يُعد هذا الكتاب من نفائس كتب الفقه على مذهب الإِمام المبجل أحمد بن حنبل 1 رحمه اللَّه تعالى ورضي عنه؛ إذ أنه قائم على اختصار كتاب من أبرز كتب المذهب وهو "المحرر" 2، للإِمام المجد عبد السلام ابن تيمية، أبي البركات، بالاقتصار على الراجح فيه مع التصحيح والتنقيح والزيادة.
ويكتسب كتاب "المحرر" هذه الأهمية بالنظر إلى مكانة مصنفه الإِمام المجد عبد السلام ابن تيمية الذي يعد من المبرَّزين في المذهب، وممن حازوا على رتبة الاجتهاد في المذهب.
الجزء: 1 - الصفحة: 19
ويزداد هذا الكتاب أهمية إذا علمنا أن الذي اختصره هو الإمام تقي الدين أحمد بن محمد الأدمي، ممن هذَّب كلام المتقدمين، كما ذكر المرداوي في مقدمته على "الفروع" 3.
- يقول الأدمي رحمه اللَّه في خطبته في المنوَّر:
"فهذا مختصر في الفقه على مذهب الإِمام الأنبل أحمد بن محمد بن حنبل، سمَّيته بـ "المنوَّر في راجح المحرّر"، قرَّبت فيه جمل ألفاظه ليسهل على متعلمه وحفَّاظه.
. . ". لهذا، فإن هذا الكتاب يعد من النوادر التي قربت أحد أهم المصنفات الفقهية على مذهب الإمام أحمد لمكانة مؤلفه ومختصره على حد سواء عند "المتوسطين" أو "المتأخرين" من علماء المذهب. - ولمعرفة هذه المكانة التي يتبوأُها صاحب المحرر، يقول العلامة البهوتي في "شرح الإِقناع" ما نصه:
"إذا أطلق المتأخرون كصاحب الفروع والفائق والاختيارات وغيرهم "الشيخ" أرادوا به الشيخ العلامة موفق الدين أبا محمد عبد اللَّه بن قدامة المقدسي، وإذا قيل: "الشيخان" فالموفق والمجد، وإذا قيل "الشارح" فهو شمس الدين أبو الفرج عبد الرحمن أبي عمر المقدسي، وهو ابن أخي الموفق وتلميذه، وإذا أطلق "القاضي" فالمراد به القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين بن محمد بن خلف الفراء، وإذا قيل: "وعنه"، أي عن الإِمام أحمد رحمه اللَّه، وقولهم: "نصًّا" معناه نسبته إلى الإِمام أحمد رحمه اللَّه.
. . " 4.
الجزء: 1 - الصفحة: 20
إن المتأمل في هذه العبارة للعلامة البهوتي (ت 1051 هـ) -وهو من طبقة "متأخري" علماء المذهب- سيعرف منزلة المجد ابن تيمية بين بقية العلماء، إذ جاء اسمه مقارنًا لاسم شيخ المذهب الموفق بن قدامة.
- وقال ابن بدران في "المدخل" عن المحرر وصاحبه:
"كتاب في الفقه للإِمام مجد الدين عبد السلام ابن تيمية الحراني، حذا فيه حذو الهداية لأبي الخطاب 5، يذكر الروايات فتارة يرسلها وتارة يبين اختياره فيها.
. . " 6. - وقد شرح المحرر عدد من العلماء، ولكل من تقي الدين 7 بن قندس (ت 861 هـ)، وابن نصر اللَّه (ت 844 هـ) حاشية عليه، وكذلك
الجزء: 1 - الصفحة: 21
لابن مفلح حاشية عليه طمعت معه هي "النكت والفوائد السنية"، بتحقيق حامد الفقي (1).
مكانة صاحب المحرر في المذهب
لكتاب المحرر وصاحبه مكانة مرموقة في المذهب، ولترجيحاته واختياراته أهمية كبيرة 9؛ إذ أنه ممن أدرك شيخ المذهب الإِمام موفق الدين ابن قدامة 10 (ت 620 هـ) ولكونه ينتمي إلى طبقة المتوسطين من علماء المذهب.
وهذه الطبقة تبدأ زمنيًّا عقب وفاة الحسن بن حامد (ت 403 هـ) وتمتد إلى وفاة البرهان بن مفلح صاحب المبدع في شرح المقنع (ت 884 هـ)،8
الجزء: 1 - الصفحة: 22
حيث ظهر في هذه الفترة ثلة من جهابذة علماء المذهب، أبرزهم: الموفق عبد اللَّه بن قدامة، والمجد أبو البركات عبد السلام بن تيمية.
ومنهم: شمس الدين، أبو محمد عبد الرحمن بن عمر المقدسي (597 - 682 هـ). ومنهم: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية الحراني (661 - 728 هـ)، ومنهم: شمس الدين محمد بن مفلح (708 - 763 هـ). ومنهم: زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن رجب السلامي (736 - 795 هـ).
- يقول المرداوي في "تصحيح الفروع" في ذلك ما نصه:
"اعلم أن مرجع معرفة الصحيح والترجيح في المذهب إلى أصحابه، وقد حرر ذلك الأئمة المتأخرون، فالاعتماد في معرفة الصحيح من المذهب ما قالوه، ومن أعظمهم: الشيخ الموفق -لا سيما في الكافي والنجم المسدد، والشارح-.
والشيخ تقي الدين، والشيخ زين الدين بن رجب.
. . إلخ"؛ ويقول: فإنهم هذبوا كلام المتقدمين ومهدوا قواعد المذهب بيقين، فإن اختلفوا فالمرجع إلى ما قاله الشيخان الموفق والمجد، ثم ما وافق أحدهما الآخر في اختياريه، فإن اختلفا من غير مشارك لهما فالموفق ثم المجد، وإلَّا ينظر إلى فيمن شاركهما من الأصحاب لا سيما إذا كان الشيخ تقي الدين أو ابن رجب" 11. ويرى المرداوي أن المجد مجتهد في مذهب إمامه غير مقلد له، فقد
الجزء: 1 - الصفحة: 23
ذكر في "الإِنصاف" نقلًا عن "آداب المفتي والمستفتي" لابن حمدان: أن المجتهد ينقسم إلى أربعة أقسام: مجتهد مطلق، ومجتهد في مذهب إمامه أو في مذهب إمام غيره، ومجتهد في نوع من العلم، ومجتهد في مسألة أو مسائل.
وأن المجتهد في مذهب إمامه أو إمام غيره وهو القسم الثاني، أحواله أربعة: نذكر منها: الحالة الأولى: أن يكون غير مقلد لإِمامه في الحكم والدليل لكن سلك طريقه في الاجتهاد والفتوى ودعا إلى مذهبه وقرأ كثيرًا منه على أهله فوجده صوابًا وأولى من غيره وأشد موافقة فيه وفي طريقه.
قال المرداوي: "قلت ومن أصحاب الإمام أحمد رضي اللَّه عنه: فمن المتأخرين كالمصنِّف والمجد وغيرهما" (1).
ترجمة صاحب المحرر
اسمه ولقبه ونشأته
:
هو شيخ الإِسلام أبو البركات عبد السلام بن عبد اللَّه بن أبي القاسم الخضر بن محمد بن علي بن تيمية الحراني الفقيه الحنبلي 13. وُلد سنة تسعين وخمسمائة تقريبًا بحرَّان.
ويلقب بمجد الدين، وكثيرًا ما يأتي ذكره12
الجزء: 1 - الصفحة: 24
في كتب الفقه عند الإِشارة إليه وإلى ترجيحاته واختياراته بقولهم: "قاله المجد"، أو "اختاره المجد" ونحو ذلك، فالمعني به هو.
وينتمي المجد إلى شجرة علمية مباركة هي شجرة آل تيمية التي تضم أشهر بيوت العلم والدين والفقه والحديث، ذلك البيت الذي ينتمي إليه حفيده شيخ الإِسلام وتحفة الأنام الإِمام أحمد، أبو العباس، ابن تيمية، ومنهم والده الشيخ شهاب الدين أبو المحاسن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية (1)، ومنهم شقيق شيخ الإِسلام، عبد اللَّه بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن عبد اللَّه بن أبي القاسم بن تيمية الحراني ثم الدمشقي، الفقيه الإِمام شرف الدين أبو محمد (2)، ومنهم عم المجد فخر الدين أبو عبد اللَّه محمد ابن الخضر بن تيمية شيخ حران وخطيبها (3).
شيوخه
:
حفظ القرآن وسمع من عمه الخطيب فخر الدين ابن تيمية، والحافظ عبد القادر الرهاوي وحنبل الرصافي بحرَّان.
ثم ارتحل إلى بغداد سنة ثلاث وستمائة مع ابن عمه سيف الدين عبد الغني، فسمع بها من عبد الوهاب بن سكينة، والحافظ ابن الأخضر وابن طبرزد، وضياء الدين بن الخريف، ويوسف بن المبارك الخفاف، وعبد العزيز بن منينا، وأحمد بن الحسن العاقولي، وعبد المولى بن أبي تمام بن باد 17، وسبط الخياط علي بن سلطان، وأبي بكر الحلاوي، والفخر إسماعيل، وأبي البقاء العكبري، وقرأ عليه في العربية والحساب والجبر والمقابلة.141516
الجزء: 1 - الصفحة: 25
مؤلفاته
:
أما أبرز مؤلفاته فهي: "المنتقى"، و"المحرر"، و"المسودة" في أصول الفقه بالمشاركة مع ابنه وحفيده، وله كتاب "أحاديث التفسير"، و"مسودة منتهى الغاية في شرح الهداية" وقد بيّض بعضها، والأحكام الكبرى.
وقد فصَّل فيها ابن رجب صاحب "الذيل" بقوله: إن تصانيفه: "أطراف أحاديث التفسير" رتبها على السور معزوة، "أرجوزة" في علم القراءات، "الأحكام الكبرى" في عدة مجلدات، "المنتقى من أحاديث الأحكام" انتقاه من الأحكام الكبرى، "المحرر" في الفقه، "منتهى الغاية في شرح الهداية" بَيَّضَ منه أربع مجلدات كبار إلى أوائل الحج والباقي لم يبيضه، "مسوَّدة" في أصول الفقه مجلد، وزاد فيها ولده ثم حفيده أبو العباس، "مسودة" في العربية على نمط المسودة في الأصول" (1).
رحلاته
:
في بداية طلبه للعلم ارتحل إلى بغداد مع ابن عمه سيف الدين عبد الغني المتقدم ذكره، فسمع بها كما تقدم، ثم رجع إلى حران واشتغل بها على عمه الخطيب فخر الدين، ثم رجع إلى بغداد فاستزاد بها من العلوم.
قرأ ببغداد القراءات بكتاب المبهج لسبط الخياط علي بن سلطان، والعربية والحساب والجبر والمقابلة على العكبري كما قدمنا.
ثم لما اكتمل علمه صنف وحدَّث ودرَّس في الحجاز والشام وبلده حرَّان والعراق كما18
الجزء: 1 - الصفحة: 26
تقدم، ومكة، والتقى فيها علماء كثر (1).
تلاميذه
:
كثير تلاميذه واشتهرت مكانته العلمية وزاد من ذلك رحلاته.
فمن تلاميذه في الفقه: ولده شهاب الدين عبد الحليم، وابن أبي الفهم ابن تميم صاحب "المختصر"، وعبد اللَّه كتيلة صاحب "المبهم" وغيرهم.
وفي الحديث: روى عنه ابن شهاب الدين أبو العباس، والحافظ عبد المؤمن الدمياطي، والأمين ابن شقير الحراني، وأبو إسحاق الظاهري الحافظ، ومحمد بن أحمد القزاز، وأحمد الدشتي، ومحمد بن زناطر، والعفيف إسحاق الآمدي، ونور الدين البصري، وأبو عبد اللَّه الدواليبي.
كما أجاز لتقي الدين سليمان بن حمزة الحاكم، وزينب بنت الكمال، وأحمد بن علي الجزري، وبرع في القراءات وعمل أرجوزة لها.
وقد دَرَّس في المدرسة النورية في دمشق، والمدرسة المستنصرية ببغداد، مما يعني كثرة طلبته وتعددهم، وذلك لكثرة الدارسين في هاتين المدرستين.
ثناء العلماء عليه
: قال الإِمام الذهبي: قال شيخنا -يعني شيخ الإِسلام ابن تيمية الحفيد- "كان جدنا عجبًا في حفظ الأحاديث وسردها بلا كلفة وحفظ مذاهب الناس".19
الجزء: 1 - الصفحة: 27
وقال الذهبي أيضًا: وقال لي شيخنا أبو العباس: "كان الشيخ جمال الدين بن مالك يقول: أُلين للشيخ المجد الفقه كما أُلين لداود الحديد".
وحكى الذهبي أيضًا: حكى البرهان المراغي أنه اجتمع بالشيخ المجد فأورد نكتة عليه، فقال المجد: الجواب عنها من ستين وجهًا: الأول كذا والثاني كذا، وسردها إلى آخرها، ثم قال للبرهان: قد رضينا منك بإعادة الأجوبة، فخضع وانبهر 20!!.
وعند وفاته لم يبق في البلد من لم يشهد جنازته إلَّا معذور، وكان الخلق كثيرًا جدًّا، ودفن بمقبرة الجبانة في مقابر حرَّان، وقد توفي بعد عصر يوم الجمعة يوم عيد الفطر، سنة 652 هـ أو سنة 653 هـ.
الجزء: 1 - الصفحة: 28
الفصل الثاني
ترجمة صاحب المنوَّر والتعريف بكتابه
كما أن لصاحب "المحرّر" مكانة بين العلماء فإن لمؤلف "المنوَّر" مكانة لا تقل عن سلفه، بل إن "المنوَّر" أظهر خلاصة "المحرّر" ولبابه، ووقف على مكنونه وخلص إلى زبدته، حتى أنه لا يكاد يذكر "المحرّر" إلَّا ويذكر "المنوَّر" معه على حد سواء.
ومؤلف "المنوَّر في راجح المحرّر"، هو الشيخ الإِمام العالم العلامة تقي الدين أحمد بن محمد بن علي الأدمي -بفتح الهمزة والدال-.
ومن الغريب أن يغيب اسم هذا العالم العَلَم عن معظم كتب الطبقات، إذ لم يذكر له مؤلفوها شيئًا يعرف به وبتاريخ ولادته ووفاته وبلده وشيوخه على وجه الدقة كما هو معتاد في التراجم 21.
الجزء: 1 - الصفحة: 29
المصادر التي جاء ذكره فيها
:
وبعد بحث متواصل تيسر بحمد اللَّه الوقوف على ما يعرف به في مصدر مهم، ذلك أن الباحث كان يظن أن المرجع الوحيد الذي عرّف به وبإيجاز هو "الدّر المنضد" للعليمي 22 الذي قال في ترجمته تحت عنوان: "ذكر من لم تؤرخ وفاته" ما يأتي:
"الشيخ تقي الدين أحمد بن محمد الأدمي البغدادي له "المنوَّر في راجح المحرّر" و"المنتخب"".
وقد أفاد هذا التعريف الموجز في إثبات أربعة أمور أساسية تعرف بالمؤلف وهي:
1 - اسمه بالكامل، وقد جاء موافقًا لما ذكر في المخطوط.
2 - أنه من علماء الحنابلة في بغداد وليس من الشام أو مصر.
3 - أن له مؤلفين هما "المنوَّر في راجح المحرّر"، و"المنتخب".
4 - أنه من المؤلفين الذين لم تؤرخ ولادتهم ووفاتهم.
ورغم أن ما ذكره العليمي في "الدر المنضد" يفي بشيء من حاجة الدراسة، إلا أن تاريخ ولادة ووفاة الأدمي كان الشغل الشاغل للباحث لعدم المقدرة على التعرف على عصره بدقة بما يقرِّب لنا ما يتعلق به كما هو معلوم.
ولم ينقطع الأمل، حتى ظهر لنا مصدر = الإسلامية في وزارة الأوقاف الكويتية هو الأستاذ ماهر الساير بأنه رجع بالتعاون مع موظفي القسم إلى أكثر من 40 مرجعًا من أمهات المراجع، وذلك لوضع بطاقة تعرف به في مكتبة الوزارة، ولم يجد للأدمي ذكرًا).
الجزء: 1 - الصفحة: 30
مهم 23؛ كما أشرنا آنفًا، وهو "تاريخ ابن قاضي شهبة" 24 الذي قدم ترجمة وافية إلى حد كبير.
فقد جاء في تاريخه ما يأتي فيمن ذكر في آخر وفيات سنة 749 هـ ما نصه:
"وممن توفي بعد الأربعين ولم يذكر سنة وفاته" أحمد بن محمد بن علي البغدادي، المقرئ الأدمي الحنبلي.
سمع الموطأ رواية يحيى بن يحيى على ابن حلاوة، سمع مته ابن رجب وقال: "كان صالحًا دينًا، أعاد بالمستنصرية [. . . . . .] 25 الوزيراتي، وصنّف كتابًا في الفقه، وأجاز له جماعة من شيوخ الشام، توفي ببغداد سنة نيف وأربعين وسبعمائة، ودفن بمقبرة الإِمام أحمد".
وقد أفادت هذه الترجمة في إثبات ما يلي:
1 - أن اسمه مطابق لما هو مذكور في المخطوط.
2 - أنه ضبط لفظ وقراءة اسمه الأخير بفتح الهمزة، وفتح الدال.
3 - أنه مقرئ، وسمع الموطأ إضافة إلى كونه فقيهًا.
4 - إن من مشايخه ابن حلاوة.
5 - من تلامذته العلامة العلم صاحب الذيل على طبقات الحنابلة،
الجزء: 1 - الصفحة: 31
ابن رجب، الحافظ زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن شهاب الدين أحمد البغدادي ثم الدمشقي الحنبلي (736 - 795 هـ) والفترة التي عاش فيها ابن رجب تتناسب مع فترة الأدمي.
6 - أنه قد دَرَّس في المستنصرية.
7 - أنه صنّف كتابًا في الفقه ولعله كتابنا هذا.
8 - أنه قد زار الشام وقرأ على شيوخها فأجازوه.
9 - أنه توفي في بغداد حوالي عام 749 هـ باعتبار أن النيِّف يزيد على العقد أو يقاربه، ويؤيد ذلك أن ابن قاضي شهبة قد ذكر في أعلى الصفحة التي ذكرت فيها ترجمته قوله: "سنة تسع وأربعين وسبعمائة".
10 - أنه لم يحدد بدقة تاريخ حياته أو وفاته.
11 - أن البياض الذي يقع بين قوله: "بالمستنصرية.
. . الوزيراتي" لعله يكون "مع (أو عند) تقي الدين الزريراني" فتكون العبارة "بالمستنصرية مع (أو عند) تقي الدين الزريراني" أو "مع ابن أبي البركات الزريراني" لأن الزريراني قد أعاد في المستنصرية في تلك الفترة وهو مشهور جدًّا، وهو حتمًا غير الأدمي، وكثيرًا ما يصحف اسمه إلى الزريراتي بدلًا من الزريراني.
وقوله: "الوزيراتي" ذكر محقق تاريخ ابن قاضي شهبة أنه وجد ذلك في النسخ الثلاث التي حقق عليها "تاريخ ابن قاضي شهبة"، ثم قال: "ولعلها الزريراني" 26.
والزريراني نسبة إلى بلدة زَريران بفتح الزاي وكسر الراء المهملة بعدها ياء ساكنة ثم راء مهملة بعدها ألف ونون، وهي بلدة قرب بغداد تبعد عنها
الجزء: 1 - الصفحة: 32
سبعة فراسخ على جادة الحاج إذا أراد الكوفة من بغداد 27.
وفي ترجمة سليمان بن عبد القوي الطوفي الصرصري ثم البغدادي نجم الدين أبو الربيع صاحب "مختصر الروضة" في أصول الفقه، الذي ولد سنة بضع وسبعين وستمائة أنه "دخل بغداد سنة إحدى وتسعين فحفظ المحرّر في الفقه وبحثه على الشيخ تقي الدين الزريراتي" 28. والصواب الزريراني.
وقد جاء في طبقات ابن رجب ما يؤكد على أنه الزريراني وليس الزريراتي في ترجمته على النحو التالي: اسمه عبد اللَّه بن محمد بن أبي بكر ابن إسماعيل بن أبي البركات بن مكي بن أحمد الزريراني ثم البغدادي، تقي الدين أبو بكر 29. وجاء أيضًا أنه قرأ المذهب على الشيخ العلامة مجد الدين عبد السلام صاحب المحرّر بقوله في الذيل: "ثم ارتحل إلى دمشق فقرأ المذهب على الشيخ زين الدين بن المنجا والشيخ مجد الدين الحراني ثم عاد إلى بلده.
. . إلخ"، وجاء أيضًا أنه: سمع الحديث من إسماعيل الطبال ومحمد بن ناصر بن حلاوة، وأكد ذلك ابن بدران عند حديثه عن أشهر كتب الحنابلة: "الوجيز" تأليف عبد اللَّه بن محمد بن أبي بكر بن إسماعيل بن أبي البركات الزريراني البغدادي فقيه العراق ومفتي الآفاق حكى عنه في "المقصد الأرشد" أنه طالع المغني للموفق ثلاثًا
الجزء: 1 - الصفحة: 33
وعشرين مرة، توفي سنة 729 هـ 30.
وممن أشار إليه من المؤلفين المعاصرين الشيخ بكر أبو زيد في كتابه الحافل "المدخل المفصل إلى فقه الإِمام أحمد بن حنبل"، مع عدم القطع بتاريخ ولادته أو موته، حيث ذكره في معرض حديثه عن "كتب المتن المخدومة" عند حديثه عن المحرّر، إذ اعتبر المنوَّر من كتب الحواشي والنكت والتعاليق، وكان الأقرب أن يضعه -حفظه اللَّه- تحت عنوان "اختصار المحرّر" بدلًا من ذكره تحت عنوان "كتب الحواشي والنكت والتعاليق"، لأنه تقدم أن الأدمي قال في مقدمته أنه "مختصر في الفقه على مذهب الإِمام الأنبل.
. . "، فلعله -حفظه اللَّه- لم يقف عليه، وذلك لأن نسخته فريدة وحيدة كما قدمنا.
يقول الشيخ بكر أبو زيد:
"المنوَّر في راجح المحرّر على مذهب الإِمام أحمد بن حنبل للأدمي، تقي الدين أحمد بن محمد المتوفى سنة 700 هـ، وقيل توفي سنة 815 هـ، فاللَّه أعلم" 31.
وخلاصة القول: أن العلامة الأدمي قد دَرَّس في المستنصرية 32 مع العلامة الزريراني، وأنهما قد قرءا على العلامة محمد بن ناصر بن حلاوة
الجزء: 1 - الصفحة: 34
وغيره، وأن كلاهما يكنى تقي الدين، وأن السنوات التي ذكرها ابن قاضي شهبة في تاريخه وهي ما بين 740 و 749 هـ تتناسب مع ما يعتقد أنه عاش إلى زمنها، وأن وفاته تقرب من عام 749 هـ كما سيظهر لاحقًا في حوادث 749 هـ، وأن الزريراني توفي قبل الأدمي كما جاء في ذيل ابن رجب، و"مدخل" ابن بدران، وأن السقط الذي ورد في عبارة ابن قاضي شهبة لا يسعه أن يتعدى ما يدل على أنهما دَرَّسا في المستنصرية (1) كما أشرنا آنفًا، وأن العلامة الأدمي قد أعاد في المستنصرية للعلامة الزريراني، والمعيد منصب علمي مهم لا يصل إليه إلَّا النجباء من التلاميذ حيث يعيدون ما قاله الشيخ على التلاميذ، وهذا معنى قول ابن قاضي شهبة أنه أعاد بالمستنصرية، أي للعلامة الزريراني.
المنوَّر أم المنوِّر، الأَدْمِي أم الأَدَمِي أم الآدَمِي:
مما يثير الاستغراب أحيانًا عدم الجزم بذكر عنوان الكتاب مضبوطًا بالشكل، فمعظم من ذكر المنوَّر يذكره من غير شكل سوى ما جاء في الإِنصاف -الطبعة الملكية الجديدة 34 - حيث ذكره بقوله المنوِّر بضم الميم وتشديد الواو وكسرها، أما بقية المراجع فلم تبين ما إذا كان يقرأ المنوَّر أم المنوِّر أو المُنْوَّر.
غير أننا نعتقد أن ضبطه بضم الميم وفتح النون وفتح الواو وتشديدها، أي المُنَوَّر، أقرب لتسميته مع المحرّر، فينسبك العنوان عند قراءته "المنوَّر في راجح المحرّر"، بخلاف ما إذا قرأناه المُنْوَر بضم الميم وسكون النون وفتح الواو، أو المُنَوِّر بضم الميم وفتح النون وتشديد الواو وكسرها،33
الجزء: 1 - الصفحة: 35
وإن كان الأخير يحتمل لفائدته في المعنى، واللَّه أعلم.
وبالمثل، فإن اسم المؤلف الأخير غير متفق على ضبطه، فالبعض يكتبه الآدمي بالمد، والبعض الآخر يكتبه الأَدَمي بالهمز، وهل يكون النطق بفتح الدال أم بسكونها أم بكسرها، كل ذلك غير ظاهر.
وسيظهر لنا لاحقًا رسم اسمه وضبطه عند الحديث عن مكانته العلمية.
والذي يراه الباحث أن نطقه بتحريك الهمزة والدال أنسب كما في "الدر المنضد"، وقد تأكد لنا ذلك فيما تم مناقشته آنفًا في هذه المسألة فيما ذكر في تاريخ ابن قاضي شهبة (1) وغيره.
وقال السمعاني في الأنساب: "الأَدَمي، نسبة إلى بيع الأَدَم وهو باطن الجلد" (2).
وبالمثل فإن نطق اسمه بسكون الدال مع فتح الهمزة وارد ومناسب أيضًا لورود ذلك في تراجم لأسماء تتشابه معه، وقرأه العلَّامة ابن عقيل (3) -حفظه اللَّه- بضمّ الهمزة.
مكانة صاحب المنوَّر في المذهب:
للعلامة أحمد بن محمد الأدمي مكانة جليلة بين علماء المذهب، ويكفيه جلالة وقدرًا أنه لا تكاد تخلو صفحة من صفحات "الإِنصاف" من ذكر أحد كتابيه: "المنوَّر" أو "المنتخب" أو هما معًا، حيث يرجع إليهما كثيرًا في ترجيحات المذهب.353637
الجزء: 1 - الصفحة: 36
يقول في "كتاب الصلاة" في "الإِنصاف" 38 مثلًا:
". . . وإن تركها تهاونًا لا جحودًا دعي إلى فعلها، فإن أبى حتى تضايق وقت التي بعدها وجب قتله، هذا المذهب وعليه جمهور الأصحاب، قال في الفروع: اختاره الأكثر، قال الزركشي: وهو المشهور، انتهى.
واختاره ابن عيدوس في تذكرته وجزم به في الوجيز والمنوَّر والمنتخب وغيرهم.
. . ".
وفي باب "الهبة والعطية" يقول المرداوي في "الإِنصاف" قوله 39:
". . . وتحصل الهبة بما يتعارفه الناس هبة من الإِيجاب والقبول والمعاطاة المقترنة بما يدل عليها، هذا المذهب، اختاره ابن عقيل والمجد في شرح الهداية وجزم به في المحرّر والوجيز والحاوي الصغير والمنوَّر وغيرهم".
وبالمثل يكثر ذكره في كتاب المفردات لـ: محمد بن علي العمري الذي شرحه العلامة البهوتي بعنوان: "منح الشفا الشافيات في شرح المفردات".
ففي كتاب الطهارة يقول:
ويكره التطهيرُ بالمسخَّنِ ... بنجِسٍ في أشهرٍ مُعَنْعَنِ
قال الشارح -أي البهوتي 40 -: أي يكره استعمال المسخن بنجس في طهارة إن لم يحتج إليه في أشهر الروايتين عن أحمد وهو الصحيح، جزم به في المجرد والوجيز والمنوَّر ومنتخب الآدمي.
الجزء: 1 - الصفحة: 37
وكذا قول ناظم المفردات في كتاب الصلاة:
وتاركُ الصلاة حتى كَسَلا ... يُقتل كُفرًا إن دُعِي وقالَ لاَ
وما له فَيْءٌ ولا يُغَسَّلُ ... وصحَّح الشيخانُ حَدًّا يُقتَلُ
قال البهوتي 41: من يجحد وجوب الصلاة عالمًا أو جاهلًا وعُرَّف وأصرَّ كَفَرَ، قال الموفق: لا أعلم في هذا خلافًا ... وإن تركها تهاونًا وكسلًا لا جحودًا دعاه الإِمام أو نائبه إلى فعلها وهدده، فقيل له: صل وإلَّا قتلناك، فإن لم يصل حتى تضايق وقت الذي بعدها وجب أن يستتاب فإن تاب بفعلها وإلَّا وجب قتله كفرًا في إحدى الروايتين، قال في الإِنصاف وهو المذهب وعليه جمهور الأصحاب، انتهى.
. . واختار الموفق لا يكفر، وقال هو أصوب القولين، ومال إليه الشارح، واختاره ابن عبدوس، وصححه المجد وصاحب المذهب، ومسبوك الذهب، وابن رزين، والناظم، ومجمع البحرين، وجزم به في الوجيز والمنوَّر وقدمه في المحرر.
يلاحظ في هذه الفقرة ذكر المجد مرتين الأولى بقوله: "وصحح الشيخان حدًّا يقتل"، والشيخان الموفق والمجد كما أسلفنا، والثانية قوله في نهاية الفقرة: وجزم به في الوجيز والمنوَّر وقدمه في المحرّر حيث جمع بين الأدمي والمجد في الجزم والتقديم لما اختاره الموفق.
وجاء ذكر صاحب المنوَّر أيضًا في أحد أهم مصنفات متأخري المذهب وذلك في "مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى" للرحيباني 42، وغاية المنتهى هو جمع بين الإِقناع ومنتهى الإِرادات للعلامة
الجزء: 1 - الصفحة: 38
مرعي الكرمي (ت 1033) كما هو معلوم، كما في قوله في باب الحجر:
"ولا يمنعه زيادة منفصلة وكسب وولد نقص بها المبيع أو لم ينقص إن كان نقص صفة لأنه وجد عين ماله لم تنقص ولم يتغير اسمها، وهي أي الزيادة لراجع وهو البائع نص عليه الإِمام أحمد في ولد الجارية ونتاج الدابة، وهو المذهب اختاره أبو بكر والقاضي في الجامع، والخلاف، وجزم به في المنوَّر ومنتخب الأدمي.
وجاء ذكره في أحد أهم الكتب عند متأخري المذهب وهو العلامة الشويكي في كتابه "التوضيح في الجمع بين المقنع والتنقيح" في مسألة هي: "هل يملك السيد إقامة الحد على مكاتبه" 43.
والخلاصة: أن العلامة الأدمي من كبار علماء المذهب، وقد قدمنا ما ذكر المرداوي في "تصحيح الفروع" في قوله عن المنوَّر، والعلماء الذين في درجته من المكانة العلمية أن مرجع معرفة الصحيح والترجيح إليهم لما قد حرره الأئمة المتأخرون بالاعتماد في معرفة الصحيح من المذهب على ما قالوه، منهم الموفق وابن تيمية وابن رجب وغيرهم كالأدمي في المنوَّر والمنتخب، أي أن الأدمي من أصحاب الترجيح وهي درجة تعادل درجة الاجتهاد في المذهب.
ومن جهة أخرى ظهر لنا أيضًا الاختلاف في ضبط المنوَّر والأدمي كما قدمنا، فمنهم من يقول هو المنوَّر كما في "الدر المنضد"، ومنهم يقول هو المنوَّر كما في "الإِنصاف" في طبعته الأخيرة؛ وكذا نسبته للعلامة الأدمي فمنهم من يقول هو الأَدَمي كما في "الدر المنضد" للعليمي، ومنهم من يقول
الجزء: 1 - الصفحة: 39
هو الآدمي بالمد كما في "منح الشفا الشافيات"، و"مطالب أولي النهى" (1).
الفترة التي عاش فيها العلامة الأدمي
:
مرَّ بنا آنفًا أن العلامة الأدمي ممن لم تؤرخ وفاته كما جاء في "الدر المنضد"، غير أنه من الممكن أن نتصور الفترة التي عاشها بالنظر إلى الأزمنة التي عاش فيها من اقتبس أو أشار إلى "منوره" و"منتخبه".
فمن ذلك أن العلامة المرداوي المعروف "بمنقح المذهب" صاحب "الإِنصاف" و"التنقيح" قد عاش في الفترة ما بين 817 - 885 هـ وهي فترة "متأخري المذهب" كما بيَّنه ابن بدران في المدخل وغيره من كتب طبقات المذهب "كالذيل على طبقات الحنابلة" لابن رجب.
وهذا يدل على أن الأدمي قد عاش بين الفترة الواقعة من وفاة صاحب المحرّر الذي عاش ما بين 590 - 652 هـ إلى الفترة التي عاشها المرداوي ما بين 817 - 885 هـ.
ثم إن الملاحظ أن صاحب المنوَّر كثيرًا ما يذكر اسمه مقارنًا لاسم صاحب "الوجيز" العلامة الحسن بن يوسف محمد بن أبي السرى الدجيلي البغدادي المتوفى سنة 732 هـ، وخاصة أنه بغدادي مثله ودجيلي نسبة إلى نهر دجلة وقيل: نسبة إلى نهر صغير يسمى دجلة أو نسبة إلى دجيلة، فقد يكون معاصرًا له.
والشيخ بكر أبو زيد يرى أنه قد توفي في عام 700 هـ44
الجزء: 1 - الصفحة: 40
أو في عام 815 هـ كما مر بنا آنفًا.
وعلى أية حال فإن ذلك يؤكد بأن الأدمي ينتمي إلى "طبقة متوسطي المذهب" بناءً على التقسيم الزمني الذي يقول إن الطبقات الزمنية للأصحاب تنقسم إلى ثلاث طبقات 45:
1 - طبقة المتقدمين (241 هـ - 403 هـ).
2 - طبقة المتوسطين (453 هـ - 884 هـ).
3 - طبقة المتأخرين (885 هـ - إلى ما شاء اللَّه).
وكذلك بناءً على تقسيم ابن بدران في "المدخل" 46 أمكننا استخلاص الطبقات الزمنية بالعلاقة إلى متون العلم التي اشتهرت إلى:
- المتقدمون (334 هـ - 620 هـ) (فترة مختصر الخرقي).
- المتوسطون (621 هـ - 884 هـ) (فترة المقنع).
- المتأخرون (885 هـ - 972 هـ إلى الآن) (فترة التنقيح المشبع ومنتهى الإِرادات).
وذلك بناء على قوله أن مختصر الخرقي اشتهر عند "المتقدمين" إلى أن ألَّف الموفق كتابه "المقنع" 47 الذي اشتهر إلى عصر التسعمائة حين ألف
الجزء: 1 - الصفحة: 41
المرداوي "التنقيح المشبع"، الذي اشتهر إلى أن ألف الفتوحي ابن النجار "منتهى الإِرادات".
وبما أن الموفق قد عاش في الفترة 540 - 620 هـ، والمرداوي بين 817 - 885 هـ، وابن النجار (ت 972 هـ) فإن الأزمنة بالعلاقة إلى المتون المشهورة تقرب مما ذكر.
ومما نقله محمد الخلوتي تلميذ العلامة البهوتي في حاشية ابن حميد على المنتهى من خط شيخه -مخطوط-.
- المتقدمون، من الإِمام أحمد إلى الإِمام أبي يعلى القاضي.
- المتوسطون، من القاضي أبي يعلى إلى الموفق.
- المتأخرون، من الموفق إلى الآخر.
مما يعني أن الأدمي ينتمي إلى طبقة المتأخرين، ولا شك أن مرجع ذلك حسب تقدير العلماء والمتقصين، ولعل أنه من المتوسطين أقربْ، واللَّه أعلم.
وخلاصة القول أنه رحمه اللَّه ينتمي إلى طبقة متوسطي المذهب كما قدمنا، ويؤكد ذلك ثلة العلماء الذين يذكر اسمه أو اسم كتابيه معهم دائمًا كما ظهر لنا آنفًا في "الإِنصاف" و"تصحيح الفروع"، وصاحب الوجيز العلامة الحسن الدجيلي المتوفى 730 هـ وغيره.
-
- * = منظومته الدالية: وَسَقَتْ زياداتُ "المحرّر" جلها ... وما قدْ حَوى من كل قيدٍ مُجَوّد فما فوقَ مرقى "المجدِ" في العلمِ مرتقًى ... وغايتُه القصوَى على رغم حُسد انظر: العلامة الإِمام الشيخ عبد الرحمن بن عبيدان الحنبلي الدمشقي "زوائد الكافي والمحرّر على المقنع"، منشورات المؤسسة السعيدية بالرياض، 1981 وقد أشرف على طبعه العلامة محمد بن مانع صاحب حاشية الدليل.
الجزء: 1 - الصفحة: 42
الفصل الثالث أبرز مميزات عصر الأدمي السياسية والعلمية وأبرز الماجريات
ذكرنا آنفًا أن العلامة الإِمام أحمد بن محمد الأدمي البغدادي قد عاش في الفترة التي قلت فترة الإِمام المجد ابن تيمية (590 - 652 هـ)، وأنه قد توفي ما بين 740 - 749 هـ كما قرره ابن قاضي شهبة تحت عنوان "عام" هو "سنة تسع وأربعين وسبعمائة"، ثم "خصصه" بعنوان آخر هو: "وممن توفي بعد الأربعين ولم يذكروا سنة وفاته" (1). امتاز عصر الأدمي -إذا سلمنا أنه عاش حتى السنوات التسع عقب عام 740 هـ وما سبقها- بخصائص سياسية وعلمية، وكذلك حوادث مما يلقي شيئًا من الضوء على مسألة غموض معرفة سنوات حياته ووفاته، وكذلك على مكانته العلمية والبيئة التي عاش فيها في ذلك العصر الوفير.
ظهور المغول وسقوط بغداد سنة 656 هـ
عاش الأدمي بناء على ما ذكرنا آنفًا في فترة المماليك التي تعرف بـ "المماليك البحرية" التي حكمت بلاد الشام ومصر منذ عام 648 هـ إلى عام 784 هـ سموا بذلك لنزولهم في ثكنات عسكرية في جزيرة الروضة على48
الجزء: 1 - الصفحة: 43
بحر النيل.
أما بغداد مقر الخلافة، فقد سقطت في أيدي المغول التتار على يد الطاغية هولاكو في سنة 656 هـ، فدمروا البلاد وقتلوا العباد واستباحوا المحرمات وصارت بغداد تحت دولتهم المسماة: "الدولة المغولية الإِيلخانية".
قال ابن العماد في حوادث سنة 656 هـ:
"ففي هذه السنة 656 هـ قتل الخليفة المستعصم باللَّه أبو أحمد عبد اللَّه ابن المستنصر باللَّه أبي جعفر المنصور آخر الخلفاء، وكانت دولتهم خمسمائة سنة وأربعًا وعشرين سنة 49. وكان قتله على يد الطاغية هولاكو وذلك بتواطؤ وخيانة الوزير ابن العلقمي، وفي ذلك يقول الشاعر:
يا عصبةَ الِإسلامِ نُوحي وانْدُبي ... حزنًا على مأتم للمستعصم
دَسْت الوزارة كان قبلَ زمانهِ ... لابن الفُرات فصار لابن العلقمِي
ويضيف: "ولما فرغ هولاكو من قتل الخليفة وأهل بغداد أقام على العراق نوابه، وكان ابن العلقمي حسَّن لهم أن يقيموا خليفة علويًا فلم يوافقوه واطرحوه وصار معهم في صورة بعض الغلمان ومات كمدًا لا رحمه اللَّه" 50.
وقال ابن العماد رحمه اللَّه أيضًا:
"وفي عام 664 هـ هلك هولاكو بن قولي قان بن جنكز خان المغولي مقدم التتار وقائدهم إلى النار الذي أباد البلاد والعباد.
. . مات على كفره في هذه السنة بعلة الصرع، فإنه اعتراه منذ مقتل الشهيد صاحب ميافارقين الملك
الجزء: 1 - الصفحة: 44
الكامل غازي حتى كان يصرع في اليوم مرتين.
. . خلَّف 17 ابنًا، تملك بعده ابنه أبغا 51.
واستمر العداء مع التتار، ولم تتعدل الأوضاع إلَّا بدءًا من عام 694 هـ، وذلك عندما أعلن السلطان الخاني غازان بن أرغون بن أبغا بن هولاكو إسلامه وتسمى باسم محمود، وتلقب بـ السلطان معز الدين، فدخل بسبب إسلامه كثير من الأمراء ورجالات الدولة المغولية وانتشر الإِسلام في أوساط التتار، ورغم ذلك فإن العداوة بين المغول في بغداد ودولة المماليك في مصر والشام ظلت باقية وتعرضت كثير من مدن الشام للخراب على أيدي التتاريين، وكانت الحروب بين التتار والمماليك سجالًا.
فقد هجم التتار على حمص والبقاع ودمشق؛ يقول الذهبي في "دول الإِسلام": ثم دخلت التتار دمشق وشرعوا في المصادرة والعسف ونهبوا الصالحية وسبوا أهلها وأتعبوا الخلق.
. . ثم إن اللَّه لطف وألقى في قلب قازان فأمر الأمراء بالكف عن دمشق.
. . " 52.
ثم جاء بعد ذلك السلطان خدا بنده بن أرغون بن أبغا بن هولاكو (703 - 716 هـ)، وكان حسن السيرة لكنه تبنى المذهب الشيعي وعادى أهل السنَّة، وشهدت البلاد رغم ذلك رخاء، كما أنه استمر على عداء المماليك في مصر والشام.
ثم حكم السلطان بوسعيد بن محمد خدا بنده (716 - 736 هـ) وكان صغير السن في بداية حكمه واستمر إلى أن تولى الأمور بنفسه ثم تحسنت
الجزء: 1 - الصفحة: 45
العلاقات بينه وبين مماليك مصر والشام، وعقد صلح بين الدولتين في عام 736 هـ (1).
ثم بعد ذلك جاء السلطان حسن بزرك الجلائري (738 - 757 هـ) فأسس "الدولة المغولية الجلائرية" وذلك بعد الخلاف بينه وبين المنافسين له، فاستطاع أن يستولي على بغداد وانتهى في عهده حكم "الأسرة المغولية الإِيلخانية" التي أسسها هولاكو وأبناؤه وأحفاده، وقد شاع الظلم في عهده مما دعى أهل العراق إلى الهجرة خارجها، لكنه تعدل في النهاية وأقام العدل مما دفع كثيرًا من النازحين عن العراق على العودة إليها وذلك في سنة 748 هـ (2)، وهي أقرب سنة من وفاة العلامة الأدمي كما ذكرنا آنفًا.
كما شهدت هذه الفترة وعلى الأخص الفترة التي عاصرت الأدمي عدة حوادث ربما تلقي الضوء على الغموض الذي اكتنف أخبار هذا العالم الجليل، فمن ذلك ما يأتي:
طاعون سنة تسع وأربعين وسبعمائة (749 هـ)
يشير تاريخ ابن قاضي شهبة إلى ذلك بقوله 55: "في هذه السنة كان الطاعون العظيم الذي عم المشارق والمغارب5354
الجزء: 1 - الصفحة: 46
ومات فيه من العلماء والأعيان وغيرهم خلائق لا يحصيهم إلَّا الذي خلقهم.
وقد كان للطاعون مدد عظيمة لم يقع في هذه البلاد.
حدثني بعض مشايخنا عن والده أنه قال: ما كنا نعرف حقيقة الطاعون قبل سنة تسع وأربعين.
. . ".
ويضيف أيضًا:
"وفي أواخره كان الطاعون العام بأقطار البلاد وامتد إلى أواخر المحرم من العام القابل، مات بالقاهرة ومصر في اليوم الواحد نحو أحد عشر ألف نفس، وفي بعض تواريخ المصريين أنه كان يموت بالقاهرة كل يوم فوق العشرين ألف إنسان".
وجاء مثل ذلك في تاريخ ابن تغري بردي "النجوم الزاهرة" 56 بقوله:
"كانت هذه السنة (سنة تسع وأربعين وسبعمائة) كثيرة الوباء والفساد بمصر والشام، ومع هذا كان الوباء الذي لم يقع مثله في سابق الأعصار، فإنه كان ابتداء بأرض مصر آخر أيام التخضير في فصل الخريف في أثناء سنة ثمان وأربعين، فما أهلَّ المحرم سنة تسع وأربعين حتى اشتهر واشتد الوباء بديار مصر في شعبان ورمضان وشوال وارتفع في نصف ذي القعدة، فكان يموت بالقاهرة ومصر ما بين عشرة آلاف إلى خمسة عشر ألف نفس إلى عشرين ألف نفس في كل يوم.
وعملت الناس التوابيت والدكك لتغسيل الموتى للسبيل بغير أجر وحمل أكثر الموتى على ألواح الخشب وعلى السلالم والأبواب، وحفرت الحفائر وألقي فيها الموتى، فكانت الحفيرة يدفن فيها الثلاثون والأربعون وأكثر.
. . ".
الجزء: 1 - الصفحة: 47
ويضيف:
"ولم يكن هذا الوباء كما عهد في إقليم دون إقليم، بل لمَّ أقاليم الأرض شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا، جميع أجناس بني آدم وغيرهم حتى حيتان البحر وطير السماء ووحش البر.
. . ".
. . . ويستطرد بقوله عن بغداد التي عاش فيها الأدمي:
". . . ثم وقع ببغداد أيضًا، فكان الإِنسان يصبح وقد وجد بوجهه طلوعًا فما هو إلَّا أن يمد يده على موضع الطلوع فيموت في الوقت".
وذكر مثل ذلك ابن الوردي في تاريخه وقد أشار إليه شعرًا:
ماذا الذي يصنعُ الطاعونُ في بلد ... في كلِّ يومٍ لهُ بالظلمِ طاعون
وقد مات ابن الوردي بطاعون حلب في 17 ذي الحجة 749 هـ 57.
والخلاصة: أن هذا الوباء يفسر لنا غموض تاريخ تلك الفترة، فلعل الأدمي رحمه اللَّه ممن مات بسببه.
كما شهدت هذه الفترة أيضًا نزاعات سياسية وحروب وتبدل سلاطين وأمراء وقواد كما يظهر ذلك في حوادثها في تاريخ الذهبي وغيره 58. وقد سبقها ظهور أكبر فتنة في العالم الإِسلامي وهي فتنة المغول الذين خرجوا حوالي سنة 654 هـ واستمروا إلى دخول بغداد بقيادة الطاغية هولاكو سنة 656 هـ، قال الذهبي 59:
الجزء: 1 - الصفحة: 48
"ودخلت التتار بغداد واقتسموها كل نوين أخذ ناحية وبقي السيف يعمل أربعة وثلاثين يومًا، وقلَّ من سلم، فبلغت القتلى ألف ألف وثمانمائة ألف وزيادة".
ويشير ناجي معروف في تاريخه بقوله:
"أتت فتنة هولاكو على خزائن العلم والأدب فلم يتق شيئًا ولم يبق من الكتب إلَّا ما كان منه نسخ عديدة أو امتلكها أناس كانوا في نجوة من هذا الإِعصار.
. . إلخ" (1).
فلعل هذه الحوادث كالطاعون والوباء وما تلاه من مقاتل وفتن ونزاعات قد غيبت تاريخ وفاة الأدمي وعلى الأخص الوباء الذي لم يسلم منه أحد كما أشار المؤرخون.
المدارس العلمية وشيوع العلم
رغم ما شهدته هذه الفترة من فتن وحوادث كما بيّنا سابقًا، امتازت في الوقت نفسه بشيوع العلم ومدارسه المتعددة، وظهور أشهر علماء المسلمين ومصنفيهم، وأشهر المصنفات على حد سواء. وسنتعرض لبعض المدارس في الشام وبغداد على اعتبار أن العلامة الأدمي انتقل فيما بين العراق والشام واستقر في بغداد كما ذكرنا آنفًا، مع ذكر لأبرز العلماء والمصنفات بقدر الإِمكان.60
= أن أخرج إلى القاني الأعظم في تقرير الصلح، فخرج الكلب وتوثق لنفسه ورجع فقال: إن القاني قد ركب في أن يزوج بنته بابنك وأن تكون الطاعة له كالملوك السلجوقية ويرحل عنك، فخرج المعتصم في أعيان دولته فضربت رقاب الجميع.
الجزء: 1 - الصفحة: 49
أما المدارس فهي أكثر من أن تحصى سواء من حيث حجمها أو تخصصاتها أو مذاهبها.
المدارس في بلاد الشام
انقسمت المدارس في بلاد الشام إلى عدة أقسام حسب تخصصاتها ومواقعها والعلوم التي تدرس فيها على النحو التالي (1):
1 - دور القرآن الكريم.
2 - دور الحديث الشريف.
3 - دور الحديث والقرآن.
4 - المدارس الفقهية.
ويتصل بذلك الزوايا والخوانق ونحوها، غير أننا سنركز على الأنواع الأربعة وعلى الأخص ما عاصر منها فترة العلامة الإِمام الأدمي والعلامة الإِمام المجد عبد السلام.
أولًا: دور القرآن الكريم:
1 -
دار القرآن الكريم الرشائية:
أنشأها رشأ بن نظيف بن ما شاء اللَّه أبو الحسن الدمشقي في حدود سنة أربعمائة، وذكر النعيمي أنها قد زالت عينها وأدخلت في غيرها والتي منها الآن الأخنائية التي أنشاها محمد بن القاضي تاج الدين محمد الأخنائي الشافعي ودفن بها 816 هـ 62.61
الجزء: 1 - الصفحة: 50
2 -
دار القرآن الكريم السنجارية
(1): أنشئت في سنة 735 هـ، أنشأها علاء الدين بن إسماعيل بن محمود السنجاري.
3 -
دار القرآن الكريم الوجيهية
(2): أنشأها وجيه الدين محمد بن عثمان بن المنجي التنوخي في عام 701 هـ، وهو من شيوخ الحنابلة.
وهناك دور قرآن كثيرة قبل وبعد هذه الفترات، غير أننا ذكرنا المعاصر منها للعلامة الأدمي (3).
ثانيًا: دور الحديث الشريف:
1 -
دار الحديث الأشرفية
الجزء: 1 - الصفحة: 51
ذكر النعيمي أنها أنشئت في سنة 628 هـ بأمر الملك الأشرف وفتحت سنة 635 هـ، وأملى بها الشيخ تقي الدين ابن الصلاح (1)، الإِمام البارع الفقيه المفتي صاحب أشهر كتاب في مصطلح الحديث المعروف باسم "مقدمة ابن الصلاح" أو "علوم الحديث".
وفي "منادمة الأطلال" لابن بدران سماها "دار الحديث الأشرفية الأولى"، وقد فصل الحديث عنها وانتهى إلى ما آلت إليه في عصره.
2 -
دار الحديث الأشرفية البرانية
(2):
المقدسية بسفح جبل قاسيون، بناها الملك الأشرف مظفر الدين موسى ابن العادل أيضًا، للحافظ جمال الدين عبد اللَّه بن تقي الدين عبد الغني المقدسي، وقرر له معلومًا لكنه مات قبل فراغها.
وفي "منادمة الأطلال" لابن بدران سماها: "الأشرفية الثانية" (3).
3 -
دار الحديث البهائية:
كانت دار للشيخ بهاء الدين أبي محمد القاسمي، ابن الشيخ بدر الدين أبي غالب المظفر، فأوقفها آخر عمره دار حديث سنة 723 هـ.
4 -
دار الحديث الدوادارية والمدرسة والرباط:
وقفها الأمير علم الدين سنجر التركي الصالحي الدوادار، كان مكانها رواقًا له فجعله دار حديث سنة 698 هـ، وليها عدد من العلماء، وقد أفرد العلامة ابن بدران في منادمة الأطلال ترجمة حافلة لواقفها 71.686970
الجزء: 1 - الصفحة: 52
5 -
دار الحديث الحمصية
(1): كانت حلقة في الجامع الأموي لإِقراء الحديث، وكان لها وقف يقوم بمصالحها، درَّس بها الحافظ المزي (2)، ثم الحافظ صلاح الدين العلائي خليل ابن كيكلدى (3) سنة 728 هـ.
6 -
دار الحديث السكرية
(4):
لم يعرف واقفها، ولي مشيختها الإِمام العالم الفقيه شهاب الدين عبد الحليم ابن الشيخ الإِمام العلامة مجد الدين عبد السلام بن تيمية صاحب المحرّر، سمع من والده المجد وصار شيخ البلد بعد أبيه المجد.
ودرس بهذه المدرسة الشيخ الإِمام العالم العلامة تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني والشيخ زين الدين المنجَّا الحنبلي.
7 -
دار الحديث الشقشقية
أوقفها المحدث نجيب الدين أبو الفتح نصر اللَّه مظفر بن عقيل73747576
الجزء: 1 - الصفحة: 53
الشيباني الدمشقي، وقد سكنها الحافظ المزي قبل أن ينتقل إلى دار الحديث الأشرفية، توفي واقفها سنة 666 هـ.
8 -
دار الحديث الفاضلية
(1):
نسبة إلى عبد الرحيم بن علي القاضي محيي الدين العسقلاني (529 - 596 هـ): درس فيها علماء أفاضل وجهابذة، منهم الإِمام الحافظ الذهبي وغيره.
وكان القاضي العسقلاني من خواص السلطان صلاح الدين الأيوبي رحمه اللَّه تعالى.
9 -
دار الحديث القلانسية، والقوصية، والكروسية
(2):
بالصالحية، صاحبها عز الدين القلانسي (649 - 729 هـ) أحد رؤساء دمشق، بها رباط ومئذنة.
وهناك أيضًا دار الحديث القوصية، ودار الحديث الكروسية.
10 -
دار الحديث النورية
(3): بناها نور الدين محمود زنكي، الملك العادل، بدمشق، وهو أول من بنى دارًا للحديث كما ذكر النعيمي في "الدارس" 511 - 569 هـ. تولى مشيختها ابن عساكر الدمشقي إمام أهل الحديث في زمانه، ذكر النعيمي أن جملة شيوخ ابن عساكر 1300 شيخ ونيف و 80 امرأة، له تاريخ دمشق في 80 مجلدًا.
11 -
دار الحديث النفيسية:
واقفها هو إسماعيل بن محمد بن صدقة الحراني ثم الدمشقي (628 - 696 هـ).787980
الجزء: 1 - الصفحة: 54
وُلي مشيختها صاحب التذكرة الإِمام المقرئ المحدث علاء الدين علي بن المظفر الكندي الإِسكندراني ثم الدمشقي، ثم وليها بعده الإِمام علم الدين البرزالي (1).
12 -
دار الحديث الناصرية:
أنشأها الملك الناصر صلاح الدين يوسف حفيد السلطان صلاح الدين الأيوبي يوسف بن أيوب (2) فاتح بيت المقدس (627 - 659 هـ). درَّس فيها جمال الدين الشربيني وباشر مشيختها (694 - 779 هـ)، والشيخ حسام الدين القرمي (685 - 746 هـ)، وشرف الدين الغزاري (630 - 705 هـ) وغيرهم (3).
ثالثًا: دور القرآن والحديث معًا:
اشتمل هذا العصر أيضًا على دور تجمع بين القرآن والحديث، مما يدل على ازدهار العلم وتشعب مؤسساته، ويدل أيضًا على كثرة العلماء وطلاب العلم، فمن ذلك:818283
الجزء: 1 - الصفحة: 55
1 -
دار القرآن والحديث التنكزية
(1): أنشأها نائب السلطنة تنكز الملكي الناصري، وجعلها دار قرآن ورتب منها الطلبة والمشايخ سنة 728 هـ، تسلم المشيخة فيها صدر الدين بن عبد الحكم (643 - 749 هـ)، فهو معاصر لفترة الأدمي تقريبًا؛ وفي "منادمة الأطلال" أسماها جامع "تنكز".
2 -
دار القرآن والحديث الصبّانيّة
(2): أنشأها الصدر الحنبلي شمس الدين محمد بن أحمد بن محمد بن أبي العز الحراني ثم الدمشقي، المعروف بابن الصبان سنة 738 هـ، وذكر النعيمي أنه لم يقف على من وليها، تقع شمالي طبرية.
3 -
دار القرآن والحديث المعبدية
(3): داخل دمشق، وربما كانت دار قرآن فقط على ما ذكر النعيمي، تنسب إلى الأمير علاء الدين علي بن معبد البعلبكي، في سنة 746 هـ.
رابعًا: المدارس الفقهية:
كما تخصصت مدارس لتدريس الفقه على المذاهب الأربعة أو على مذهب معين، كمدارس الشافعية، ومدارس المالكية، ومدارس الحنفية والحنبلية.
وسنتعرض للمدارس الحنبلية لصلتها بموضوعنا.
ويلاحظ أن هذه المدارس تعادل أضعاف ما ذكر من دور القرآن ودور القرآن والسنَّة، فمثلًا بلغ عدد المدارس الشافعية حوالي 63 مدرسة،848586
الجزء: 1 - الصفحة: 56
والمدارس الحنفية حوالي 52 مدرسة، والمالكية 4 مدارس، والمدارس الحنبلية 11 مدرسة على ما ذكر النعيمي في "الدارس في تاريخ المدارس" 87، وعند ابن بدران في "منادمة الأطلال" تبلغ مدارس الشافعية حوالي 82 مدرسة، ومدارس الحنفية حوالي 51 مدرسة، والمدارس المالكية حوالي 4 مدارس، ومدارس الحنابلة حوالي 11 مدرسة 88.
ذكر ابن بدران في "منادمة الأطلال" مقدمة لطيفة في انتشار العلم، ثم ظهور المذاهب منذ العهد النبوي الشريف، ثم عصر الصحابة، ثم التابعين، ثم تابعيهم، ثم انتشار العلماء في الأمصار، وظهور الملوك والسلاطين الذين تبنوا رأي عالم من العلماء، إلى أن انتهى الأمر إلى الأئمة الأربعة.
فانتشر المالكي في الأندلس في عهد المرتضى بن هشام الملقب بالمنتصر سنة 180 هـ، ثم تبعهم بعد ذلك أهل أفريقية.
وفي عهد الخليفة القادر باللَّه أبي العباس أحمد تمكَّن الشيخ أبو حامد الإِسفرائيني من دولته واستخلف أبي العباس البازري الشافعي وساد الفقه الشافعي في بغداد.
وفي مصر انتشر الفقه المالكي وتبعه الحنفي ثم قدم الإِمام محمد بن إدريس الشافعي سنة 197 هـ، فتبه جماعة من أعيانها كالربيع والمزني وصاروا من أشهر أصحابه وتلامذته.
ثم فشى المذهب الشيعي في عهد جوهر الصقلي الذي أنشأ الأزهر، ثم الفاطمي الإِسماعيلي، إلى أن جاء السلطان صلاح الدين فأزال ذلك سنة 564 هـ وأنشأ المدرسة الشافعية.
الجزء: 1 - الصفحة: 57
وفي عهد السلطان نور الدين زنكي شاع المذهب الحنفي في بلاد الشام، ثم شاع المذهب الشافعي في عهد صلاح الدين الأيوبي.
وفي عهد سلطنة الملك الظاهر بيبرس البندقداري ولي في مصر أربعة قضاة هم: شافعي، مالكي، حنفي، وحنبلي.
وكان أول من ولي القضاء بدمشق من الحنابلة الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي الصالحي، وهو من مشايخ شيخ الإِسلام أحمد بن تيمية، توفي سنة 682 هـ. وقد شاع المذهب الحنبلي في العراق في عهد الإِمام أحمد وتلاميذه.
المدارس في بلاد الشام
مدارس الحنابلة
: من المدارس الحنبلية في بلاد الشام ما يأتي:
المدرسة الجوزية
أنشأها محيي الدين ابن الشيخ جمال الدين ابن الفرج عبد الرحمن ابن الجوزي (580 - 656 هـ)، وكتب على عتبة بابها: "هذا ما وقف الصاحب محيي الدين ابن الجوزي على مذهب الإِمام أحمد بن حنبل رضي اللَّه عنه.
. . "، وذلك في أيام الملك الصالح عماد الدين، وصاحبها هو ابن العلامة ابن الجوزي، وصار محيي الدين أستاذ دار المعتصم باللَّه، وقد قتل هو والخليفة المستعصم في سنة 656 هـ على يد هولاكو 91.
وممن درَّس بها شرف الدين حسن المقدسي (605 - 659 هـ)، ونجم الدين بن قدامة (651 - 689 هـ)، وشرف الدين بن قدامة (636 - 695 هـ)، وتقي الدين سليمان بن حمزة حفيد ابن قدامة المقدسي (628 - 715 هـ)،
الجزء: 1 - الصفحة: 58
وشهاب الدين الحافظ المقدسي (656 - 710 هـ)، وشمس الدين محمد بن مسلم بن مالك ابن زروع الدين الصالحي (660 - 726 هـ)، وعز الدين محمد بن سليمان المقدسي (665 - 731 هـ)، وشرف الدين عبد اللَّه المقدسي (646 - 732 هـ)، وعلاء الدين بن المنجّا (677 - 750 هـ) من المبرزين في المذهب، وشرف الدين ابن قاضي الجبل (693 - 771 هـ) من أشهر الأصوليين، وممن قرأ على تقي الدين ابن تيمية، وبرهان الدين ابن مفلح (749 - 803 هـ) ومنهم عز الدين الخطيب (ت 820 هـ) صاحب "النظم المفيد الأحمد في مفردات الإِمام أحمد" (1). وقد درس في المدرسة الجوزية أول حنبلي حكم بدمشق وأول حنبلي حكم بمصر، وهو شمس الدين أبو عبد اللَّه محمد بن عبد الوهاب بن منصور الحراني (610 - 675 هـ). ومنهم عز الدين ابن اللحام (770 - 846 هـ) وغيرهم كثير رحمهم اللَّه.
المدرسة الجاموسية
: بدمشق لم يعرف واقفها، كما أشار النعيمي وتبعه ابن بدران (2).
المدرسة الحنبلية الشريفة
واقفها شرف الدين عبد الوهاب ابن الشيخ ابن الفرج الحنبلي عبد الواحد الأنصاري (توفي 536 هـ). درس فيها كبار علماء الحنابلة من أشهرهم: الحافظ الرهاوي (536 - 612 هـ) عبد القادر، وزين الدين بن رجب (706 - 795 هـ) صاحب ذيل طبقات9394
الجزء: 1 - الصفحة: 59
الحنابلة (1)، وزين الدين أبو البركات بن عز الدين أبي عمرو عثمان بن أسعد المنجّا (631 - 695 هـ)، وعز الدين بن المنجّا محمد بن أحمد بن المنجّا محتسب دمشق (ت 746 هـ) وغيرهم.
المدرسة الصاحبية
(2):
أنشاتها ربيعة خاتون بنت نجم الدين أيوب بجبل الصالحية، ودفنت بمدرستها (ت 641 هـ)، أخت السلطان صلاح الدين.
وممن درس بها شمس الدين المرداوي (630 - 699 هـ)، شمس الدين ابن مفلح (712 - 763 هـ)، وبرهان الدين بن مفلح (749 - 803 هـ) وغيرهم.
المدرسة الصدرية
واقفها صدر الدين بن منجّا مات سنة سبع وخمسين وستمائة، أبو الفتح أسعد بن عثمان ابن وجيه الدين أسعد بن منجّا التنوخي (598 - 657 هـ). وممن درس بها شمس الدين ابن عبد الهادي 100 (705 - 744) وهو أبو عبد اللَّه محمد بن أحمد ابن عبد الهادي المقدسي الصالحي الحنبلي، لازم الحافظ المزي وتفقه بشيخ الإِسلام تقي الدين بن تيمية وكان من جملة أصحابه، ودرس بها إبراهيم بن محمد بن أبي بكر بن أيوب الشيخ العلامة برهان الدين ابن الشيخ المفنن شمس الدين المعروف بابن القيم الجوزية (719 - 767 هـ)، ودرس فيها شمس الدين ابن قيم الجوزية قبله (691 - 751 هـ) من أخص تلاميذ ابن تيمية رحمهما اللَّه تعالى،9798
الجزء: 1 - الصفحة: 60
ويلاحظ كثرة من درس فيها من آل قيم الجوزية وآل الزرعي.
المدرسة الضيائية المحمدية
:
بسفح قاسيون بانيها الفقيه ضياء الدين محمد المقدسي (1) (567 - 643 هـ) بجبل الصالحية.
وممن درس فيها شمس الدين ابن الكمال المحدث (607 - 688 هـ)، وزين الدين الحراني (685 - 749 هـ) ممن لازم تقي الدين بن تيمية، واسمه زين الدين أبو حفص عمر بن سعد اللَّه الحراني.
المدرسة الضيائية المحاسنية
: مدرسة ضياء الدين محاسن (ت 643 هـ) جعلها موقوفة على من يكون أمير الحنابلة يذكر فيها الدرس.
المدرسة العمرية الشيخية
(2): بانيها وواقفها الشيخ أبو عمر الكبير والد قاض القضاة شمس الدين الحنبلي (528 - 607 هـ).
المدرسة العالمية
(3): بسفح قاسيون، واقفتها الشيخة أمة اللطيف بنت الشيخ الناصح الحنبلي.
المدرسة المسمارية
في دمشق، واقفها الشيخ مسمار رحمه اللَّه، الهلالي الحوراني المقرئ (ت 546 هـ)، درس بها وجيه الدين بن منجّا (519 - 606 هـ)،102103104
الجزء: 1 - الصفحة: 61
شمس الدين بن منجّا عمر ابن القاضي وجيه الدين أسعد بن منجّا (557 - 641 هـ)، عز الدين بن منجّا (567 - 641 هـ) عثمان بن أسعد بن المنجّا، ووجيه الدين بن منجّا (630 - 701 هـ)، أبو المعالي محمد بن عز الدين عثمان بن المنجّا (1) وغيرهم.
المدرسة المنجائية
: وهي زاوية بالجامع الأموي كانت تعرف بابن منجّا، ووقفها ينسب إلى العلامة عثمان بن أسعد بن المنجّا (2).
خلاصة القول
: هذا ما ظهر في بلاد الشام على سبيل الاختصار، على الأخص دمشق والصالحية ونحوهما، وهذا غيض من فيض وإيجاز لتفصيل فقد صرفنا النظر عن الزوايا، والمساجد، والخوانق، ومدارس الطب، والربط وهي كثيرة لا تحصى في بلاد الشام مما يدل على أن المجتمع الذي عاش في وسطه الأدمي مجتمع علمي حافل بفنون العلم.
والآن نلقي نظرة على مدارس العراق في ذلك العصر وذلك لتكتمل صورة العصر الذي عاصره العلامة الأدمي.
المدارس في بغداد
يقتضي الأمر منا -كما أسلفنا- الإِشارة إلى المدارس في بغداد مقر الخلافة، وهي في الحقيقة من الأماكن التي نشأ فيها وانتسب إليها العلامة الأدمى، فمن المناسب أن نتعرف على المدارس العلمية على غرار ما ذكرنا في بلاد الشام.106107
الجزء: 1 - الصفحة: 62
حفلت بغداد منذ أواسط القرن الخامس الهجري بعدد كبير من المدارس والمعاهد المستقلة عن الجوامع، واستمرت في الازدياد إلى سقوط بغداد في يد المغول في سنة (656 هـ/ 1258 م)، فقد وصلت مدارسها حوالي 38 مدرسة منها ما أنشئ لمذهب واحد، ومنها ما أنشئ لأكثر من مذهب، ومنها للعلوم الأخرى غير علوم الدين.
وكانت بغداد حافلة علاوة على ما ذكر بدور القرآن ودور الحديث وحلقات المساجد وأماكن الدراسة كالمكاتب والكتاتيب والربط والخوانق ومجالس المناظرة ومجالس الإِملاء والندوات الأدبية والتحدث في دور العلم وخزائن الكتب، ولعل أول من أحدث المدارس هو نظام الملك سنة 457 هـ، وفي قول أنه قد سبقه المدرسة البنهفية بنيسابور، والمدرسة السعدية بنيت في عهد الأمير نصر بن سبكتكين أخو السلطان محمود وغيرهما 108.
وأشهر ما بني في القديم "المدرسة النظامية" -كما أسلفنا- ببغداد قرر فيها للفقهاء وشرع في بنائها في عام 457 هـ وفرغت في عام 459 هـ، وتوافد عليها الناس من المشرق والمغرب.
ومن المدارس المشهورة أيضًا المدرسة المستنصرية، جاء في وصفها في ترجمة بانيها المستنصر باللَّه الخليفة العباسي وبويع بالخلافة سنة 623 هـ:
"له الآثار الجليلة منها وهي أعظمها المستنصرية وهي أعظم من أن توصف وشهرتها تغني عن وصفها 109. . .، وقال في "الآداب السلطانية":
الجزء: 1 - الصفحة: 63
من أجلِّ فضائله التي لم يسبقه إليها أحد أنه أمر بإنشاء مدرسة على شاطئ دجلة وجعلها وقفًا على المذاهب الأربعة ووقف عليها وقوفًا حاصلها نحو 60 ألف دينار" (1). وقال محمد شاكر الكتبي في "فواته": "وبنى على دجلة من الجانب الشرقي فيما يلي دار الخلافة مدرسة ما بني على وجه الأرض مثلها وهي باربع مدرسين على المذاهب الأربعة، وعمل بيمارستانًا كبيرًا وبنى فيها مطبخًا ومزملة للفقراء ورتب لهم حمامًا وبالحمام قَوَمه" (2).
المدارس التي تدرس المذهب الحنبلي
: 1 -
مدرسة درب القيار أو "مدرسة الحراني":
شرق بغداد، وتعرف بمدرسة ابن بكروس، وهو أبو العباس أحمد بن محمد بن بكروس الحمامي الحنبلي بناها للحنابلة، كانت ولادته سنة 573 هـ (3).
2 -
مدرسة بنفشة:
وتسمى المدرسة الشاطئية، بنتها بنفشة زوجة الخليفة المستضيء باللَّه للحنابلة بباب الأزج بالجانب الشرقي من بغداد في عام 570 هـ.110111112
الجزء: 1 - الصفحة: 64
3 -
مدرسة ابن دينار
(1): وهي مدرسة للحنابلة أنشأها أبو حكيم إبراهيم بن دينار الهزداني البغدادي الملقب بالقدوة وكان يقيم فيه (480 - 556 هـ) وتسمى مدرسة أبي حكم أيضًا نسبة لواقفها.
4 -
مدرسة أبي سعد المخرمي
(2): بالجانب الشرقي، بناها أبو سعد المبارك بن علي بن الحسين، وهي مدرسة الشيخ عبد القادر الجيلاني وتعرف بالقادرية، وبمدرسة الجيلي أو مدرسة ابن المخرمي، وكانت للحنابلة في 561 هـ.
5 -
مدرسة الوزير
(3): وهي مدرسة للحنابلة للوزير عون الدين يحيى بن هبيرة بالجانب الغربي من بغداد بمحلة باب البصرة تكاملت عام 557 هـ، ودفن بها الوزير في عام 560 هـ وقد أجرى على الفقهاء الرواتب.
6 -
مدرسة ابن الشمحل
وهي مدرسة للحنابلة بناها عمر بن الشمحل بالمأمونية في الجانب الشرقي من بغداد فتحت في سنة 556 هـ، أعطيت للشيخ أبو حكيم النهرواني، وأعاد فيها ابن الجوزي.
وهناك مدارس للمذاهب الأربعة 118 مثل المستنصرية التي مر ذكرها، وقد أعاد فيها العلامة الأدمي صاحب المنور كما أسلفنا، والمدرسة البشيرية114115116
الجزء: 1 - الصفحة: 65
بالجانب الغربي من بغداد فتحت في عام 653 هـ، حضرها الخليفة المستعصم وجلسوا في وسطها، وممن درس فيها صفي الدين عبد المؤمن بن عبد الحق (1)، وهو علامة العراق ومدرس الحنابلة في المستنصرية.
7 -
المدرسة المجاهدية
(2):
نسبة إلى مجاهد الدين أيبك بن عبد اللَّه المستنصري الدواتي أمير البلاد بالدويدار، قتله هولاكو سنة 656 هـ في واقعة بغداد وأنفذ رأسه إلى الموصل.
بنى مدرسته للحنابلة، وممن درس بها صفي الدين ابن عبد الحق سابق الذكر في المدرسة البشيرية.
المدارس على المذاهب الأربعة
وبعد سقوط بغداد وعودة الأمور إلى الاستقرار كثرت المدارس على المذاهب الأربعة 121 منها:
- المدرسة العصمتية على المذاهب الأربعة حوالي سنة 678 هـ.
- مدرسة ابن الأثير مضافة إلى مجد الدين ابن الأثير المقتول في سنة 685 هـ.
- مدرسة ابن قاضي دقوقا على دجلة بناها بهاء الدين.
- المدرسة العلائية الشاطئية أنشأها علاء الدين ابن المؤمن كردمير في سنة 693 هـ على دجلة.
- المدرسة الغزانية أو الغازانية نسبة إلى السلطان محمود غازان.119120
الجزء: 1 - الصفحة: 66
- المدرسة الإِمامية البكرية بناها الملك أمان الدين يحيى البكري القزويني (ت 700 هـ).
- المدرسة المسعودية على صفة المستنصرية 785 هـ. هذا عدا الجوامع والمساجد والزوايا والخوانق، وقد اكتفينا بالمدارس ودور العلم لوفائها بحاجة الدراسة.
العلماء الذين عاصرهم الأدمي
وخلاصة القول: اتضح لنا بما لا يدع مجالًا للشك أن عصر الأدمي، عصر علم ومدارس ومعاهد وتأليف وتصنيف.
ولعل من أكابر أئمة مذهب الإِمام أحمد، قد عاصروا هذه الفترة ومن أبرزهم:
- تقي الدين أبو العباس ابن تيمية الحراني شيخ الإِسلام (661 - 728 هـ).
- شمس الدين أبو عبد اللَّه محمد بن مفلح المقدسي (708 - 763 هـ).
- زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن رجب السلامي (736 - 795 هـ). كما عاصر الأدمي أو لحق على آثار ثلة من جهابذة العلماء خاصة في فقه الإِمام أحمد منهم 122:
الجزء: 1 - الصفحة: 67
1 - المجد عبد السلام بن تيمية، صاحب "المحزر" (ت 652 هـ).
2 - ابن تميم محمد بن تميم الحراني الفقيه صاحب "المختصر" في الفقه (ت 675 هـ).
3 - ابن الصيرفي، يحيى ابن أبي منصور بن أبي الفتح الحراني الفقيه أحد مشايخ شيخ الإِسلام ابن تيمية (ت 678 هـ).
4 - مُنجّا بن عثمان بن أسعد بن المنجّا التنوخي الفقيه الأصولي المفسر النحوي له "الممتع شرح المقنع" (ت 695 هـ).
5 - ابن حمدان، أحمد بن حمدان بن شبيب النميري الحراني الفقيه الأصولي، له "الرعاية الكبرى والصغرى" (ت 695 هـ).
6 - محمد بن عبد القوي بن بدران المقدسى الفقيه المحدث صاحب منظومة الآداب، والفرائد في 5000 بيت، ونظم المفردات (ت 699 هـ).
7 - شيخ الإِسلام الإِمام أحمد بن تيمية الحراني (ت 728 هـ) وهو غني عن التعريف.
8 - عبد اللَّه بن محمد بن أبي بكر الزريرانى العراقى (ت 729 هـ)، وهو الذي أعاد الأدمي له في المستنصرية كما تقدم.
9 - الإِمام الحسيني بن يوسف الدُّجَيْلي البغدادي الحنبلي الفقيه الفرضي (ت 732 هـ)، صنف "الوجيز".
10 - الإِمام صفي الدين عبد المؤمن بن عبد الحق القَطيعي البغدادي، مدرس الحنابلة بالمستنصرية (ت 739 هـ). = تقي الدين ابن تيمية، فلعلها كبر ترجمة في الطبقات إذ استغرقت الصفحات 387 - 412 من الجزء الرابع، لابن رجب.
الجزء: 1 - الصفحة: 68
11 - العلامة عبد الرحيم بن عبد اللَّه الزريراني صاحب "إيضاح الدلائل في الفرق بين المسائل" 123 (ت 741 هـ).
12 - الإِمام شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ) وهو غني عن التعريف، ومن أشهر تلاميذ ابن تيمية شيخ الإِسلام.
13 - محمد بن مفلح بن محمد بن مفرج المقدسي ثم الصالحي الراميني شيخ الحنابلة في وقته وأحد مجتهدي المذهب (ت 763 هـ)، صاحب "الفروع".
14 - ابن قاضي الجبل، أحمد بن الحسن بن عبد اللَّه المقدسي من تلامذة شيخ الإِسلام ابن تيمية، صاحب "الفائق"، من أصحاب الاختيارات في المذهب (ت 771 هـ).
15 - محمد بن عبد اللَّه بن محمد الزركشي المصري صاحب "شرح الخرقي" (ت 774 هـ).
16 - زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن رجب السلامي (ت 795 هـ).
الجزء: 1 - الصفحة: 69
الفصل الرابع التعريف بمخطوط المنوَّر ونسبته إلى مؤلفه
التعريف بمخطوط المنوَّر في راجح المحرّر
تقدم آنفًا أن كتاب "المنوَّر في راجح المحرّر" يُعد من مهمات كتب الفقه على مذهب الإِمام أحمد.
وهذا الكتاب بصورته المخطوطة التي لم تحقق هو من مخطوطات علامة الكويت الشيخ عبد اللَّه الخلف الدحيان وقاضيها وعَلَمها رحمه الثه تعالى 124، الذي خلف مخطوطات نادرة وكثيرة خاصة في الفقه الحنبلي وبعض علوم الشرع الأخرى.
وهي محفوظة في وزارة الأوقاف والشؤون الإِسلامية في دولة الكويت في إدارة المكتبات والمخطوطات، التي أذنت مشكورة للمؤلف في الشروع في تحقيق هذا المخطوط القيم.
الجزء: 1 - الصفحة: 70
نسخة فريدة
ومخطوط المنوَّر فريد أوحد لا ثاني له -فيما أعلم-، فهو نسخة نادرة تفرّد بها العلامة الشيخ عبد اللَّه الدحيان ضمن مجموعته كما أسلفنا.
ويمتاز هذا المخطوط النادر بثلاث خصائص:
أولها: أنه مختصر لمحرّر المجد ابن تيمية.
ثانيها: أنه مقتصر على الراجح منه.
ثالثها: أنه كتاب فقه.
أما من حيث كونه مختصرًا للمحرّر فهذا ظاهر من عباراته التي سنأتي عليها بالتفصيل عند دراسة الكتاب، إذ أن مؤلفه يجنح إلى العبارات المختصرة المباشرة، كما أنه دمج بعض الأبواب واختصر عناوين بعضها وقسم المطول منها.
فالمحرر الذي هو أصله يحتوي على حوالي 25 كتابًا و 118 بابًا و 22 فصلًا و 3 فروع.
أما المنوَّر فيشتمل على حوالي 25 كتابًا و 148 بابًا و 37 فصلًا.
وأما من حيث كونه مقتصرًا على الراجح، فذلك أيضًا ظاهر من جهة أن المؤلف لا يتعرض للروايات والأوجه والاختيارات والتخريجات، بل يبادر إلى ذكر الراجح المعتمد من المذهب، وقد يختار الرواية الثانية ويقدمها أو أحد الوجهين ونحو ذلك.
وأما كونه كتابًا في الفقه يعني أنه لا يتعامل مع عبارات الأصوليين أو المحدثين إلَّا أنه يتعرض أحيانًا إلى الأحاديث لكنه يدرجها في عباراته كما في باب صلاة الاستسقاء حيث يذكر الأدعية المأثورة مع عبارة المتن مثلًا قوله:
فيدعو سرًّا ويقول: اللَّهم إنك أمرتنا بدعائك ووعدتنا إجابتك فقد
الجزء: 1 - الصفحة: 71
دعوناك كما أمرتنا.
. .، وقوله: فإن خافوا كثرته قالوا: اللَّهم حوالينا لا علينا.
. . ونحو ذلك في باب صفة الحج والعمرة في ذكره للأدعية المأثورة من الأحاديث النبوية كما سيظهر لنا لاحقًا عند دراسة المخطوط بالتفصيل.
ومع ذلك، فإن هذا النهج لا يخرجه عن كونه كتابًا فقهيًّا بأبوابه المعتادة.
وصف المخطوط
يقع المنوَّر بصورته المخطوطة في 148 صحيفة أي حوالي 74 ورقة من القطع المتوسط، وتسطيره ما بين 25 إلى 22 سطرًا، وكلماته ما بين 11 إلى 13 كلمة في السطر.
أما حالته العامة فجيدة وتكتنفه بعض الرطوبة من أوله وفي أثنائه في بعض الصفحات.
وقد يتخلله طمس أو سقط أو بياض، إلَّا أن ذلك قليل ولا يؤثر في سياق العبارات أو فهمها.
أما خطه فهو خط دارج يغلب عليه خط الثلث، ويتخلله خطوط أخرى كالنسخ والفارسي في بعض الجمل والكلمات وأحيانًا بعض الصفحات، إذ أن الناسخ لا يتقيد بأصول كل خط، وعمومًا فهو خط واضح مقروء إلَّا ما قل.
وفي آخر الكتاب سقط إذ أنه ينتهي إلى آخر "باب تعارض البينات" أي أن "كتاب الشهادات" و"كتاب الإِقرار" سقطا من الأصل.
ولكن بالرجوع إلى المحرر الذي هو مرجع صاحب المنوَّر اتضح لنا أن السقط لا يتعدى صفحة أو صفحتين على أقصى تقدير، ذلك أن المقدار الذي استغرقه هذان البابان يتراوح ما بين 5 إلى 6 صفحات في كتاب المحرّر المطبوع والذي استعنا به في فك عبارات المُرَجِّح.
الجزء: 1 - الصفحة: 72
نسبة الكتاب إلى مؤلفه
لا يختلف اثنان على أن "المنوَّر" صار علمًا على "الأدمي" كما مرّ بنا عند الإِشارة إلى أمهات كتب المذهب التي أحالت إلى كتابه واختياراته وترجيحاته.
ومرّ بنا كذلك تاكيد ذلك في قول العليمي صاحب "الدر المنضد" عنه: "الشيخ تقي الدين أحمد بن محمد الأدمي البغدادي، له المنوَّر في راجح المحرّر والمنتخب" 125.
الجزء: 1 - الصفحة: 73
الباب الثاني أصول كتاب المنوَّر بالإِشارة إلى المحرّر
الفصل الأول: المصادر التي استقى منها مؤلف المحرّر كتابه.
الفصل الثاني: المنهجية والمصطلحات التي استعملها صاحب المحرّر، وصاحب المنوَّر في عرض الروايات والراجح منها.
الجزء: 1 - الصفحة: 75
الفصل الأول المصادر التي استقى منها مؤلف المحرّر كتابه
لمَّا كان المنوَّر مقتصرًا على الراجح، عريًّا من الآيات والأحاديث والروايات والأقوال لأجل أنه ملخص للمحرّر، فكان من المناسب أن نتعرف على المصادر التي استقى منها صاحب المحرَّر مادة كتابه بالرجوع إليه وتمحيصه ليقرب لنا فهم المنوَّر.
وبتأمل المحرّر يلاحظ أنه قد أخذ عن علماء ومؤلفات وكتب بعضها ممن نقل مباشرة عن الإمام أحمد وبعضهم ممن ينتمي إلى الطبقة الأولى أو طبقة المتقدمين من أصحابه، وبعضهم ينتمي إلى أوائل الطبقة الثانية أو طبقة المتوسطين.
- فممن استقى منهم المجد مادة كتابه من بعض رواة الإِمام أحمد والناقلين عنه، وقد أشار إليهم في مواضع قليلة بقوله: نقلها حرب، أو نقلها الميموني ونحو ذلك، مما يدل على أن المجد قد اطلع على
مسائل أحمد ورواته
وهم أقرب طبقة من الإِمام، وقد ذكر في المحرَّر أربعة هم:
(1) أبو طالب (ت 244 هـ)
:
هو أحمد بن حميد أبو طالب المشكاني 126، المتخصص بصحبة الإمام أحمد.
روى عنه مسائل كثيرة وكان أحمد يكرمه ويعظمه، وصحب أحمد
الجزء: 1 - الصفحة: 77
إلى أن مات وهو من الجماعة القريبة من الإِمام أحمد، نقل عنه المجد في المحرّر في مواضع قليلة بقوله: "نقلها أبو طالب".
(2) إسحاق بن منصور (ت 251 هـ)
:
هو إسحاق بن منصور بن بهرام أبو يعقوب الكوسج المروزي (1)، كان عالمًا فقيهًا، وهو الذي دون عن الإمام أحمد المسائل في الفقه، قال عنه الإِمام مسلم صاحب الصحيح: ثقة مأمون، وقال عنه النسائي: ثقة، وقد ذكره المجد في المحرّر في مواضع منها في حكم الشروط والعيوب في النكاح.
. .، بقوله: نقل عنه ابن منصور (2/ 23) من المحرّر.
(3) الميموني (ت 274 هـ)
:
هو عبد الملك بن عبد الحميد بن مهران الميموني (2)، يقول عن نفسه: صحبت أبا عبد اللَّه من سنة خمس ومائتين إلى سنة سبع وعشرين، وعنده عن الإِمام أحمد مسائل كثيرة في 16 جزءًا.
وكان الإِمام أحمد يعتني به ويكرمه.
(4) الحربي (ت 285 هـ)
: هو إبراهيم بن إسحاق بن بشر أبو إسحاق الحربي 129، من الناقلين لمذهب الإِمام أحمد بن حنبل، وهو من الطبقة أو الجماعة التي قال فيها الأصحاب: "وإذا أُطلق الجماعة فالمراد بهم عبد اللَّه ابن الإِمام وأخوه صالح127128
الجزء: 1 - الصفحة: 78
وحنبل ابن عم الإِمام وأبو بكر المروذي وإبراهيم الحربي وأبو طالب والميموني" (1).
- وبالمثل فإنه نقل أيضًا عن
علماء جاؤوا بعد طبقة المتقدمين
حيث يلاحظ أنه يكثر النقل عن أبي بكر المعروف باسم "غلام الخلال" لملازمته للخلال، كما يستقي من الخلال كثيرًا والخرقي، ويكثر من الاستفادة من البعض كابن حامد (2)، لهذا لا بد أن نشير إلى هؤلاء بشيء من الترتيب مع الإِشارة إلى شيء من مؤلفاتهم وحياتهم (3)، وهم اثنا عشر:
(1) الخلال (ت 311 هـ)
:
هو أحمد بن محمد بن هارون أبو بكر، صاحب "الجامع"، و"العلل"، و"السنة"، و"الطبقات"، و"تفسير الغريب"، و"الأدب"، وهو الذي جمع في كتابه الروايات عن الإِمام.
وقد أشار إليه المجد في كتابه مرات عديدة 133.130131132
الجزء: 1 - الصفحة: 79
(2) الخرقي (ت 334 هـ)
: هو عمر بن الحسين بن عبد اللَّه بن أحمد الخرقي، وهو صاحب أشهر "مختصر" الذي يعرف بـ "مختصر الخرقي" الذي من أشهر شروحه المغني لابن قدامة (1).
(3) غلام الخلال (ت 363 هـ)
: هو عبد العزيز بن جعفر بن أحمد بن دارا، الإِمام المحدث الفقيه يكنى بأبي بكر، ويشير إليه المجد دائمًا بقوله: قال أبو بكر أو اختاره أبو بكر ويكثر من الإشارة إليه والنقل عنه في كتابه، وصرح المجد تارة بقوله: "نقلها أبو بكر في الشافي"، وقوله: "قال أبو بكر في الروح"، وقوله: "اختاره أبو بكر في التنبيه" إشارة إلى مؤلفاته وهي "الشافي" الذي ذكرناه، و"التنبيه" و"المقنع" و"زاد المسافر" في الفقه (2).
(4) ابن شاقلا (ت 369 هـ)
: هو إبراهيم بن أحمد بن عمر بن حمدان بن شاقلا -بسكون القاف- الفقيه الأصولي، وقد نقل المجد عنه في المحرَّر في موضع واحد تقريبًا كما في "صلاة الجمعة" (1/ 156) من "المحرَّر" 136.134135
الجزء: 1 - الصفحة: 80
(5) أبو الحسن التميمي (ت 371 هـ)
: هو عبد العزيز بن إسماعيل بن الحارث بن أسد أبو الحسن التميمي يشير إليه المجد، وجاء ذكره مثلًا في باب "نواقض الوضوء" بقوله عنه: "وقال أبو الحسن التميمي: لا ينقض" (1/ 15) (1).
(6) أبو حفص (ت 337 هـ أو 339 هـ)
:
هو عمر بن إبراهيم أبو حفص العكبري (2)، يشير إليه المجد بقوله: "حكاه أبو حفص واختاره" كما في كتاب الجنائز (1/ 184) من المحرّر وفي مواضع قليلة، له "المقنع" و"شرح الخرقي"، و"الخلاف بين الإِمامين أحمد ومالك".
وهو صاحب اختيارات وأقوال في المذهب كما في "المطلع"، وذكر أيضًا أنه أبو حفص العكبري (ت 387 هـ) واسمه عمر بن محمد بن رجاء (3).
(7) ابن بطة (ت 387 هـ)
: هو عبيد اللَّه بن محمد بن حمدان بن عمر بن عيسى أبو عبد اللَّه العكبري من مصنفاته "الإِنابة الكبير" و"الإِنابة الصغير" و"السنن"، وقد ذكره صاحب المحرّر وأشار إليه.
(8) الحسن بن حامد (ت 403 هـ)
: هو الحسن بن حامد بن علي بن مروان البغدادي، إمام الحنابلة في زمنه ومؤدبهم، ومعلمهم، وأستاذ القاضي أبي يعلى، له "الجامع في137138139
الجزء: 1 - الصفحة: 81
المذهب" وهو من أكبر المصنفات جمع فيه أقوال تلاميذ الامام أحمد، وله "تهذيب الأجوبة"، وله "شرح الخرقي".
ولقد أشار إليه المجد في المحرّر مرات عديدة ونقل عنه (1).
(9) ابن أبي موسى (ت 428 هـ)
: هو محمد بن أحمد بن أبي موسى الهاشمي صاحب "الإِرشاد" (2).
(10) القاضي (ت 458 هـ)
: هو محمد بن الحسين بن محمد بن خلف الفراء، قاضي القضاة، مجتهد المذهب، ويقول ابن بدران: بل المجتهد المطلق، له "الخلاف الكبير" و"شرح الخرقي"، له حوالي 55 مؤلفًا كما جاء في طبقات الحنابلة (2/ 193 - 230) وقد نقل عنه المحرَّر في مواضع بقوله: "قال القاضي" ونحو ذلك (3).
(11) أبو الخطاب (ت 510 هـ)
: هو محفوظ بن أحمد بن الحسن بن أحمد الكلوذاني البغدادي، أحد المجتهدين في المذهب، له في الفقه "الهداية"، و"الانتصار" وهو "الخلاف الكبير"، و"رؤوس المسائل" وهو "الخلاف الصغير"، وله كتاب "التمهيد" في أصول الفقه، وقد أشار إليه المحرَّر في مواضع بل إن للمجد صاحب المحرَّر شرحًا على الهداية لم يتمه كما قدمنا، وهو من رؤوس المذهب وله اختيارات.140141142
الجزء: 1 - الصفحة: 82
(12) ابن عقيل (ت 513 هـ)
: هو علي بن محمد بن عقيل البغدادي، الإِمام الفقيه الأصولي له كتاب "الفصول"، و"التذكرة"، و"كفاية المغني"، و"رؤوس المسائل"، وله "الفنون" أكبر مصنف في الإِسلام (1).
الطبقات التي نقل عنها صاحب المحرّر
وخلاصة القول: أن المجد عبد السلام ابن تيمية قد استفاد من هذه النخبة من العلماء سواء الذين عاصر بعضهم أو ممن تقدموا عليه كما هو ظاهر في ثنايا كتابه "المحرّر".
وبالمثل، فإن الأدمي الذي اختصر "المحرّر" وجعله مقتصرًا على الراجح، لابد وأنه راجع هذه المصادر وقلّبها ونظر فيها حتى يأتي اختصاره موافقًا لمقاصد صاحب المحرّر مع ترجيحات الأدمي بطبيعة الحال كما سيظهر لاحقًا.
ويمكن إجمال الملاحظات التالية على المجد في كتابه "المحرّر" أنه تعامل ونقل في كتابه عن أربعة طبقات من الأصحاب، هي:
1 -
" طبقة الرواة"
ممن روى مسائل أحمد يتقدمهم أبو طالب أحمد بن حميد المشكاني (ت 244 هـ)، وإسحاق بن منصور (ت 251 هـ)، وعبد الملك الميموني (ت 274 هـ)، وإبراهيم الحربي (ت 285 هـ)، وهي بلا شك أعلى درجات النقل.
2 -
" طبقة جامعي الروايات"
منهم الخلال (ت 311 هـ) حيث جمعها ومهدها في كتبه في 200 جزء، ومنهم الحسن بن حامد (ت 403 هـ) ممن جمع الروايات وصنّف في أصول المذهب.143
الجزء: 1 - الصفحة: 83
3 -
" طبقة مرجحي الروايات المنقولة"
منهم الخرقي (ت 334 هـ) ومنهم غلام الخلال "أبو بكر عبد العزيز بن جعفر" (ت 363 هـ)، نقل عنه أبو يعلى في الطبقات قوله: أن الخرقي خالفه في 60 مسألة وأن أبا يعلى تقصاها فوجدها 98 مسألة كما هو مثبت في الطبقات (1). 4 -
" طبقة أصحاب الاختيارات بين الروايات"
من مجتهدي المذهب منهم القاضي أبو يعلى (ت 458 هـ)، ومحفوظ الكلوذاني (ت 510 هـ) وغيرهما.
-
- *144
الجزء: 1 - الصفحة: 84
الفصل الثاني المنهجية والمصطلحات التي استعملها صاحب المحرّر وصاحب المنوَّر في عرض الروايات والراجح منها
مما لا شك فيه أن معرفة المصطلحات التي استعملها المجد في المحرّر وتلك التي استعملها الأدمي في المنوَّر سيقرب لنا فهم الروايات والراجح عند هذين العالمين الجليلين، ويوضح لنا المنهجية التي اتبعاها.
(1) التزام الاختصار في التاليف عند المُؤَلِّفَيْنِ
يقول المجد في خطبة كتابه المحرّر ما نصّه:
"أما بعد، فهذا كتاب في الفقه على مذهب الإِمام أبي عبد اللَّه أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني رضي اللَّه عنه.
هذبته مختصرًا ورتبته محرّرًا حاويًا لأكثر أصول المسائل وخاليًا من العلل والدلائل، واجتهدت في إيجاز لفظه تيسيرًا على طلاب حفظه.
. . " 145.
ويقول الأدمي في "المنوَّر في راجح المحرّر" ما نصّه:
"فهذا مختصر في الفقه على مذهب الإِمام الأنبل أحمد بن محمد بن حنبل سميته بالمنوَّر في راجح المحرّر، قرَّبت فيه جمل ألفاظه ليسهل على متعلمه وحفاظه.
. . " 146.
الجزء: 1 - الصفحة: 85
المتأمل لكلتا العبارتين يجد أن المصنفين التزاما الإِيجاز والاختصار في كتابيهما تيسيرًا للمتعلم والمتحفظ، وإن كان المنور أكثر إيجازًا مع الاقتصار على الراجح.
(2) استعمال الأصطلاحات الفقهية عند المجد في "المحرّر" وانعدامها في "المنوَّر"
استعمل المجد جملة من الاصطلاحات الفقهية، وهذا لأنه يعرض الروايات ويرجح بينها، بخلاف الأدمي الذي اقتصر على الراجح، وقد ظهرت الاصطلاحات التالية في المحرر (1):
الرواية
: استعمل المجد عدة صيغ للرواية في كتابه نحو قوله: "على روايتين"، "روايتان"، "رواية واحدة"، "روايتان منصوصتان".
يقول ابن تيمية في المسودة: "الروايات المطلقة نصوص أحمد وكذا قولنا وعنه".
وتعني "عنه"، أي: عن الإِمام أحمد وهو الحكم المروي عنه في مسألة نصًّا.
النص
: وجاء في المحرّر في عدة صور منها "المنصوص"، "نص عليه"، "روايتان منصوصتان"، "نص عليه أحمد".
والنص هو القول الصريح في الحكم ويتداخل النص مع الرواية في قوله: "روايتان منصوصتان" كما مر.
وتعتبر الرواية والنص أعلى صيغ عرض الروايات في المحرّر كما ظهر لي مع قوله: وعنه أيضًا إذ تكثر في كتابه بشكل ملفت للنظر، مما يدل على أن كتابه يتعامل مع النصوص والروايات الصريحة.147
الجزء: 1 - الصفحة: 86
الوجه
: فهو أقوال الأصحاب وتخريجاتهم لا من نص الإِمام.
وظهرت في المحرّر بعدة صيغ منها: "وعلى وجهين"، "وجهان"، "فعلى وجهين وهو
المذهب
"، "يحتمل وجهين".
وهذه الصيغة الاصطلاحية تكثر في المحرَّر.
ويختار منها المجد أحيانًا في قوله و"هي الصحيحة عندي"، وقوله: "وعندي يلزم كذا.
. . " ونحو ذلك.
وهذا يدل على أن المجد يستفيد من الوجوه التي ذكرها الأصحاب ممن مرّ ذكرهم في صدر هذا الباب.
المذهب: وهو ما قاله المجتهد أو ما يجري مجرى قوله ومات عليه.
وجاءت اصطلاحات هذا المعنى في المحرّر، نحو و"هو المذهب"، "المذهب المفتى به"، "فعلى وجهين وهو المذهب"، ونحو ذلك مما يدل على اشتمال المحرر على المذهب بكثرة والمفتى به منه.
النقل
: وهو نقل نصوص الإِمام والتخريج عليها، وتكثر في المحرّر خاصة نقول تلاميذ الإِمام أحمد كما أشرنا آنفًا نحو قوله: "نقلها حرب"، "نقلها أبو طالب"، "نقله الميموني"، "نقل عنه ابن منصور" (1).
الاحتمال
: وهو كون المسألة صالحة لأن يقال فيها بحكم بخلاف الحكم الذي قيل فيها، وجاءت صيغها في المحرّر في قوله مثلًا: "ويحتمل" كقوله في باب اللباس والتحلي "ويحتمل أن تحرم القبيعة" 149.148
الجزء: 1 - الصفحة: 87
المشهور
: وهو القول المعروف عن الإِمام عند معظم الأصحاب، ويذكره المجد في المحرّر بقوله مثلًا في "باب حكم قبض المبيع وتلفه قبله"، وعنه أن تصرف المشتري فيه جائز قبل القبض وإن تلف فمن ضمانه وهو المشهور (1). . .
التخريج
: فهو نقل حكم مسألة إلى ما يشبهها والتسوية بينهما فيه كما ذكر ابن بدران.
ومن صيغ التخريج في المحرّر قوله مثلًا: "ويتخرج على ذلك"، كقوله في باب الرد بالعيب: وإذا لم يعلم حتى خرج عن ملكه ببيع أو هبة أو عتق أو تلف فله الأرش لا غير ويتخرج أن يملك الفسخ ويغرم القيمة 151. وقوله في باب الوكالة: وإذا اشترى الوكيل أو المضارب بأكثر من ثمن المثل أو باع بدونه: صح ولزمه النقص والزيادة نص عليه ويتخرج أن يكون كتصرف الفضولي 152. . .
وهناك مصطلحات وألفاظ ليست بالكثرة بالمقارنة بما ذكر مثل "الحكاية" كقوله: "حكاها أبو الخطاب" 153. وكثيرًا ما ينقل عن أبي الخطاب وهو محفوظ الكلوذاني وقد مر ذكره.
ومنها "قيل" حيث إن المقدم غيرها كقوله في باب موقف الإِمام والمأموم: وإن وقف معه صبي فقيل: هو فذ، وقيل: ليس بفذ 154.150
الجزء: 1 - الصفحة: 88
(3) استعمال الجمل المختصرة الجامعة في "المنوَّر" والمطوله في "المحرّر"
نظرًا لأن "المنوَّر" مختصر ومقتصر على الراجح من "المحرّر" كما قدمنا، فإنه يستعمل عبارات جامعة ومختصرة من غير إخلال بالمقصود، فمن ذلك:
مثلًا ما يختصر فيه عنوان الباب ومتنه: كقوله في المحرر في باب "تطهير موارد الأنجاس":
"إذا أصابت نجاسة الكلب أو الخنزير غير الأرض وجب غسله سبعًا واحدة بتراب، وهل يقوم الأشنان ونحوه، أو الغسلة الثامنة على وجهين، فأما بقية النجاسات فعنه: تغسل سبعًا وفى استيراد التراب وجهان وعنه: تغسل ثلاثًا، وعنه لا يحسب العدد".
بينما جعلها الأدمي في "المنوَّر" في "باب غسل النجاسة":
قال في المنوَّر: "ومن كلب وخنزير سبعًا واحدة بتراب ومن غيرهما ثلاثًا".
فتأمل كيف اختصر العبارة وانتهى إلى الراجح وكيف اختزل العنوان أيضًا رحمه اللَّه.
(4) التعديل أو الزيادة على ما في المحرّر مع التحري التام للمقصود
ومنها ما قد يزيد على ما في المحرّر مع تحريه للعبارة المختصرة، مثلًا قوله في المحرّر: "باب الأغسال المستحبة"، وهي ثلاثة عشر: غسل الجمعة والعيد، والكسوف، والاستسقاء، والإحرام، ودخول مكة، والوقوف بعرفة، والمبيت بمزدلفة، ورمي الجمار، والطواف، والغسل من غسل
الجزء: 1 - الصفحة: 89
الميت، والإِفاقة من إغماء أو جنون لم يتيقن معه حكم وغسل المستحاضة لكل صلاة.
. .
قال في "المنوَّر":
"فصل: ويسن للجمعة والعيدين والاستسقاء والكسوفين والإِحرام حتى مع نفاس، ودخول مكة، والوقوف بعرفة، والمبيت بمزدلفة، والرمي والطواف، ومن غسل الميت، ولإِفاقةٍ بلا احتلام، والاستحاضةِ لكل صلاة.
. . ".
المتأمل للنصين يجد ما يلي من فروقات:
الأول: إن صاحب المنوَّر رحمه اللَّه قد وضعه تحت "فصل" تابع لـ "باب الغسل"، بينما المحرّر جعله تحت باب هو "باب الأغسال المستحبة".
الثاني: أنه زاد عليه في اللفظ كقوله: و"العيدين" و"الكسوفين" على التغليب، في مقابل قوله في المحرّر: و"العيد" و"الكسوف".
والثالث: أنه زاد عليه في الأغسال، فهي تقريبًا 14 غسلًا عند الأدمي في "المنوَّر" عند قوله: "مع نفاس"، و 13 غسلًا عند المجد في المحرَّر.
وهذا يدل على أن صاحب المنوَّر ليس فقط مختصر للمحرر بل منقح ومصحح.
(5) الترجيح والتقديم للروايات
ومنها مثلًا ترجيحه لإِحدى الروايتين والاقتصار على المعتمد، يقول في المحرَّر: "باب أركان النسكين وواجباتهما".
". . . وأما العمرة فأركانها الإِحرام والطواف، وفي السعي روايتان.
وواجباتها: الإِحرام من الميقات أو الحل، والحلق أو التقصير، وقد روى
الجزء: 1 - الصفحة: 90
عنه: أن الحلاق والتقصير لا يجب في حج ولا عمرة فيتحلل منهما بدونه.
. . ".
قال الأدمي في "المنوَّر":
فصل: "وأركان العمرة: الإِحرام، والطواف، وواجباتها الإِحرام من الميقات أو الحل، والسعي، والحلق أو التقصير.
. . ".
فتأمل كيف جعل القول على الراجح المعتمد عنده، رحمهما اللَّه تعالى.
ونحو ذلك في الأبواب اللاحقة كما سيأتي عند دراسة المخطوط بالتفصيل، وباللَّه التوفيق.
(6) اختصار وتغيير عناوين الأبواب والفصول
ومن ذلك أن الأدمي عمد إلى اختصار عناوين الأبواب والفصول جريًا على عادته طلبًا للاختصار، وذلك ليتوافق العنوان مع الأبواب والفصول المختصرة.
وهذا الأمر استغرق معظم أبواب وفصول المنوَّر، إذ لا يكاد يتفق مع صاحب المحرَّر إلَّا في بعض الأبواب والفصول.
فمن ذلك مثلًا: "باب تطهير الأنجاس" في المحرَّر أسماه: "باب غسل النجاسة"، و"باب السواك وأعواده" في المحرّر، وفي المنوَّر "باب السواك"، و"باب صفة الوضوء" في المحرّر يقابله "باب الوضوء" في المنوَّر، و"باب المسح" في المنوَّر يقابله "باب المسح على الخفين وغيرهما" في المحرَّر، و"باب الغسل" في المنوَّر يقابله ثلاثة أبواب في المحرَّر، أي أنه ضم في باب الغسل ثلاثة أبواب هي: "باب موجبات الغسل" و"باب الأغسال المستحبة" و"باب صفة الغسل" في المحرّر، وقس على ذلك، والحال نفسه يقال عن الفصول.
الجزء: 1 - الصفحة: 91
وللدلالة على مواضع الزيادات والتغيير وضعنا علامة: [زد] وتحتها رقم الزيادة، وقد بلغت ما يقارب الثمانين زيادة.
كما جعل المنوَّر مقتصرًا على الكتب والأبواب وهي التي حملت عناوين، أما الفصول فبعضها مما استحدثه وبعضها مما اختصره من بعض الأبواب، وبالنظر يلاحظ أنه اختصر الأبواب والفصول بما يقارب الربع تقريبًا.
(7) ترك التعريف بموضوع الباب أو الفصل
ومن منهجه كذلك ترك تعريف موضوع الباب أو الفصل سواء لغة أو اصطلاحًا، بل يدخل في حيثياته مباشرة ونادرًا ما يعرف، ويكاد يوجد ذلك في معظم الأبواب والفصول طلبًا للاختصار.
فمثلًا في "كتاب الطهارة" لم يعرِّف الطهارة بل انتقل إلى أقسام المياه مباشرة، وكذا "باب غسل النجاسة" وكذا "باب التيمم" و"باب الحيض" أو "النفاس"، والحال نفسه في "باب المعاملات" مثل "كتاب البيوع" وأبوابه المختلفة، والشيء نفسه يقال في أبواب العدد وغيرها، خلافًا للمحرّر الذي يعرّف غالبًا خاصة من الناحية الشرعية.
(8) تقديم بعض الأبواب وتأخير بعضها على غير طريقة المتأخرين
يلاحظ كذلك أن الأدمي رحمه اللَّه اتبع منهج المحرّر، فتجده يقدم بعض الأبواب ويؤخر بعضها، فمن ذلك مثلًا أنه جعل "كتاب الجهاد" في آخر الكتاب قبل "باب الأطعمة" وعقب "باب الحدود"، بينما المتأخرون يجعلون "كتاب الجهاد" عقب "كتاب الحج" كما في "الإِقناع" و"المنتهى" و"الغاية" وغيرها.
الجزء: 1 - الصفحة: 92
(9) تجنبه للعبارات المستغلقة
يمتاز الأدمي رحمه اللَّه تعالى بسهولة عباراته وسلاستها ودقتها مع الاختصار المناسب وغير المخل في أصل كتابه الذي هو المحرّر.
ولعل من أبرز نتائج ذلك أن اتجه محققو المذهب إلى منوَّره لمعرفة الراجح والمجزوم به، حتى أن صاحب الإِنصاف رجع إلى المنوَّر أكثر من رجوعه إلى المحرّر، ولا تكاد تخلو صفحة من الإِنصاف إلَّا وفيها ذكر "المنوَّر" و"المنتخب" للعلامة الأدمي.
بهذا يكون العلامة الأدمي قد خدم المحرّر خدمة جليلة، ذلك أنه قربه للعلماء وطلاب العلم، فرحمهما اللَّه جميعًا.
(10) التقديم والتأخير في محتويات الباب والفصل
يلاحظ على منهج الأدمي رحمه اللَّه أنه لا يتوافق كثيرًا مع ما يذكره المجد في الأبواب والفصول من حيث بداية الباب أو الفصل ومحتوياته، بل يقدم ويؤخر، وهذا ظاهر في معظم الأبواب والفصول.
فمثلًا يقول المحرّر في باب تطهير موارد الأنجاس في بدايته: إذا أصابت نجاسة الكلب أو الخنزير الأرض وجب غسله سبعًا.
. . إلخ، ويقول في المنوَّر: في هذا الباب الذي أسماه باب غسل النجاسة في بدايته: "يكره بماء زمزم، وتغسل من السبيلين مكاثرة.
. . ومن كلب وخنزير سبعًا.
. . إلخ".
الجزء: 1 - الصفحة: 93
الباب الثالث "نبذة عن المصطلحات الفقهية عند الحنابلة"
الفصل الأول: اصطلاحات الإمام أحمد وأصحابه.
الفصل الثاني: أصول الإِمام أَحمد في استنباط الفروع.
الفصل الثالث: راجح المذهب عند المتأخرين.
الفصل الرابع: مفردات المذهب.
الجزء: 1 - الصفحة: 95
الفصل الأول اصطلاحات الإِمام أحمد وأصحابه
تستدعي الدراسة ضرورة التعرف على الاصطلاحات الفقهية التي يستخدمها الفقهاء الحنابلة مع الإِشارة إلى أصول الإِمام أحمد في استنباط الفروع وما يتصل من ذلك بمفهوم "الراجح" و"المعتمد" في المذهب.
ولا بد من القول أن الإمام أحمد رحمه اللَّه لم يؤلف كتابًا مستقلًّا في الفقه، وإنما أخذ أصحابه ذلك من فتاويه وأجوبته وأقواله وأفعاله، فإن ألفاظه إما صريحة، أو ظاهرة مع احتمال، أو محتملة لشيئين 155.
وللإِمام أحمد رحمه اللَّه وأصحابه وتلاميذهم اصطلاحات فقهية لها مدلولات ومفاهيم ينبغي الوقوف عليها وبيان مقاصدها، إذ يصعب على القارئ فهم كتب المصنفين في الفقه دون علم مسبق بهذه الاصطلاحات وهي مقسمة إلى قسمين:
أولًا: اصطلاحات الإِمام أحمد.
ثانيًا: اصطلاحات أصحابه ومن تبعهم.
الجزء: 1 - الصفحة: 97
أولًا: اصطلاحات الإمام أحمد رحمه اللَّه تعالى
(1) وهي الألفاظ الدالة على مراده، وقد جمعها أصحابه واجتهدوا في تحديد وبيان المراد منها، وهي على النحو التالي:
- قوله: "لا يصلح" أو "لا ينبغي" للتحريم.
- قوله: "لا بأس" و"أرجو أن لا بأس"، للإباحة.
- قوله: "أخشى" أو "أخاف أن يكون" أو "لا يكون" ظاهر في المنع، وقيل: بالوقف.
- قوله: "أحب كذا" أو "أستحبه" أو "أستحسنه" أو "هو أحسن" أو "يعجبني" أو "هو أعجب إلي": للندب، وقيل: للوجوب.
- قوله: "أكره كذا" أو "لا يعجبني" أو "لا أحبه" أو "لا أستحسنه" للتنزيه والكراهة، وقيل: للتحريم.
- قوله: "أستقبحه" أو "هو قبيح" أو قال: "لا أراه"، فهو حرام.
- قوله: "هذا حرام"، ثم قال: "أكرهه" أو "لا يعجبني" فحرام، وقيل: مكروه.
ثانيًا: اصطلاحات أصحابه ومن تبعهم
استعمل أصحاب الإِمام أحمد ومن تبعهم عددًا من الاصطلاحات التي قربت المذهب ويسرت الوصول إلى المعتمد، وهي مما استنبط في فهم أقوال وعبارات الإِمام أحمد رحمه اللَّه.
ولا يكتمل الفهم إلَّا بالإِشارة إليها خاصة وأنها تكثر في كتب الفقه، ومنها "المحرّر" لابن تيمية باعتبار أنه يذكر الروايات والأقوال والأوجه.156
الجزء: 1 - الصفحة: 98
ومن هذه المصطلحات (1):
النص
: وهو القول الصريح في الحكم بما لا يحتمل غيره ويستعمل لها قولهم: "نصًّا"، "نص عليه"، "نص عليهما".
. . إلخ.
الرواية
(2): ومن الصيغ المستعملة للدلالة عنها قولهم: "في رواية" أو "فيه روايتان" ويدخل معها "المنصوص عنه"، وقولهم: "نصًّا"، وقولهم: "نص عليه" و"كذا فعله أحمد"، و"عنه" و"نقل عنه" ويدخل معها
التنبيه
ات بلفظه نحو: "أومأ إليه" أو "أشار إليه" أو "دل كلامه عليه".
لهذا، فالرواية مصطلح عام يدخل معه النص والتنبيه، ويقول ابن مفلح في مقدمة "الفروع" إن قوله الأصح، أي: أصح الروايتين 159.157158
الجزء: 1 - الصفحة: 99
التنبيه
: والمستعمل لها قولهم: "أومأ إليه أحمد"، أو "أشار إليه"، أو "دلَّ كلامه عليه" و"توقف فيه أحمد" وقد يدخلها البعض مع الرواية كما مرّ، وبمعنى آخر فإن التنبيه مما نفهم من قول أو عبارة الإِمام وليس تصريحًا والتنبيه من قبيل النصوص وليس بقياس كما قال في المسودة.
الوجه
(1): ويستعمل لها قولهم: "في وجه"، "على وجهين"، "على ثلاثة أوجه" ونحو ذلك، وهي ما نقل في المسألة من قبل المجتهد لا من نص الإِمام، أو الحكم المستنبط بالقياس من مسألة إلى مسألة تشبهها (2). يقول ابن بدران: الأوجه أقوال الأصحاب وتخريجاتهم إن كانت مأخوذة من كلام الإِمام أو إيمائه أو دليله أو تعليله أو سياق كلامه (3)، ويقول ابن مفلح في الفروع: إن قوله: "في الأصح"، أي: أصح الوجهين.
التخريج
: التخريج هو نقل حكم مسألة إلى ما يشبهها والتسوية بينهما، قاله ابن بدران.
ويستعمل لها قولهم "ويتخرج كذا"، و"يتخرج عليه"، والفرق بين التخريج والوجه أن التخريج نقل الحكم من مسألة إلى مسألة بالقياس، أما الوجه فهو الحكم المنقول بالتخريج الذي هو طريق إثبات الوجه.160161162
الجزء: 1 - الصفحة: 100
القول
: ويستعمل له "على قول"، "أو فيها قولان"، يقول ابن بدران: أما القولان فقد يكون الإِمام نص عليهما أو نص على أحدهما وأومأ إلى الآخر، وقد يكون مع أحدهما وجه أو تخريج أو احتمال بخلافه، ويشمل القول أيضًا: الوجه و
الاحتمال
والتخريج.
والفرق بين القول والرواية أن الرواية هي الحكم المنصوص عن الإِمام أحمد، أما القول فهو الحكم المنسوب إليه وجهًا أو احتمالًا أو تخريجًا.
الاحتمال: ويستعمل لها "يحتمل كذا"، أو "احتمل"، أو "احتمال"، وهو دليل مرجوح بالنسبة إلى ما خالفه أو لدليل مساوٍ له كما قال ابن بدران، ويفارق الوجه إن الاحتمال غير مجزوم به في الفتيا.
التقديم
: ويستعمل لها قولهم: "وقدمه"، "قدمه" وهو جعل القول
الراجح
في المسألة مقدمًا على غيره مع ذكر المرجوح بلفظ مشعر بالتضعيف، كما في مقدمة محقق الشويكي.
المذهب
: يقول ابن بدران: مذهب الإِنسان ما قاله أو دل عليه بما يجري مجرى القول في تنبيه أو غيره.
ويقول في المسودة: مذهبه ما نص عليه أو نبَّه عليه أو شملته علته التي علل به، واختلفوا في القياس على قوله ومفهوم كلامه ولازم مذهبه وفعله، أي: هل يكون مذهبه أم لا؟ على تفصيل.
الراجح 163: ويستعمل له "وهو الراجح"، "في الأرجح"، "على الراجح من المذهب" ونحو ذلك، قال في المسودة: مما يرجح به أحد العلتين أن تستوي في معلولاتها، وترجح إحدى العلتين بكون
الجزء: 1 - الصفحة: 101
أصلها مجمعًا عليه والأخرى أصلها مختلف فيه، وترجح العلة بكونها مفسرة والأخرى مجملة وترجح بموافقة ظاهر الكتاب أو يوافق السنَّة، وترجح بموافقة قول الصحابي، ويكون دليل أصل أحدهما أقوى من الأخرى أو يكون قطعيًا والآخر ظنيًّا أو نصًّا والآخر عمومًا، ومنها أن تكون إحداهما تندب والأخرى توجب، أو إحداهما تندب والأخرى تبيح فيقدم الإِيجاب لأن فيه ندبًا وزيادة، ويقدم الندب على الإِباحة لأن الندب فيه إباحة وزيادة ونحو ذلك، وهذا المصطلح عليه مدار ترجيحات المنوَّر على المحرّر.
و
خلاصة القول
: يمكن إجمال ذلك كله بما جاء في "المسودة" 164: "يقول شيخ الإِسلام تقي الدين ابن تيمية رحمه اللَّه تعالى: الروايات المطلقة نصوص أحمد وكذا قولنا و"عنه".
وأما التنبيهات بلفظه فقولنا: "أومأ إليه أحمد أو أشار إليه أو دلَّ كلامه عليه أو توقف فيه".
وأما الأوجه فأقوال الأصحاب وتخريجاتهم إن كانت مأخوذة من قواعد الإِمام أو إيمائه أو دليله أو تعليله أو سياق كلامه.
وإن كانت مأخوذة من نصوص الإِمام أو مخرجة منها فهي روايات مخرجة أو منقولة من نصوصه إلى ما يشبهها من المسائل إن قلنا: ما قيس على كلامه مذهب له.
وإن قلنا: لا، فهي أوجه لمن خرجها وقاسها.
الجزء: 1 - الصفحة: 102
فإن خرج من نص ونقل إلى مسألة فيها نص يخالف ما خرج فيها، صار فيها رواية منصوصة ورواية مخرجة منقولة من نصه إذا قلنا المخرج من نصه مذهبه، وإن قلنا: لا، ففيها رواية لأحمد ووجه لمن خرجه.
فإن خالفه غيره من الأصحاب في الحكم دون طريق التخريج ففيها وجهان، ويمكن جعلها مذهبًا لأحمد بالتخريج دون النقل لعدم أخذهما من نصه، وإن جهلنا مستندهما فليس أحدهما قولًا مخرجًا للإِمام ولا مذهبًا له بحال.
فمن قال من الأصحاب هنا "هذه المسألة رواية واحدة" أراد نصه، ومن قال: "فيها روايتان"، فإحداهما بنص والأخرى بإيماء أو تخريج من نص آخر له أو بنص جهله منكره، ومن قال: "فيها وجهان"، أراد عدم نصه عليهما فلا يعمل إلَّا بأصح الوجهين وأرجحهما.
وأما القولان فقد يكون الإِمام نص عليهما أو نص على أحدهما وأومأ إلى الآخر، أما التخريج فهو نقل حكم مسألة إلى ما يشبهها والتسوية بينهما فيه، وأما الوقف فهو ترك الأخذ بالأول والثاني والنفي والأثبات إن لم يكن فيها قول لتعارض الأدلة وتعادلها عنده فله حكم ما قبل الشرع.
وهناك اصطلاحات أخرى نبينها في محلها عند التعامل مع "المنوَّر" و"المحرّر" عن قرب منها مثلًا: "ظاهر المذهب" ومن صيغها "الأظهر" و"في ظاهر المذهب"، ومنها "الصحيح" ومن صيغها "على الصحيح" و"هو الصحيح" و"على الأصح"، ويقول ابن مفلح في مقدمته على "الفروع" أن قوله: "الأصح"، أي: أصح الروايتين، وقوله: "على الأصح"، أي: أصح الوجهين، ومنها "المشهور" ومن صيغها "المشهور في المذهب"، و"على الأشهر" أو "وهو الأشهر أو الأظهر" وغير ذلك.
الجزء: 1 - الصفحة: 103
ثالثًا: ما يطلقه الأصحاب من أسماء وألقاب على علماء المذهب
لعل من المناسب أن نتعرف على ما يستعمله الأصحاب من مسميات وألقاب للدلالة على أعلام المذهب، كما أن لبعضها ارتباطًا بأكثر من عَلَم حسب الطبقة التي ينتمي إليها المستخدم لهذه الألقاب على ما يأتي (1):
القاضي
: يطلق عند المتقدمين والمتوسطين للدلالة على القاضي أبي يعلى، محمد بن الحسين بن محمد بن خلف الفراء الملقب بأبي عصر المتوسطين (ت 458 هـ). وإذا قالوا: أبو يعلى الصغير فيعنون به ابنه محمد أبا الحسين الفراء صاحب "طبقات الحنابلة" (ت 526 هـ). أما "المتأخرون" كصاحب "الإِقناع" و"المنتهي"، أي: الحجاوي والفتوحي، فالقاضي عندهم هو القاضي علاء الدين علي بن سليمان المرداوي (ت 885 هـ) صاحب الإِنصاف.
المنقح
: يطلقه المتأخرون على القاضي علاء الدين علي بن سليمان المرداوي (ت 885 هـ) لأنه نقح المقنع في كتابه "التنقيح المشبع" الذي هو خلاصة كتابه "الإنصاف".
الشيخ
: إذا أطلقه "المتأخرون" و"المتوسطون" كصاحب الفروع، أي: ابن مفلح (ت 763 هـ) أرادوا به العلامة الموفق 166 ابن قدامة165
الجزء: 1 - الصفحة: 104
المقدسي (ت 620 هـ)، قال في "نظم المفردات":
فحيثُ بالشيخِ مقالي أُطلِقُ ... فهو الإِمامُ العالِمُ المُوَفَّقُ
وكثيرًا ما يطلق المتأخرون "الشيخ" ويريدون به شيخ الإِسلام ابن تيمية، ومنهم ابن قندس في حواشي الفروع.
ويقول العلامة مرعي الكرمي في مقدمته في غاية المنتهى: "والمراد بالشيخ حيث أطلق شيخ الإِسلام وبحر العلوم أبو العباس أحمد تقي الدين ابن تيمية"، واشتهر ابن تيمية أيضًا بـ "شيخ الإِسلام" و"تقي الدين" (1).
الشيخان
: يطلق هذا اللقب على الموفق والمجد عبد السلام صاحب المحرّر (2)، وقد يطلق على المجد، وحفيده شيخ الإِسلام ابن تيمية، قال "صاحب المفردات": وإنْ أَقُلْ في نظمي الشيخانِ ... فالمجدَ أعني معه الحراني
الشارح
: يطلق على الشيخ شمس الدين عبد الرحمن ابن الشيخ أبي عمر المقدسي صاحب الشرح الكبير، ويسمى "صاحب الشرح" أيضًا، وإذا قالوا "الشرح" أو "في الشرح"، فالمعني به هو وشرحه، وأكد ذلك المرداوي في تصحيح الفروع (3).
الجماعة
: ويستعمل لها قولهم "رواة الجماعة"، فيراد بهم وما رواه السبعة عن الإِمام وهم: ابنه عبد اللَّه وابنه صالح وعمه حنبل، وأبو بكر167168169
الجزء: 1 - الصفحة: 105
المرُّوذي وإبراهيم الحربي وأبو طالب الميموني (1). كما تفرد بعض العلماء باصطلاحات وألفاظ وبينوا مقاصدهم بها منها:
خلافًا له:
وهو من ألفاظ العلامة مرعي الكرمي في غاية المنتهى في الجمع بين الإقناع والمنتهى، يقول في مقدمة كتابه "مشيرًا لخلاف الإقناع" بـ "خلافًا له".
خلافًا لهما:
وهو أيضًا للعلامة مرعي الكرمي يقول فيه مشيرًا لخلاف "الإِقناع" بـ "خلافًا له" فإن تناقض زدت "هنا" ولهما بـ "خلافًا لهما" (2).
ويتجه
: وهو أيضًا من ألفاظ العلامة مرعي الكرمي في الغاية يقول "ولما أبحثه" غالبًا جازمًا به بقولي "ويتجه".
-
- *170171
الجزء: 1 - الصفحة: 106
الفصل الثاني أصول الإمام أحمد في استنباط الفروع
كان الإِمام رحمه اللَّه لا يتعدى طريقة الصحابة والتابعين لهم بإحسان ولا يتجاوزها، وهي عادته في التوحيد والفتيا وفي الفقه والاعتقاد.
وقد صرح مجتهدو مذهبه أن فتاواه مبنية على خمسة أصول (1)، من المهم معرفتها لكي يتسنى لنا تصور رواياته ونصوصه حسب فهم أصحابه (2):
الأصل الأول: "النص"
:
فإذا وجد النص أفتى بموجبه ولم يلتفت إلى ما خالفه أو من خالفه، فلم يكن يقدم على الحديث الصحيح عملًا ولا رأيًا ولا قياسًا ولا قول صاحب ولا علمه بالمخالف الذي يسميه كثير من الناس بالإِجماع ويقدمونه على الحديث الصحيح.
ويقول ابن القيم: إن أحمد قال: كذب من ادعى الإِجماع ولم يسغ تقديمه على الحديث الثابت، لهذا لا ينعقد الإِجماع مع172173
الجزء: 1 - الصفحة: 107
مخالفة مجتهد واحد يعتمد قوله عند أحمد رحمه اللَّه وأصحابه والأكثر أنه لا يسمى إجماعًا مع المخالفة ويشترط لصحة الإِجماع انقراض العصر قبل الاختلاف.
الأصل الثاني: "فتوى الصحابة"
:
كان رحمه اللَّه إذا وجد لبعض الصحابة فتوى لا يعرف لها مخالف منهم فيها لم يتجاوزها إلى غيرها، ولم يقل ذلك إجماعًا بل من ورعه في العبارة يقول: لا أعلم شيئًا يدفعه أو نحو ذلك.
وكانت فتاواه مطابقة لفتاوى الصحابة حتى أن الصحابة إذا اختلفوا على قولين جاء عنه في المسألة روايتان.
الأصل الثالث: "ما وافق الكتاب والسنَّة":
إذا اختلف الصحابة رضوان اللَّه عليهم تخير من أقوالهم الأقرب إلى الكتاب والسنَّة ولم يخرج عن أقوالهم.
فإن لم يتبين له موافقة أحد الأقوال حكى الخلاف فيها ولم يجزم بقول.
الأصل الرابع: "الأخذ بالمرسل والحديث الضعيف"
إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه، وهو الذي رجحه على القياس، وليس المراد بالضعيف عنده الباطل ولا المنكر ولا ما في روايته متهم بحيث لا يسوغ الذهاب إليه في العمل.
بل الحديث الضعيف عنده قسيم الصحيح وقسم من أقسام الحسن، ولم يكن يقسم الحديث إلى صحيح وحسن
الجزء: 1 - الصفحة: 108
وضعيف بل إلى صحيح وضعيف، وللضعيف عنده مراتب.
فإذا لم يجد في الباب أثرًا يدفعه ولا قول صحابي ولا إجماعًا على خلافه كان العمل به عنده أولى من القياس لشدة تمسكه بالحديث.
الأصل الخامس: "القياس"
: إذا لم يكن في المسألة نص، ولا قول الصحابة أو صحابي، ولا أثر مرسل أو ضعيف عدل إلى القياس، فاستعماله له ضرورة إذ أنه يكره أن يفتي في مسألة ليس فيها أثر عن السلف، وكان يقول لأصحابه: إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام 176.
والخلاصة كما جاء في "المسودة" 177 لآل تيمية عن مذهب الإِمام أحمد مما يتصل بالأصول الخمسة المذكورة:
أن ما أجاب عنه بكتاب أو سنَّة أو إجماع أو قول بعض الصحابة فهو مذهبه، لأن قول أحدهم حجة على الأصح.
وما رواه من سنَّة أو أثر وصححه أو حسَّنه أو رضي بسنده أو دوَّنه في كتبه ولم يرده ولم يُفْت بخلافه فهو مذهبه.
وإن ذكر عن الصحابة مسألة فيها قولين، فمذهبه أقربهما من كتاب أو سنَّة أو إجماع، سواء عللهما أم لم يرجح أحدهما ولم يختره.
الجزء: 1 - الصفحة: 109
الفصل الثالث
راجح المذهب عند المتأخرين
طبقة متأخري المذهب وكتبهم المعتمدة للراجح من المذهب
178 المعتمد من المذهب الآن هو ما رجحه المتأخرون، وهم من جاء بعد الموفق ابن قدامة والمجد وغيرهم من طبقة المتوسطين، أي بعد عام 884 هـ، وهم: 1 - مصحح المذهب أو المنقح، علي بن سليمان المرداوي في كتابه "الإِنصاف"، وخلاصته "التنقيح المشبع" (ت 885 هـ). 2 - موسى الحجاوي في كتابه "الإِقناع" و"زاد المستنقع في اختصار المقنع" (ت 968 هـ). 3 - محمد بن عبد العزيز الفتوحي المعروف بابن النجار، صاحب "منتهى الإرادات في الجمع بين المقنع والتنقيح وزيادات" (ت 972 هـ). 4 - مرعي بن يوسف الكرمي الحنبلي صاحب "غاية المنتهى في الجمع بين الإِقناع والمنتهى"، و"دليل الطالب" (ت 1033 هـ).
الجزء: 1 - الصفحة: 110
5 - منصور البهوتي في شرحه "الروض المربع شرح زاد المستقنع"، و"دقائق أولي النهى في شرح المنتهى" (ت 1051 هـ). وهذه الكتب قد لاقت هي ومؤلفوها عناية كبيرة من معاصريهم ومن تبعهم وتم شرحها والتعليق عليها مثل "غاية المنتهى" لمرعي الكرمي الذي شرحه الرحيباني في "مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى" (1)، وكذلك "الروض المربع" الذي شرح ووضعت عليه حواشي كثيرة منها "شرح البهوتي" (2)، "حاشية العنقري" (3)، و"حاشية ابن قاسم النجدي" (4)، وغيرهم.
راجح المذهب عند المتأخرين
من المناسب لتأكيد الراجح من المذهب الرجوع إلى المؤلفات المذكورة في صدر هذا الفصل للوقوف على معنى الراجح عندهم.
يقول المرداوي في "التنقيح المشبع" في أثناء مقدمته:
"وأمشي في ذلك كله على قول واحد وهو الصحيح من المذهب أو ما اصطلحنا عليه في "الإِنصاف"، و"تصحيح الفروع" فيما179180181182
الجزء: 1 - الصفحة: 111
إذا اختلف الترجيح" 183. ويقول الحجاوي في "الإِقناع" في أثناء مقدمته: "اجتهدت في تحرير نقوله واختصارها لعدم تطويله مجردًا غالبًا عن دليله وتعليله على قول واحد وهو ما رجحه أهل الترجيح منهم العلامة القاضي علاء الدين في كتبه "الإِنصاف"، وتصحيح الفروع، والتنقيح" 184. أما "غاية المنتهى" للعلامة مرعي الكرمي فهو جمع بين "الإِقناع" للحجاوي، و"منتهى الإِرادات" للفتوحي، فقد أشار أن صاحبي "الإِقناع" و"منتهى الإِرادات" قد نحا نحو صاحب "الإِنصاف" و"التنقيح" العلامة المرداوي ثم قال: "فصار كتابيهما من أجل كتب المذهب ومن أنفس ما يرغب في تحصيله، لهذا يقول العلامة السفاريني 185 مقولته المشهورة: عليك بما في الإِقناع والمنتهى، فإذا اختلفا فانظر ما يرجحه صاحب غاية المنتهى" 186.
الجزء: 1 - الصفحة: 112
أما العلامة الفتوحي صاحب "منتهى الإِرادات" فيقول في خطبته: "ولا أحذف منهما إلَّا المستغنى عنه والمرجوح وما بني عليه، ولا أذكر قولًا غير ما قدم أو صحح في التنقيح إلَّا إذا كان عليه العمل أو شهر أو قوي الخلاف فربما أشير إليه" (1).
وخلاصة القول في الراجح المعتمد من المذهب ما يأتي
:
1 - إن الفترة الزمنية التي استقر عليها المعتمد عند المتأخرين تبدأ منذ انتهاء المرداوي من وضع كتابه القيم "التنقيح المشبع" إلى وفاته عام 885 هـ ثم إلى عام 1051 هـ، وهو تاريخ وفاة العلامة منصور البهوتي صاحب "الروض المربع" وشارح "منتهى الإِرادات" وهو آخر المجموعة وفاة.
2 - إن مدار الفتوى والترجيح على ما رجحه صاحب التنقيح عند الجميع تقريبًا.
3 - إن المفتى به والمعتمد عند طبقة صاحب المحرّر المجد ابن تيمية وصاحب المنوَّر الأدمي من جهة والمفتى به عند المتأخرين من جهة أخرى سيكون متقاربًا، ذلك أن مدار كلا الطبقتين على "المقنع" الذي صنفه شيخ المذهب ابن قدامة وما طرأ عليه من زيادات، كما في "زوائد المحرّر على الكافي" و"زوائد الكافي على المقنع" اللذين جمعهما ابن عبيدان في "زوائد الكافي والمحرّر على المقنع" 188 الذي عاش في الفترة ما بين (675 -187
الجزء: 1 - الصفحة: 113
734 هـ)، وكذلك ما وضعه المرداوي في خلاصة الإِنصاف الذي هو "التنقيح المشبع في تحرير أحكام المقنع"، الذي قدمنا أن مدار الأمر عليه عند المتأخرين.
4 - نقل صاحب المحرّر من "متقدمي الأصحاب" لا يخرج كتابه عن المفتى به والمتعارف عليه خاصة مع ترجيح واختصار الأدمي له غالبًا.
الجزء: 1 - الصفحة: 114
الفصل الرابع مفردات المذهب
للإِمام أحمد رحمه اللَّه مذهب مستقل في الفقه وأصول الفقه وله قواعده وأصوله المعروفة من اجتهاده، وقد مرت معنا آنفًا.
وقد يوافق اجتهاده وقوله اجتهاد وقول غيره ممن سبقه أو عاصره، لكن هذا لا يعني أنه تابع أو مقلد له بل هو مجرد الموافقة لأن الحق واحد.
وللإمام أحمد مفردات تفرد بها عن غيره في الفقه، وقد حرص على جمعها وشرحها عدة أئمة، وفي ذلك رد على من ادعى أنه لا حاجة لمذهب أحمد لقربه من مذهب الشافعي.
يقول ابن فيروز في حاشيته على حاشية الزاد ما نصّه 189:
"ومن مناقب الإِمام أحمد للشيخ يوسف ابن عبد الهادي: ومن الناس من يقول ليس بين مذهب أحمد ومذهب الشافعي خلاف إلَّا في مسائل قليلة نحو ستة عشر مسألة، وهذا قول الأغبياء وإشارة إلى أنه لا حاجة إلى مذهب أحمد، فإذا حقق الإِنسان النظر وجد مذهب أحمد يخالف مذهب الشافعي رحمهما اللَّه تعالى في أكثر من عشرة آلاف مسألة بل وأكثر من ذلك، هذا القاضي عز الدين صنف المفردات المخالفة للمذاهب الثلاثة كتابه المشهور
الجزء: 1 - الصفحة: 115
الذي فيه أكثر من ثلاثة آلاف مسألة وهي بالضرورة تخالف مذهب الشافعي ومالك وأبي حنيفة ومفردات مخالفة الشافعي فقط لم يذكرها.
. . ويقول: "وقد وضعت كتاب قرة العين فيما حصل من الاتفاق والاختلاف بين المذهبين.
. . ".
ثم شرع بعد ذلك في بيان وسطية مذهب أحمد في أبواب ومسائل نأخذ منها مثلًا:
1 - مذهبه بالقول بطهارة بول جميع الحيوانات المأكولة اللحم وروثها كالغنم والبقر والإبل والخيل والدجاج والأوز وغير ذلك، وهذا مما تعم به البلوى، ولولا مذهب أحمد لضاق الأمر على الناس وعسر عليهم الأمر هنا.
2 - مذهبه في طهارة مني الآدمي، ومني ما يؤكل لحمه، وفي ذلك رخصة.
3 - ومن ذلك جواز المسح على الجورب وفيه رخصة.
4 - ومنه الدخول في صوم رمضان بالغيم والقتر ليلة الثلاثين من شعبان.
5 - ومن ذلك صحة البيع بالمعاطاة.
6 - ومن ذلك أن الوالد له أن يملك من مال ولده ما يشاء.
7 - ومنه أن الخلع فسخ لا ينقص به عدد الطلاق.
8 - ومنه عدم وقوع الطلاق من السكران.
9 - ومنه الرد في باب الفرائض وتوريث ذوي الأرحام.
10 - ومنه أن الكافر إذا مات حكم بإسلام من لم يبلغ من ولده.
إلى غير ذلك من المسائل.
الجزء: 1 - الصفحة: 116
كتب المفردات
جمع بعض الأئمة مفردات الإِمام أحمد في مؤلفات منها:
1 - "المفردات"، لأبي الخطاب (ت 510 هـ).
2 - "المفردات"، لأبي الوفاء ابن عقيل (ت 513 هـ).
3 - "المفردات في الفقه"، لأبي يعلى صاحب الطبقات (ت 526 هـ)، وتسمى رؤوس المسائل المفردات في الفقه.
4 - "المفردات"، لأبي الحسن بن عبد اللَّه الزاغوني (ت 527 هـ).
5 - "المفردات"، لعبد الوهاب بن الواحد الشيرازي المعروف بابن الحنبلي (ت 536 هـ).
6 - "المفردات"، للوزير ابن هبيرة (ت 560 هـ).
7 - "المفردات"، لأبي يعلى الصغير محمد ابن القاضي أبي خازم (ت 565 هـ).
8 - "النظم المفيد الأحمد في مفردات الإِمام أحمد"، لعز الدين محمد بن علي العمري المقدسي (ت 820 هـ).
9 - "منح الشفا الشافيات شرح المفردات"، لمنصور البهوتي (ت 1051 هـ)، مطبوع.
(وهو شرح للنظم المفيد الأحمد.
. . المتقدم).
10 - "الفتح الرباني بمفردات ابن حنبل الشيباني"، لأحمد الدمنهوري (ت 1192 هـ)، وهو مطبوع.
الجزء: 1 - الصفحة: 117
11 - "المفردات"، لغلام ابن المَنِّي: إسماعيل بن علي الأزجي، المعروف بغلام ابن المَنِّي، (ت 610 هـ). 12 - "نظم المفردات"، لابن عبد القوي، ناظم المذهب (ت 699 هـ).
الجزء: 1 - الصفحة: 118
الباب الرابع "منهج الدراسة والتحقيق"
الفصل الأول: منهج الدراسة.
الفصل الثاني: منهج التحقيق.
الجزء: 1 - الصفحة: 119
الفصل الأول منهج الدراسة
هذه الدراسة عبارة عن محاولة متواضعة لسبر أغوار كتاب قيم في الفقه هو "المحرّر" للمجد ابن تيمية بصحبة غواص متفنن هو العلامة الأدمي الذي استخرج درره وخلصها من الشوائب ورصعها في "منوره"، فجاءت بأنوار على نور، وقربت ما كان بعيدًا، وفكَّت ما كان مستغلقًا، واختصرت ما كان مطوّلًا بتوفيق اللَّه تعالى.
منهج الدراسة
تنتهج الدراسة إضافة إلى تحقيق النص وضبطه وحسن إخراجه منهجًا يقوم على قراءة مخطوط المنوَّر قراءة فقهية متأنية للخروج بما يأتي:
1 - توضيح الفكرة التي جاء بها الأدمي في اقتصاره على الراجح المعتمد.
2 - الاستدلال بما جاء به من ترجيحات وبيان موافقتها للمعتمد عند المتأخرين.
3 - ذكر أثر المحرّر عليه ومدى استفادته منه.
4 - ذكر الخلاف بينه وبين المحرّر في الأبواب والفصول والعناوين.
الجزء: 1 - الصفحة: 121
5 - ترقيم الزيادات التي جاء بها الأدمي في منوّره إن وجدت مع ترقيم لصفحات المخطوط بين معقوفتين في الهامش.
6 - الاهتمام بدراسة بعض المسائل الفقهية بشيء من التوسع مع الترجيح بحسب الطاقة وبيان ما يرد عليها من اعتراضات.
7 - الوقوف على مصطلحات المحرّر ومصطلحات المنوَّر لمعرفة أوجه التوافق والخلاف إن وجدت.
8 - التعرف على من نقل منهم المحرّر ومن نقل عنه وبالمثل في المنوَّر إن وجد.
9 - الاستشهاد بالآيات والأحاديث والآثار حسب ما تستدعيه الحاجة في بعض المسائل والفصول والأبواب.
10 - معرفة أوجه الخلاف والتوافق بين متوسطي المذهب ومتأخريه.
لهذا، لا تجد الدراسة بدًّا من التعرض للمحرّر بالقدر الذي نتعرض فيه للمنوَّر باعتبار أن الأخير خلاصة الأول كما أسلفنا، وهذا مما سيعزز الدراسة ويكسبها قدرة على التعرف على مواضع الأوجه والاختيارات والخلاف والراجح بعون اللَّه تعالى.
وتزداد أهمية الدراسة من جهة مقارنة ما جاء في المنوَّر بما هو معتمد وراجح عند المتأخرين مما سيكسب الدراسة معاصرة ونقلة من طبقة متوسطي المذهب إلى متأخريه مع الموائمة.
الجزء: 1 - الصفحة: 122
الصعوبات التي واجهت الدراسة مع الإشارة إلى الإيجابيات
لا تخلو دراسة من مصاعب خاصة إذا كانت الدراسة قائمة على مصدر نادر صنفه مؤلف ليس له ذكر مفصّل في طبقات الحنابلة وكتب الأعلام.
ويمكن إجمال الصعوبات التي واجهت الدراسة بما يأتي:
أولًا: "ندرة المخطوط الذي قامت عليه الدراسة":
إن ندرة هذا المخطوط من بين مجموعة علَّامة الكويت الراحل الشيخ عبد اللَّه الخلف رحمه اللَّه تعالى جعلت الدراسة تقوم على نسخة فريدة واحدة.
لهذا يمكن تصور المصاعب التي تواجه هذا النوع من الدراسات التي تتطلب جهدًا مضاعفًا.
ثانيًا: "نقص هذه النسخة":
رغم ندرتها فإنها كذلك غير كاملة، فإن كتاب الشهادات والإِقرار ورغم قصر هذه الأبواب إلَّا أن نقصها يفقد شيئًا من قيمة المخطوط، خاصة صفحاته الأخيرة التي في العادة يذكر فيها ما يعرِّف بالمؤلف أو الناسخ وتاريخ النسخ.
ثالثًا: الطمس الموجود في أوله وآخره:
هذا الطمس قد زاد من صعوبة التعرف على المؤلف والناسخ وتاريخ المؤلف والنسخ.
ومع ذلك، فإن هذه المشكلة حلت بسبب شهرة هذا الكتاب بين علماء المذهب وكثرة الإِشارة إليه وإلى مؤلفه مما خفف من هذه الصعوبة.
الجزء: 1 - الصفحة: 123
رابعًا: اختصار الأبواب والفصول ودمجها:
يمتاز منهج المؤلف رحمه اللَّه بأنه قائم على اختصار كتاب المحرّر بالاقتصار على الراجح، وهذا دفعه إلى اختصار الأبواب والفصول ودمجها مع بعض مما أوجد صعوبة في المقابلة مع الأصل.
خامسًا: إلغاء بعض عناوين الأبواب:
وهذا أمر متوقع لأن الأدمي رحمه اللَّه عمد إلى اختصار المحرّر وعرض الراجح منه، فهذا أدى إلى إلغاء بعض العناوين أو تغييرها طلبًا للاختصار والإِجمال، وهذا يوجد صعوبة أمام الباحث في التقصي الدقيق.
مزايا وإيجابيات
وفي المقابل هناك مزايا وإيجابيات ساعدت الباحث على إتمام بحثه بعون اللَّه تعالى، وهي:
1 - وجود المحرّر مطبوعًا ومحققًّا بواسطة عالم جليل من المهتمين بكتب وعلماء الحنابلة، ألا وهو الشيخ حامد الفقي الذي يسر عرض المحرّر مما يسر على الباحث فهم المنوَّر.
2 - أن المحقق الشيخ حامد الفقي نشر المحرّر وفي حاشيته "النكت والفوائد السنية" للعلامة الفقيه المدقق ابن مفلح، وهذا يسِّر أيضًا فهم المحزر وبالتالي المنوَّر بطبيعة الحال.
3 - أن مخطوط المنوَّر مصحح ومقابل على نسخة أو ربما على مؤلفه، لأن هوامشه لا تكاد تخلو من إشارات تدل على التصحيح بقوله "صح" أو بقوله "بلغ مقابلة"، أو كتابة الحرف "ن" مما يدل على وجود نسخة أخرى له مع كتابة العبارات والكلمات المصححة والإِشارة إلى موضعها بخط مائل يوضح محلها بدقة.
الجزء: 1 - الصفحة: 124
4 - أن خط المنوَّر مقروء وواضح عمومًا، ولا توجد صعوبة في قراءته إلَّا ما ندر، وغالبًا ما يتم فك هذه الصعوبة بالرجوع إلى المحرّر أو إلى حاشية ابن مفلح على المحرّر، أو الإِنصاف وأمهات المذهب خاصة كتاب الوجيز وشرحه لابن البهاء البغدادي حيث تتشابه عباراته مع المنور إلى حد التطابق.
5 - دقة عبارات الأدمي في المنوَّر وسهولة فهمها، مما يدل على أنه رحمه اللَّه قد استوعب المحرّر فهمًا ومراجعة، فخرج بالمنوَّر الذي هو زبدة وخلاصة المحرّر، فرحمهما اللَّه تعالى معًا.
الجزء: 1 - الصفحة: 125
الفصل الثاني منهج التحقيق
يقوم هذا المنهج على ما هو معتاد في هذا المجال مع ما يختص به لطبيعة النص المحقق، وتقسم الدراسة التحقيقية إلى قسمين:
القسم الأول: تحقيق النص
وذلك باتباع قواعد التحقيق المتعارف عليها للحصول على نص دقيق مقروء ومفهوم، وقد تدرّجت هذه المرحلة إلى ما يأتي: 1 - تم الاطلاع على الأصل وهو نسخة وحيدة محفوظة في وزارة الأوقاف والشؤون الإِسلامية في الكويت، قسم إدارة المخطوطات والتراث من مخطوطات مجموعة الشيخ عبد اللَّه الخلف الدحيان رحمه اللَّه برقم (2/ 293) مجموع 192، ويقع في الصفحات من 27 إلى 148.
الجزء: 1 - الصفحة: 126
2 - تم تصوير الأصل من قبل إدارة المخطوطات والمكتبات الإِسلامية، وتسلَّم الباحث النسخة وذلك بموافقة رسمية من "لجنة التراث" التابعة لإِدارة المخطوطات في الوزارة للقيام بتحقيقها ودراستها.
3 - قمت بنسخ المخطوط مع الاستعانة على فهمه بكتاب المحرّر للمجد عبد السلام بن تيمية الذي هو الأصل الذي لخص المؤلف منه، كما أن لدي نسخة من مخطوط المحرّر.
4 - راعيت عند نسخ المخطوط جملة من القواعد المتعارف عليها ومنها:
(أ) رسم الكتابة وفق القواعد الإِملائية المعاصرة مع ضبط بعض الكلمات بالشكل.
(ب) وضع علامات الفواصل والنقط، ونقطتي التفسير والقول حسب الحاجة.
(ج) إعجام ما أهمله الناسخ وهو كثير.
(د) وضع الهمز حسب القواعد، إذ أن المؤلف لا يهمز، كقوله في باب حمل الجنازة والدفن: "وإن مات في بير لا نفع فيه"، أي: بئر، وتصحيح بعض تصحيفات الناسخ وهي قليلة.
(هـ) تصويب بعض الأخطاء الإِملائية من الناسخ.
(و) المحافظة على النص بالصورة التي لا تغيره عن أصله مع ترقيم صفحاته ووضع ذلك بين معقوفتين.
(ز) وضع عناوين الأبواب والفصول بمفردها كل عنوان على رأس الباب أو الفصل ونحو ذلك، إذ أن الناسخ يجعل الجميع متصلًا مع السطور التي قبله والتي بعده.
5 - عزو الأحاديث التي جاءت في النص، إذ أن المؤلف يدمج
الجزء: 1 - الصفحة: 127
ألفاظ الأحاديث مع المتن كما جاء في باب صفة الحج والعمرة في ذكر الأدعية المأثورة في قوله مثلًا عند دخول المسجد الحرام.
. . "فإذا رأى البيت.
. . إلخ"، قائلًا جهرًا: "اللَّهم أنت السلام ومنك السلام فحينا ربنا بالسلام وأدخلنا دارك دار السلام، اللَّهم زد هذا البيت تعظيمًا وتشريفًا.
. . إلخ"، وفي الحقيقة تكثر الأحاديث في هذا الباب.
6 - التعريف بالأعلام إذا جاء ذكرهم، كقوله في باب صفة الحج والعمرة عن باب "بني شيبة" فيعرفون ونحو ذلك.
7 - تعريف المواقع الجغرافية وأسماء الجبال والوديان والأنهار والقرى والمواقيت، كعرفة وعرنة ونمرة ومنى، مع الإِشارة إلى الاتجاهات الأصلية وغيرها من المواقع والمواضع بحسب الحاجة.
8 - ترقيم صفحات المخطوط، والإشارة إلى زيادات الأدمي على المحرّر هكذا "زد" مع رقم الزيادة.
القسم الثاني: دراسة المسائل الفقهية
نظرًا لأن الكتاب مختصر لكتاب المحرّر مع تقديم الراجح، فقد قدمنا في صدر هذا الباب أننا سنقارن الراجح بما هو معتمد عن المتأخرين في المذهب الذين سبق الإِشارة إليهم في الباب الثالث وسيكون عملنا على النحو التالي: 1 - مقارنة ما يرجحه المؤلف بما اعتمده صاحب "الإِنصاف" و"التنقيح" المرداوي، وصاحب "الإقناع" الحجاوي، وصاحب "المنتهى" الفتوحي، وصاحب "الغاية" مرعي الكرمي، وكذلك صاحب "الروض المربع" البهوتي بقدر الإِمكان خاصة إذا تباينت العبارات واقتضى الأمر ذكرها كلها أو الاكتفاء بما يجملها.
الجزء: 1 - الصفحة: 128
2 - الاستدلال على ما جاء في هذه الكتب من الكتاب والسنَّة بما هو مقدم في هذه الكتب من أدلة من الآيات والأحاديث حسب الحاجة.
3 - عرض بعض الروايات والأوجه التي ذكرها صاحب "المحرّر" لمعرفة كيف انتهى المؤلف إلى ترجيح بعضها مع الأمثلة.
4 - بيان الصحيح من المذهب بدقة مع الاستعانة بكتب الخلاف التي عنيت بتصحيح الروايات كـ "الإِنصاف" مثلًا.
5 - الاستعانة بما يختاره مجتهدو المذهب من اختيارات كاختيارات ابن تيمية رحمه اللَّه، وبعض الشروح المعاصرة كحاشية ابن قاسم على الروض.
6 - الإِشارة إلى المذاهب الأخرى بقدر المستطاع.
7 - فك بعض العبارات من المؤلف مما يحتاج إلى تمثيل في بعض الأبواب.
وكذلك شرح معاني بعض الكلمات، الغامضة مثل قوله في باب الوليمة: "ولم يدع الجفلى"، والجفلى: معناها الدعوة العامة إلى الوليمة من غير اختصاص كما في المصباح (ص 103)، وقوله في باب العاقلة: "تشرع في دعوى قتيل معصوم عمدًا أو خطأً مع لوث"، واللوث: هو العداوة الظاهرة كما بينها المحرّر (2/ 150) وغيره.
الجزء: 1 - الصفحة: 129
كتاب المنور في راجح المحرر على مذهب الإمام المبجل والحبر المفضل أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني - رضي الله عنه وأرضاه -
تأليف الشيخ الإمام العالم العلامة تقي الدين أحمد بن محمد بن علي الأدمي (كان حيا قبل عام 749 هـ)
دراسة وتحقيق د. وليد عبد الله المنيس
الجزء: 1 - الصفحة: 131
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمدُ للَّه الذي شَرَّف عِلمَ الشريعةِ وفَضَّله، ورفعَ قَدْرَ العـ. . . 193 على كثير من العلم [. . .] 194 تفضيل الثناء وجَمّله، وأشهد أن لا إله إلَّا اللَّه وحده لا شريك له شهادةً تملأُ فِجاجَ [. . .] 195، وأشهد أن محمَّدًا عبده ورسوله أشرف من أرسله صلَّى اللَّه عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعه، صلاةً بِصِلاتِ الصَّلواتِ مُتَّصلة.
وبعد:
فهذا مختصرٌ في الفِقه على مذهبِ الإِمامِ الأَنْبلِ أحمدَ بنِ محمدٍ بن حنبل 196، سميته بالمنوّر في راجح
الجزء: 1 - الصفحة: 133
المحرر 197، قَرّبتُ فيه جُمَلَ ألفاظِه، ليسهُلَ على متعلِّمه وحُفّاظِه، وأسالُ اللهَ العظيمَ أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم.
الجزء: 1 - الصفحة: 134