أهل الأثرالأرشيف العلمي

فصل وَمن اسباب ذَلِك مَا وَقع من الاشراك فِي لفظ الْغيرَة فِي كَلَام الْمَشَايِخ

صفحات 10-49

اهل الطَّرِيق فَإِنَّهُم تكلمُوا فِيهَا بمعاني بَعْضهَا مُوَافق لعرف الشَّارِع وَبَعضهَا لَيْسَ كَذَلِك وبضعهم حمد مِنْهَا مَا حَمده الشَّارِع وَبَعْضهمْ حمد مِنْهَا مَا لم يحمده الشَّارِع بل ذمه

وَقد تقدم ان الْغيرَة الَّتِي وصف الله بهَا نَفسه اما خَاصَّة وَهُوَ ان يَأْتِي الْمُؤمن مَا حرم عَلَيْهِ واما عَامَّة وَهِي غيرته من الْفَوَاحِش مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن واما الْغيرَة فِي اصْطِلَاح طَائِفَة من اهل الطَّرِيق فَقَالَ ابو الْقَاسِم الْقشيرِي الْغيرَة كَرَاهَة مُشَاركَة الْغَيْر واذا وصف الْحق بالغيرة فَمَعْنَاه انه لَا يرضى بمشاركة الْغَيْر مَعَه فِيمَا هُوَ حق لَهُ تَعَالَى من طَاعَة عَبده لَهُ فَقَوله الْغيرَة كَرَاهَة مُشَاركَة الْغَيْر اشار بِلَفْظ الْغَيْر الى اشتقاق لفظ الْغيرَة وَهَذَا اقْربْ فَإِن الْغيرَة اما من تغير الغائر واما من مزاحمه الْغَيْر لَكِن قَوْله كَرَاهَة مُشَاركَة الْغَيْر هُوَ اصْطِلَاح خَاص لَيْسَ بمطابق لاصطلاح الشَّارِع بل هُوَ اعم مِنْهُ من وَجه واخص مِنْهُ من وَجه اما كَونه اعم فَإِنَّهُ يدْخل فِيهِ مُشَاركَة الْغَيْر الْمُبَاحَة كالمشاركة فِي الاموال والعبادات والطاعات وَهَذِه لَيست غيرَة مَأْمُورا بهَا بل بَعْضهَا محرم وَهُوَ حسد وَيدخل فِيهَا الْمُشَاركَة فِي الْبضْع والغيرة على ذَلِك غيرَة مَشْرُوعَة

وَأما كَونه اخص فانه يخرج مِنْهُ الْغيرَة الَّتِي لَا يُشَارِكهُ فِيهَا مثل غيرَة الْمُؤمن ان يَزْنِي اقاربه اَوْ غيرته ان تنتهك محارم الله فَإِن الله يغار من ذَلِك وَالْمُؤمن مُوَافق لرَبه فيحب مَا احب وَيكرهُ مَا كره وَلِهَذَا وصف غيرَة الله بِمَا يُوَافق اصطلاحة فَقَالَ غيرَة الله انه لَا يرضى بمشاركة الْغَيْر مَعَه فِيمَا هُوَ حق لَهُ من طَاعَة عَبده وَهَذِه الْغيرَة اعم مِمَّا ذكره النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من وَجه وابعد عَن مَقْصُود الْغيرَة الَّتِي ذكرهَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من غيرَة الْحق سُبْحَانَهُ فقد فسر غيرته ان يَأْتِي الْمُؤمن مَا حرم عَلَيْهِ وَبِأَن يَزْنِي عَبده اَوْ تَزني امته وَقَالَ من اجل غيرته حرم الْفَوَاحِش مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن فَجعل الغبرة مُطلقَة مُتَعَلقَة بِفعل الْمُحرمَات وَجعل عظمها وسلطانها فِي اتيان الْفَوَاحِش مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن وَمن جعلهَا لنفي الْمُشَاركَة فِي حَقه كَانَ دُخُول الشّرك فِي الله فِي بَاب الْغيرَة عِنْده اولى من دُخُول الْفَوَاحِش وَكَانَ اسْتِعْمَال لفظ الْغيرَة فِي الشّرك اولى من اسْتِعْمَال لفظ الْغيرَة فِي الزِّنَا وايضا اذا جعلناها لنفي الْمُشَاركَة فِيمَا هُوَ حق لَهُ من طَاعَة عَبده فقد يدْخل فِي ذَلِك مَا يَفْعَله العَبْد من الْمُبَاحَات على غير وَجه التَّقَرُّب فان هَذَا لم يَفْعَله لله وَمَعَ هَذَا فَلَيْسَ من غيرَة الله الَّتِي وصف الرَّسُول بهَا ربه وايضا فالمشاركة فِيمَا هُوَ حق لَهُ فد لَا يدْخل فِيهِ فعل الْفَوَاحِش

والمحرمات اذا لم يقْصد العَبْد بهَا طَاعَة غَيره وان كَانَ مُطيعًا فِيهَا للشَّيْطَان وانما يدْخل فِيهِ مَا فعله من الطَّاعَات لله وَلغيره برا وَنَحْوه وَمَعَ هَذَا فقد يُقَال بل كل مَا كَانَ من ترك وَاجِب اَوْ فعل محرم فَفِيهِ مُشَاركَة الْغَيْر مَعَه مَا يسْتَحقّهُ من طَاعَة عَبده وعَلى هَذَا فَيدْخل كل ذَنْب فِيمَا يغار الله مِنْهُ سَوَاء كَانَ ترك وَاجِب مَا اَوْ فعل محرم وَهَذَا الْمَعْنى حسن مُوَافق للشريعة فَإِن الله يبغض ذَلِك ويمقته فَيكون لفظ الْغيرَة مرادافا للفظ البغض والمقت والسخط لَكِن هُوَ اعم مِمَّا يظْهر فِي عرف الشَّارِع حَيْثُ جعل غيرته ان يَأْتِي الْمُؤمن مَا حرم عَلَيْهِ وَجعل غيرته ان يَزْنِي عَبده اَوْ تَزني امته وَمن غيرته ان حرم الْفَوَاحِش مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن وَهَذِه الْغيرَة اخص من مُطلق البغض الا ان يُقَال ترك للشريعة واما تَسْمِيَته غيرَة فَهُوَ امْر اصطلاحي والنزاع فِيهِ لَفْظِي ثمَّ انه ذكر عَن بعض الْمَشَايِخ مذهبين فِي الْغيرَة احدهما يتَضَمَّن الْغيرَة مِمَّا لَا يغار الله مِنْهُ بل يُحِبهُ وَالثَّانِي يتَضَمَّن ترك الْغيرَة مِمَّا يغار الله مِنْهُ وَيُحب الْغيرَة مِنْهُ وَيَأْمُر ذَلِك

وَكِلَاهُمَا مَذْهَب مَذْمُوم مُتَضَمّن اما لترك مَأْمُور يُحِبهُ الله اَوْ لفعل مَكْرُوه يكرههُ الله وَذكر من كَلَامه وَكَلَام الْمَشَايِخ مَا هُوَ حسن مَقْبُول فَاشْتَمَلَ كَلَامه فِي الْغيرَة على الاقسام الثَّلَاثَة فالاول من الْغيرَة كَرَاهَة تَوْبَة العاصين وَعبادَة الْمُقَصِّرِينَ كَمَا ذكر عَن الشبلى انه سُئِلَ مَتى يستريح قَالَ اذا لم ار لَهُ ذَاكِرًا وَقَالَ حكى ان الشبلي مَاتَ ابْن لَهُ كَانَ اسْمه ابو الْحسن فحزنت امهِ عَلَيْهِ وَقطعت شعرهَا وَدخل الشبلي الْحمام وتنور بلحيته فَكل من اتاه معزيا لَهُ قَالَ ايش هَذَا يَا ابا بكر فَكَانَ يَقُول مُوَافقَة لأهلي فَقَالَ لَهُ بَعضهم اخبرني يَا ابا بكر لم فعلت هَذَا قَالَ علمت انهم يعزونني على الْغَفْلَة وَيَقُولُونَ آجرك الله تَعَالَى ففديت ذكرهم لله تَعَالَى

على الْغَفْلَة بلحيتي قَالَ واذن الشبلي مرّة فَلَمَّا انْتهى الى الشَّهَادَتَيْنِ قَالَ لَوْلَا انك امرتني مَا ذكرت مَعَك غَيْرك قَالَ وَسمع النورى رجلا يُؤذن فَقَالَ طعنة وسم الْمَوْت وَسمع كَلْبا ينبح فَقَالَ لبيْك وَسَعْديك فَقيل لَهُ ان هَذَا ترك للدّين فَإِنَّهُ يَقُول للمؤذن فِي تشهده طعنة وسم الْمَوْت ويلبي عِنْد نباح الْكلاب فَسئلَ عَن ذَلِك فَقَالَ اما الْمُؤَذّن فانه يذكرهُ على رَأس الْغَفْلَة واما الْكَلْب فَإِن الله يَقُول وان من شَيْء الا يسبح بِحَمْدِهِ سُورَة الاسراء 44 وَمثل هَذَا الْكَلِمَات والحكايات لَا تصلح ان تذكر للاقتداء اَوْ سلوك سَبِيل وَطَرِيقَة لما فِيهَا من مُخَالفَة امْر الله وَرَسُوله وَالَّذِي يصدر عَنهُ امثال هَذِه الامور ان كَانَ مَعْذُورًا بقصور فِي اجْتِهَاده اَوْ

غيبَة فِي عقله فَلَيْسَ من اتبعهُ بمعذور مَعَ وضوح الْحق والسبيل وان كَانَت سيئتة مغفورة لما اقْترن بهَا من حسن قصد وَعمل صَالح فَيجب بَيَان الْمَحْمُود والمذموم لِئَلَّا يكون لبسا للحق بِالْبَاطِلِ وابو الْحُسَيْن النوري وابو بكر الشبلي رَحْمَة الله عَلَيْهِمَا كَانَا معروفين بتغيير الْعقل فِي بعض الاوقات حَتَّى ذهب الشبلي الى المارستان مرَّتَيْنِ والنوري رَحمَه الله كَانَ فِيهِ وَله وَقد مَاتَ بأجمة قصب لما غَلبه الوجد حَتَّى ازال عقله وَمن هَذِه حَاله لَا يصلح ان يتبع فِي حَال لَا يُوَافق امْر الله وَرَسُوله وان كَانَ صَاحبهَا مَعْذُورًا اَوْ مغفورا لَهُ وان كَانَ لَهُ من الايمان وَالصَّلَاح والصدق والمقامات المحمودة مَا هُوَ من اعظم الامور فَلَيْسَ هُوَ فِي ذَلِك بأعظم من السَّابِقين الاولين من الْمُهَاجِرين والانصار وَالَّذين اتَّبَعُوهُمْ باحسان فانهم يتبعُون فِي طَاعَة وَلَا يذكرُونَ الا بالجميل الْحسن وَمَا صدر مِنْهُم من ذَنْب اَوْ تَأْوِيل وَلَيْسَ هُوَ مِمَّا امْر الله بِهِ وَرَسُوله لَا يتبعُون فِيهِ فَهَذَا اصل يحب اتِّبَاعه فحلق اللحيه منهى عَنهُ ومثلة كرهها الله وَرَسُوله والمعزي اَوْ الْمُؤَذّن وان لم يكن مَعَه كَمَال الْحُضُور فَلَا يجوز سبه وذمه على مَا

اظهره من ذكر الله بل يُؤمر بِمَا يكمل ذَلِك من حقائق الْقُلُوب المحمودة وان كَانَ ذَاكِرًا لله بِلِسَانِهِ فأعظم الْمَرَاتِب ذكر الله بِالْقَلْبِ وَاللِّسَان ثمَّ ذكر الله بِالْقَلْبِ ثمَّ ذكر الله بِاللِّسَانِ وَقد رُوِيَ ان الْمَلَائِكَة حضرت محتضرا لم تَجِد لَهُ حَسَنَة الا ان لِسَانه يَتَحَرَّك بِذكر الله فَكَانَ ذَلِك مِمَّا رَحمَه الله بِهِ وَقد قَالَ رجل للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اوصني فان شرائع الاسلام قد كثرت على فَقَالَ لَا يزَال لسَانك رطبا بِذكر الله وَقَالَ الله تَعَالَى انا مَعَ عَبدِي مَا ذَكرنِي وَالذكر يكون بِلِسَان الانسان وَلَكِن يكون لِقَلْبِهِ من ذَلِك نصيب اذ الاعضاء لَا تتحرك الا بارادة الْقلب لَكِن قد تكون الْغَفْلَة غالبة عَلَيْهِ وَذَلِكَ الْكَلَام خير من الْعَدَم وَالله يُحِبهُ وَيَأْمُر بِهِ

وَكَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَسلم اذا سمع الْمُؤَذّن لَا يَغْزُو الا اغار وَكثير من المؤذنين لَا يكون كَامِل الْحُضُور بل المُنَافِقُونَ الَّذين يظهرون الايمان بألسنتهم دون قُلُوبهم يقرونَ على ذَلِك فِي الظَّاهِر بِأَمْر الله وَرَسُوله فَكيف بِالْمُؤمنِ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن ابي هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم انه قَالَ اذا سَمِعْتُمْ نهاق الْحمير فتعوذوا بِاللَّه من الشَّيْطَان فانها رَأَتْ شَيْطَانا واذا سَمِعْتُمْ صياح الديكة فَسَلُوا الله من فَضله فَإِنَّهَا رَأَتْ ملكا وَفِي سنَن ابي دَاوُد عَن جَابر قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اذا سَمِعْتُمْ نباح الْكلاب ونهيق الْحمر بِاللَّيْلِ فتوذوا بِاللَّه مِنْهُنَّ فَإِنَّهُنَّ يرين مَا لَا ترَوْنَ وَثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنهُ من حَدِيث ابي هُرَيْرَة انه قَالَ اذا اذن الْمُؤَذّن ادبر الشَّيْطَان وَله ضراط لَا يسمع التأذين فَإِذا قصى

التأذين اقبل فاذا ثوب بِالصَّلَاةِ ادبر فَإِذا قضى التثويب اقبل حَتَّى يخْطر بَين الْمَرْء وَنَفسه فَيَقُول اذكر كَذَا اذكر كَذَا لما لم يكن يذكر حَتَّى يضل الرجل لم يدر كم صلى فَإِذا كَانَ التأذين يطرد الشَّيْطَان ونباح الْكلاب يكون عَن رُؤْيَة الشَّيَاطِين كَيفَ يصلح ان يُقَال لهَذَا طعنة وسم الْمَوْت لأجل تَقْصِير هَذَا بغفلة فِي قلبه وَلِهَذَا لبيْك وَسَعْديك لكَون الْكَلْب يسبح بِحَمْدِهِ فَإِن هَذِه حجَّة فَاسِدَة اما ذَلِك الغافل فَإِن اجره ينقص بغفلته كَمَا روى ابو دَاوُد فِي السّنَن عَن عمار عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم انه قَالَ ان العَبْد لينصرف من صلَاته وَلم يكْتب لَهُ مِنْهَا الا نصفهَا الا ثلثهَا الا ربعهَا الا خمسها الا سدسها حَتَّى قَالَ الا عشرهَا فَلَا ريب ان الاجر ينقص بالغفلة لَكِن اسْتِحْقَاق الْعقُوبَة نوع آخر واذا اسْتحق الْعقُوبَة لم يجز ان تكون عُقُوبَته مُقَابلَة لما اظهره من الْحَسَنَة

واما نباح الْكَلْب ان كَانَ تسبيحا فصوت الْمُؤَذّن اولى ان يكون تسبيحا فبكل حَال لَا يكون نباح الْكلاب الَّذِي يقْتَرن بِهِ الشَّيْطَان ادنى من ذَلِك من صَوت الْمُؤَذّن الَّذِي هُوَ سَبَب لهروب الشَّيَاطِين فَإِن ذَلِك ان كَانَ لدلالته على الربوبية فصوت الْمُؤَذّن اكمل وان كَانَ لعبادته بِمَا يسْتَحقّهُ الرب من الالهية فصوت الْمُؤَذّن اعظم عبَادَة لله من نباح الْكَلْب فتسبيح كل شَيْء بِحَمْدِهِ يدْخل فِيهِ الْمُؤَذّن بِكُل حَال اعظم مِمَّا يدْخل فِيهِ الْكَلْب فَكيف يدْخل الْكَلْب النابح وَيخرج الْمُؤَذّن لنَوْع من الْغَفْلَة فَهَذَا وَالْكَلب محرم اقتناؤه الا لضَرُورَة من صيد اَوْ حرث اَوْ مَاشِيَة وَمن اقتنى كَلْبا بِغَيْر هَذِه الثَّلَاثَة نقص كل يَوْم من عمله قِيرَاط وتلبية الْكَلْب فِي نباحه امْر مُنكر لَا وَجه لَهُ اصلا فَلَا يتبع اُحْدُ فِي ذَلِك وان كَانَ مَعْذُورًا اَوْ مغفورا لَهُ مشكورا على حَسَنَات غير هَذَا وَكَذَلِكَ الْحِكَايَة عَن الشبلي انه لما انْتهى الى الشَّهَادَتَيْنِ قَالَ لَوْلَا انك امرتني مَا ذكرت مَعَك غَيْرك فان ذكر هَذَا فِي بَاب الْغيرَة مُنكر من القَوْل وزور لَا يصلح الا ان نبين ان هَذَا من الْغيرَة الَّتِي يبغض الله صَاحبهَا بل الْغيرَة من الشَّهَادَة لرسله بالرسالة من الْكفْر وشعبه وَهل يكون موحدا شَاهدا لله بالالهية الا من شهد لرسله بالرسالة وَقد بَينا فِي غير مَوضِع من الْقَوَاعِد وَغَيرهَا ان كل من لم يشْهد برسالة الْمُرْسلين فَإِنَّهُ لَا يكون الا مُشْركًا يَجْعَل مَعَ الله الها اخر وان التَّوْحِيد والنبوة متلازمان وكل من ذكر الله عَنهُ فِي كِتَابه انه مُشْرك فَهُوَ مكذب

للرسل وَمن اخبر عَنهُ انه مكذب للرسل فانه مُشْرك وَلَا تتمّ الشَّهَادَة لله بالالهية الا بِالشَّهَادَةِ لعَبْدِهِ بالرسالة كَمَا جَاءَ مَرْفُوعا فِي قَوْله تَعَالَى ورفعنا لَك ذكرك سُورَة الانشراح 4 قَالَ لَا اذكر الا ذكرت معي وَلَا تتمّ لامتك خطْبَة وَلَا تشهد حَتَّى يشْهدُوا انك عَبدِي ورسولي وَكَذَلِكَ الْحِكَايَة الَّتِي سَمعتهَا من بعض الْفُقَرَاء عَن ابي الْحسن الخزفاني انه قَالَ لَا اله الا الله من دَاخل الْقلب مُحَمَّد رَسُول

الله من القرط قَالَ ابو الْقَاسِم وَمن ينظر الى ظَاهر هَذَا اللَّفْظ يتَوَهَّم انه استصغر الشَّرْع وَلَا كَمَا يخْطر بالبال اذ الاخطار للأغيار بالإظافة الى قدر الْحق متصاغرة فِي التَّحْقِيق وَهَذِه الْحِكَايَة ايضا من اقبح الْكَلَام وافحشه وَذكر هَذَا فِي بَاب الْغيرَة من انكر الْمُنكر فَإِن هَذَا الْكَلَام لَا يُقَال انه استصغار للشَّرْع بل هُوَ من اكبر شعب النِّفَاق واعظم اركان الْكفْر وَصَاحبه ان لم يغْفر الله لَهُ لحسن قَصده فِي تَعْظِيم الرب كَمَا غفر للَّذي قَالَ اذا انا مت فاحرقوني واسحقوني وذروني فِي اليم فغفر لَهُ شكه فِي قدرته على اعادته لخشيتة مِنْهُ وَلم يتب من مثل هَذَا الْكَلَام والا كَانَ هَذَا الْكَلَام مُوجبا لعَظيم عِقَابه وَذَلِكَ ان الايمان بالرسل عَلَيْهِم السَّلَام لَيْسَ من بَاب ذكر

الاغيار بل لَا يتم التَّوْحِيد لله وَالشَّهَادَة لَهُ بالوحدانية والايمان بِهِ الا بالايمان بالرسالة فَمن جعل الايمان بملائكة الله وَكتبه وَرُسُله مغايرا للْإيمَان بِهِ وَجعل الاعراض عَنهُ من بَاب الْغيرَة المعظمة عِنْد الْمَشَايِخ فقد ضل سَعْيه وَهُوَ يحْسب انه يحسن صنعا وَمن لم تكن الشَّهَادَة بالرسالة دَاخله فِي ضمن قلبه بِالشَّهَادَةِ بالألوهية فَلَيْسَ بِمُؤْمِن وَفِي مثل هَذَا جَاءَ الحَدِيث الْمُتَّفق عَلَيْهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن اسماء عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم انه قَالَ انه اوحى الي انكم تفتنون فِي قبوركم مثل وقريبا من فتْنَة الدَّجَّال يُؤْتى الرجل فِي قَبره فَيُقَال لَهُ مَا علمك بِهَذَا الرجل الَّذِي بعث فِيكُم فَأَما الْمُؤمن اَوْ الموقن فَيَقُول هَذَا هُوَ مُحَمَّد عبد الله وَرَسُوله جَاءَ بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهدى فَآمَنا بِهِ واتبعناه واما الْمُنَافِق اَوْ المرتاب فَيَقُول آه آه لَا ادري سَمِعت النَّاس يَقُولُونَ شَيْئا فقلته

ثمَّ انك تَجِد هَؤُلَاءِ الَّذين يغلون بزعمهم فِي التَّوْحِيد حَتَّى يعرضون عَن الْكتاب وَالسّنة ويستخفون بحرمتهما ويعظم احدهم شَيْخه ومتبوعه اكثر مِمَّا يعظم الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وتحدهم يشركُونَ بِاللَّه فِي استغاثتهم بِغَيْرِهِ وخوفهم ورجائهم لغيره ومحبتهم لغيره فتجد فيهم من انواع الشّرك الجلى والخفي الَّتِي نهى الله عَنْهَا وَرَسُوله مَا الله بِهِ عليم وَمَعَ هَذَا فيعرضون عَمَّا هُوَ من تَمام التَّوْحِيد زعما انهم يحققون التَّوْحِيد واما اعتذار ابي الْقَاسِم عَنهُ بِأَن الاخطار للاغيار بالإظافة الى قدر الْحق متصاغرة فعذر بَاطِل وَذَلِكَ ان الشَّاهِد للرسول بالرسالة لم يَجعله ندا لله وَلَا شَرِيكا لَهُ وَلَا ظهيرا حَتَّى يفاضل بَينهمَا هَذَا الْكَلَام يَلِيق بِمن يَقُول ان الله ثَالِث ثَلَاثَة اَوْ يَجْعَل الله شَرِيكا وَولدا اَوْ بِمن يستغيث بمخلوق ويتوكل عَلَيْهِ اَوْ يعْمل لَهُ اَوْ يشْتَغل بِهِ عَن الله فَيُقَال لَهُ فاعبده واصطبر لعبادته هَل تعلم لَهُ سميا سُورَة مَرْيَم 65 وَيُقَال لَهُ فاعبد الله مخلصا لَهُ الدّين الا لله الدّين الْخَالِص وَالَّذين اتَّخذُوا من دونه اولياء مَا نعبدهم الا ليقربونا الى الله زلفى ان الله يحكم بَينهم يَوْم الْقِيَامَة فيا هم فِيهِ

يَخْتَلِفُونَ سُورَة الزم 2 3 وَقَوله تَعَالَى ام اتَّخذُوا من دون الله شُفَعَاء قل اَوْ لَو كَانُوا لَا يملكُونَ شَيْئا وَلَا يعْقلُونَ قل لله الشَّفَاعَة جيمعا سُورَة الزمر 4443 الى امثال ذَلِك مِمَّا فِي كتاب الله من الْآيَات الَّتِي فِيهَا تَجْرِيد التَّوْحِيد وتحقيقه وَقطع مُلَاحظَة الاغيار فِي الْعِبَادَة والاستغاثة وَالدُّعَاء وَالْمَسْأَلَة والتوكل والرجاء والخشية وَالتَّقوى والانابة وَنَحْو ذَلِك مِمَّا هُوَ من خَصَائِص حق الربوبية الَّتِي لَا تصلح لملك مقرب وَلَا نَبِي مُرْسل فَأَما الايمان بِالْكتاب وَالرَّسُول فَهَذَا من تَمام الايمان بِاللَّه وتوحيده لَا يتم الا بِهِ وَذكر الله بِدُونِ هَذَا غير نَافِع اصلا بل هُوَ سعى ضال وَعمل بَاطِل لم يتنازع الْمُسلمُونَ فِي ان الرجل لَو قَالَ اشْهَدْ ان لَا اله الا الله وَلم يقر بَان مُحَمَّدًا رَسُول الله انه لم يكن مُؤمنا وَلَا مُسلما وَلَا يسْتَحق الا الْعَذَاب وَلَو شهد ان مُحَمَّدًا رَسُول الله لَكَانَ مُؤمنا مُسلما عِنْد كثير من الْعلمَاء وَبَعْضهمْ يفرق بَين من كَانَ معترفا بِالتَّوْحِيدِ كاليهود وَمن لم يكن معترفا بِهِ وَبَعْضهمْ لَا يَجعله مُسلما الا بالنطق بِالشَّهَادَتَيْنِ وَهِي ثَلَاثَة اقوال مَعْرُوفَة فِي مَذْهَب احْمَد وَغَيره وَهَذَا معنى مَا يروي فِي بعض الْآثَار يَا مُحَمَّد تذكر وَلَا اذكر فأرضى وَاذْكُر وَلَا تذكر فاقبض يَعْنِي ذكره بالرسالة وَمن ذكره

بالرسالة فقد تضمن ذَلِك ذكر الله واما من ذكر الله وَلم يذكرهُ بالرسالة فَإِنَّهُ لَا يكون مُؤمنا وَحَيْثُ جَاءَ فِي الاحاديث يخرج من النَّار من قَالَ لَا اله الا الله واسعد النَّاس بشفاعتي يَوْم الْقِيَامَة من قَالَ لَا اله الا الله مخلصا من قلبه وَنَحْو ذَلِك فَلِأَن ذَلِك مُسْتَلْزم الايمان بالرسالة كَمَا بَيناهُ فِي غير هَذَا الْموضع وانه لَا تصح هَذِه الْكَلِمَة الا من المقرين بالرسالة وَبِمَا وَقع فِيهِ هَؤُلَاءِ وامثالهم من ضعف الايمان بِالْكتاب وَالرَّسُول وَبَعض انواع الضَّلَالَة والجهالة حَتَّى فِي الشّرك الَّذِي زَعَمُوا انهم فروا مِنْهُ فنسأل الله مُقَلِّب الْقُلُوب ان يثبت قُلُوبنَا على دينه وَكَذَلِكَ قَول الشبلي لما سُئِلَ مَتى تستريح فَقَالَ اذا لم ار لَهُ ذَاكِرًا وَذكر هَذَا فِي الْغيرَة الَّتِي هِيَ من طَرِيق اولياء الله وعباده الصَّالِحين من اعظم الْمُنْكَرَات وَمن القَوْل الَّذِي يبغضه الله وَرَسُوله واولياؤه من الاولين والآخرين ايغار الْمُؤمن ان يذكر الله اَوْ يغار

ان تنتهك محارم الله وَلَيْسَ لهَذَا القَوْل وَجه يحمد بِهِ واما قَائِله فَلَعَلَّهُ كَانَ مسلوب الْعقل حِين قَالَ ذَلِك فقد كَانَ كثيرا مَا يَزُول عقله فان قصد بِهِ ان احدا لَا يذكرهُ كَمَا يسْتَحقّهُ فَالَّذِي يسْتَحقّهُ هُوَ الْعِبَادَة الَّتِي هِيَ حَقه على عباده وَهُوَ لَا يكلفهم اكثر من طاقتهم وَهَذَا هُوَ الَّذِي يؤمرون بِهِ ويقبله الله مِنْهُم وان قصد انهم يقصرون فِي الْوَاجِب فبعض الْوَاجِب خير من تَركه كُله وَإِن كَانَ هَذَا لضيق فِي نَفسه وحرج فِي فُؤَاده فَهَذَا من الْغيرَة الَّتِى يبغضها الله وَرَسُوله وَهُوَ شَرّ من حسد وَمِمَّا يشبه هَذَا مَا ذكره لَهُ مرّة بعد اصحابنا الْفُقَرَاء وَفِيه خير وَدين وَمَعْرِفَة انه كَانَ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ فَقَامَ آخر يُصَلِّي قَالَ فَأَخَذَتْنِي الْغيرَة فَقلت لَهُ هَذَا حسد وضيق عطن وظلم لَيْسَ بِغَيْرِهِ انما لغيره اذا انتهكت محارم الله وَالله تَعَالَى وَاسع عليم يسع عباده الاولين والأخرين وَهُوَ يحب ذَلِك وَيَأْمُر بِهِ وَيَدْعُو اليه فَكيف يبغض الْمُؤمن مَا يُحِبهُ وَهَذَا الْقدر وَاقع كثير من ارباب الاحوال حَتَّى يقتل بَعضهم

بَعْضًا ويعتدى بَعضهم على بعض يُؤْذى بَعضهم بَعْضًا وَيَقُولُونَ هَذَا غيرَة على الْحق وانما هُوَ تعدِي لحدوده وظلم لِعِبَادِهِ وَصد عَن سَبيله وتمثيل فِيهِ للحق تَعَالَى بِالْمَرْأَةِ اَوْ الامرد الَّذِي يتغاير عَلَيْهِم الْفُسَّاق لضيق الْمحل غير الاشراك وَاصل ذَلِك من طلب الْفساد والعلو فِي الارض وَطلب الِانْفِرَاد بالتأله لَا لأجل الله لَكِن لاجل الاستعلاء فِي الارض فَهُوَ من الْكبر والحسد من جنس ذَنْب ابليس وَفرْعَوْن واخي ابْن ادم لَا من اعمال عوام الْخلق فضلا عَن مؤمنيهم فضلا عَن اولياء الله الْمُتَّقِينَ وَلِهَذَا نجد امثال هَؤُلَاءِ من اقل النَّاس غيرَة اذا انتهكت محارم الله وَيكون الْمُؤْمِنُونَ مِنْهُم فِي تَعب وَالْمُشْرِكُونَ مِنْهُم فِي رَاحَة ضد مَا نعت الله بِهِ الْمُؤمنِينَ حَيْثُ قَالَ اشداء على الْكفَّار رحماء بَينهم سُورَة الْفَتْح 29 وَقَالَ اذلة على الْمُؤمنِينَ اعزة على الْكَافرين سُورَة الْمَائِدَة 54 فشأنهم من جنس الْخَوَارِج الَّذين قَالَ فيهم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يقتلُون اهل الاسلام وَيدعونَ اهل الاوثان

واما الْمَذْهَب الثَّانِي فَإِنَّهُ قَالَ وَمن النَّاس من قَالَ ان الْغيرَة من صِفَات اهل البدائة وان الموحد لَا يشْهد الْغيرَة وَلَا يَتَّصِف بِالِاخْتِيَارِ وَلَيْسَ لَهُ فِيمَا يجْرِي فِي المملكة تحكم بل الْحق سُبْحَانَهُ اولى بالاشياء فِيمَا يقْضى على مَا يقْضى وَقَالَ سَمِعت الشَّيْخ ابا عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ رَحمَه الله يَقُول سَمِعت ابا عُثْمَان المغربي يَقُول الْغيرَة من عمل المريدين فَأَما اهل الْحَقَائِق فَلَا قَالَ سمعته يَقُول سَمِعت ابا نصر الاصبهاني يَقُول سَمِعت الشبلي يَقُول الْغيرَة غيرتان فغيرة البشرية على النُّفُوس وغيرة الالهية على الْقُلُوب قلت اما نفي الْغيرَة مُطلقًا وَجعلهَا من عمل المريدين فَهَذَا يضاهي قَول من يشْهد تَوْحِيد الربوبية وان الله خَالق كل شَيْء وربه

ومليكة لَا يشْهد تَوْحِيد الالهية وَمَا يسْتَحقّهُ الرب من عِبَادَته وطاعته وَطَاعَة رسله فَلَا يفرق بَين الْمُؤمن وَالْكَافِر والاعمى والبصير والظلمات والنور واهل الْجنَّة واهل النَّار وَهَذَا من جنس قَول الْمُشْركين الَّذين قَالُوا ﴿لَو شَاءَ الله مَا أشركنا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حرمنا من شَيْء﴾ سُورَة الانعام 148 فَإِن الْمُشْركين استدلوا بِالْقدرِ على نفي الامر وَالنَّهْي والمحبوب وَالْمَكْرُوه وَالطَّاعَة وَالْمَعْصِيَة وَمن سلك هَذَا المسلك فَهُوَ فِي نوع من الْكفْر الْبَين وَقَول الْقَائِل ان الموحد لَا يَتَّصِف بِالِاخْتِيَارِ كَلَام مُجمل فَإِن اراد بِهِ انه لَا يخْتَار بِنَفسِهِ ولنفسه فقد احسن وان اراد بِهِ انه لَا يخْتَار مَا اخْتَارَهُ الله وامر بِهِ واحبه ورضيه وامره هُوَ ان يختاره ويريده وَيُحِبهُ فَهَذَا كفر وإلحاد بل الْمُؤمن عَلَيْهِ ان يُرِيد ويختار وَيُحب ويرضى وَيطْلب ويجتهد فِيمَا امْر الله بِهِ واحبه ورضيه واراده وَاخْتَارَهُ دينا وَشرعا وَكَذَلِكَ قَوْله لَيْسَ لَهُ فِيمَا يجْرِي فِي المملكة تحكم ان اراد بِهِ انه لَا يُعَارض الله فِي امْرَهْ وَنَهْيه فَهَذَا حسن وَحقّ فَإِن عَلَيْهِ ان يرضى بِمَا امْر الله بِهِ وَيسلم لله وَمن ذَلِك التَّسْلِيم لرَسُوله كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿فَلَا وَرَبك لَا يُؤمنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوك فِيمَا شجر بَينهم ثمَّ لَا يَجدوا فِي أنفسهم حرجا مِمَّا قضيت ويسلموا تَسْلِيمًا﴾ سُورَة النِّسَاء 65

وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ لمُؤْمِن وَلَا مُؤمنَة إِذا قضى الله وَرَسُوله أمرا أَن يكون لَهُم الْخيرَة من أَمرهم﴾ سُورَة الاحزاب 36 وَقَالَ تَعَالَى ﴿ذَلِك بِأَنَّهُم اتبعُوا مَا أَسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أَعْمَالهم﴾ سُورَة مُحَمَّد 47 وَقَالَ تَعَالَى ذَلِك بِأَنَّهُم قَالُوا للَّذين كَرهُوا مَا انْزِلْ اله سنطيعكم فِي بعض الامر وَالله يعلم اسرارهم سُورَة مُحَمَّد 26 وَقَالَ تَعَالَى واذا مَا انزلت سُورَة فَمنهمْ من يَقُول ايكم زادته هَذِه ايمانا فَأَما الَّذين امنوا فزادتهم ايمانا وهم يستبشرون واما الَّذين فِي قُلُوبهم مرض فزادتهم رجسا الى رجسهم وماتوا وَهُوَ كافرون سُورَة التَّوْبَة 125 124 وامثال هَذَا كثير وَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من حَالَتْ شَفَاعَته دون حد من حُدُود الله فقد ضاد الله فِي امْرَهْ رَوَاهُ ابو دَاوُد وَغَيره وَقَوله الموحد لَا يشْهد الْغيرَة وَلَا يَتَّصِف بِالِاخْتِيَارِ فالتوحيد الَّذِي بعث الله بِهِ رسله وَانْزِلْ بِهِ كتبه هُوَ ان يعبد الله وَحده لَا شريك لَهُ فَهُوَ تَوْحِيد الالوهية وَهُوَ مُسْتَلْزم لتوحيد الربوبية وَهُوَ ان يعبد الْحق رب كل شَيْء فَأَما مُجَرّد تَوْحِيد الربوبية وَهُوَ شُهُود ربوبية الْحق لكل شَيْء فَهَذَا التَّوْحِيد كَانَ فِي الْمُشْركين كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا يُؤمن أَكْثَرهم بِاللَّه إِلَّا وهم مشركون﴾ سُورَة يُوسُف 106

وَكَذَلِكَ ان اراد اعترافه بِأَنَّهُ لَا حول وَلَا قُوَّة الا بِاللَّه وشهوده لفقره وعبوديته وفقر سَائِر الكائنات وان الله هُوَ رب كل شَيْء وعالم بِكُل شَيْء ومليكه لَا يخلق وَلَا يرْزق الا هُوَ وَلَا يعْطى وَلَا يمْنَع الا هُوَ لَا مَانع لما اعطى وَلَا مطعي لما منع ﴿مَا يفتح الله للنَّاس من رَحْمَة فَلَا مُمْسك لَهَا وَمَا يمسك فَلَا مُرْسل لَهُ من بعده﴾ سُورَة فاطر 2 ﴿قل أَفَرَأَيْتُم مَا تدعون من دون الله إِن أرادني الله بضر هَل هن كاشفات ضره أَو أرادني برحمة هَل هن ممسكات رَحمته قل حسبي الله عَلَيْهِ يتوكل المتوكلون﴾ سُورَة الزمر 38 ﴿وَإِن يمسسك الله بضر فَلَا كاشف لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِن يردك بِخَير فَلَا راد لفضله يُصِيب بِهِ من يَشَاء من عباده وَهُوَ الغفور الرَّحِيم﴾ سُورَة يُونُس 107 ﴿يَا أَيهَا النَّاس أَنْتُم الْفُقَرَاء إِلَى الله وَالله هُوَ الْغَنِيّ الحميد﴾ سُورَة فاطر 15 فَإِن اراد هَذِه المشهد فَهَذَا ايضا من الايمان وَالدّين فالاول الاقرار بالامر وَالنَّهْي وَاتِّبَاع ذَلِك هُوَ عِبَادَته وَهَذَا الاقرار بِالْقضَاءِ وَالْقدر وشهود الافتقار الى الله هُوَ استعانته

وَلِهَذَا قَالَ فِي الصَّلَاة ﴿إياك نعْبد وَإِيَّاك نستعين﴾ سُورَة الْفَاتِحَة 5 قَالَ الله فَهَذِهِ الْآيَة بيني وَبَين عَبدِي ولعبدي مَا سَأَلَ وعَلى وعَلى هَذَا يخرج قَول ابي يزِيد اريد الا اريد أَي اريد الا اريد بنفسي ولنفسي بل لَا أُرِيد الا مَا امرتني انت بإرادته واما عدم الْإِرَادَة مُطلقًا فمحال طبعا وَطَلَبه محرم شرعا وَالْمقر بذلك فَاسد الْعقل وَالدّين والمريد لجَمِيع الْحَوَادِث الْمَأْمُور بهَا والمنهى عَنْهَا كَافِر بدين الله وَمَا جَاءَت بِهِ رسله واما المريد لما امْر ان يُريدهُ ويعمله والكاره لما نهى عَنهُ فَهَذَا هُوَ الْمُؤمن الموحد فَإِن اراد بقوله الموحد لَا يشْهد الْغيرَة وَلَا يَتَّصِف بِالِاخْتِيَارِ انه لَا يخْتَار شَيْئا اصلا لَا مِمَّا امْر بِهِ وَلَا مِمَّا نهى عَنهُ فَهَذَا مَعَ بُطْلَانه فِي الْوَاقِع وفساده فِي الْعقل فَهُوَ من اعظم المروق من دين الله اذ عَلَيْهِ ان يُرِيد كل مَا يُحِبهُ الله تَعَالَى ويرضاه لَهُ وَيُحِبهُ لَهُ ويستعين الله على هَذِه الارادة وَالْعَمَل بهَا فَإِنَّهُ لَا حول وَلَا قُوَّة الا بِهِ كَمَا كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول يَا مُقَلِّب الْقُلُوب ثَبت قُلُوبنَا على دينك

وَاصل صَلَاح الْقلب صَلَاح ارادته وَنِيَّته فَإِن لم يصلح ذَلِك لم يصلح الْقلب وَالْقلب هُوَ المضغة الَّتِي اذا صلحت صلح لَهَا سَائِر الْجَسَد واذا فَسدتْ فسد لَهَا سَائِر الْجَسَد وَكَذَلِكَ قَوْله لَيْسَ لَهُ فِيمَا يجْرِي فِي المملكة تحكم ان اراد بِهِ انه لَا يغار اذا انتهكت محارم الله وَلَا يغْضب الله وَلَا يَأْمر بِمَعْرُوف وَلَا ينْهَى عَن مُنكر وَلَا يُجَاهد فِي سَبِيل الله فَهَذَا فَاسق مارق بل كَافِر وان اظهر الاسلام فَهُوَ مُنَافِق وان كَانَ لَهُ نصيب من الزّهْد وَالْعِبَادَة مَا كَانَ فِيهِ وَمَعْلُوم ان الْمُؤمن لَا يَخْلُو من ذَلِك بِالْكُلِّيَّةِ وَمن خلا من ذَلِك بِالْكُلِّيَّةِ فَهُوَ مُنَافِق مَحْض وَكَافِر صَرِيح اذا الْمُؤمن لَا بُد ان يكون الله وَرَسُوله احب اليه مِمَّا سواهُمَا وَلَا بُد ان يتبرأ من الاشراك بِاللَّه واعداء الله كَمَا قَالَ تَعَالَى لقد كَانَ لكم اسوة حَسَنَة فِي ابراهيم وَالَّذين مَعَه اذ قَالُوا لقومهم إِنَّا برَاء مِنْكُم وَمِمَّا تَعْبدُونَ نم دون الله كفرنا بكم وبدا بَيْننَا وَبَيْنكُم الْعَدَاوَة والبغضاء ابدا حَتَّى تؤمنوا بِاللَّه وَحده سُورَة الممتحنة 4

وَقَالَ عَن ابراهيم عَلَيْهِ السَّلَام ﴿أَفَرَأَيْتُم مَا كُنْتُم تَعْبدُونَ أَنْتُم وآباؤكم الأقدمون فَإِنَّهُم عَدو لي إِلَّا رب الْعَالمين﴾ سُورَة الشُّعَرَاء 77 وَقَالَ تَعَالَى واذ قَالَ ابراهيم لابيه وَقَومه انني برَاء مِمَّا تَعْبدُونَ الا الَّذِي فطرني فَإِنَّهُ سيهدين سُورَة الزخرف 2627 وَقَالَ تَعَالَى ﴿لَا تَجِد قوما يُؤمنُونَ بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر يوادون من حاد الله وَرَسُوله وَلَو كَانُوا آبَاءَهُم أَو أَبْنَاءَهُم أَو إخْوَانهمْ أَو عشيرتهم أُولَئِكَ كتب فِي قُلُوبهم الْإِيمَان وأيدهم بِروح مِنْهُ﴾ سُورَة المجادلة 22 وَقَالَ تَعَالَى ترى كثيرا مِنْهُم يتولون الَّذين كفرُوا لبئس مَا قدمت لَهُم انفسهم ان سخط الله عَلَيْهِم وَفِي الْعَذَاب هم خَالدُونَ وَلَو كَانُوا يُؤمنُونَ بِاللَّه وَالنَّبِيّ وَمَا انْزِلْ اليه مَا اتخذوهم اولياء وَلَكِن كثيرا مِنْهُم فَاسِقُونَ سُورَة الْمَائِدَة 80 81 وَقَالَ ﴿لَا تَتَّخِذُوا الَّذين اتَّخذُوا دينكُمْ هزوا وَلَعِبًا من الَّذين أُوتُوا الْكتاب من قبلكُمْ وَالْكفَّار أَوْلِيَاء﴾ سُورَة الْمَائِدَة 57 وَقَالَ ﴿لَا تَتَوَلَّوْا قوما غضب الله عَلَيْهِم﴾ سُورَة الممتحنة 13 وَهَذَا كثير جدا وايضا فالقائل لذَلِك لَا يثبت عَلَيْهِ بل لَا بُد ان يكره امورا كَثِيرَة مضرَّة وَكَثِيرًا مَا يعتدى فِي انكارها حَتَّى يخرج عَن الْعدْل فَهَذَا خُرُوج

عَن الْعقل وَالدّين وَعَن الانسانية بِالْكُلِّيَّةِ اذا اخذ على عُمُومه واما ان قبل ذَلِك فِي بعض الامور بِحَيْثُ يتْرك الْكَرَاهَة احيانا لما كرهه الله والغيرة احيانا اذا انتهكت محارم اله فَهَذَا نَاقص الايمان بِحَسب ذَلِك بل قد ثَبت فِي الصَّحِيح عَن ابي سعيد عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم انه قَالَ من رأى مِنْكُم مُنْكرا فليغيره بِيَدِهِ فَإِن لم يسْتَطع فبلسانه فَإِن لم يسْتَطع فبقلبه وَذَلِكَ اضعف الايمان فَإِن لم يكن فِي الْقلب انكار مَا يكرههُ ويبغضه لم يكن فِيهِ ايمان وَفِي الصَّحِيح عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم انه قَالَ من مَاتَ وَلم يغز وَلم يحدث نَفسه بالغزو مَاتَ على شُعْبَة نفاق وَتَحْقِيق ذَلِك فِي قَوْله تَعَالَى ﴿قل إِن كَانَ آباؤكم وأبناؤكم وَإِخْوَانكُمْ وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إِلَيْكُم من الله وَرَسُوله وَجِهَاد فِي سَبيله فتربصوا﴾ الاية سُورَة التَّوْبَة 24 وَقد ذكر الله فِي سُورَة بَرَاءَة وَغَيره من صفة الْمُنَافِقين مَا فِيهِ غبرة لهَؤُلَاء وَوصف الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات بقوله والمؤمنون وَالْمُؤْمِنَات

﴿بَعضهم أَوْلِيَاء بعض يأمرون بِالْمَعْرُوفِ وَينْهَوْنَ عَن الْمُنكر ويقيمون الصَّلَاة وَيُؤْتونَ الزَّكَاة ويطيعون الله وَرَسُوله أُولَئِكَ سيرحمهم الله﴾ سُورَة التَّوْبَة 71 وَكَذَلِكَ قَوْله بل الْحق اولى بالاشياء فِيمَا يقْضى على مَا يقْضى فِيهِ تَقْصِير فِي خلق الرب وامره فَإِن قَوْله اولى قد يفهم مِنْهُ ان لَهُ شَرِيكا بل لَا خَالق الا الله وَلَا رب غَيره قل ادعوا الَّذين زعمتم من دون الله لَا تَمْلِكُونَ مِثْقَال ذرة فِي السَّمَوَات وَلَا فِي الارض وَمَا لَهُم فيهمَا من شرك وَمَا لَهُ مِنْهُم من ظهير وَلَا تَنْفَع الشَّفَاعَة عِنْده الا لمن اذن لَهُ الاية سُورَة سبأ 22 23 واما الامر فانه سُبْحَانَهُ امْر الْعباد ونهاهم فعلى العَبْد ان يفعل مَا امْرَهْ بِهِ من الْغيرَة وَغَيرهَا فَإِذا كَانَ قد امْرَهْ بِأَن يغار لمحارمه اذا انتهكت وان يُنكر الْمُنكر بِمَا يقدر عَلَيْهِ من يَده وَلسَانه وَقَلبه فَلم يفعل فَإِنَّمَا هُوَ فَاسق عَن امْر ربه لَا تَارِك لمشاركته اذ سَبِيل لَهُ الى الشّركَة بِحَال وَهُوَ سُبْحَانَهُ لَا اله الا هُوَ وَحده لَا شريك لَهُ لَهُ الْملك وَله الْحَمد وَهُوَ على كل شَيْء قدير فالاحتجاج بِكَوْنِهِ اولى من العَبْد بخلقه على ترك مَا امْر بِهِ من محبوبة ومرضية وطاعته وعبادته فِي الامر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي

عَن الْمُنكر فِيهِ امران قبيحان توهم نوع مُشَاركَة من العَبْد لَهُ اذا اطاعه وَعَبده واسقاط مَا امْر بِهِ واحبه من الْغيرَة وَهَذَا الْكَلَام كَأَن قَائِله لم يغالب الْمَقَادِير بِنَفسِهِ لنَفسِهِ مثل الْمُلُوك المتغالبين والامم المتعادين من أهل الْجَاهِلِيَّة الَّذين لَيْسَ فيهم من هُوَ مُطِيع لله وَرَسُوله بجهاده بل كِلَاهُمَا مُتبع هَوَاهُ خَارج عَن طَاعَة مَوْلَاهُ اذا اعْرِض الْمُؤمن عَنْهُم وَلم يعاون وَاحِدًا مِنْهُمَا لَا بباطنه وَلَا بظاهرة اذا كَانَا فِي مَعْصِيّة الله سَوَاء فَهُوَ محسن فِي ذَلِك واما اذا كَانَ الامر عبَادَة لرَبه وَهُوَ مستعين بِهِ فِيهِ فَكيف يكون الاعراض عَن هَذَا الامر طَريقَة عباد الله الصَّالِحين واولياء الله الْمُتَّقِينَ وَهل الاعراض عَن هَذَا الا من طَريقَة الْجَاهِلين الظَّالِمين الْفَاسِقين عَن امْر رب الْعَالمين واما قَول الشَّيْخ ابي عُثْمَان الْغيرَة من عمل المريدين فَأَما هَل الْحَقَائِق فَلَا فَلم يرد وَالله اعْلَم بذلك الْغيرَة على محارم الله وَهِي الْغيرَة الشَّرْعِيَّة فَإِن قدر الشَّيْخ ابى عُثْمَان اجل من أَن

يَجْعَل الْغيرَة الَّتِي وصف الله بهَا نَفسه وَكَانَ رَسُوله فِيهَا اكمل من غَيره وَهِي مِمَّا اوجبه الله واحبه من عمل المريدين دون اهل الْحَقَائِق وانما يَعْنِي الْغيرَة الاصطلاحية الَّتِي يسميها هَؤُلَاءِ الْمُتَأَخّرُونَ غيرَة كَا قدمْنَاهُ مثل الْغيرَة المتضمنة للمنافسة والحسد مثل ان يغار احدهم اذا رأى احدا سبقه الى الْحق اَوْ نَالَ مِنْهُ نَصِيبا وافرا وَنَحْو ذَلِك فَإِن هَذَا كثير جدا فِي السالكين فَقَالَ الشَّيْخ ان هَذِه الْغيرَة تعرض للمريدين حَيْثُ لم يشْهدُوا الْحَقَائِق وان الله هُوَ الْمُعْطِي الْمَانِع فَأَما اهل الْحَقَائِق الَّذين يشْهدُونَ ان الله هُوَ الْمُعْطى الْمَانِع وانه لَا رب غَيره فَإِنَّهُم لَا يغارون على مَا وهبه الله عباده من هباته المستحبة اَوْ الْمُبَاحَة وَلَا يعتبون على الْحَوَادِث كَمَا يَفْعَله من يَفْعَله من النَّاس فِي سبهم الدَّهْر كَمَا ثَبت فِي الصَّحِيح عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم انه قَالَ لَا تسبوا الدَّهْر فَإِن الله هُوَ الدَّهْر بِيَدِهِ الامر يقلب اللَّيْل وَالنَّهَار وَقَالَ يَقُول الله تَعَالَى يُؤْذِينِي ابْن ادم يسب الدَّهْر وانا الدَّهْر بيَدي الامر اقلب اللَّيْل وَالنَّهَار

فَهَذَا الَّذِي فسر بِهِ الشَّيْخ ابو عُثْمَان هُوَ فرقان وَكَذَلِكَ مَا ذكره الشبلي انه قَالَ الْغيرَة غيرتان فغيرة البشرية على النُّفُوس وغيرة الالهية على الْقُلُوب قَالَ الشبلي غيرَة الالهية على الانفاس ان تضيع فِيمَا سوى الله اذا فسر بِأَن الْبشر يغارون على الحظوظ مِمَّا هُوَ من جنس المنافسة والمحاسدة وَلَيْسَ هَذَا بمحمود واما الْغيرَة الالهية على الْقُلُوب على مَا يفوتها من محاب الْحق ومراضيه فَهَذَا كَلَام حسن من احسن كَلَام الشبلي رَحْمَة الله عَلَيْهِ فَإِن كَانَ هَذَا يغار على نَفسه فَلَا كَلَام وان كَانَ يغار من حَال غَيره فَفِيهِ شبه مَا من قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا حسد الا فِي اثْنَتَيْنِ رجل اتاه الله الْحِكْمَة فَهُوَ يقْضِي بهَا وَيعلمهَا ورحل اتاه الله مَالا وسلطه على هَلَكته فِي الْحق فَإِنَّهُ اخبر انه لَا يَنْبَغِي لأحد الا يغبط احدا الا على هَذَا وَكَذَلِكَ مَا ذكره ابو الْقَاسِم الْقشيرِي بعد ذَلِك حَيْثُ قَالَ وَالْوَاجِب ان يُقَال الْغيرَة غيرتان غيرَة الْحق على العَبْد وَهُوَ ان

لَا يَجعله لِلْخلقِ فيضن بِهِ عَلَيْهِم وغيرة العَبْد للحق وَهُوَ ان لَا يَجْعَل شَيْئا من احواله وانفاسه لغير الْحق فَلَا يُقَال انا اغار على الله وَلَكِن يُقَال انا اغار لله فَإِن الْغيرَة على الله جهل وَرُبمَا تُؤدِّي الى ترك الدّين والغيره لله توجب تَعْظِيم حُقُوقه وتصفية الاعمال لَهُ فَهَذَا كَلَام جيد لكنه بالاصطلاح الْحَادِث لَيْسَ هُوَ بالاصطلاح الْقَدِيم فَإِن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قد بَين ان غيرَة الله ان يَأْتِي الْمُؤمن مَا حرم عَلَيْهِ وَهَذَا يشْتَرك فِيهِ السَّابِقُونَ والمقتصدون وهم اولياء الله الَّذين لَا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم يَحْزَنُونَ ثمَّ السَّابِقُونَ يَجْعَل اعمالهم كلهَا لله فَإِنَّهُم الَّذين لَا يزالون يَتَقَرَّبُون الى الله بالنوافل حَتَّى يُحِبهُمْ وَمن احب الله وابغض لله واعطى لله وَمنع لله فقد اسْتكْمل الايمان فَإِذا صانهم عَن الْعَمَل لغيره فَصَارَت اعمالهم كلهَا لله تركُوا الْمَحَارِم واتوا بالواجبات والمستحبات وَقد شبه تنزيههم عَن فضول الْمُبَاح وَعَن فعل المكروهات

وَترك المستحبات غيرَة من الْحق عَلَيْهِم فَهَذَا امْر اصطلاحى لَكِن الْمَعْنى صَحِيح مُوَافق الْكتاب وَالسّنة واما قَوْله غيرَة العَبْد للحق ان لَا يَجْعَل شَيْئا من احواله وانفاسه لغير الْحق فَهَذَا غيرَة على نَفسه ان يكون شَيْء من عمله لغير الله وَهَذَا ايضا حَال هَؤُلَاءِ السَّابِقين الاتين بالفرائض والنوافل المجتنبين للمحارم والمكاره قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَمنهمْ ظَالِم لنَفسِهِ وَمِنْهُم مقتصد وَمِنْهُم سَابق بالخيرات﴾ سُورَة فاطر 32 وَلَا ريب انه يدْخل فِي هَذَا غيرته اذا انتهكت محارم الله فانه اذا لم يغر لله حِينَئِذٍ مَعَ امْر الله لَهُ بالغيرة لم يكن عمله الَّذِي اشْتغل بِهِ عَن هَذَا الْحق لله وَكَانَ للشَّيْطَان وَكَذَلِكَ قَوْله لَا يُقَال اغار على الله وَلَكِن يُقَال انا اغار لله كَلَام حسن جيد كَمَا قَالَ الْغيرَة على الله جهل وَهِي كَمَا قدمْنَاهُ حسد وَكبر يسمونه غَيره فيحب احدهم ان لَا يشركهُ غَيره فِي

التَّقَرُّب الى الله وابتغاء الْوَسِيلَة اليه ويريدون ان يسموا ذَلِك باسم حسن لِئَلَّا يذموا عَلَيْهِ ويسمونه غيرَة لَان من عَادَة الْبشر اذا احب احدهم انسانا محبَّة طبيعية سَوَاء كَانَت محبتة مُحرمَة كمحبة الْأُمُور وَالْمَرْأَة الْأَجْنَبِيَّة أَو غير مُحرمَة كمحبة أم أَنه ببشر يته يغار من ان يُشَارِكهُ فِي ذَلِك اُحْدُ فَجعلُوا محبتهم لله بِمَنْزِلَة هَذِه الْمحبَّة وَهَذَا من اعظم الْجَهْل وَالظُّلم بل محبَّة الله من شَأْنهَا ان يحب العَبْد ان جَمِيع الْمَخْلُوقَات يشركونه فِي ذَلِك كَمَا قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالَّذِي نفس بِيَدِهِ لَا يُؤمن احدكم حَتَّى يحب لاخيه من الْخَيْر مَا يُحِبهُ لنَفسِهِ وَمثل هَذِه الْغيرَة المذمومة مَا ذكره طَائِفَة من السّلف قَالُوا لَا تقبل شَهَادَة الْقُرَّاء اَوْ قَالُوا الْفُقَهَاء بَعضهم على بعض لِأَن

بَينهم حسد كحسد النُّفُوس على زريبة الْغنم وَيُقَال فلَان وَفُلَان يتصاولان على الرياسة تصاول الفحلين فَلَا ريب ان فحول الْبَهَائِم تتغاير وتتحاسد وتتصاول على اناثها يطْلب كل مِنْهَا من الاخر ان لَا يزاحمه كَمَا يتغاير الفحول الادميون على مناكحهم وَهَذَا فِيمَا امْر الله بِهِ محرم كَمَا قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا تَحَاسَدُوا وَلَا تقاطعوا وَلَا تدابروا وَكُونُوا عباد الله اخوانا وَكَذَلِكَ شبه تغاير الضراير لَكِن هُنَا قد يعْتَرض امْر فِيهِ شُبْهَة وَهُوَ ان يكون من المعارف والاحوال مَا يُقَال فِيهِ انه لَا يصلح لبَعض النَّاس فيغار احدهم ان تكون تِلْكَ الامور كَذَلِك المنقوص الَّذِي يصنع مثل ذَلِك

ويصفون الله بالغيرة ان يَجْعَل هَذَا كَهَذا فَهَذَا قد يكون حَقًا وان لم يسم فِي الشَّرْع غيرَة فان الله سُبْحَانَهُ يكره وَيبغض ان يكون مَعَ العَبْد مَا يَسْتَعِين بِهِ على مَعْصِيّة الله دون طَاعَته وان يكون مَا جعله للْمُؤْمِنين مَعَ الْكفَّار وَالْمُنَافِقِينَ وَكَذَلِكَ الْمُؤْمِنُونَ يَنْبَغِي ان يكرهوا ذَلِك فَكل مَا نهى الله عَنهُ وامر الْمُؤمنِينَ بِالْمَنْعِ مِنْهُ وازالته فَهُوَ يكرههُ وَهَذَا كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿سأصرف عَن آياتي الَّذين يتكبرون فِي الأَرْض بِغَيْر الْحق﴾ سُورَة الاعراف 146 قَالَ طَائِفَة من السّلف امْنَعْ قُلُوبهم عَن فهم الْقُرْآن هَذَا مَا ذكره عَن السّري انه قرئَ بَين يَدَيْهِ ﴿وَإِذا قَرَأت الْقُرْآن جعلنَا بَيْنك وَبَين الَّذين لَا يُؤمنُونَ بِالآخِرَة حِجَابا مَسْتُورا﴾ سُورَة الاسراء 45 فَقَالَ السّري لاصحابه اتدرون مَا هَذَا الْحجاب هَذَا حجاب الْغيرَة وَلَا اُحْدُ اغير من الله تَعَالَى

فَهَذَا يشبه قَوْله ﴿ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كَمَا لم يُؤمنُوا بِهِ أول مرّة﴾ سُورَة الانعام 110 وَقَوله ﴿فَلَمَّا زاغوا أزاغ الله قُلُوبهم﴾ سُورَة الصَّفّ 5 فَإِن الله عاقب المعرض عَن اتِّبَاع مَا بعث بِهِ رسله بالحجاب الَّذِي فِي قُلُوبهم فَسمى السّري هَذَا حجاب الْغيرَة لِأَنَّهُ تَعَالَى يكره وَيبغض ان يكون هَؤُلَاءِ الَّذين كفرُوا وفسقوا عَن امْرَهْ يُعْطون مَا يعطاه الْمُؤمن من الْفَهم لسَبَب هَذِه الْغيرَة الَّتِي وصف الرَّسُول بهَا ربه فان غيرته ان يَأْتِي العَبْد مَا حرم عَلَيْهِ ذكرهَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهِي غيرَة على مَا هُوَ من افعال العَبْد الَّتِي نهى عَنْهَا واما هَذِه الْغيرَة فَهِيَ غيرَة على مَا هُوَ من فعل الرب وَالنَّبِيّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يصف الله بانه يغار على مَا يقدر عَلَيْهِ من الافعال وَلَكِن لما رأى السّري ان الشَّيْء المحبوب النَّفس تغار عَلَيْهِ ان يكون فِي غير مَحَله سمى ذَلِك حجاب الْغيرَة وَالله يحب لِعِبَادِهِ ان يفعلوه من جِهَة كَونهم

مأمورين بِهِ لكنه سُبْحَانَهُ لَا يَفْعَله بهم وَلَا يحب من يَفْعَله بهم فَلَا بُد من التَّفْرِيق بَين مواقع الامر وَالنَّهْي ومواقع الْقَضَاء وَالْقدر وان كَانَت الافعال الْوَاقِعَة من الْعباد يشْتَرك فِيهَا الامر وَالنَّهْي واما احوال الْقلب وانفاسه فَإِن الاحوال تحولات الْقلب وَالنَّفس والهوى الَّذِي يحمل الصَّوْت واحوال الْقلب فهما الطف مَا فِي الايمان قَالَ ابو الْقَاسِم ربط الْحق بأقدامهم الخذلان وَاخْتَارَ لَهُم الْبعد واخرجهم عَن مَحل الْقرب وَلذَلِك يؤخروا وَفِي مَعْنَاهُ انشدوا... انا اصب لن هويت وَلَكِن... مَا احتيالي لسوء رأى الموالى...

وَقَالَ وَفِي مَعْنَاهُ قَالُوا سقيم لَا يُعَاد ومريد لَا يُرَاد سَمِعت الاستاذ ابا عَليّ يَقُول سَمِعت الْعَبَّاس الْمروزِي يَقُول كَانَ لي بداية حَسَنَة فَكنت اعرف كم بَقِي بيني وَبَين الْوُصُول الى مقصودي من الظفر بمرادي فَرَأَيْت لَيْلَة من اللَّيَالِي فِي الْمَنَام كأنني اتدهده من حالق جبل فَأَرَدْت الْوُصُول الى ذروته قَالَ فحزنت واخذني النّوم فَرَأَيْت قَائِلا يَقُول يَا عَبَّاس الْحق لم يرد مِنْك ان تصل الى مَا كنت طلبت وَلكنه فتح على لسَانك الْحِكْمَة قَالَ فَأَصْبَحت وَقد الهمت كَلِمَات الْحِكْمَة وَقَالَ سَمِعت الاستاذ ابا عَليّ يَقُول كَانَ شيخ من الشُّيُوخ لَهُ حَال وَوقت مَعَ الله فخفى مُدَّة لم ير بَين الْفُقَرَاء ثمَّ ظهر بعد ذَلِك لَا على مَا كَانَ عَلَيْهِ من الْوَقْت فَسئلَ عَنهُ

فَقَالَ واه وَقع الْحجاب قَالَ وَكَانَ الاستاذ ابو عَليّ اذا وَقع شَيْء فِي خلال الْمجْلس يشوش قُلُوب الْحَاضِرين يَقُول هَذَا من غيرَة الْحق يُرِيد ان لَا يجرس مَا يجْرِي من صفاء هَذَا الْوَقْت وانشدوا فِي مَعْنَاهُ... هَمت بإتياننا حَتَّى اذا نظرت... الى المراة نهاها وَجههَا الْحسن مَا كَانَ هَذَا جزائي من محاسنها... عذبت بالهجر حَتَّى شفني الْحزن... قلت ذكر هَذِه الامور فِي بَاب الْغيرَة مُضر وَمَعَ ان الْحق يغار ان يُعْطي بعض النَّاس مَا يُعْطِيهِ لأوليائه الْمُتَّقِينَ من السَّابِقين والمقربين فقد سموا منع الْحق غيرَة كَمَا تقدم لَكِن هَذَا اللَّفْظ يشْعر بِأَن الْحق منع ذَلِك العَبْد الْعَطاء الْعَظِيم عِنْده وَكَون العَبْد لَيْسَ اهلا لَهُ كَمَا يغار على الْكَرِيمَة ان تتَزَوَّج بِغَيْر الْكُفْء

فصول الكتاب · 25 فصل · 469 صفحة
الانتقال إلى صفحة
الاستقامة
تأليف ابن تيمية
الأولى، 1403
تقدّمك في الكتاب: صفحات 10-49 — 20 من 37
فصول الاستقامة · 469 صفحة
مقدمة الكتابفصل الرأى الْمُحدث فِي الْأُصُول وَهُوَ الْكَلَام الْمُحدث وَفِي الْفُرُوع وَهُوَ الرأىفصل فِيمَا اخْتلف فِيهِ الْمُؤْمِنُونَ من الْأَقْوَال والافعال فِي الْأُصُول وَالْفُرُوعفصل مُهِمّ عَظِيم الْقدر فِي هَذَا الْبَاب وَذَلِكَ أَن طوائف كَبِيرَة من أهلفصل وَكَذَلِكَ لفظ الْحَرَكَة أثْبته طوائف من أهل السّنة والْحَدِيث وَهُوَ الَّذِي ذكرهفصل وَقد اعْترف أَكثر أَئِمَّة أهل الْكَلَام والفلسفة من الْأَوَّلين والآخرين بِأَن
فصل فِيمَا ذكره الشَّيْخ أَبُو الْقَاسِم القشيرى فِي رسَالَته الْمَشْهُورَة من اعْتِقَاد
فصل قَالَ أَبُو الْقَاسِم وَقَالَ ابْن عَطاء لما خلق الله الأحرف جعلهَا سرا فَلَمَّافصل فِي الحَدِيث الَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن جوَيْرِية أم الْمُؤمنِينَ لما خرج النَّبِي
فصل يتَعَلَّق بِالسَّمَاعِ قَالَ أَبُو الْقَاسِم الْقشيرِي فِي بَاب السماع قَالَ الله
فصل فِي محبَّة الْجمال
فصل وَمن اسباب ذَلِك مَا وَقع من الاشراك فِي لفظ الْغيرَة فِي كَلَام الْمَشَايِخ
فصل فِيمَا ذكره الاستاذ ابو الْقَاسِم الْقشيرِي فِي بَاب الرِّضَا عَن الشَّيْخ ابي
فصل فِي السكر واسبابه وَأَحْكَامهفصل وَمن أقوى الْأَسْبَاب الْمُقْتَضِيَة للسكر سَماع الْأَصْوَات المريبة من وَجْهَيْن منفصل اذا تبين هَذَا فَاعْلَم ان اللَّذَّة وَالسُّرُور امْر مَطْلُوب بل هُوَ مَقْصُودفصل واذا كَانَت اللَّذَّة مَطْلُوبَة لنَفسهَا فَهِيَ انما تذم اذا اعقبت الما اعظمفصل فَإِذا تبين ان السكر مؤلف من امرين وجودي وَهُوَ اللَّذَّة وعدمي وَهُوَ عدمفصل فَإِذا تبين أَن جنس عدم الْعقل وَالْفِقْه لَا يحمد بِحَال فِي الشَّرْع بلفصل فَهَكَذَا زَوَال الْعقل بالسكر هُوَ من نوع زَوَاله بالإغماء وَالْجُنُون وَنَحْوفصل فقد تبين ان اُحْدُ وصفي السكر مَنْفَعَة فِي الاصل وَالْوَصْف الاخر اثم كَمَافصل قَالَ الله تَعَالَى لما اهبط آدم وَمن مَعَه الى الارض
فصل فِي الامر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر
فصل واذا كَانَت جَمِيع الْحَسَنَات لَا بُد فِيهَا من شَيْئَيْنِ ان يُرَاد بهَافصل فِي الْإِكْرَاه وَمَا يتَعَلَّق بِهِ
جارٍ التحميل