فصل فِيمَا ذكره الشَّيْخ أَبُو الْقَاسِم القشيرى فِي رسَالَته الْمَشْهُورَة من اعْتِقَاد
مَشَايِخ الصُّوفِيَّة فَإِنَّهُ ذكر من متفرقات كَلَامهم مَا يسْتَدلّ بِهِ على
انهم كَانُوا يوافقون اعْتِقَاد كثير من الْمُتَكَلِّمين الأشعرية وَذَلِكَ هُوَ اعْتِقَاد ابي الْقَاسِم الَّذِي تَلقاهُ عَن أبي بكر بن فورك وَأبي إِسْحَاق الإِسْفِرَايِينِيّ وَهَذَا الِاعْتِقَاد غالبه مُوَافق لأصول السّلف وَأهل السّنة وَالْجَمَاعَة لكنه مقصر عَن ذَلِك ومتضمن ترك بعض مَا كَانُوا عَلَيْهِ وَزِيَادَة تخَالف مَا كَانُوا عَلَيْهِ وَالثَّابِت الصَّحِيح عَن أكَابِر الْمَشَايِخ يُوَافق مَا كَانَ عَلَيْهِ السّلف وَهَذَا هُوَ الَّذِي كَانَ يجب أَن يذكر فَإِن فِي الصَّحِيح الصَّرِيح الْمَحْفُوظ عَن اكابر الْمَشَايِخ مثل الفضيل ابْن عِيَاض وَأبي سُلَيْمَان الدَّارَانِي ويوسف بن أَسْبَاط وَحُذَيْفَة المرعشى ومعروف الْكَرْخِي إِلَى الْجُنَيْد بن مُحَمَّد وَسَهل بن عبد الله التسترِي وأمثال هَؤُلَاءِ مَا يبين حَقِيقَة مقالات الْمَشَايِخ وَقد جمع كَلَام الْمَشَايِخ إِمَّا بِلَفْظِهِ أَو بِمَا فهمه هُوَ غير وَاحِد فصنف أَبُو بكر مُحَمَّد بن إِسْحَاق الْكلاب اذى كتاب التعرف لمذاهب
التصوف وَهُوَ أَجود مِمَّا ذكره أَبُو الْقَاسِم وأصوب وَأقرب إِلَى مَذْهَب سلف الْأمة وأممتها وأكابر مشايخها وَكَذَلِكَ معمر بن زِيَاد الْأَصْفَهَانِي شيخ الصُّوفِيَّة وابو عبد الرَّحْمَن مُحَمَّد بن الْحسن السّلمِيّ جَامع كَلَام الصُّوفِيَّة هما فِي ذَلِك أَعلَى دَرَجَة وَأبْعد عَن الْبِدْعَة والهوى من أَبى الْقَاسِم وَأَبُو عبد الرَّحْمَن وَإِن كَانَ أدنى الرجلَيْن فقد كَانَ يُنكر مَذْهَب الْكلابِيَّة ويبدعهم وَهُوَ الْمَذْهَب الَّذِي ينصره أَبُو الْقَاسِم وَله فِي ذمّ الْكَلَام مُصَنف يُخَالف مَا ينصره أَبُو الْقَاسِم وَأَبُو عبد الرَّحْمَن أجل من
أَخذ عَنهُ أَبُو الْقَاسِم كَلَام الْمَشَايِخ وَعَلِيهِ يعْتَمد فِي أَكثر مَا يحكيه فَإِن لَهُ مصنفات مُتعَدِّدَة وَكَذَلِكَ عَامَّة الْمَشَايِخ الَّذين سماهم أَبُو الْقَاسِم فِي رسَالَته لَا يعرف عَن شيخ مِنْهُم أَنه كَانَ ينصر طَريقَة الْكلابِيَّة والأشعرية الَّتِي نصرها أَبُو الْقَاسِم بل الْمَحْفُوظ عَنْهُم خلافهم وَمن صرح مِنْهُم فَإِنَّمَا يُصَرح بِخِلَافِهَا حَتَّى شُيُوخ عصره الَّذين سماهم حَيْثُ قَالَ فَأَما الْمَشَايِخ الَّذين عاصرناهم وَالَّذين أدركناهم وَإِن لم يتَّفق لنا لقياهم مثل الْأُسْتَاذ الشَّهِيد لِسَان وقته وَوَاحِد عصره أَبى على الدقاق وَالشَّيْخ شيخ وقته أَبى عبد الرَّحْمَن السلمى وأبى الْحسن على بن جَهْضَم مجاور الْحرم وَالشَّيْخ أَبى الْعَبَّاس
القصاب بطبرستان وَأحمد الاسود الدينَوَرِي وأبى الْقَاسِم الصيرفى بنيسابور وأبى سهل الخشاب الْكَبِير بهَا وَمَنْصُور بن خلف المغربى وأبى سعيد الْمَالِينِي وأبى طَاهِر الجحدرى قدس الله ارواحهم وَغَيرهم فَإِن هَؤُلَاءِ الْمَشَايِخ مثل أَبى الْعَبَّاس القصاب لَهُ من التصانيف الْمَشْهُورَة فِي السّنة وَمُخَالفَة طَريقَة الْكلابِيَّة الأشعرية مَا لَيْسَ هَذَا مَوْضِعه وَكَذَلِكَ سَائِر شُيُوخ الْمُسلمين من الْمُتَقَدِّمين والمتأخرين الَّذين لَهُم لِسَان صدق فِي الْأمة كَمَا ذكر الشَّيْخ يحيى بن يُوسُف الصرصري ونظمه فِي قصائده عَن الشَّيْخ على بن إِدْرِيس شَيْخه أَنه سَأَلَ قطب العارفين أَبَا مُحَمَّد عبد الْقَادِر بن عبد الله الجيلى فَقَالَ يَا سَيِّدي
هَل كَانَ لله ولي على غير اعْتِقَاد أَحْمد بن حَنْبَل فَقَالَ مَا كَانَ وَلَا يكون وَكَذَلِكَ نقل الشَّيْخ شهَاب الدّين أَبُو حَفْص عمر بن مُحَمَّد السهروردى وحدثنيه عَنهُ الشَّيْخ عز الدّين عبد الله بن أَحْمد بن عمر الفاروثي أَنه سمع هَذِه الْحِكَايَة مِنْهُ ووجدتها معلقَة بِخَط الشَّيْخ
موفق الدّين أبي مُحَمَّد بن قدامَة المقدسى قَالَ السهروردى كنت عزمت على أَن أَقرَأ شَيْئا من علم الْكَلَام وَأَنا مُتَرَدّد هَل أَقرَأ الْإِرْشَاد لإِمَام الْحَرَمَيْنِ أَو نِهَايَة الْإِقْدَام للشهرستاني أَو كتاب شَيْخه فَذَهَبت مَعَ خَالِي أبي النجيب وَكَانَ يصلى بِجنب الشَّيْخ عبد الْقَادِر قَالَ فَالْتَفت الشَّيْخ عبد الْقَادِر وَقَالَ لي يَا عمر مَا هُوَ من زَاد الْقَبْر مَا هُوَ من زَاد الْقَبْر فَرَجَعت عَن ذَلِك فَأخْبر أَن الشَّيْخ كاشفه بِمَا كَانَ فِي قلبه وَنَهَاهُ عَن الْكَلَام الَّذِي كَانَ ينْسب إِلَيْهِ القشيرى وَنَحْوه وَكَذَلِكَ حَدثنِي الشَّيْخ أَبُو الْحسن بن غَانِم أَنه سمع خَاله الشَّيْخ إِبْرَاهِيم بن عبد الله الأرومي أَنه كَانَ لَهُ معلم يقرئه وَأَنه أقرأه اعْتِقَاد
الأشعرية الْمُتَأَخِّرين قَالَ فَكنت أكرر عَلَيْهِ فَسمع وَالَّذِي وَالشَّيْخ عبد الله الارميني قَالَ فَقَالَ مَا هَذَا يَا إِبْرَاهِيم فَقلت هَذَا علمنيه الْأُسْتَاذ فَقَالَ يَا إِبْرَاهِيم اترك هَذَا فقد طفت الأَرْض وَاجْتمعت بِكَذَا وَكَذَا ولى لله فَلم أجد أحدا مِنْهُم على هَذَا الِاعْتِقَاد وَإِنَّمَا وجدته على اعْتِقَاد هَؤُلَاءِ وَأَشَارَ إِلَى جِيرَانه أهل الحَدِيث وَالسّنة من المقادسة الصَّالِحين إِذْ ذَاك وحَدثني أَيْضا الشَّيْخ مُحَمَّد بن أبي بكر بن قوام أَنه سمع جده الشَّيْخ أَبَا بكر بن قوام يَقُول إِذا بلغك عَن اهل الْمَكَان الفلانى سَمَّاهُ لى الشَّيْخ مُحَمَّد إِذا بلغك أَن فيهم رجلا مُؤمنا أَو رجلا صَالحا فَصدق وَإِذا بلغك أَن فيهم وليا لله فَلَا تصدق فَقلت وَلم يَا سَيِّدي قَالَ لأَنهم أشعرية وَهَذَا بَاب وَاسع وَمن نظر فِي عقائد الْمَشَايِخ الْمَشْهُورين مثل الشَّيْخ عبد الْقَادِر وَالشَّيْخ عدى بن مُسَافر وَالشَّيْخ أبي الْبَيَان الدِّمَشْقِي وَغَيرهم
وجد من ذَلِك كثيرا وَوجد أَنه من ذهب إِلَى مَذْهَب شئ من أهل الْكَلَام وَإِن كَانَ متأولا فَفِيهِ بعض نقص وانحطاط عَن دَرَجَة أَوْلِيَاء الله الكاملين وَوجد أَنه من كَانَ نَاقِصا فِي معرفَة اعْتِقَاد أهل السّنة واتباعه ومحبته وَبَعض مَا يُخَالف ذَلِك وذمه بِحَيْثُ يكون خَالِيا عَن اعْتِقَاد كَمَال السّنة واعتقاد الْبِدْعَة تَجدهُ نَاقِصا عَن دَرَجَة أَوْلِيَاء الله الراسخين فِي معرفَة اعْتِقَاد أهل السّنة وَاتِّبَاع ذَلِك وَقد جعل الله لكل شئ قدرا وَمَا ذكره أَبُو الْقَاسِم فِي رسَالَته من اعْتِقَادهم وأخلاقهم وطريقتهم فِيهِ من الْخَيْر وَالْحق وَالدّين أَشْيَاء كَثِيرَة وَلَكِن فِيهِ نقص عَن طَريقَة أَكثر أَوْلِيَاء الله الكاملين وهم نقاوة الْقُرُون الثَّلَاثَة وَمن سلك سبيلهم وَلم يذكر فِي كِتَابه أَئِمَّة الْمَشَايِخ من الْقُرُون الثَّلَاثَة وَمَعَ مَا فِي كِتَابه من الْفَوَائِد فِي المقولات والمنقولات فَفِيهِ أَحَادِيث وَأَحَادِيث ضَعِيفَة بل بَاطِلَة وَفِيه كَلِمَات مجملة تحْتَمل الْحق وَالْبَاطِل رِوَايَة ورأيا وَفِيه كَلِمَات بَاطِلَة فِي الرَّأْي وَالرِّوَايَة وَقد جعل الله لكل شئ قدرا وَقَالَ تَعَالَى كونُوا قوامين بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لله على أَنفسكُم أَو الْوَالِدين والأقربين إِن يكن غَنِيا أَو فَقِيرا فَالله أولى بهما فَلَا تتبعوا الْهوى أَن تعدلوا وَإِن تلووا أَو تعرضوا فَإِن الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرا [سُورَة النِّسَاء 135]
فَكتبت من تَمْيِيز ذَلِك مَا يسره الله وَاجْتَهَدت فِي اتِّبَاع سَبِيل الْأمة الْوسط الَّذين هم شُهَدَاء على النَّاس دون سَبِيل من قد يرفعهُ فَوق قدره فِي اعْتِقَاده وتصوفه على الطَّرِيقَة الَّتِي هِيَ أكمل وَأَصَح مِمَّا ذكره علما وَحَالا وقولا وَعَملا واعتقادا واقتصادا أَو يحطه دون قدره فيهمَا مِمَّن يسرف فِي ذمّ أهل الْكَلَام أَو يذم طَريقَة التصوف مُطلقًا وَالله أعلم وَالَّذِي ذكره أَبُو الْقَاسِم فِيهِ الْحسن الْجَمِيل الَّذِي يجب اعْتِقَاده واعتماده وَفِيه الْمُجْمل الَّذِي يَأْخُذ المحق والمبطل وَهَذَانِ قريبان وَفِيه منقولات ضَعِيفَة ونقول عَمَّن لَا يَقْتَدِي بهم فِي ذَلِك فهذان مردودان وَفِيه كَلَام حمله على معنى وَصَاحبه لم يقْصد نفس مَا أَرَادَهُ هُوَ ثمَّ إِنَّه لم يذكر عَنْهُم إِلَّا كَلِمَات قَليلَة لَا تشفى فِي هَذَا الْبَاب وعنهم فِي هَذَا الْبَاب من الصَّحِيح الصَّرِيح الْكَبِير مَا هُوَ شِفَاء للمقتدى بهم الطَّالِب لمعْرِفَة أصولهم وَقد كتبت هُنَا نكتا يعرف بهَا الْحَال قَالَ القشيرى رَحمَه الله اعلموا أَن شُيُوخ هَذِه الطَّائِفَة بنوا
قَوَاعِد أَمرهم على أصُول صَحِيحَة فِي التَّوْحِيد صانوا بهَا عقائدهم عَن الْبدع ودانوا بِمَا وجدوا عَلَيْهِ من السّلف وَأهل السّنة من تَوْحِيد لَيْسَ فِيهِ تَمْثِيل وَلَا تَعْطِيل قلت هَذَا كَلَام صَحِيح فَإِن كَلَام أَئِمَّة الْمَشَايِخ الَّذين لَهُم فِي الْأمة لِسَان صدق كَانُوا على مَا كَانَ عَلَيْهِ السّلف وَأهل السّنة من تَوْحِيد لَيْسَ فِيهِ تَمْثِيل وَلَا تَعْطِيل وَهَذِه الْجُمْلَة يتَّفق على إِطْلَاقهَا عَامَّة الطوائف المنتسبين إِلَى السّنة وَإِن تنازعوا فِي مَوَاضِع هَل هِيَ تَمْثِيل أَو تَعْطِيل قَالَ أَبُو الْقَاسِم عرفُوا مَا هُوَ حق الْقدَم وتحققوا بِمَا هُوَ نعت الْمَوْجُود عَن الْعَدَم وَكَذَلِكَ قَالَ سيد هَذِه الطَّائِفَة
الْجُنَيْد رَضِي الله عَنهُ التَّوْحِيد إِفْرَاد الْقدَم من الْحَدث قلت هَذَا الْكَلَام فِيهِ إِجْمَال والمحق يحملهُ محملًا حسنا وَغير المحق يدْخل فِيهِ أَشْيَاء والقشيري مَقْصُوده مَا يذكرهُ أهل الْكَلَام من تَنْزِيه الْقَدِيم عَن خَصَائِص المحدثات وَهَذَا مُتَّفق عَلَيْهِ بَين الْمُسلمين لَكِن التَّنَازُع بَينهم فِي كثير من الصِّفَات هَل هِيَ من خَصَائِص المحدثات الَّتِي يجب تَنْزِيه الْقَدِيم عَنْهَا أَو هِيَ من لَوَازِم الْوُجُود الَّتِي يكون نَفيهَا تعطيلا وَأما الْجُنَيْد فمقصوده التَّوْحِيد الَّذِي يُشِير إِلَيْهِ الْمَشَايِخ وَهُوَ التَّوْحِيد فِي الْقَصْد والإرادة وَمَا يدْخل فِي ذَلِك من الْإِخْلَاص والتوكل والمحبة وَهُوَ ان يفرد الْحق سُبْحَانَهُ وَهُوَ الْقَدِيم بِهَذَا كُله فَلَا يشركهُ فِي ذَلِك مُحدث وتمييز الرب من المربوب فِي اعتقادك وعبادتك وَهَذَا حق صَحِيح وَهُوَ دَاخل فِي التَّوْحِيد الَّذِي بعث الله بِهِ رسله وَأنزل بِهِ كتبه وَمِمَّا يدْخل فِي كَلَام الْجُنَيْد تَمْيِيز الْقَدِيم عَن الْمُحدث وَإِثْبَات مباينته لَهُ بِحَيْثُ يُعلمهُ وَيشْهد أَن الْخَالِق مباين
لِلْخلقِ خلافًا لما دخل فِيهِ الاتحادية من المتصوفة وَغَيرهم من الَّذين يَقُولُونَ بالاتحاد معينا اَوْ مُطلقًا وَلِهَذَا أنكر هَؤُلَاءِ على الْجُنَيْد قَوْله هَذَا كَمَا أنكرهُ عَلَيْهِ ابْن العربى الطَّائِي كَبِير الاتحادية قَالَ أَبُو الْقَاسِم وأحكموا أصُول العقائد بواضح الدَّلَائِل ولائح الشواهد كَمَا قَالَ أَبُو مُحَمَّد الْجريرِي من لم يقف على علم التَّوْحِيد بِشَاهِد من شواهده زلت بِهِ قدمه الْغرُور إِلَى مهواة التّلف قَالَ أَبُو الْقَاسِم يُرِيد بذلك أَن من ركن إِلَى التَّقْلِيد وَلم يتَأَمَّل دَلَائِل التَّوْحِيد سقط عَن متن النجَاة وَوَقع فِي أسر الْهَلَاك
قلت الْمَشَايِخ لَا يشيرون إِلَى الطَّرِيق الَّتِي سلكها المتكلمون من الِاسْتِدْلَال بالأجسام والأعراض وَمَا يدْخل فِي ذَلِك بل هم منكرون لذَلِك كَمَا ذكره أَبُو عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ وَشَيخ الْإِسْلَام الانصاري وَغَيرهمَا عَنْهُم وَأَبُو الْقَاسِم يرى صِحَة هَذِه الطَّرِيق وَهَذَا من الْمَوَاضِع الَّتِي خَالف فِيهَا مَشَايِخ الْقَوْم وَقد ذكر أَبُو الْقَاسِم فِي تَرْجَمَة الشَّيْخ أبي عَليّ بن الْكَاتِب وَقد صحب أَبَا على الروذبارى وَغَيره وَتَأَخر بعد الاربعين وثلاثمائة قَالَ الْمُعْتَزلَة نزهوا الله من حَيْثُ الْعقل فأخطأوا والصوفية نزهوه من حَيْثُ الْعلم فَأَصَابُوا قلت الْعلم فِي لِسَان الصُّوفِيَّة ووصاياهم كثيرا مَا يُرِيدُونَ بِهِ الشَّرِيعَة كَقَوْل أبي يَعْقُوب النهرجوري أفضل الْأَحْوَال مَا قَارن
الْعلم وكقول أبي يزِيد عملت فِي المجاهدة ثَلَاثِينَ سنة فَمَا وجدت أَشد على من الْعلم ومتابعته وَلَوْلَا اخلتلاف الْعلمَاء لبقيت وَاخْتِلَاف الْعلمَاء رَحْمَة إِلَّا فِي تَجْرِيد التَّوْحِيد وَهَذَا كَقَوْل سهل بن عبد الله التسترِي كل فعل تَفْعَلهُ بِغَيْر اقْتِدَاء طَاعَة أَو مَعْصِيّة فَهُوَ عَيْش النَّفس وكل فعل تَفْعَلهُ بالاقتداء فَهُوَ عَذَاب على النَّفس وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان الدَّارَانِي رُبمَا يَقع فِي قلبِي النُّكْتَة من
نكت الْقَوْم أَيَّامًا فَلَا أقبل مِنْهُ إِلَّا بِشَاهِدين عَدْلَيْنِ الْكتاب وَالسّنة وَقَالَ صَاحبه أَحْمد بن أبي الْحوَاري من عمل بِلَا اتِّبَاع سنة فَبَاطِل عمله وَقَالَ أَبُو حَفْص النَّيْسَابُورِي من لم يزن أَفعاله وأقواله كل وَقت بِالْكتاب وَالسّنة وَلم يتهم خواطره فَلَا تعده فِي ديوَان الرِّجَال
وَقَالَ الْجُنَيْد بن مُحَمَّد الطّرق كلهَا مسدودة على الْخلق إِلَّا من اقتفى أثر الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقَالَ ايضا من لم يحفظ الْقُرْآن وَيكْتب الحَدِيث لَا يقْتَدى بِهِ فِي هَذَا الْأَمر لِأَن علمنَا هَذَا مُقَيّد بِالْكتاب وَالسّنة وَقَالَ أَبُو عُثْمَان من امْر السّنة على نَفسه قولا وفعلا نطق بالحكمة وَمن أَمر الْهوى على نَفسه قولا وفعلا نطق بالبدعة قَالَ الله تَعَالَى وَإِن تطيعوه تهتدوا [سُورَة النُّور 54] وَقَالَ أَبُو حَمْزَة الْبَغْدَادِيّ من علم الطَّرِيق إِلَى الله سهل عَلَيْهِ سلوكه وَلَا
دَلِيل على الطَّرِيق إِلَى الله إِلَّا مُتَابعَة الرَّسُول فِي أَحْوَاله وأقواله وأفعاله وَمن لفظ الْعلم فِي كَلَامهم قَول أبي عُثْمَان النَّيْسَابُورِي الصُّحْبَة مَعَ الله بِحسن الْأَدَب ودوام الهيبة والمراقبة والصحبة مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بأتباع سنته وَلُزُوم ظَاهر الْعلم والصحبة مَعَ أَوْلِيَاء الله تَعَالَى بالاحترام والخدمة والصحبة مَعَ الْأَهْل بِحسن الْخلق والصحبة مَعَ الإخوان بدوام الْبشر مَا لم يكن أثما والصحبة مَعَ الْجُهَّال بِالدُّعَاءِ لَهُم وَالرَّحْمَة عَلَيْهِم وَمِنْه قَول أبي الْحُسَيْن النوري من رَأَيْته يَدعِي مَعَ الله حَالَة تخرجه عَن حد الْعلم الشرعى فَلَا تقتربن مِنْهُ وَقَالَ أعز
الْأَشْيَاء فِي زَمَاننَا شَيْئَانِ عَالم يعْمل بِعِلْمِهِ وعارف ينْطق عَن حَقِيقَته وَقَالَ أَبُو عبد الرَّحْمَن السلمى سَمِعت جدى أَبَا عَمْرو بن نجيد يَقُول كل حَال لَا يكون عَن نتيجة علم فَإِن ضَرَره أَكثر على صَاحبه من نَفعه وَسُئِلَ عَن التصوف فَقَالَ الصَّبْر تَحت الْأَمر والنهى وَسبب تعبيرهم عَن الشَّرِيعَة بِالْعلمِ أَن الْقَوْم أَصْحَاب إِرَادَة وَقصد وَعمل وَحَال هَذَا خاصتهم لَكِن قد يعْمل أحدهم تَارَة بِغَيْر الْعلم الشرعى بل بِمَا يُدْرِكهُ ويجد إِرَادَته فِي قلبه وَإِن لم يكن ذَلِك مَشْرُوعا مَأْمُورا بِهِ وَهَذَا كثيرا مَا يبتلى بِهِ كثير مِنْهُم من تَقْدِيم علمهمْ بالذوق والوجد على مُوجب الْعلم الْمَشْرُوع وَمن الْعَمَل بذوق لَيْسَ مَعَه فِيهِ علم مَشْرُوع
وَلَا ريب أَن هَذَا من اتِّبَاع الْهوى بِغَيْر هدى من الله وَهُوَ مِمَّا ذمّ الله بِهِ النَّصَارَى الَّذين يضارعهم فِي كثير من أُمُورهم المنحرفون من الصُّوفِيَّة والعباد وَلِهَذَا جعله سهل من حَظّ النَّفس وَلِهَذَا استضعف أَبُو يزِيد مُتَابعَة الْعلم فَإِن مجاهدة هوى النَّفس يَفْعَلهَا غَالب النُّفُوس مثل عبادات الْمُشْركين وَأهل الْكتاب من الرهبان وَعباد الأنداد وَنَحْوهم وكل ذَلِك من هَذَا الْبَاب وَلَهُم من الزّهْد والمجاهدة فِي الْعِبَادَة مَا لَا يَفْعَله الْمُسلمُونَ لكنه بَاطِل لَيْسَ بمشروع وَلِهَذَا لَا ينْتج لَهُ من النتائج إِلَّا مَا يَلِيق بِهِ وَالْمُسلم الصَّادِق إِذا عبد الله بِمَا شرع فتح الله عَلَيْهِ أنوار الْهِدَايَة فِي مُدَّة قريبَة فالمهتدون من مَشَايِخ الْعباد والزهاد يوصون بإتباع الْعلم الْمَشْرُوع كَمَا ان أهل الاسْتقَامَة من الْعلم يوصون بعلمهم الَّذِي يسلكه أهل الاسْتقَامَة من الْعباد والزهاد وَأما المنحرفون من الطَّائِفَتَيْنِ فيعرضون عَن الْمَشْرُوع إِمَّا من الْعلم وَإِمَّا من الْعَمَل وهما طَرِيق المغضوب عَلَيْهِم والضالين قَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة كَانُوا يَقُولُونَ من فسد من الْعلمَاء فَفِيهِ شبه من الْيَهُود وَمن فسد من الْعباد فَفِيهِ شبه من النَّصَارَى وَلِهَذَا قصد أَبُو الْقَاسِم فِي الرسَالَة الرَّد على هَؤُلَاءِ وَلما ذكر الْمَشَايِخ الَّذين ذكرهم قَالَ هَذَا ذكر جمَاعَة من شُيُوخ هَذِه
الطَّائِفَة كَانَ الْغَرَض من ذكرهم فِي هَذَا الْموضع التَّنْبِيه على أَنهم كَانُوا مُجْمِعِينَ على تَعْظِيم الشَّرِيعَة متصفين بسلوك طَرِيق الرياضة متفقين على مُتَابعَة السّنة غير مخلين بشئ من آدَاب الدّيانَة متفقين على ان من خلا عَن الْمُعَامَلَات والمجاهدات وَلم يبن أمره على اساس الْوَرع وَالتَّقوى كَانَ مفتريا على الله سُبْحَانَهُ فِيمَا يَدعِيهِ مفتونا هلك فِي نَفسه وَأهْلك من اغْترَّ بِهِ مِمَّن ركن إِلَى أباطيله وَإِذا عرف معنى لفظ الْعلم فِي اصطلاحهم فَقَوْل أبي عَليّ بن الْكَاتِب الصُّوفِيَّة نزهوه من حَيْثُ الْعلم أَي من جِهَة الشَّرْع وَهُوَ الْكتاب وَالسّنة فنزهوه عَمَّا نزه عَنهُ نَفسه فَأَصَابُوا وَأما الْمُعْتَزلَة فنزهوه بِقِيَاس عقلهم وأهوائهم أَرَادوا ان ينفوا عَنهُ كل صفة مَوْجُودَة لظنهم أَن ذَلِك تَشْبِيه وَلم يهتدوا إِلَى أَن الْخَالِق يُوصف بِمَا
يَلِيق بِهِ والمخلوق يُوصف بِمَا يَلِيق بِهِ وَأَن الِاسْم وَإِن كَانَ مُتَّفقا فالإضافة إِلَى الله تخصصه وتقيده بِمَا ينفى عَنهُ مماثلة الْخلق وَهَذَا الَّذِي ذكره الشَّيْخ أَبُو عَليّ من أَن الصُّوفِيَّة يخالفون الْمُعْتَزلَة فَأمر مُتَّفق عَلَيْهِ فَإِن أصُول الصُّوفِيَّة لَا تلائم نفى الصِّفَات بل هم أبعد النَّاس عَن الاعتزال فِي الصِّفَات وَالْقدر وَمن الْمَعْلُوم أَن طَريقَة الْكَلَام فِي الْجَوَاهِر والأعراض فِي أَدِلَّة أصُول الدّين ومسائله هِيَ الطَّرِيقَة الَّتِي سلكها الْمُعْتَزلَة وَأَخذهَا عَنْهُم متكلمة الصفاتية من الأشعرية وَنَحْوهم وَهِي الطَّرِيقَة الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا أَبُو الْقَاسِم فَعلم أَن الْقَوْم مخالفون لهَذِهِ الطَّرِيقَة الكلامية الَّتِي أَشَارَ أَبُو الْقَاسِم إِلَى بَعْضهَا وَكَذَلِكَ قد ذكر أَبُو الْقَاسِم فِي تَرْجَمَة الشَّيْخ أبي الْحسن بن الصايغ وزمنه زمن ابْن الْكَاتِب سنة ثَلَاثِينَ وثلاثمائة قَالَ وَكَانَ من كبار الْمَشَايِخ وَقَالَ قَالَ ابو عُثْمَان المغربي مَا رَأَيْت
من الْمَشَايِخ أنور من ابي يَعْقُوب النهرجوري وَلَا أَكثر هَيْبَة من ابي الْحسن بن الصايغ قَالَ القشيرى سُئِلَ ابْن الصايغ عَن الِاسْتِدْلَال بِالشَّاهِدِ على الْغَائِب فَقَالَ كَيفَ يسْتَدلّ بِصِفَات من لَهُ مثل وَنَظِير على صِفَات من لَا مثل لَهُ وَلَا نَظِير وَالِاسْتِدْلَال بِالشَّاهِدِ على الْغَائِب فِي إِثْبَات الصِّفَات هِيَ طَريقَة شُيُوخ أبي الْقَاسِم من الْمُتَكَلِّمين الَّذين يجمعُونَ بَين الشَّاهِد وَالْغَائِب فِي الْحَد وَالدَّلِيل وَالشّرط وَالْعلم لإِثْبَات الْحَيَاة وَالْعلم وَسَائِر الصِّفَات فقد رد الشَّيْخ أَبُو الْحسن هَذِه الطَّرِيقَة وَمِمَّا يبين هَذَا أَن أعظم الْمَشَايِخ الَّذين أَخذ عَنْهُم أَبُو الْقَاسِم جمعا لكَلَام مَشَايِخ الصُّوفِيَّة وتأليفا لَهُ وَرِوَايَة لَهُ هُوَ الشَّيْخ أَبُو عبد الرَّحْمَن السلمى فَإِن القشيرى لم يدْرك شَيخا أجمع لكَلَام الْقَوْم وأحرص على ذَلِك وأرغب فِيهِ مِنْهُ وَلِهَذَا صنف فِي ذَلِك مَا لم يصنفه نظراؤه
كَمَا أَن الَّذين أدركوا عصر أبي الْقَاسِم من مَشَايِخ الْقَوْم لم يكن فيهم أقوم بِهَذَا الْبَاب من شيخ الْإِسْلَام أَبى إِسْمَاعِيل عبد الله بن مُحَمَّد الْأنْصَارِيّ الهروى لَا سِيمَا فِي الْمعرفَة بأخبار الْقَوْم وَكَلَامهم وطريقهم فَإِنَّهُ فِي ذَلِك وَنَحْوه من أعلم النَّاس وَكَانَ إِمَامًا فِي الحَدِيث وَالتَّفْسِير وَغير ذَلِك وَمَعَ هَذَا فالشيخ أَبُو عبد الرَّحْمَن وَشَيخ الْإِسْلَام كِلَاهُمَا لَهُ مُصَنف مَشْهُور فِي ذمّ طَريقَة الْكَلَام الَّتِي يدْخل فِيهَا كثير مِمَّا ذكره أَبُو الْقَاسِم من الدَّلَائِل والمسائل حَتَّى ذكر شيخ الْإِسْلَام فِي كِتَابه قَالَ سَمِعت أَحْمد بن أبي نصر يَقُول رَأينَا مُحَمَّد بن الْحُسَيْن السّلمِيّ يلعن الْكلابِيَّة وَمُحَمّد بن الْحُسَيْن السّلمِيّ هُوَ الشَّيْخ أَبُو عبد الرَّحْمَن
أعرف مَشَايِخ أبي الْقَاسِم الْقشيرِي بطريقة الصُّوفِيَّة وَكَلَامهم وَمَعْلُوم أَن الْقَوْم من أبعد النَّاس عَن اللَّعْن وَنَحْوه لحظوظ أنفسهم وَلَوْلَا أَن ابا عبد الرَّحْمَن كَانَ الَّذِي عِنْده أَن الْكلابِيَّة مباينون لمَذْهَب الصُّوفِيَّة المباينة الْعَظِيمَة الَّتِي توجب مثل هَذَا لما لعنهم أَبُو عبد الرَّحْمَن هَذَا والكلابية هم مَشَايِخ الأشعرية فَإِن أَبَا الْحسن الْأَشْعَرِيّ إِنَّمَا اقْتدى بطريقة أبي مُحَمَّد بن كلاب وَابْن كلاب كَانَ أقرب إِلَى السّلف زَمنا وَطَرِيقَة وَقد جمع أَبُو بكر بن فورك شيخ الْقشيرِي كَلَام ابْن كلاب والأشعري وَبَين اتِّفَاقهمَا فِي الْأُصُول وَلَكِن لم يكن كَلَام ابي عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ قد انْتَشَر بعد فَإِنَّهُ انْتَشَر فِي أثْنَاء الْمِائَة الرَّابِعَة لما ظَهرت كتب القَاضِي أبي بكر بن الباقلانى وَنَحْوه وَقد ذكر ذَلِك الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم بن عَسَاكِر الْمُنْتَصر لأبي الْحسن الْأَشْعَرِيّ فِي كِتَابه الَّذِي سَمَّاهُ تَبْيِين كذب المفتري فِيمَا ينْسب إِلَى الشَّيْخ أبي الْحسن الْأَشْعَرِيّ مُوَافقا للشَّيْخ أبي على الْأَهْوَازِي المُصَنّف فِي مثالب الْأَشْعَرِيّ مَعَ كَون ابْن عَسَاكِر رد على الاهوازي ذمه
وثلبه لَهُ لَكِن وَافقه فِي ذَلِك فَذكر أَبُو عَليّ الْأَهْوَازِي أَنه مذقوى مذْهبه أقل من ثَلَاثِينَ سنة والأهوازى توفّي سنة خمس وَأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة قَالَ ابْن عَسَاكِر وَقَوله إِن مذ قوى من ثَلَاثِينَ سنة فلعمري إِنَّه إِنَّمَا اشتهرت هَذِه النِّسْبَة من الْأَزْمِنَة فِي عصر القَاضِي أبي بكر بن الباقلاني ذِي التصانيف المستحسنة المنتشرة فِي بَغْدَاد وَغَيرهَا من الْبلدَانِ والأمكنة وَالْمَقْصُود هُنَا أَن الْمَشَايِخ المعروفين الَّذين جمع الشَّيْخ أَبُو عبد الرَّحْمَن أَسْمَاءَهُم فِي كتاب طَبَقَات الصُّوفِيَّة وَجمع أخبارهم وأقوالهم دع من قبلهم من أَئِمَّة الزهاد من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ الَّذين جمع ابو عبد الرَّحْمَن وَغَيره كَلَامهم فِي كتب مَعْرُوفَة وهم الَّذين
يتَضَمَّن أخبارهم كتاب الزّهْد للْإِمَام أَحْمد وَغَيره لم يَكُونُوا مَذْهَب الْكلابِيَّة الأشعرية إِذْ لَو كَانَت كَذَلِك لما كَانَ أَبُو عبد الرَّحْمَن يلعن الْكلابِيَّة وَقَالَ شيخ الْإِسْلَام الْأنْصَارِيّ سَمِعت أَحْمد بن حَمْزَة وَأَبا عَليّ الْحداد يَقُولَانِ وجدنَا أَبَا الْعَبَّاس أَحْمد بن مُحَمَّد النهاوندي على الانكار على أهل الْكَلَام وتفكير الاشعرية وذكرا عظم شَأْنه فِي الْإِنْكَار على ابي الفوارس القرمسيني وهجر ابْنه إِيَّاه لحرف وَاحِد قَالَ شيخ الْإِسْلَام سَمِعت أَحْمد بن حَمْزَة يَقُول لما اشْتَدَّ الهجران بَين النهاوندي وَأبي الفوارس سَأَلُوا ابا عبد الله الدينَوَرِي فَقَالَ لقِيت ألف شيخ على مَا عَلَيْهِ النهاوندي
وَقد ذكر الشَّيْخ أَبُو عبد الرَّحْمَن السلمى فِي كِتَابه فِي ذمّ الْكَلَام مَا ذكر أَيْضا شيخ الْإِسْلَام أَبُو اسماعيل الْأنْصَارِيّ فَقَالَ أَخْبرنِي ابْن أَحْمد حَدثنَا مُحَمَّد بن الْحُسَيْن فَقَالَ رَأَيْت بِخَط أبي عَمْرو بن مطر يَقُول سُئِلَ ابْن خُزَيْمَة عَن الْكَلَام فِي الْأَسْمَاء وَالصِّفَات فَقَالَ بِدعَة ابتدعوها وَلم يكن أَئِمَّة الْمُسلمين وأرباب الْمذَاهب وأئمة الدّين مثل مَالك وسُفْيَان وَالْأَوْزَاعِيّ وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَيحيى بن يحيى وَابْن الْمُبَارك وَمُحَمّد بن يحيى وَأبي حنيفَة وَمُحَمّد بن الْحسن وَأبي يُوسُف يَتَكَلَّمُونَ فِي ذَلِك وَينْهَوْنَ عَن الْخَوْض فِيهِ ويدلون أَصْحَابهم على الْكتاب وَالسّنة فإياك والخوض فِيهِ وَالنَّظَر فِي كتبهمْ بِحَال وَقَالَ مُحَمَّد بن الْحُسَيْن وَهُوَ أَبُو عبد الرَّحْمَن السلمى سَمِعت أَحْمد بن سعيد المعداني بمرو سَمِعت أَبَا بكر بن
بسطَام سَأَلت أَبَا بكر بن سيار عَن الْخَوْض فِي الْكَلَام فنهاني عَنهُ أَشد النَّهْي وَقَالَ عَلَيْك بِالْكتاب وَالسّنة وَمَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّدْر الأول من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وتابعي التَّابِعين فَإِنِّي رَأَيْت الْمُسلمين فِي أقطار الأَرْض ينهون عَن ذَلِك وينكرونه ويأمرون بِالْكتاب وَالسّنة قَالَ شيخ الْإِسْلَام أَبُو اسماعيل الْأنْصَارِيّ أخبرنَا أَحْمد بن مُحَمَّد بن الْعَبَّاس بن إِسْمَاعِيل المقرى اُخْبُرْنَا مُحَمَّد بن عبد الله بن البيع وَهُوَ الْحَافِظ الْحَاكِم سَمِعت أَبَا سعيد عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد المقرىء سَمِعت أَبَا بكر مُحَمَّد بن اسحاق بن خُزَيْمَة يَقُول من نظر فِي كتبي المصنفة فِي الْعلم ظهر لَهُ وَبَان بِأَن الْكلابِيَّة لعنهم الله كذبة فِيمَا يحكون عني مِمَّا هُوَ خلاف أصلى وديانتي قد عرف أهل الشرق
والغرب انه لم يصنف أحد فِي التَّوْحِيد وَفِي أصُول الْعلم مثل تصنيفي فالحاكي عني خلاف مَا فِي كتبي المصنفة الَّتِي حملت إِلَى الْآفَاق شرقا وغربا كذبة فسقة وَقَالَ شيخ الْإِسْلَام وَأَخْبرنِي أَحْمد بن حَمْزَة حَدثنَا مُحَمَّد بن الْحُسَيْن وَهُوَ أَبُو عبد الرَّحْمَن السلمى يَقُول بَلغنِي أَن بعض أَصْحَاب أبي عَليّ الجوزاني سَأَلَهُ كَيفَ الطَّرِيق إِلَى الله قَالَ أصح الطّرق وأعمرها وأبعدها من الشّبَه اتِّبَاع الْكتاب وَالسّنة قولا وفعلا وعقدا وَنِيَّة لِأَن الله يَقُول وتطيعوه تهتدوا [سُورَة النُّور 54] فَسَأَلَهُ كَيفَ طَرِيق اتِّبَاع السّنة قَالَ بمجانبة الْبدع وَاتِّبَاع مَا اجْتمع عَلَيْهِ الصَّدْر الأول من عُلَمَاء الْإِسْلَام وَأَهله والتباعد عَن مجَالِس الْكَلَام واهله وَلُزُوم طَريقَة الِاقْتِدَاء والاتباع بذلك أَمر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بقوله تَعَالَى ثمَّ أَوْحَينَا إِلَيْك أَن اتبع مِلَّة ابراهيم حَنِيفا [سُورَة النَّحْل 123]
قَالَ شيخ الْإِسْلَام أَخْبرنِي طب بن أَحْمد حَدثنَا مُحَمَّد بن الْحُسَيْن وَهُوَ أَبُو عبد الرَّحْمَن سَمِعت أَبَا بكر مُحَمَّد بن عبد الله بن شَاذان الرَّازِيّ سَمِعت أَبَا جَعْفَر الفرغاني سَمِعت الْجُنَيْد بن مُحَمَّد يَقُول أقل مَا فِي الْكَلَام سُقُوط هَيْبَة الرب من الْقلب وَالْقلب إِذا عرى من الهيبة من الله عرى من الْإِيمَان قَالَ أَبُو الْقَاسِم وَنحن نذْكر فِي هَذَا الْفَصْل جملا من متفرقات كَلَامهم فِيمَا يتَعَلَّق بمسائل الْأُصُول ثمَّ نحرر على التَّرْتِيب بعْدهَا مَا يشْتَمل على مَا يحْتَاج إِلَيْهِ فِي الِاعْتِقَاد على وَجه الإيجاز سَمِعت الشَّيْخ أَبَا عبد الرَّحْمَن السلمى يَقُول سَمِعت عبد الله بن مُوسَى السلامى يَقُول سَمِعت الشبلى يَقُول جلّ الْوَاحِد الْمَعْرُوف قبل
الْحُدُود وَقبل الْحُرُوف قَالَ وَهَذَا صَرِيح من الشبلى رَضِي الله عَنهُ أَن الْقَدِيم لَا حد لذاته وَلَا حُرُوف لكَلَامه قلت هَذَا الْكَلَام فِيهِ اسْتِدْرَاك من وُجُوه أَحدهَا أَن الَّذِي قَالَ إِنَّه تَعَالَى مَعْرُوف قبل الْحُدُود وَقبل الْحُرُوف لم يرد أَن الْخلق عرفوه قبل ذَلِك فَإِنَّهُ قبل الْخلق لم يكن خلق يعرفونه وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنه عرف أَنه كَانَ قبل الْحُدُود وَقبل الْحُرُوف فالظرف وَهُوَ قبل مُتَعَلق بالضمير فِي مَعْرُوف لَا بِنَفس الْمعرفَة اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُرِيد أَنه يعرف نَفسه قبل الْحُدُود وَقبل الْحُرُوف فَيكون هُوَ الْعَارِف وَهُوَ الْمَعْرُوف وَهَذَا معنى صَحِيح يحْتَملهُ الْكَلَام وَالْمَقْصُود أَنه كَانَ قبل ذَلِك وَمَعْلُوم ان اللَّام للتعريف فَإِذا كَانَ قبل الْحُدُود وَقبل الْحُرُوف فَإِنَّمَا اراد الْحُدُود الْمَعْرُوفَة لنا والحروف الْمَعْرُوفَة لنا وَهِي مَا كَانَ هُوَ قبلهَا وَتلك مَا للمخلوق من الْحُدُود والحروف وَلَا ريب أَن الله كَانَ قبل حُدُود الْمَخْلُوقَات وَقبل أصوات الْعباد ومدادهم فَأَما أَن يكون هَذَا يَقْتَضِي أَن الله لم يتَكَلَّم بِحرف أَو لَيْسَ لَهُ حَقِيقَة فِي ذَاته يتَمَيَّز بهَا عَن مخلوقاته فَلَيْسَ هَذَا الْكَلَام صَرِيحًا فِيهِ إِذْ لَو أَرَادَ ذَلِك لقَالَ المنزه عَن الْحُدُود والحروف وَلم يقل قبل الْحُدُود والحروف فَإِن مَا كَانَ
الرب قبله فَهُوَ صفة الْمَخْلُوق وَأما مَا ينزه الرب عَنهُ فَهُوَ مُمْتَنع لَيْسَ هُوَ صفة لَهُ وَلَا هُوَ أَيْضا بِعَيْنِه صفة للمخلوق وَإِن كَانَ الْمَخْلُوق قد يُوصف بنظيره الْوَجْه الثَّانِي أَن الْكَلَام الْمُجْمل من كَلَامهم يحمل على مَا ينْسب سَائِر كَلَامهم وَهَؤُلَاء أَكثر مَا يبتلون بالاتحادية والحلولية الَّذين يجْعَلُونَ الرب حَالا فِي الْمَخْلُوقَات محدودا بحدودها متكلما بحروفها حَتَّى يجعلونه هُوَ الْمُتَكَلّم على ألسنتهم كَمَا ذكر ذَلِك أَبُو الْقَاسِم فِي أول الرساله لما ذكر مَا أحدثه فاسدو الصُّوفِيَّة حَيْثُ قَالَ زَالَ الْوَرع وطوى بساطه وَاشْتَدَّ الطمع وقوى رباطه وارتحل عَن الْقُلُوب حُرْمَة الشَّرِيعَة وعدوا قلَّة المبالاة بِالدّينِ أوثق ذَرِيعَة ورفضوا التَّمْيِيز بَين الْحَلَال وَالْحرَام ودانوا بترك الاحترام وَطرح الاحتشام واستخفوا بأَدَاء الْعِبَادَات واستهانوا بِالصَّوْمِ وَالصَّلَاة وركضوا إِلَى ميدان الغفلات وركنوا إِلَى اتِّبَاع
الشَّهَوَات وَقلة المبالاة بتعاطي الْمَحْظُورَات والارتفاق بِمَا يأخذونه من السوقة والنسوان وَأَصْحَاب السُّلْطَان ثمَّ لم يرْضوا بِمَا تعاطوه من سوء هَذِه الْأَفْعَال حَتَّى أشاروا إِلَى أَعلَى الْحَقَائِق وَالْأَحْوَال فأدعوا أَنهم تحرروا عَن رق الأغلال وتحققوا بحقائق الْوِصَال وَأَنَّهُمْ قائمون بِالْحَقِّ تجرى عَلَيْهِم أَحْكَامه وهم محو لَيْسَ لله عَلَيْهِم فِيمَا يؤثرونه أَو يذرونه عتب وَلَا لوم وَأَنَّهُمْ كوشفوا بأسرار الأحدية واختطفوا عَنْهُم بِالْكُلِّيَّةِ وزالت عَنْهُم أَحْكَامه البشرية وبقوا بعد فنائهم عَنْهُم بأنوار الصمدية وَالْقَائِل عَنْهُم غَيرهم إِذا نطقوا والنائب عَنْهُم سواهُم فِيمَا تصرفوا بل صرفُوا وَهَؤُلَاء كَثِيرُونَ فِي المنتسبين إِلَى الصُّوفِيَّة وعَلى مثل ذَلِك قتل الحلاج
فالشبلي وَأَمْثَاله يُرِيدُونَ أَن يميزوا بَين الْمَخْلُوق والخالق لنفي مَذْهَب الِاتِّحَاد والحلول كَمَا نقل عَن الْجُنَيْد إِفْرَاد الْقدَم عَن الْحَدث وكما قَالَ أَبُو طَالب الْمَكِّيّ صَاحب قوت الْقُلُوب لَيْسَ فِي مخلوقاته شئ من ذَاته وَلَا فِي ذَاته شئ من مخلوقاته فَذكر أَنه مَعْرُوف قبل الْحُدُود والحروف وَهِي مَا عرف من حُدُود المخلوقين وحروفهم وَإِذا كَانَ مَعْرُوفا قبل ذَلِك لم يكن محدودا بحدودهم وَلَا متكلما بكلامهم الْوَجْه الثَّالِث أَن أصُول اعْتِقَاد أَئِمَّة الطَّرِيق إِلَى الله لَا يُؤْخَذ مِمَّا يحْكى عَن مثل الشبلى وَلَو كَانَت الْحِكَايَة صَادِقَة لما عرف من حَال الشبلي وانه كَانَ يغلب عَلَيْهِ الوجد حَتَّى يَزُول عقله وتحلق لحيته ويذهبوا بِهِ إِلَى المارستان وَيسْقط عَنهُ التَّمْيِيز بَين الْحق وَالْبَاطِل وَمن كَانَ بِهَذِهِ الْحَالة لم يجز أَن يَجْعَل كَلَامه وَحده أصلا يفرق بِهِ بَين أَئِمَّة الْهدى والضلال وَالسّنة والبدعة وَالْحق وَالْبَاطِل لَكِن يقبل
من كَلَامه مَا وَافق فِيهِ أَئِمَّة الْمَشَايِخ وَهُوَ مَا دلّ عَلَيْهِ الْكتاب وَالسّنة وأقبح من ذَلِك أَن يعْتَمد فِي اعْتِقَاد أَوْلِيَاء الله فِي أصُول الدّين على كَلَام لم ينْقل مثله إِلَّا عَن الحلاج وَقد قتل على الزندقة وَأحسن مَا يَقُوله النَّاصِر لَهُ إِنَّه كَانَ رجلا صَالحا صَحِيح السلوك لَكِن غلب عَلَيْهِ الوجد وَالْحَال حَتَّى عثر فِي الْمقَال وَلم يدر مَا قَالَ وَكَلَام السَّكْرَان يطوى وَلَا يرْوى فالمقتول شَهِيد وَالْقَاتِل مُجَاهِد فِي سَبِيل الله دع مَا يَقُوله من ينْسبهُ إِلَى المخاريق وخلط الْحق بِالْبَاطِلِ وَلَيْسَ أحد من مَشَايِخ الطَّرِيق لَا أَوَّلهمْ وَلَا آخِرهم يصوب الحلاج فِي جَمِيع مقاله بل اتّفقت الْأمة على انه إِمَّا مُخطئ وَإِمَّا عَاص وَإِمَّا فَاسق وَإِمَّا كَافِر وَمن قَالَ إِنَّه مُصِيب فِي جَمِيع هَذِه
الْأَقْوَال المأثورة عَنهُ فَهُوَ ضال بل كَافِر بأجماع الْمُسلمين وَإِذا كَانَ كَذَلِك كَيفَ يجوز أَن يَجْعَل عُمْدَة لاهل طَرِيق الله كَلَام لم يُؤثر إِلَّا عَنهُ وَلَا يذكر فِي اعْتِقَاد مَشَايِخ طَرِيق الله كَلَام أبسط مِنْهُ وَأكْثر وَهُوَ مَا قَالَ فِيهِ أخبرنَا أَبُو عبد الرَّحْمَن السلمى قَالَ سَمِعت مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن غَالب قَالَ سَمِعت أَبَا نصر أَحْمد بن سعيد الأسفنجاني يَقُول قَالَ الْحُسَيْن بن مَنْصُور ألزم الْكل الْحَدث لِأَن الْقدَم لَهُ فَالَّذِي بالجسم ظُهُوره فالعرض يلْزمه وَالَّذِي بالأداة اجتماعه فقواها تمسكه وَالَّذِي يؤلفه وَقت يفرقه وَقت وَالَّذِي يقيمه غَيره فالضرورة تمسه وَلِذِي الْوَهم يظفر بِهِ فالتصوير يرتقى إِلَيْهِ وَمن آواه مَحل ادركه أَيْن وَمن كَانَ لَهُ جنس طَالبه بكيف إِنَّه سُبْحَانَهُ لَا يظله فَوق وَلَا يقلهُ تَحت وَلَا يُقَابله حد وَلَا يزاحمه عِنْد وَلَا يَأْخُذهُ خلف وَلَا يحده أَمَام وَلم يظهره قبل وَلم يفنه بعد وَلم يجمعه كل وَلم يوجده كَانَ لم يفقده لَيْسَ
وَصفَة لَا صفة لَهُ وَفعله لَا عِلّة لَهُ وَكَونه لَا أمد لَهُ تنزه عَن أَحول خلقه [لَيْسَ لَهُ من خلقه] مزاج وَلَا فِي فعله علاج باينهم بقدمه كَمَا باينوه بحدوثهم إِن قلت مَتى فقد سبق الْوَقْت ذَاته وَإِن قلت هُوَ فالهاء وَالْوَاو خَلفه وَإِن قلت أَيْن فقد تقدم الْمَكَان وجوده فالحروف آيَاته ووجوده إثْبَاته ومعرفته توحيده وتوحيده تَمْيِيزه من خلقه مَا تصور فِي الأوهام فَهُوَ بِخِلَافِهِ كَيفَ يحل بِهِ مَا مِنْهُ بَدَأَ أَو يعود إِلَيْهِ مَا هُوَ أنشأ لَا تماثله الْعُيُون وَلَا تقابله الظنون قربه كرامته وَبعده إهانته علوه من غير توقل ومجيئه من غير تنقل هُوَ الأول وَالْآخر وَالظَّاهِر وَالْبَاطِن والقريب الْبعيد لَيْسَ كمثله شئ وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير
قلت هَذَا الْكَلَام وَالله أعلم هَل هُوَ صَحِيح عَن الحلاج أم لَا فَإِن فِي الْإِسْنَاد من لَا أعرف حَاله وَقد رَأَيْت أَشْيَاء كَثِيرَة منسوبة إِلَى الحلاج من مصنفات وكلمات ورسائل وَهِي كذب عَلَيْهِ لَا شكّ فِي ذَلِك وَإِن كَانَ فِي كثير من كَلَامه الثَّابِت عَنهُ فَسَاد واضطراب لَكِن حملوه أَكثر مِمَّا حمله وَصَارَ كل من يُرِيد أَن يَأْتِي بِنَوْع من الشطح والطامات يعزوه إِلَى الحلاج لكَون مَحَله أقبل لذَلِك من غَيره وَلكَون قوم مِمَّن يعظم المجهولات الهائلة يعظم مثل ذَلِك فَإِن كَانَ هَذَا الْكَلَام صَحِيحا فَمَعْنَاه الصَّحِيح هُوَ نفي مَذْهَب الِاتِّحَاد والحلول الَّذِي وَقع فِيهِ طَائِفَة من المتصوفه وَنسب ذَلِك إِلَى الحلاج فَيكون هَذَا الْكَلَام من الحلاج ردا على أهل الِاتِّحَاد والحلول وَهَذَا حسن مَقْبُول وَأما تَفْسِيره بِمَا يُوَافق رأى أبي الْقَاسِم فِي الصِّفَات فَلَا يُنَاسب هَذَا الْكَلَام وَقد يُقَال إِن هَذَا الْكَلَام فِيهِ من الشطح مَا فِيهِ وَمَا زَالَ اهل الْمعرفَة يعيبون الشطح الَّذِي دخل فِيهِ طَائِفَة من الصُّوفِيَّة حَتَّى ذكر ذَلِك أَبُو حَامِد فِي إحيائه وَغَيره وَهُوَ قِسْمَانِ شطح هُوَ ظلم وعدوان وَإِن كَانَ من ظلم الْكفَّار وشطح هُوَ جهل وهذيان وَالْإِنْسَان ظلوم جهول قَالَ أَبُو حَامِد وَأما الشطح فنعنى بِهِ صنفين من الْكَلَام
أحدثه بعض المتصوفة أَحدهمَا الدَّعَاوَى الطَّوِيلَة العريضة فِي الْعِشْق مَعَ الله والوصال المغنى عَن الاعمال الظَّاهِرَة حَتَّى يَنْتَهِي قوم إِلَى دَعْوَى الِاتِّحَاد وارتفاع الْحجاب والمشاهدة بِالرُّؤْيَةِ والمشافهة بِالْخِطَابِ فَيَقُولُونَ قيل لنا كَذَا وَقُلْنَا كَذَا ويتشبهون فِيهِ بالحسين بن مَنْصُور الحلاج الَّذِي صلب لأجل إِطْلَاقه كَلِمَات من هَذَا الْجِنْس قَالَ والصنف الثَّانِي من الشطح كَلِمَات غير مفهومة لَهَا ظواهر رائعة وفيهَا عِبَارَات هائلة وَلَيْسَ وَرَائِهَا طائل وَهِي إِمَّا أَن تكون غير مفهومة عِنْد قَائِلهَا بل يصدرها عَن خبط فِي عقله وتشوش فِي خياله لقلَّة إحاطته بِمَعْنى كَلَام قرع