فَيصح إِن ملكه بِالْعقدِ وَإِلَّا فَلَا فَهَذِهِ نَحْو سِتَّة أَقْوَال فِي صِحَة تصرف المُشْتَرِي بِغَيْر الْعتْق قَوْله وَبِكُل حَال يكون تصرفه وسومه ووطؤه إِمْضَاء قَالَ إِسْمَاعِيل بن سعيد لِأَحْمَد أَرَأَيْت إِن أعتق المُشْتَرِي العَبْد الَّذِي اشْترى
وهما فِي الْمجْلس فَأنْكر البَائِع عتقه وَأَرَادَ أَن يرد بَيْعه هَل لَهُ ذَلِك قَالَ عتق المُشْتَرِي فِيهِ جَائِز بِمَنْزِلَة الْمَوْت مَا لم يرجع البَائِع فِيهِ قبل عتقه وَلَا يكون للْبَائِع الرُّجُوع فِيهِ إِلَّا بِكَلَام مثل البيع الَّذِي لَا يكون إِلَّا بالْكلَام قَالَ القَاضِي وَهَذَا يدل على أَن بَيْعه لَا ينفذ وَلَا يكون فسخا وَيخرج على هَذَا جَمِيع تَصَرُّفَاته بِالْعِتْقِ وَالْوَطْء لَا تنفذ وَلَا تكون دَالَّة على الْفَسْخ وَلَا يثبت الْفَسْخ من جِهَته إِلَّا بِلَفْظ الْفَسْخ لِأَن ملكه قد زَالَ وتصرفاته بَاطِلَة فَلم تكن دَالَّة على ملكه وتصرفه ينفذ فَلهَذَا كَانَ دَالا على الرِّضَا وَقد قَالَ أَحْمد فِي رِوَايَة ابْن ماهان إِذا ابْتَاعَ ثوبا وَشرط الْخِيَار لنَفسِهِ ثَلَاثًا فعرضه على البيع قبل الثَّلَاث لزمَه وَفِي رِوَايَة الْعَبَّاس بن مُحَمَّد إِذا سكن الدَّار وَلبس الثَّوْب لزمَه انْتهى كَلَامه فَمن الْأَصْحَاب من يَقُول تصرف البَائِع فسخ وَتصرف المُشْتَرِي إِمْضَاء وَمِنْهُم من يَقُول لَا وَمِنْهُم من يَحْكِي فِي ذَلِك رِوَايَتَيْنِ وَمِنْهُم من يَجْعَل تصرف المُشْتَرِي إِمْضَاء وَلَا يَجْعَل تصرف البَائِع فسخا كَمَا فِي الْمُحَرر وَصَاحب هَذَا القَوْل فرق بانتقاله لملك وَعَدَمه كَمَا ذكره القَاضِي وَقد يُعلل ذَلِك بِأَن تصرف المُشْتَرِي يدل على الرِّضَا وَقد ينتهض الْفِعْل الدَّال على الرضى ملزما للْعقد كَمَا فِي وَطْء الْمُعتقَة تَحت عبد وَوَطْء الْكَافِر الْمُسلم أحد زَوْجَاته وَوَطْء المُشْتَرِي الْجَارِيَة المعيبة بِخِلَاف تصرف البَائِع فَإِنَّهُ رَافع للْعقد قَوْله وَفِي استخدامه رِوَايَتَانِ إِحْدَاهمَا يبطل خِيَاره لِأَن تصرف مِنْهُ أشبه الرّكُوب للدابة وَالثَّانيَِة
لَا لِأَنَّهُ لَا يخْتَص الْملك أشبه النّظر وَقيل إِن قصد تجربته واختياره لم يبطل كركوب الدَّابَّة ليعلم سَيرهَا وَإِلَّا بَطل كركوبها لِحَاجَتِهِ وَقيل إِن قصد تجربه الْمَبِيع لم يبطل وَإِلَّا فروايتان وَهُوَ الَّذِي فِي الْكَافِي قَوْله وَلَو قبلته الْمَبِيعَة فَلم يمْنَعهَا فخياره بَاقٍ نَص عَلَيْهِ كَمَا لَو قبلت البَائِع وَيحْتَمل أَن يبطل إِذا لم يمْنَعهَا كَمَا لَو قبلهَا وَشرط القَاضِي وَجَمَاعَة حُصُول الشَّهْوَة مِنْهَا وَجَمَاعَة لم يشرطوا فَهَذَا قَول ثَالِث قَالَ القَاضِي إِن أَحْمد نَص على أَن مَسهَا إِيَّاه لتغيمز رَأسه وَرجلَيْهِ لَا يبطل خِيَاره وأبطل ذَلِك بمسه إِيَّاهَا قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين غسل رَأسه وتغيمز رجلَيْهِ هُنَا كَانَ بأَمْره وَلَو قَالَ لَهَا قبليني أَو باشريني فَفعلت بَطل خِيَاره وَإِنَّمَا الْعلَّة أَن ذَلِك فعل مُبَاح مَعَ الْأَجْنَبِيّ بِدَلِيل أَن أَبَا مُوسَى غسل رَأسه امْرَأَة من قومه وتغميز الرجل لعِلَّة من وَرَاء حَائِل ومناط أَحْمد أَنه مَتى نَالَ مَا يحرم على الْأَجْنَبِيّ بَطل خِيَاره فَيُؤْخَذ من هَذَا أَن قبلتها لَهُ لم يبلغ هُوَ مِنْهَا مَالا يحل لغيره انْتهى كَلَامه وَقَالَ أَيْضا فَلَعَلَّهُ يفرق بَين أَن ينْتَفع هُوَ بِالْمَبِيعِ وَبَين أَن يَنْفَعهُ الْمَبِيع بِنَفسِهِ قَوْله وَلَو أعْتقهَا أَو تلفت عِنْده بَطل خِيَاره وَللْبَائِع الثّمن وَعنهُ لَهُ الْفَسْخ وَأخذ الْقيمَة هَاتَانِ رِوَايَتَانِ منصوصتان
وَجه الأولى وَهِي اخْتِيَار الْخرقِيّ وَأبي بكر وَالْقَاضِي فِي رُءُوس مسَائِله ورجحها أَبُو الْحُسَيْن وَغَيره أَنه خِيَار فسخ فَبَطل تلف الْمَبِيع كَخِيَار الرَّد بِالْعَيْبِ إِذا تلف الْمَبِيع وَلَا يلْزم عَلَيْهِ إِذا اخْتلفَا فِي الثّمن بعد تلف السّلْعَة وتحالفا وفسخا لِأَن الْفَسْخ حصل بِالْيَمِينِ لَا بِالْخِيَارِ وَلَا معنى لقَولهم إِنَّه يسْتَدرك النَّقْص وَيَأْخُذ الْأَرْش فَلهَذَا لم يملك الْفَسْخ وَهنا لَا يسْتَدرك لِأَنَّهُ يبطل بِخِيَار الرُّجُوع فِي الْهِبَة فانه يسْقط بِهَلَاك الْعين وَأَن يسْتَدرك الْمَقْصُود وَهَذَا فِيهِ نظر وَقد ذكر فِي الرِّعَايَة أَن بَعضهم خرج فِي خِيَار الْعَيْب أَنه ملك الْفَسْخ وَيغرم ثمنه وَيَأْخُذ قِيمَته الَّذِي وَزنه وقاس أَبُو الْخطاب وَغَيره على الْإِقَالَة وَعِنْدنَا تصح الْإِقَالَة مَعَ تلف الثّمن وَأما الْمُثمن فَإِن قُلْنَا هِيَ فسخ فَوَجْهَانِ وَإِن قُلْنَا بيع لم يصلح وَيصِح مَعَ تلف بعضه فِيمَا بَقِي وَوجه الثَّانِيَة عُمُوم قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام البيعان بِالْخِيَارِ مالم يَتَفَرَّقَا وَلِأَنَّهَا مُدَّة مُلْحقَة بِالْعقدِ فَلم تبطل بِتَلف الْمَبِيع كَمَا لَو اشْترى ثوبا بِثَوْب فَتلف أَحدهمَا وَوجد الآخر بِالثَّوْبِ عَيْبا فَإِنَّهُ يردهُ وَيرجع بِقِيمَة ثَوْبه كَذَا هَهُنَا وَفرق أَبُو الْحُسَيْن بِأَنَّهُ فِي مَسْأَلَة الأَصْل تلف بعض الْمَبِيع وَفِي مَسْأَلَة الْفَرْع تلف كُله وَفِي نظر وَهَذَا اخْتِيَار ابْن عقيل وَغَيره وقدمها فِي الْكَافِي وَالْخُلَاصَة وَالرِّعَايَة وَغَيرهم وَذكر القَاضِي فِي الْخلاف أَنَّهَا أصح الرِّوَايَتَيْنِ وَذكر ابْنه أَبُو الْحُسَيْن أَن القَاضِي اخْتَارَهَا فِي الْخلاف قَدِيما وَذكر الشَّيْخ تَقِيّ الدّين أَن أَحْمد صرح فِي رِوَايَة أبي طَالب بِأَنَّهُ إِذا أعتق العَبْد أَو مَاتَ لم يكن عَلَيْهِ إِلَّا بِالثّمن وَإِذا بَاعه وَلم يُمكنهُ رده ضمنه بِالْقيمَةِ وَإِن كَانَت أَكثر من الثّمن فَفرق بَين مَا هُوَ تلف حسيا أَو حكميا وَبَين
مَا لَيْسَ بِتَلف وَإِنَّمَا هُوَ جِنَايَة فَوت بهَا يَد المُشْتَرِي فَيضمنهُ ضَمَان الْحَيْلُولَة فَحَيْثُمَا كَانَ العَبْد بَاقِيا فَعَلَيهِ الْقيمَة وحيثما كَانَ تَالِفا فعلى الرِّوَايَتَيْنِ وَفقه ذَلِك ظَاهر فَإِنَّهُ إِذا كَانَ بَاقِيا أمكن فسخ العقد لبَقَاء الْمَعْقُود عَلَيْهِ وَإِمْكَان رُجُوعه وعَلى هَذَا فَجَمِيع الفسوخ من الْفَسْخ بِالْعَيْبِ وَاخْتِلَاف الْمُتَبَايعين وَنَحْو ذَلِك مِمَّا اخْتلف فِي جَوَاز فَسخهَا بعد تلف الْمَبِيع قد سووا بَين الْفَوْت والتلف لِأَن التفويت هُنَاكَ كَانَ بِغَيْر تَفْرِيط من الَّذِي هُوَ فِي يَده بِخِلَاف التفويت هُنَا فإمَّا أَن تكون هَذِه رِوَايَة ثَالِثَة أَو يكون الْفرق قولا وَاحِدًا يُوضح الْفرق أَن هُنَاكَ لم تسْتَحقّ الْفَسْخ إِلَّا بعد الْفَوْت وَهنا كَانَ يملك الْفَسْخ قبل الْفَوْت هَذَا كَلَامه وَهل تعْتَبر الْقيمَة بِيَوْم العقد أَو بِيَوْم التّلف والاتلاف فِيهِ وَجْهَان أَصلهمَا انْتِقَال الْملك ذكره فِي التَّلْخِيص وَقدم فِي الرِّعَايَة يَوْم التّلف والإتلاف وَإِن كَانَ الْإِتْلَاف عِنْد البَائِع فِيمَا هُوَ من ضَمَانه بَطل خِيَاره وَأما الْمُشْتَرى فعلى الرِّوَايَة الأولى يبطل خِيَاره وَيلْزمهُ الْمُسَمّى وعَلى الثَّانِيَة يُخَيّر المُشْتَرِي فَإِن أمضى لزمَه الْمُسَمّى وَإِن فَسخه فَمثله أَو قِيمَته وَذكر الشَّيْخ تَقِيّ الدّين أَن الْأَب إِذا أتلف الْعين الْمَوْهُوبَة فَإِنَّهُ مُخَيّر بَين أَن يضمنهَا إبْقَاء لملك الابْن أَو لَا يضمنهَا لتمكنه من استرجاعها وَكَذَلِكَ مَا أتْلفه الْأَب من مَال ابْنه ذكره أَبُو الْخطاب قَالَ وَلَو جنى المُشْتَرِي عَلَيْهَا أَو جنت هِيَ على نَفسهَا عِنْده مثل شج الرَّأْس فَهَل يمْنَع الرَّد على الرِّوَايَتَيْنِ فِي التّلف ذكره القَاضِي وَضعف رِوَايَة مَنعه الرَّد وَهِي مَذْهَب الْحَنَفِيَّة على مَا اقْتَضَاهُ كَلَامه ومضمون كَلَامه أَن فَوَات جُزْء مِنْهَا كفوات جَمِيعهَا وعَلى هَذَا فَكل
نقص فِي الْعين أَو فِي الصّفة يمْنَع الْفَسْخ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَفِي الْأُخْرَى لَهُ الْفَسْخ واسترجاع الْأَرْش لَكِن الرِّوَايَة بِالرَّدِّ هُنَا مأخذها غير مَأْخَذ الْعَيْب انْتهى كَلَامه قَوْله وَلَا يثبت خِيَار الشَّرْط فِي بيع شَرط الْقَبْض لصِحَّته قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين يَعْنِي من الطَّرفَيْنِ أَو أَحدهمَا وَيفْسد العقد باشتراطه ذكره القَاضِي فِي ضمن مَسْأَلَة خِيَار الشَّرْط فِي النِّكَاح انْتهى كَلَامه وَفَسَاد العقد يخرج على الرِّوَايَتَيْنِ فِي الشُّرُوط الْفَاسِدَة كَمَا لَو شرطا خِيَار الْمجْلس فِي ذَلِك على رِوَايَة لِأَنَّهُ لَا يثبت قَوْله إِلَّا خِيَار الشَّرْط على إِجَارَة تلِي مدَّتهَا العقد فَفِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا لَا يثبت لِأَنَّهُ يُفْضِي إِلَى فَوَات بعض الْمَنَافِع الْمَعْقُود عَلَيْهَا أَو أستيفائها فِي مُدَّة الْخِيَار وَكِلَاهُمَا لَا يجوز وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَله فِي الْإِجَارَة فِي الذِّمَّة قَولَانِ وَالثَّانِي يثبت وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَمَالك لِأَنَّهُ عقد معاونة يَصح فَسخه بالإقالة لم يشْتَرط فِيهِ الْقَبْض فِي الْمجْلس فَهُوَ كَالْبيع قَالَه القَاضِي وَاحْترز بِالْأولِ عَن النِّكَاح وَبِالثَّانِي عَن الصّرْف وَالسّلم قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين أما النِّكَاح فقد جعل بعض أَصْحَابنَا الْخلْع فِيهِ كالإقالة وَأما الْقَبْض فِي الْمجْلس فَظَاهر مَذْهَب الشَّافِعِي أَن الْإِجَارَة فِي الذِّمَّة كالسلم فِي الْقَبْض فيمنعون هَذَا الْوَصْف وَالْقَاضِي قد سلمه انْتهى كَلَامه وَلنَا وَجْهَان فِيمَا إِذا شرطا تَأْجِيل الْأُجْرَة إِذا كَانَ العقد على مَنْفَعَة فِي الذِّمَّة