أهل الأثرالأرشيف العلمي

فصل فِي الامر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر

صفحات 278-296

الْقِيَامَة درعا من جرب وسربالا من قطران وَقَالَ فِي الْغَلَبَة والمصائب والفرح ان الله كتب الاحسان على كل شَيْء فَإِذا قتلتم فَأحْسنُوا القتلة واذا ذبحتم فَأحْسنُوا الذبْحَة وليحد احدكم شفرته وليرح ذَبِيحَته وَقَالَ ان اعْفُ النَّاس قتلة اهل الايمان

وَقَالَ لَا تمثلوا وَلَا تغدروا وَلَا تقتلُوا وليدا الى غير ذَلِك مِمَّا امْر بِهِ فِي الْجِهَاد من الْعدْل وَترك الْعدوان اتبَاعا لقَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا يجرمنكم شنآن قوم على أَلا تعدلوا اعدلوا هُوَ أقرب للتقوى﴾ سُورَة الْمَائِدَة 8 وَلقَوْله تَعَالَى ﴿وقاتلوا فِي سَبِيل الله الَّذين يقاتلونكم وَلَا تَعْتَدوا إِن الله لَا يحب الْمُعْتَدِينَ﴾ سُورَة الْبَقَرَة 190 وَنهى عَن لِبَاس الْحَرِير وتختم الذَّهَب وَالشرب فِي آنِية الذَّهَب وَالْفِضَّة واطالة الثِّيَاب الى غير ذَلِك من انواع السَّرف وَالْخُيَلَاء فِي النعم وذم الَّذين يسْتَحلُّونَ الْخمر وَالْحَرِير وَالْمَعَازِف

وَجعل فيهم الْخَسْف وَالْمَسْخ وَقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِن الله لَا يحب من كَانَ مختالا فخورا﴾ سُورَة النِّسَاء 36 وَقَالَ عَن قَارون ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قومه لَا تفرح إِن الله لَا يحب الفرحين﴾ سُورَة الْقَصَص 76 وَهَذِه الامور الثَّلَاثَة مَعَ الصَّبْر عَن الاعتداء فِي الشَّهْوَة هِيَ جَوَامِع هَذَا الْبَاب وَذَلِكَ ان الانسان بَين مَا يُحِبهُ ويشتهيه وَبَين مَا يبغضه ويكرهه فَهُوَ يطْلب الاول بمحبته وشهوته وَيدْفَع الثَّانِي ببغضه ونفرته واذا حصل الاول اَوْ انْدفع الثَّانِي اوجب لَهُ فَرحا وسرورا وان حصل الثَّانِي اَوْ انْدفع الاول حصل لَهُ حزن فَهُوَ مُحْتَاج عِنْد الْمحبَّة والشهوة ان يصبر عَن عدوانهما وَعند الْغَضَب والنفرة ان يصبر على عدوانهما وَعند الْفَرح ان يصبر عَن عدوانه وَعند الْمُصِيبَة ان يصبر عَن الْجزع مِنْهَا فالنبي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ذكر الصوتين الاحمقين الفاجرين الصَّوْت الَّذِي يُوجب الاعتداء فِي الْفَرح حَتَّى يصير الانسان فَرحا

فخورا وَالصَّوْت الَّذِي يُوجب الْجزع عِنْد الْحزن حَتَّى يصير الانسان هلوعا جزوعا واما الصَّوْت الَّذِي يثير الْغَضَب لله كالأصوات الَّتِي تقال فِي الْجِهَاد من الاشعار المنشدة فَتلك لم تكن بآلات وَكَذَلِكَ اصوات الشُّهْرَة فِي الْفَرح فَرخص مِنْهَا فِيمَا وَردت بِهِ السّنة من الضَّرْب بالدف فِي الاعراس والافراح للنِّسَاء وَالصبيان وَعَامة الاشعار الَّتِي تنشد بالاصوات لتحريك النُّفُوس هِيَ من هَذِه الاقسام الاربعة اشعار الْمحبَّة وَهِي النسيب واشعار الْغَضَب وَالْحمية وَهِي الحماسة والهجاء واشعار المصائب كالمراثي واشعار النعم والفرح وَهِي المدائح وَالشعرَاء جرت عَادَتهم ان يمشوا مَعَ الطَّبْع كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ألم تَرَ انهم فِي كل وَاد يهيمون وانهم يَقُولُونَ مَالا يَفْعَلُونَ سُورَة الشُّعَرَاء 225 226 وَلِهَذَا اخبر انهم يتبعهُم الْغَاوُونَ والغاوي هُوَ الَّذِي يتبع هَوَاهُ بِغَيْر علم وَهَذَا هُوَ

الغي وَهُوَ خلاف الرشد كَمَا ان الضال هُوَ الَّذِي لَا يعلم مصْلحَته وَهُوَ خلاف الْمُهْتَدي قَالَ الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى والنجم اذا هوى مَا ضل صَاحبكُم وَمَا غوى سُورَة النَّجْم 1 2 وَلِهَذَا قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَلَيْكُم بِسنتي وَسنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين المهديين من بعدِي فَلهَذَا تجدهم يمدحون جنس الشجَاعَة وجنس السماحة اذ كَانَ عدم هذَيْن مذموما على الاطلاق واما وجودهما فَفِيهِ تَحْصِيل مَقَاصِد النُّفُوس على الاطلاق لَكِن الْعَاقِبَة فِي ذَلِك

لِلْمُتقين واما غير الْمُتَّقِينَ فَلهم عاجلة لَا عَاقِبَة وَالْعَاقبَة وان كَانَت فِي الاخرة فَتكون فِي الدُّنْيَا ايضا كَمَا قَالَ تَعَالَى لما ذكر قصَّة نوح ونجاته بالسفينة ﴿قيل يَا نوح اهبط بِسَلام منا وبركات عَلَيْك وعَلى أُمَم مِمَّن مَعَك وأمم سنمتعهم ثمَّ يمسهم منا عَذَاب أَلِيم﴾ قَالَ ﴿تِلْكَ من أنباء الْغَيْب نوحيها إِلَيْك﴾ الى قَوْله ﴿فاصبر إِن الْعَاقِبَة لِلْمُتقين﴾ سُورَة هود 48 49 وَقَالَ ﴿فَمن اعْتدى عَلَيْكُم فاعتدوا عَلَيْهِ بِمثل مَا اعْتدى عَلَيْكُم وَاتَّقوا الله وَاعْلَمُوا أَن الله مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ سُورَة الْبَقَرَة 194 وَالْفرْقَان ان يحمد من ذَلِك مَا حَمده الله وَرَسُوله فَإِن الله تَعَالَى هُوَ الذى حَمده زين وذمه شين دون غَيره من الشُّعَرَاء والخطباء وَغَيرهم وَلِهَذَا لما قَالَ الْقَائِل من بني تَمِيم للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

ان حمدي زين وذمي شين قَالَ لَهُ ذَاك الله وَالله سُبْحَانَهُ حمد الشجَاعَة السماحة فِي سَبيله كَمَا فِي الصَّحِيح عَن ابي مُوسَى الاشعري رَضِي الله عَنهُ قَالَ قيل يَا رَسُول الله الرجل يُقَاتل شجاعة وَيُقَاتل حمية وَيُقَاتل رِيَاء فَأَي ذَلِك فِي سَبِيل الله فَقَالَ من قَاتل لتَكون كلمة الله هِيَ الْعليا فَهُوَ فِي سَبِيل الله وَقَالَ قَالَ سُبْحَانَهُ ﴿وقاتلوهم حَتَّى لَا تكون فتْنَة وَيكون الدّين كُله لله﴾ سُورَة الانفال 39 وَذَلِكَ ان هَذَا هُوَ الْمَقْصُود الَّذِي خلق الله الْخلق لَهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا خلقت الْجِنّ وَالْإِنْس إِلَّا ليعبدون﴾ سُورَة الذاريات 56 فَكل مَا كَانَ لأجل الْغَايَة

الَّتِي خلق لَهُ الْخلق كَانَ مَحْمُودًا عِنْد الله وهوالذي يبْقى لصَاحبه وينفعه الله بِهِ وَهَذِه الاعمال هِيَ الْبَاقِيَات الصَّالِحَات وَلِهَذَا كَانَ النَّاس اربعة اصناف من يعْمل لله بشجاعة وبسماحة فَهَؤُلَاءِ هم الْمُؤْمِنُونَ المستحقون للجنة وَمن يعْمل لغير الله بشجاعة وَمن وسماحة فَهَذَا ينْتَفع بذلك فِي الدُّنْيَا وَلَيْسَ لَهُ فِي الاخرة من خلاق وَمن يعْمل لله لَكِن بِلَا شجاعة وَلَا سماحة فَهَذَا فِيهِ من النِّفَاق وَنقص الايمان بِقدر ذَلِك وَمن لَا يعْمل لله وَلَا فِيهِ شجاعة وَلَا سماحة فَهَذَا لَيْسَ لَهُ دنيا وَلَا آخِرَة فَهَذِهِ الاخلاق وَالْأَفْعَال يحْتَاج اليها الْمُؤمن عُمُوما وخصوصا فِي أَوْقَات المحن والفتن الشَّدِيدَة فَإِنَّهُم يَحْتَاجُونَ الى

صَلَاح نُفُوسهم وَدفع الذُّنُوب عَن نُفُوسهم عِنْد الْمُقْتَضى للفتنة عِنْدهم ويحتاجون ايضا الى امْر غَيرهم وَنَهْيه بِحَسب قدرتهم وكل من هذَيْن الامرين فِيهِ من الصعوبة مَا فِيهِ وان كَانَ يَسِيرا على من يسره الله عَلَيْهِ وَهَذَا لِأَن الله امْر الْمُؤمنِينَ بِالْإِيمَان وَالْعَمَل الصَّالح وامرهم بدعوة النَّاس وجهادهم على الايمان وَالْعَمَل الصَّالح كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ولينصرن الله من ينصره ان الله لقوي عَزِيز الَّذين ان مكناهم فِي الارض أَقَامُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة وَأمرُوا بِالْمَعْرُوفِ ونهوا عَن الْمُنكر وَللَّه عَاقِبَة الامور سُورَة الْحَج 40 41 وكما قَالَ ﴿إِنَّا لننصر رسلنَا وَالَّذين آمنُوا فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَيَوْم يقوم الأشهاد﴾ سُورَة غَافِر 51 وكما قَالَ ﴿كتب الله لأغلبن أَنا ورسلي إِن الله قوي عَزِيز﴾ سُورَة المجادلة 21 وكما قَالَ ﴿وَإِن جندنا لَهُم الغالبون﴾ سُورَة الصافات

173 - وَقَالَ ﴿وَمن يتول الله وَرَسُوله وَالَّذين آمنُوا فَإِن حزب الله هم الغالبون﴾ سُورَة الْمَائِدَة 56 وَلما كَانَ فِي الامر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَالْجهَاد فِي سَبِيل الله من الِابْتِلَاء والمحن مَا يتَعَرَّض بِهِ الْمَرْء للفتنة صَار فِي النَّاس من يتعلل لترك مَا وَجب عَلَيْهِ من ذَلِك بِأَنَّهُ يطْلب السَّلامَة من الْفِتْنَة كَمَا قَالَ تَعَالَى عَن الْمُنَافِقين ﴿وَمِنْهُم من يَقُول ائْذَنْ لي وَلَا تفتني أَلا فِي الْفِتْنَة سقطوا﴾ سُورَة التَّوْبَة 49 الاية وَقد ذكرُوا فِي التَّفْسِير انها نزلت فِي الْجد بن قيس لما امْرَهْ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بالتجهز لغزو الرّوم وأظن أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لَهُ هَل لَك فِي نسَاء بني الاصفر فَقَالَ يَا رَسُول الله اني رجل لَا اصبر على النِّسَاء واني اخاف الْفِتْنَة

بنساء بني الاصفر فائذن لي وَلَا تفتني وَهَذَا الْجد هُوَ الَّذِي تخلف عَن بيعَة الرضْوَان تَحت الشَّجَرَة واستتر بجمل احمر وَجَاء فِيهِ الحَدِيث ان كلهم مغْفُور لَهُ الا صَاحب الْجمل الاحمر فَأنْزل الله تَعَالَى فِيهِ ﴿وَمِنْهُم من يَقُول ائْذَنْ لي وَلَا تفتني أَلا فِي الْفِتْنَة سقطوا﴾ سُورَة التَّوْبَة 49 يَقُول انه طلب الْقعُود ليسلم من فتْنَة النِّسَاء فَلَا يفتتن بِهن فَيحْتَاج الى الِاحْتِرَاز من الْمَحْظُور ومجاهدة نَفسه عَنهُ فيتعذب بذلك اَوْ يواقعه فيأثم فَإِن من رأى الصُّور الجميلة وأحبها فَإِن لم يتَمَكَّن مِنْهَا اما لتَحْرِيم الشَّارِع وَأما للعجز عَنْهَا تعذب قلبه وان

قدر عَلَيْهَا وَفعل الْمَحْظُور هلك وَفِي الْحَلَال من ذَلِك من معالجة النِّسَاء مَا فِيهِ بلَاء فَهَذَا وَجه قَوْله ﴿وَلَا تفتني﴾ قَالَ الله تَعَالَى ﴿أَلا فِي الْفِتْنَة سقطوا﴾ سُورَة التَّوْبَة 49 يَقُول ان نفس اعراضه عَن الْجِهَاد الْوَاجِب ونكوله عَنهُ وَضعف ايمانه وَمرض قلبه الَّذِي زين لَهُ ترك الْجِهَاد فتْنَة عَظِيمَة قد سقط فِيهَا فَكيف يطْلب التَّخَلُّص من فتْنَة صَغِير لم تصبه بِوُقُوعِهِ فِي فتْنَة عَظِيمَة قد اصابته وَالله تَعَالَى يَقُول وقاتلوهم حَتَّى لت تكون فتْنَة وَيكون الدّين كُله لله سُورَة الانفال 39 فَمن ترك الْقِتَال الَّذِي امْر الله بِهِ لِئَلَّا تكون فتْنَة فَهُوَ فِي الْفِتْنَة سَاقِط بِمَا وَقع فِيهِ من ريب

قلبه وَمرض فُؤَاده وَتَركه مَا امْر الله بِهِ من الْجِهَاد فَتدبر هَذَا فان هَذَا مقَام خطر وَالنَّاس فِيهِ على قسمَيْنِ قسم يأمرون وَينْهَوْنَ ويقاتلون طلبا لإِزَالَة الْفِتْنَة زَعَمُوا وَيكون فعلهم ذَلِك اعظم فتْنَة كالمقتتلين فِي الْفِتَن الْوَاقِعَة بَين الامة مثل الْخَوَارِج وأقوام ينكلون عَن الامر وَالنَّهْي والقتال الَّذِي يكون بِهِ الدّين كُله لله وَتَكون كلمة الله هِيَ الْعليا لِئَلَّا يفتنوا وهم قد سقطوا فِي الْفِتْنَة وَهَذِه الْفِتْنَة الْمَذْكُورَة فِي سُورَة بَرَاءَة دخل فِيهَا الافتتان بالصور الجميلة فَإِنَّهَا سَبَب نزُول الْآيَة وَهَذِه حَال كثير من المتدينة يتركون مَا يجب عَلَيْهِم من امْر وَنهي وَجِهَاد يكون بِهِ الدّين لله وَتَكون بِهِ كلمة الله هِيَ الْعليا لِئَلَّا يفتنوا بِجِنْس الشَّهَوَات

وهم قد وَقَعُوا فِي الْفِتْنَة الَّتِي هِيَ اعظم مِمَّا زَعَمُوا انهم فروا مِنْهُ وانما الْوَاجِبَة عَلَيْهِم الْقيام بِالْوَاجِبِ من الامر وَالنَّهْي وَترك الْمَحْظُور والاستعانة بِاللَّه على الامرين وَلَو فرض ان فعل الْوَاجِب وَترك الْمَحْظُور وهما متلازمان وانما تركُوا ذَلِك لكَون نُفُوسهم لَا تطاوعهم الا على فعلهمَا جَمِيعًا اَوْ تكرهما جَمِيعًا مثل كثير مِمَّن يجب الرياسة اَوْ المَال اَوْ شهوات الغي فانه اذا فعل مَا وَجب عَلَيْهِ من امْر وَنهي وَجِهَاد وامارة وَنَحْو ذَلِك فَلَا بُد ان يفعل مَعهَا شَيْئا من الْمَحْظُورَات فَالْوَاجِب عَلَيْهِ ان ينظر أغلب الامرين فَإِن كَانَ الْمَأْمُور اعظم اجرا من ترك ذَلِك الْمَحْظُور لم يتْرك ذَلِك لما يخَاف ان يقْتَرن بِهِ مَا هُوَ دونه فِي الْمفْسدَة وان كَانَ ترك الْمَحْظُور اعظم اجرا لم يفوت ذَلِك برجاء ثَوَاب فعل وَاجِب يكون دون ذَلِك فَذَلِك يكون بِمَا يجْتَمع لَهُ من الامرين من الْحَسَنَات والسيئات فَهَذَا هَذَا وتفصيل ذَلِك يطول

وكل بشر على وَجه الارض فَلَا بُد لَهُ من امْر وَنهي وَلَا بُد ان يَأْمر وَينْهى حَتَّى لَو انه وَحده لَكَانَ يَأْمر نَفسه وينهاها اما بِمَعْرُوف واما بمنكر كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِن النَّفس لأمارة بالسوء﴾ سُورَة يُوسُف 53 فَإِن الْأَمر هُوَ طلب الْفِعْل وارادته وَالنَّهْي طلب التّرْك وارادته وَلَا بُد لكل حى من ارادة وَطلب فِي نَفسه يقتضى بهما فعل نَفسه ويقتضى بهما فعل غَيره اذا امكن ذَلِك فَإِن الانسان حَيّ يَتَحَرَّك بإرادته وَبَنُو آدم لَا يعيشون الا باجتماع بَعضهم مَعَ بعض واذا اجْتمع اثْنَان فَصَاعِدا فَلَا بُد ان يكون بَينهمَا ائتمار بِأَمْر وتناه عَن امْر وَلِهَذَا كَانَ اقل الْجَمَاعَة فِي الصَّلَاة اثْنَيْنِ كَمَا قيل الِاثْنَان فَمَا فَوْقهمَا جمَاعَة لَكِن لما كَانَ ذَلِك اشتراكا فِي مُجَرّد الصَّلَاة حصل بِاثْنَيْنِ احدهما امام والاخر مَأْمُوم كَمَا قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ

وَسلم لمَالِك ابْن الْحُوَيْرِث وَصَاحبه رَضِي الله عَنْهُمَا اذا حضرت الصَّلَاة فأذنا وأقيما وليؤمكما أكبركما وَكَانَا متقاربين فِي الْقِرَاءَة وَأما فِي الامور العادية فَفِي السّنَن انه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لَا يحل لثَلَاثَة يكونُونَ فِي سفر إِلَّا أمروا عَلَيْهِم احدهم

واذا كَانَ الامر وَالنَّهْي من لَوَازِم وجود بني آدم فَمن لم يَأْمر بِالْمَعْرُوفِ الَّذِي امْر الله بِهِ وَرَسُوله وينه عَن الْمُنكر الَّذِي نهى الله عَنهُ وَرَسُوله وَيُؤمر بِالْمَعْرُوفِ الَّذِي امْر الله بِهِ وَرَسُوله وينه عَن الْمُنكر الَّذِي نهى الله عَنهُ وَرَسُوله وَإِلَّا فَلَا بُد من ان يَأْمر وَينْهى وَيُؤمر وَينْهى اما بِمَا يضاد ذَلِك واما بِمَا يشْتَرك فِيهِ الْحق الَّذِي انزله الله بِالْبَاطِلِ الَّذِي لم ينزله الله واذا اتخذ ذَلِك دينا كَانَ دينا مبتدعا ضَالًّا بَاطِلا وَهَذَا كَمَا ان كل بشر فَإِنَّهُ حَيّ متحرك بإرادته همام حَارِث فَمن لم تكن نِيَّته صَالِحَة وَعَمله عملا صَالحا لوجه الله والا كَانَ عملا فَاسِدا اَوْ لغير وَجه الله وَهُوَ الْبَاطِل كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿إِن سعيكم لشتى﴾ سُورَة اللَّيْل

وَهَذِه الاعمال كلهَا بَاطِلَة من جنس أَعمال الْكفَّار ﴿الَّذين كفرُوا وصدوا عَن سَبِيل الله أضلّ أَعْمَالهم﴾ سُورَة مُحَمَّد 1 وَقَالَ تَعَالَى وَالَّذين كفرُوا اعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن مَاء حَتَّى اذا جَاءَهُ لم يجده شَيْئا وَوجد الله عِنْده فوفاه حسابه وَالله سريع الحسباب سُورَة النُّور 39 وَقَالَ ﴿وَقدمنَا إِلَى مَا عمِلُوا من عمل فجعلناه هباء منثورا﴾ سُورَة الْفرْقَان 23 وَقد امْر الله تَعَالَى فِي كِتَابه بِطَاعَتِهِ وَطَاعَة رَسُوله وَطَاعَة اولي الْأَمر من الْمُؤمنِينَ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول وأولي الْأَمر مِنْكُم فَإِن تنازعتم فِي شَيْء فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول إِن كُنْتُم تؤمنون بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر ذَلِك خير وَأحسن تَأْوِيلا﴾ سُورَة النِّسَاء 59 وَأولُوا الامر اصحاب الامر وذووه وهم الَّذين يأمرون النَّاس وينهونهم وَذَلِكَ يشْتَرك فِيهِ اهل الْيَد وَالْقُدْرَة واهل الْعلم وَالْكَلَام فَلهَذَا كَانَ اولو الامر صنفين الْعلمَاء والامراء فاذا صلحوا صلح النَّاس واذا فسدوا فسد النَّاس

كَمَا قَالَ ابو بكر الصّديق رَضِي الله عَنهُ للأحمسية لما سَأَلته مَا بقاؤنا على هَذَا الامر الصَّالح قَالَ مَا استقامت لكم ائمتكم وَيدخل فيهم الْمُلُوك والمشايخ واهل الدِّيوَان وكل من كَانَ متبوعا فَإِنَّهُ من اولى الامر وعَلى كل وَاحِد من هَؤُلَاءِ ان يَأْمر بِمَا امْر الله بِهِ وَينْهى عَن مَا نهى الله عَنهُ وعَلى كل وَاحِد مِمَّن عَلَيْهِ طَاعَته ان يطيعه فِي طَاعَة الله وَلَا يطيعه فِي مَعْصِيّة الله كَمَا قَالَ ابو بكر الصّديق رَضِي الله عَنهُ حِين تولى امْر الْمُسلمين وخطبهم فَقَالَ فِي خطبَته ايها النَّاس الْقوي فِيكُم الضَّعِيف عِنْدِي حَتَّى آخذ مِنْهُ الْحق والضعيف فِيكُم الْقوي عِنْدِي حَتَّى آخذ لَهُ الْحق اطيعوني مَا اطعت الله وَرَسُوله

فَإِذا عصيت الله فَلَا طَاعَة لي عَلَيْكُم

فصول الكتاب · 25 فصل · 469 صفحة
الاستقامة
تأليف ابن تيمية
الأولى، 1403
تقدّمك في الكتاب: صفحات 278-296 — 35 من 37
فصول الاستقامة · 469 صفحة
مقدمة الكتابفصل الرأى الْمُحدث فِي الْأُصُول وَهُوَ الْكَلَام الْمُحدث وَفِي الْفُرُوع وَهُوَ الرأىفصل فِيمَا اخْتلف فِيهِ الْمُؤْمِنُونَ من الْأَقْوَال والافعال فِي الْأُصُول وَالْفُرُوعفصل مُهِمّ عَظِيم الْقدر فِي هَذَا الْبَاب وَذَلِكَ أَن طوائف كَبِيرَة من أهلفصل وَكَذَلِكَ لفظ الْحَرَكَة أثْبته طوائف من أهل السّنة والْحَدِيث وَهُوَ الَّذِي ذكرهفصل وَقد اعْترف أَكثر أَئِمَّة أهل الْكَلَام والفلسفة من الْأَوَّلين والآخرين بِأَن
فصل فِيمَا ذكره الشَّيْخ أَبُو الْقَاسِم القشيرى فِي رسَالَته الْمَشْهُورَة من اعْتِقَاد
فصل قَالَ أَبُو الْقَاسِم وَقَالَ ابْن عَطاء لما خلق الله الأحرف جعلهَا سرا فَلَمَّافصل فِي الحَدِيث الَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن جوَيْرِية أم الْمُؤمنِينَ لما خرج النَّبِي
فصل يتَعَلَّق بِالسَّمَاعِ قَالَ أَبُو الْقَاسِم الْقشيرِي فِي بَاب السماع قَالَ الله
فصل فِي محبَّة الْجمال
فصل وَمن اسباب ذَلِك مَا وَقع من الاشراك فِي لفظ الْغيرَة فِي كَلَام الْمَشَايِخ
فصل فِيمَا ذكره الاستاذ ابو الْقَاسِم الْقشيرِي فِي بَاب الرِّضَا عَن الشَّيْخ ابي
فصل فِي السكر واسبابه وَأَحْكَامهفصل وَمن أقوى الْأَسْبَاب الْمُقْتَضِيَة للسكر سَماع الْأَصْوَات المريبة من وَجْهَيْن منفصل اذا تبين هَذَا فَاعْلَم ان اللَّذَّة وَالسُّرُور امْر مَطْلُوب بل هُوَ مَقْصُودفصل واذا كَانَت اللَّذَّة مَطْلُوبَة لنَفسهَا فَهِيَ انما تذم اذا اعقبت الما اعظمفصل فَإِذا تبين ان السكر مؤلف من امرين وجودي وَهُوَ اللَّذَّة وعدمي وَهُوَ عدمفصل فَإِذا تبين أَن جنس عدم الْعقل وَالْفِقْه لَا يحمد بِحَال فِي الشَّرْع بلفصل فَهَكَذَا زَوَال الْعقل بالسكر هُوَ من نوع زَوَاله بالإغماء وَالْجُنُون وَنَحْوفصل فقد تبين ان اُحْدُ وصفي السكر مَنْفَعَة فِي الاصل وَالْوَصْف الاخر اثم كَمَافصل قَالَ الله تَعَالَى لما اهبط آدم وَمن مَعَه الى الارض
فصل فِي الامر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر
فصل واذا كَانَت جَمِيع الْحَسَنَات لَا بُد فِيهَا من شَيْئَيْنِ ان يُرَاد بهَافصل فِي الْإِكْرَاه وَمَا يتَعَلَّق بِهِ
جارٍ التحميل