أهل الأثرالأرشيف العلمي

فصل فِيمَا ذكره الاستاذ ابو الْقَاسِم الْقشيرِي فِي بَاب الرِّضَا عَن الشَّيْخ ابي

صفحات 65-104

سُلَيْمَان الدَّارَانِي رَحمَه الله انه قَالَ الرِّضَا ان لَا تسْأَل الله الْجنَّة وَلَا تستعيذ بِهِ من النَّار

فان النَّاس تنازعوا فِي هَذَا الْكَلَام فَمنهمْ من انكره وَمِنْهُم من قبله وَالْكَلَام على هَذَا الْكَلَام من وَجْهَيْن أَحدهمَا من جِهَة ثُبُوته عَن الشَّيْخ ابي سُلَيْمَان وَالثَّانِي من جِهَة صِحَّته فِي نَفسه وفساده اما الْمقَام الاول فَيَنْبَغِي ان يعلم ان الاستاذ ابا الْقَاسِم الْقشيرِي لم يذكرهُ عَن الشَّيْخ ابي سُلَيْمَان بِإِسْنَاد وانما ذكره مُرْسلا عَنهُ فِي رسَالَته عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ والمشايخ وَغَيرهم تَارَة يذكرهُ بِإِسْنَاد وَتارَة يذكرهُ مُرْسلا وَكَثِيرًا مَا يَقُول فِي الرسَالَة وَقيل عَنهُ كَذَا ثمَّ الَّذِي يذكرهُ الاستاذ ابو الْقَاسِم [بِالْإِسْنَادِ] تَارَة يكون اسناده صَحِيحا وَتارَة يكون ضَعِيفا بل مَوْضُوعا وَمَا يذكرهُ مُرْسلا ومحذوفا

لقَائِل اولى وَهَذَا كَمَا يُوجد [ذَلِك] فِي مصنفات الْفُقَهَاء فَإِن فِيهَا من الاحاديث والْآثَار مَا هُوَ صَحِيح وَمِنْهَا مَا هُوَ ضَعِيف وَمِنْهَا مَا هُوَ مَوْضُوع فالموجود فِي كتب الرَّقَائِق والتصوف من الاثار المنقولة فِيهَا الصَّحِيح وفيهَا الضَّعِيف وفيهَا الْمَوْضُوع وَهَذَا امْر مُتَّفق عَلَيْهِ بَين جَمِيع الْمُسلمين لَا يتنازعون فِي ان هَذِه الْكتب فِيهَا هَذَا وفيهَا هَذَا بل نفس الْكتب المصنفة فِي الحَدِيث والاثار فِيهَا هَذَا وَهَذَا وَكَذَلِكَ الْكتب المصنفة فِي التَّفْسِير فِيهَا هَذِه وَهَذَا مَعَ ان اهل الحَدِيث اقْربْ الى معرفَة المنقولات وَفِي كتبهمْ هَذَا وَهَذَا فَكيف غَيرهم والمصنفون قد يكونُونَ أَئِمَّة فِي الْفِقْه اَوْ التصوف اَوْ الحَدِيث ويروون هَذَا تَارَة لأَنهم لم يعلمُوا انه كذب وَهُوَ الْغَالِب على اهل الدّين فَإِنَّهُم لَا يحتجون بِمَا يعلمُونَ انه كذب وَتارَة

يذكرُونَهُ وان علمُوا انه كذب اذ قصدهم رِوَايَة مَا روى فِي ذَلِك الْبَاب وَرِوَايَة الاحاديث المكذوبة مَعَ بَيَان انها كذب جَائِز واما رِوَايَتهَا مَعَ الْإِمْسَاك عَن ذَلِك رِوَايَة عمل فَإِنَّهُ حرَام عِنْد الْعلمَاء لما ثَبت فِي الصَّحِيح عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم انه قَالَ من حدث عني بِحَدِيث وَهُوَ يرى انه كذب فَهُوَ اُحْدُ الْكَاذِبين وَقد فعل ذَلِك كثير من الْعلمَاء متأولين انهم لم يكذبوا وانما نقلوا مَا رَوَاهُ غَيرهم وَهَذَا يسهل اذ رَوَوْهُ ليعرف انه

روى لَا لأجل الْعَمَل بِهِ والاعتماد عَلَيْهِ وَالْمَقْصُود هُنَا ان مَا يُوجد فِي الرسَالَة وامثالها من كتب الْفِقْه والتصوف والْحَدِيث من المنقولات عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَغَيره من السّلف فِيهِ الصَّحِيح وَفِيه الضَّعِيف وَفِيه الْمَوْضُوع فَالصَّحِيح الَّذِي قَامَت الدّلَالَة على صدقه والموضوع الَّذِي قَامَت الدّلَالَة على كذبه عَلَيْهَا وَلَا يحْتَج بهَا فَإِن الضعْف ظَاهر عَلَيْهَا وَإِن كَانَ هُوَ لَا يتَعَمَّد واما لاتهامه وَلَكِن يُمكن ان يكون صَادِقا فِيهِ فَإِن الْفَاسِق قد يصدق والغالط قد يحفظ وغالب ابواب الرسَالَة فِيهِ الاقسام الثَّلَاثَة وَمن ذَلِك بَاب الرِّضَا فَإِنَّهُ ذكر فِيهِ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَدِيثا صَحِيحا فِي اثناء الْبَاب وَهُوَ حَدِيث الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم انه قَالَ ذاق طعم

الايمان من رَضِي بِاللَّه رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دينا وَبِمُحَمَّدٍ نَبيا وَهَذَا الحَدِيث رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه وان كَانَ الاستاذ لم يذكر ان مُسلما رَوَاهُ لَكِن رَوَاهُ بِإِسْنَاد صَحِيح وَذكر فِي اول هَذَا الْبَاب حَدِيثا ضَعِيفا بل مَوْضُوعا وَهُوَ حَدِيث جَابر الطَّوِيل الَّذِي رَوَاهُ من حَدِيث الْفضل بن عِيسَى الرقاشِي عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر عَن جَابر فَهُوَ وان كَانَ اول حَدِيث ذكره فِي الْبَاب فَإِن حَدِيث الْفضل بن عِيسَى من اوهى الاحاديث واسقطها وَلَا نزاع بَين الائمة انه لَا يعْتَمد عَلَيْهَا وَلَا يحْتَج بهَا فَإِن الضعْف ظَاهر عَلَيْهَا وان كَانَ هُوَ لَا يعْتَمد الْكَذِب فَإِن كثيرا من الزهاد

وَالْفُقَهَاء لَا يحْتَج بِحَدِيثِهِمْ لسوء الْحِفْظ لَا لاعتماد الْكَذِب وَهَذَا الرقاشِي اتَّفقُوا على ضعفه كَمَا يعرف ذَلِك ائمة هَذَا الشَّأْن حَتَّى قَالَ ايوب السّخْتِيَانِيّ لَو ولد فضل اخرس لَكَانَ خيرا لَهُ وَقَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة لَا شَيْء وَقَالَ الامام احْمَد وَالنَّسَائِيّ هُوَ ضَعِيف وَقَالَ يحيى بن معِين رجل سوء وَقَالَ ابو حَاتِم وابو زرْعَة مُنكر الحَدِيث وَكَذَلِكَ مَا ذكره من الاثار فانه قد ذكر اثارا حَسَنَة بأسانيد حسنه مثل مَا رَوَاهُ عَن الشَّيْخ ابي سُلَيْمَان الدَّارَانِي انه قَالَ اذا سلا العَبْد عَن الشَّهَوَات فَهُوَ رَاض فَإِن هَذَا رَوَاهُ عَن شَيْخه ابي

عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ بِإِسْنَادِهِ وَالشَّيْخ ابو عبد الرَّحْمَن كَانَت لَهُ عناية بِجمع كَلَام هَؤُلَاءِ الْمَشَايِخ وحكاياتهم وصنف فِي الاسماء كتاب الطَّبَقَات طَبَقَات الصُّوفِيَّة وَكتاب زهاد السّلف وَغير ذَلِك وصنف فِي الابواب كتاب مقامات الاولياء وَغير ذَلِك ومصنفاته تشْتَمل على الاقسام الثَّلَاثَة وَذكر عَن الشَّيْخ ابي عبد الرَّحْمَن انه قَالَ سَمِعت النصراباذي يَقُول من اراد ان يبلغ مَحل الرِّضَا فليلزم مَا جعل الله رِضَاهُ فِيهِ فَإِن هَذَا الْكَلَام فِي غَايَة الْحسن فَإِنَّهُ من لزم مَا يرضى الله من امْتِثَال اوامره وَاجْتنَاب نواهيه لَا سِيمَا اذ قَامَ بواجبها ومستحبها

يُرْضِي الله عَنهُ كَمَا انه من لزم محبوبات الله احبه الله كَمَا فِي الحَدِيث الصَّحِيح الَّذِي رَوَاهُ البُخَارِيّ من عادي لي وليا فقد بارزني بالمحاربة وَمَا تقرب الي عَبدِي بِمثل اداء مَا افترضت عَلَيْهِ وَلَا يزَال عَبدِي يتَقرَّب الى بالنوافل حَتَّى احبه فَإِذا احببته الحَدِيث وَذَلِكَ ان الرِّضَا نَوْعَانِ احدهما الرِّضَا بِفعل مَا امْر بِهِ وَترك مَا نهى عَنهُ ويتناول مَا اباحه الله من غير تعد الى الْمَحْظُور كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَالله وَرَسُوله أَحَق أَن يرضوه إِن كَانُوا مُؤمنين﴾ سُورَة التَّوْبَة 62 وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَو أَنهم رَضوا مَا﴾

﴿آتَاهُم الله وَرَسُوله وَقَالُوا حَسبنَا الله سيؤتينا الله من فَضله وَرَسُوله إِنَّا إِلَى الله راغبون﴾ سُورَة التَّوْبَة 59 فَهَذَا الرِّضَا وَاجِب وَكَذَلِكَ ذمّ من تَركه بقوله ﴿وَمِنْهُم من يَلْمِزك فِي الصَّدقَات فَإِن أعْطوا مِنْهَا رَضوا وَإِن لم يُعْطوا مِنْهَا إِذا هم يسخطون﴾ سُورَة التَّوْبَة 58 وَالنَّوْع الثَّانِي الرِّضَا بالمصائب كالفقر وَالْمَرَض والذل فَهَذَا الرِّضَا مُسْتَحبّ فِي اُحْدُ قولي الْعلمَاء وَلَيْسَ بِوَاجِب وَقد قيل انه وَاجِب وَالصَّحِيح ان الْوَاجِب هُوَ الصَّبْر كَمَا قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ رَحمَه الله الرِّضَا عَزِيز وَلَكِن الصبرمعول الْمُؤمن وَقد روى فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس ان النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لَهُ ان اسْتَطَعْت ان تعْمل لله بِالرِّضَا مَعَ الْيَقِين فافعل

فَإِن لم تستطع فَإِن فِي الصَّبْر على مَا تكره خيرا كثيرا واما الرِّضَا بالْكفْر والفسوق والعصيان فَالَّذِي عَلَيْهِ ائمة الدّين انه لَا يرضى بذلك فَإِن الله لَا يرضاه كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا يرضى لِعِبَادِهِ الْكفْر﴾ سُورَة الزمر 7 وَقَالَ ﴿وَالله لَا يحب الْفساد﴾ سُورَة الْبَقَرَة 205 وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَإِن ترضوا عَنْهُم فَإِن الله لَا يرضى عَن الْقَوْم الْفَاسِقين﴾ سُورَة التَّوْبَة 96 وَقل تَعَالَى فَجَزَاؤُهُ حهنم خَالِدا فِيهَا وَغَضب الله عَلَيْهِ ولعنه وَاعد لَهُ عذَابا عَظِيما سُورَة النِّسَاء: 93 وَقَالَ ﴿ذَلِك بِأَنَّهُم اتبعُوا مَا أَسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أَعْمَالهم﴾ سُورَة مُحَمَّد 28

وَقَالَ ﴿وعد الله الْمُنَافِقين والمنافقات وَالْكفَّار نَار جَهَنَّم خَالِدين فِيهَا هِيَ حسبهم﴾ سُورَة التَّوْبَة 68 وَقَالَ ﴿لبئس مَا قدمت لَهُم أنفسهم أَن سخط الله عَلَيْهِم وَفِي الْعَذَاب هم خَالدُونَ﴾ سُورَة الْمَائِدَة 80 وَقَالَ ﴿فَلَمَّا آسفونا انتقمنا مِنْهُم﴾ سُورَة الزخرف 55 فَإِذا كَانَ الله سُبْحَانَهُ لَا يرضى لَهُم مَا عملوه بل يسخطه ذَلِك وَهُوَ يسْخط عَلَيْهِم ويغضب عَلَيْهِم فَكيف يسوغ لِلْمُؤمنِ ان يرضى ذَلِك وان لَا يسْخط ويغضب لما يسْخط الله ويغضبه وانما ضل هُنَا فريقان من النَّاس قوم من اهل الْكَلَام المنتسبين الى السّنة فِي مناظرة الْقَدَرِيَّة ظنُّوا ان محبَّة الْحق وَرضَاهُ وغضبه وَسخطه يرجع الى ارادته وَقد علمُوا انه مُرِيد لجَمِيع الكائنات

خلافًا للقدرية وَقَالُوا هُوَ ايضا محب لَهَا مُرِيد لَهَا ثمَّ اخذوا يحرفُونَ الْكَلم عَن موَاضعه فَقَالُوا لَا يحب الْفساد بِمَعْنى لَا يُرِيد الْفساد أَي لَا يُريدهُ للْمُؤْمِنين وَلَا يرضى لِعِبَادِهِ الْكفْر بِمَعْنى لَا يُريدهُ أَي لَا يُريدهُ للْمُؤْمِنين وَهَذَا غلط عَظِيم فَإِن هَذَا عِنْدهم بِمَنْزِلَة ان يُقَال لَا يحب الايمان وَلَا يرضى لِعِبَادِهِ الايمان بِمَعْنى لَا يُريدهُ للْكَافِرِينَ وَلَا يرضاه للْكَافِرِينَ وَقد اتّفق اهل الاسلام على ان مَا امْر الله بِهِ فَإِنَّهُ يكون مُسْتَحبا يُحِبهُ ثمَّ قد يكون مَعَ ذَلِك وَاجِبا وَقد يكون مُسْتَحبا لَيْسَ بِوَاجِب سَوَاء فعل اَوْ لم يفعل وَالْكَلَام على هَذَا مَبْسُوط فِي غير هَذَا الْموضع والفريق الثانى من غالطي المتصوفة شربوا من هَذِه الْعين فَشَهِدُوا ان الله رب الكائنات جَمِيعهَا وَعَلمُوا انه قدر كل

شَيْء وشاءه وظنوا انهم لَا يكونُونَ راضين حَتَّى يرْضوا بِكُل مَا يقدره الله ويقضيه من الْكفْر والفسوق والعصيان حَتَّى قَالَ بَعضهم الْمحبَّة نَار تحرق من الْقلب كل مَا سوى مُرَاد المحبوب قَالُوا والكون كُله مُرَاد المحبوب وضل هَؤُلَاءِ ضلالا عَظِيما حَيْثُ لم يفرقُوا بَين الارادة الدِّينِيَّة والكونية والاذن الديني والكوني والامر الديني والكوني والبعث الكوني والديني والارسال الكوني والديني كَمَا بسطناه فِي غير هَذَا الْموضع وَهَؤُلَاء يؤول بهم الامر الى ان لَا يفرقُوا بَين الْمَحْظُور والمأمور واولياء الله واعداء الله والانبياء والمتقين ويجعلون الَّذين امنوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات كالمفسدين فِي الارض ويجعلون الْمُتَّقِينَ كالفجار ويجعلون الْمُسلمين كالمجرمين ويعطلون الامر وَالنَّهْي والوعد والوعيد والشرائع وَرُبمَا سموا هَذَا حَقِيقَة ولعمري انه حَقِيقَة كونية لَكِن هَذِه

الْحَقِيقَة الكونية قد عرفهَا عباد الاصنام كَمَا قَالَ تَعَالَى وَلَئِن سَأَلتهمْ من خلق السَّمَوَات والارض ليَقُولن الله سُورَة لُقْمَان 25 وَقَالَ ﴿قل لمن الأَرْض وَمن فِيهَا إِن كُنْتُم تعلمُونَ سيقولون لله قل أَفلا تذكرُونَ﴾ الايات سُورَة الْمُؤْمِنُونَ 84 85 فالمشركون الَّذين يعْبدُونَ الاصنام كَانُوا مقرين بَان الله خَالق كل شَيْء وربه ومليكه فَمن كَانَ هَذَا مُنْتَهى تَحْقِيقه كَانَ غَايَته ان يكون كعباد الاصنام وَالْمُؤمن انما فَارق الْكفْر بِالْإِيمَان بِاللَّه وبرسله وبتصديقهم فِيمَا اخبروا وطاعتهم فِيمَا امروا وَاتِّبَاع مَا يرضاه الله وَيُحِبهُ دون مَا يَقْضِيه ويقدره من الْكفْر والفسوق والعصيان وَلَكِن يرضى بِمَا اصابه من المصائب لَا بِمَا فعله من المعايب فَهُوَ من الذُّنُوب يسْتَغْفر وعَلى المصائب يصبر كَمَا قَالَ تَعَالَى فاصبر ان وعد الله حق واستغفر لذبنك

سُورَة غَافِر 55 فَيجمع بَين طَاعَة الامر وَالصَّبْر على المصائق كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِن تصبروا وتتقوا لَا يضركم كيدهم شَيْئا﴾ سُورَة ال عمرَان 120 وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِن تصبروا وتتقوا فَإِن ذَلِك من عزم الْأُمُور﴾ سُورَة ال عمرَان 186 وَقَالَ يُوسُف عَلَيْهِ السَّلَام ﴿إِنَّه من يتق ويصبر فَإِن الله لَا يضيع أجر الْمُحْسِنِينَ﴾ سُورَة يُوسُف 90 وَالْقَصْد هُنَا ان مَا ذكره الْقشيرِي عَن النصراباذي من احسن الْكَلَام حَيْثُ قَالَ من اراد ان يبلغ مَحل الرِّضَا فليلزم مَا جعل الله رِضَاهُ فِيهِ وَكَذَلِكَ قَول الشَّيْخ ابي سُلَيْمَان اذا سلا الْبعد عَن الشَّهَوَات فَهُوَ رَاض وَذَلِكَ ان العَبْد انما يمنعهُ من الرِّضَا والقناعة طلب نَفسه لفضول شهواتها فاذا لم يحصل سخط فاذا سلا عَن شهوات

نَفسه رَضِي بِمَا قسم الله لَهُ من الرزق وَكَذَلِكَ مَا ذكره عَن الفضيل بن عِيَاض انه قَالَ لبشر الحافي الرِّضَا افضل من الزّهْد فِي الدُّنْيَا لِأَن الراضي لَا يتَمَنَّى فَوق مَنْزِلَته كَلَام حسن لَكِن اشك فِي سَماع بشر الحافي من الفضيل وَكَذَلِكَ مَا ذكره مُعَلّقا قَالَ وَقيل قَالَ الشبلي بَين يَدي الْجُنَيْد لَا حول وَلَا قُوَّة الا بِاللَّه فَقَالَ الْجُنَيْد قَوْلك ذَا ضيق صدر وضيق الصَّدْر لترك الرِّضَا بِالْقضَاءِ فَإِن هَذَا من احسن الْكَلَام وَكَانَ الْجُنَيْد رَضِي الله عَنهُ سيد الطَّائِفَة وَمن احسنهم تَعْلِيما وتأديبا وتقويما وَذَلِكَ ان هَذِه الْكَلِمَة هِيَ كلمة استعانة لَا كلمة استرجاع وَكثير من النَّاس يَقُولهَا عِنْد المصائب بِمَنْزِلَة الاسترجاع ويقولها جزعا لَا صبرا

فالجنيد انكر على الشبلي حَاله فِي سَبَب قَوْله لَهَا اذ كَانَت حَالا يُنَافِي الرِّضَا وَلَو قَالَهَا على الْوَجْه الْمَشْرُوع لم يُنكر عَلَيْهِ وَفِيمَا ذكره آثَار ضَعِيفَة مثل مَا ذكره مُعَلّقا قَالَ وَقيل قَالَ مُوسَى الهي دلَّنِي على عمل اذا عملته رضيت عني فَقَالَ انك لَا تطِيق ذَلِك فَخر مُوسَى سَاجِدا متضرعا فَأوحى الله اليه يَا ابْن عمرَان رضائي فِي رضائك عني فَهَذِهِ الْحِكَايَة الاسرائيلية فِيهَا نظر فَإِنَّهُ قد يُقَال لَا يصلح ان يحْكى مثلهَا عَن مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام وَمَعْلُوم ان هَذِه الاسرئيليات لَيْسَ لَهَا اسناد وَلَا تقوم بهَا حجَّة فِي شَيْء من الدّين الا اذا كَانَت منقوله لنا نقلا صَحِيحا مثل مَا ثَبت عَن

نَبينَا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم انه حَدثنَا بِهِ عَن بني اسرائيل وَلَكِن مِنْهُ مَا يعلم كذبه مثل هَذِه فَإِن مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام من أعظم اولى الْعَزْم واكابر الْمُرْسلين فيكف يُقَال انه لَا يُطيق ان يعْمل مَا يُرْضِي الله بِهِ عَنهُ وَالله تَعَالَى رَضِي عَن السَّابِقين الاولين من الْمُهَاجِرين والانصار وَالَّذين اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَان افلا يرضى عَن مُوسَى بن عمرَان كليم الرَّحْمَن وَقَالَ تَعَالَى ان الَّذين امنوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات اولئك هم خير الْبَريَّة جزاؤهم عِنْد رَبهم جنَّات عدن تجْرِي من تحتهَا الانهارخ الدّين فِيهَا ابدا رَضِي الله عَنْهُم وَرَضوا عَنهُ سُورَة الْبَيِّنَة 867 وَمَعْلُوم ان مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام من افضل الَّذين امنوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات

ثمَّ ان الله خص مُوسَى بمزية فَوق الرِّضَا حَيْثُ قَالَ ﴿وألقيت عَلَيْك محبَّة مني ولتصنع على عَيْني﴾ سُورَة طه 39 ثمَّ ان قَوْله لَهُ فِي الْخطاب يَا ابْن عمرَان يُخَالف مَا ذكره الله من خطابه لَهُ فِي الْقُرْآن حَيْثُ قَالَ يَا مُوسَى وَذَلِكَ الْخطاب فِيهِ نوع غض مِنْهُ كَمَا يظْهر وَمثل مَا ذكره عَن عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ انه كتب لأبي مُوسَى الاشعري اما بعد فَإِن الْخَيْر كُله فِي الرِّضَا فَإِن اسْتَطَعْت ان ترْضى والا فاصبر فَهَذَا الْكَلَام كَلَام حسن وان لم يعلم اسناده واذا تبين ان فِيمَا ذكره مُسْندًا ومرسلا ومعلقا مَا هُوَ صَحِيح فَهَذِهِ الْكَلِمَة لم يذكرهَا عَن ابي سُلَيْمَان الا مُرْسلَة وبمثل ذَلِك لَا تثبت عَن ابي سُلَيْمَان بِاتِّفَاق النَّاس فَإِنَّهُ وان قَالَ بعض النَّاس ان الْمُرْسل حجَّة فَهَذَا لم يعلم ان الْمُرْسل هُوَ مثل الضَّعِيف وَغير

الضَّعِيف فَأَما اذا عرف ذَلِك فَلَا تبقى حجَّة بِاتِّفَاق الْعلمَاء كمن علم انه تَارَة يحفظ الاسناد وَتارَة يغلط فِيهِ والكتب المسندة فِي اخبار هَؤُلَاءِ الْمَشَايِخ وَكَلَامهم مثل كتاب حلية الاولياء لأبي نعيم وطبقات الصُّوفِيَّة للشَّيْخ ابي عبد الرَّحْمَن وصفوة الصفوة لِابْنِ الْجَوْزِيّ وامثال ذَلِك لم يذكرُوا فِيهَا هَذِه الْكَلِمَة عَن الشَّيْخ ابي سُلَيْمَان وَقد ذكرُوا فِيهَا عَن الشَّيْخ ابي سُلَيْمَان الاثر الَّذِي رَوَاهُ عَنهُ مُسْندًا حَيْثُ قَالَ لاحمد دبن ابي الْحوَاري يَا احْمَد لقد اوتيت من الرِّضَا نَصِيبا لَو القاني فِي النَّار لَكُنْت بذلك رَاضِيا فَهَذَا الْكَلَام مأثور عَن ابي سُلَيْمَان بِالْإِسْنَادِ وَلِهَذَا اسنده عَنهُ الْقشيرِي من طَرِيق شَيْخه ابي عبد الرَّحْمَن بِخِلَاف تِلْكَ الْكَلِمَة فَإِنَّهَا لم تسند عَنهُ فَلَا اصل لَهَا عَن الشَّيْخ ابي سُلَيْمَان

ثمَّ ان الْقشيرِي قرن هَذِه الْكَلِمَة الثَّابِتَة عَن ابي سُلَيْمَان بِكَلِمَة احسن مِنْهَا فَإِنَّهُ قبل ان يَرْوِيهَا قَالَ وَسُئِلَ ابو عُثْمَان يَعْنِي ابا عُثْمَان الْحِيرِي النَّيْسَابُورِي عَن قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَسأَلك الرِّضَا بعد الْقَضَاء فَقَالَ لِأَن الرِّضَا بعد الْقَضَاء هُوَ الرِّضَا فَهَذَا الَّذِي قَالَه الشَّيْخ ابو عُثْمَان كَلَام حسن سديد ثمَّ اسند بعد هَذَا عَن الشَّيْخ ابي سُلَيْمَان انه قَالَ ارجو ان اكون عرفت طرفا من الرِّضَا لَو انه ادخلني النَّار لَكُنْت بذلك رَاضِيا فَتبين بذلك ان مَا قَالَه ابو سُلَيْمَان لَيْسَ هُوَ رضى وانما هُوَ عزم

على الرِّضَا وانما الرِّضَا مَا يكون بعد الْقَضَاء واذا كَانَ هَذَا عزما على الرِّضَا فالعزم قد يَدُوم وَقد يَنْفَسِخ وَمَا اكثر انْفِسَاخ عزائم النَّاس خُصُوصا الصُّوفِيَّة وَلِهَذَا قيل لبَعْضهِم بِمَ عرفت الله قَالَ بِفَسْخ العزائم وَنقض الهمم وَقد قَالَ تَعَالَى لمن هُوَ افضل من هَؤُلَاءِ الْمَشَايِخ ﴿وَلَقَد كُنْتُم تمنون الْمَوْت من قبل أَن تلقوهُ فقد رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُم تنْظرُون﴾ سُورَة آل عمرَان 143 وَقَالَ تَعَالَى يَا ايها الَّذين امنوا لم تَقولُونَ مَالا تَفْعَلُونَ كبر مقتا عِنْد الله ان تَقولُوا مَالا تَفْعَلُونَ ان الله يحب الَّذين يُقَاتلُون فِي سَبيله صفا كَأَنَّهُمْ بُنيان مرصوص سُورَة الصَّفّ 42 وَفِي التِّرْمِذِيّ ان بعض الصَّحَابَة قَالُوا للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَو علمنَا أَي الْعَمَل احب الى الله لعملناه فَأنْزل الله هَذِه الاية

وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿ألم تَرَ إِلَى الَّذين قيل لَهُم كفوا أَيْدِيكُم وَأقِيمُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة فَلَمَّا كتب عَلَيْهِم الْقِتَال إِذا فريق مِنْهُم يَخْشونَ النَّاس كخشية الله أَو أَشد خشيَة وَقَالُوا رَبنَا لم كتبت علينا الْقِتَال لَوْلَا أخرتنا إِلَى أجل قريب﴾ الاية سُورَة النِّسَاء 77 فَهَؤُلَاءِ الَّذين كَانُوا قد عزموا على الْجِهَاد واحبوه لما ابتلوا بِهِ كرهوه وفروا مِنْهُ واين الم الْجِهَاد من الم النَّار وَعَذَاب الله الَّذِي لَا طَاقَة لأحد بِهِ مثل هَذَا يذكر عَن سمنون الْمُحب انه كَانَ يَقُول... وَلَيْسَ لي فِي سواك حَظّ... فَكيف مَا شِئْت فاختبرني... فَأَخذه الاسر من سَاعَته أَي حصر بَوْله فَكَانَ يَدُور على الْمكَاتب وَيفرق الْجَوْز على الصّبيان وَيَقُول ادعوا لعمكم الْكذَّاب وَحكى ابو نعيم الاصبهاني عَن ابي بكر الوَاسِطِيّ انه

قَالَ قَالَ سمنون يَا رب قد رضيت بِكُل مَا تقضيه على فاحتبس بَوْله اربعة عشر يَوْمًا فَكَانَ يتلوى كَمَا تتلوى الْحَيَّة على الرمل يتلوى يَمِينا وَشمَالًا فَلَمَّا اطلق بَوْله قَالَ يَا رب تبت اليك قَالَ ابو نعيم فَهَذَا الرِّضَا الَّذِي ادّعى سمنون ظهر غلطه فِيهِ بِأَدْنَى بلوى هَذَا مَعَ ان سمنون كَانَ يضْرب بِهِ الْمثل فِي الْمحبَّة وَله مقَام مَشْهُور حَتَّى روى عَن ابراهيم بن فاتك انه قَالَ رَأَيْت سمنونا يتَكَلَّم على النَّاس فِي الْمَسْجِد الْحَرَام فجَاء طَائِر صَغِير فَقرب مِنْهُ ثمَّ قرب فَلم يزل يدنو مِنْهُ

حَتَّى جلس على يَده ثمَّ لم يزل يضْرب بمنقاره الارض حَتَّى سقط مِنْهُ دم وَمَات الطَّائِر قَالَ ورأيته تكلم يَوْمًا فِي الْمحبَّة فَاصْطَفَقَتْ قناديل الْمَسْجِد وَكسر بَعْضهَا بَعْضًا وَقد ذكر الْقشيرِي فِي بَاب الرِّضَا عَن رُوَيْم الْمقري رَفِيق سمنون حِكَايَة تناسب هَذَا حَيْثُ قَالَ قَالَ رُوَيْم الرِّضَا ان لَو جعل جَهَنَّم عَن يَمِينه مَا سَأَلَ الله ان يحولها عَن يسَاره فَهَذَا يشبه قَول سمنون فَكيف مَا شِئْت فامتحني واذا لم يطق الصَّبْر على عسر الْبَوْل افيطيق ان تكون جَهَنَّم عَن يمنيه

والفضيل بن عِيَاض كَانَ اعلى طبقَة من هَؤُلَاءِ وابتلى بعسر الْبَوْل فغلبه الالم حَتَّى قَالَ بحبي لَك الا فرجت عني فانفرج عَنهُ ورويم وان كَانَ من رُفَقَاء الْجُنَيْد فَلَيْسَ هُوَ عِنْدهم من هَذِه الطَّبَقَة بل الصُّوفِيَّة يَقُولُونَ انه رَجَعَ الى الدُّنْيَا وَترك التصوف حَتَّى روى عَن جَعْفَر الْخُلْدِيِّ صَاحب الْجُنَيْد انه قَالَ من اراد ان يستكتم سرا فَلْيفْعَل كَمَا فعل رُوَيْم كتم حب الدُّنْيَا اربعين سنة فَقيل وَكَيف يتَصَوَّر ذَلِك قَالَ ولى اسماعيل بن اسحاق القَاضِي قَضَاء بَغْدَاد وَكَانَت بَينهمَا مَوَدَّة اكيدة فَجَذَبَهُ اليه وَجعله وَكيلا على بَابه فَترك لبس التصوف وَلبس الْخَزّ والقصب والديبقى وَأكل الطَّيِّبَات وَبنى الدّور واذا هُوَ كَانَ يكتم حب الدُّنْيَا مَا لم يجدهَا فَلَمَّا وجدهَا اظهر مَا كَانَ يكتم من حبها هَذَا مَعَ انه رَحمَه الله كَانَ لَهُ من الْعِبَادَات مَا هُوَ مَعْرُوف وَكَانَ فَقِيها على مَذْهَب دَاوُد

وَهَذِه الْكَلِمَات الَّتِي تصدر عَن صَاحب حَال لم يفكر فِي لَوَازِم اقواله وعواقبها لَا تجْعَل طَريقَة وَلَا تتَّخذ سَبِيلا وَلَكِن قد يسْتَدلّ بهَا على مَا لصَاحِبهَا من الرِّضَا والمحبة وَنَحْو ذَلِك وَمَا مَعَه من التَّقْصِير فِي معرفَة حُقُوق الطَّرِيق وَمَا يقدر عَلَيْهِ من التَّقْوَى وَالصَّبْر وَمَا لَا يقدر عَلَيْهِ من التَّقْوَى وَالصَّبْر وَالرسل صلوَات الله عَلَيْهِم اعْلَم بطرِيق سَبِيل الله واهدى وانصح فَمن خرج عَن سنتهمْ وسبيلهم كَانَ منقوصا مخطئا محروما وان لم يكن عَاصِيا اَوْ فَاسِقًا اَوْ كَافِرًا وَيُشبه هَذَا الاعرابي الَّذِي دخل عَلَيْهِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ مَرِيض كالفرخ فَقَالَ هَل كنت دَعَوْت الله بِشَيْء فَقَالَ كنت اقول اللَّهُمَّ مَا كنت معذبي بِهِ فِي الاخرة فعجله لي فِي الدُّنْيَا فَقَالَ سُبْحَانَ الله لَا تستطيعه اَوْ لَا تُطِيقهُ هلأ قلت رَبنَا آتنا فِي الدُّنْيَا حَسَنَة وَفِي الاخرة حَسَنَة وقنا عَذَاب النَّار

فَهَذَا ايضا حمله خَوفه من عَذَاب الاخرة ومحبته لِسَلَامَةِ عاقبته على ان يطْلب تَعْجِيل ذَلِك فِي الدُّنْيَا وَكَانَ مخطئا فِي ذَلِك غالطا وَالْخَطَأ والغلط مَعَ حسن الْقَصْد وسلامته وَصَلَاح الرجل وفضله وَدينه وزهده وورعه وكراماته كثير جدا فَلَيْسَ من شَرط ولي الله ان يكون مَعْصُوما من الْخَطَأ والغلط بل وَلَا من الذُّنُوب وافضل اولياء الله بعد الرُّسُل ابو بكر الصّديق رَضِي الله عَنهُ وَقد ثَبت فِي الصَّحِيح ان النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لَهُ لما عبر رُؤْيا اصبت بَعْضًا وأخطأت بَعْضًا وَيُشبه وَالله اعْلَم ان ابا سُلَيْمَان لما قَالَ هَذِه الْكَلِمَة لَو القاني فِي النَّار لَكُنْت بذلك رَاضِيا ان يكون بعض النَّاس حَكَاهُ بِمَا

فهمه من الْمَعْنى انه قَالَ الرِّضَا ان لَا تسْأَل الله الْجنَّة وَلَا تستعيذه من النَّار وَتلك الْكَلِمَة الَّتِي قَالَهَا ابو سُلَيْمَان مَعَ انها لَا تدل على رِضَاهُ بذلك وَلَكِن تدل على عَزمَة بِالرِّضَا بذلك وَنحن نعلم ان ذَلِك الْعَزْم لَا يسْتَمر بل يَنْفَسِخ وان مثل هَذِه الْكَلِمَة كَانَ تَركهَا احسن من قَوْلهَا وانها مستدركة كَمَا استدركه دَعْوَى سمنون ورويم وَغير ذَلِك فَإِن بَين هَذِه الْكَلِمَة وَبَين تِلْكَ فرقا عَظِيما فان تِلْكَ الْكَلِمَة مضمونها ان من سَأَلَ الله الْجنَّة واستعاذه من النَّار لَا يكون رَاضِيا وَفرق بَين من يَقُول انا اذا فعل بِي كَذَا كنت رَاضِيا وَبَين من يَقُول لَا يكون رَاضِيا الا من لَا يطْلب خيرا وَمن لَا يهرب من شَرّ وَبِهَذَا وَغَيره يعلم ان الشَّيْخ ابا سُلَيْمَان كَانَ اجل من ان

يَقُول مثل هَذَا الْكَلَام فَإِن الشَّيْخ ابا سُلَيْمَان من اجلاء الْمَشَايِخ وساداتهم وَمن اتبعهم للشريعة حَتَّى انه كَانَ يَقُول انه ليمر بقلبي النُّكْتَة من نكت الْقَوْم فَلَا اقبلها الا بِشَاهِدين الْكتاب وَالسّنة فَمن لَا يقبل نكت قلبه الا بِشَاهِدين يَقُول مثل هَذَا الْكَلَام وَقَالَ الشَّيْخ ابو سُلَيْمَان ايضا لَيْسَ لمن ألهم شَيْئا من الْخَيْر ان يَفْعَله حَتَّى يسمع فِيهِ بأثر فَإِذا سمع فِيهِ بأثر كَانَ نورا على نور بل صَاحبه احْمَد بن ابي الْحوَاري كَانَ من اتبع الْمَشَايِخ للسّنة فَكيف ابو سُلَيْمَان وَتَمام تَزْكِيَة ابي سُلَيْمَان من هَذَا الْكَلَام يظْهر بالْكلَام فِي الْمقَام الثَّانِي وَهُوَ قَول الْقَائِل كَائِنا من كَانَ الرِّضَا ان لَا تسْأَل الله الْجنَّة وَلَا تستعيذه من النَّار ونقدم قبل ذَلِك مُقَدّمَة يتَبَيَّن

بهَا اصل مَا وَقع فِي مثل هَذِه الْكَلِمَات من الِاشْتِبَاه وَالِاضْطِرَاب وَذَلِكَ ان قوما كثيرا من النَّاس من المتفقهة والمتصوفة والمتكلمة وَغَيرهم ظنُّوا ان الْجنَّة لَيست إِلَّا التنعم بالمخلوق من اكل وَشرب ولباس وَنِكَاح وَسَمَاع اصوات طيبَة وشم رَوَائِح طيبَة وَلم يدخلُوا فِي مُسَمّى الْجنَّة نعيما غير ذَلِك ثمَّ صَارُوا حزبين حزبا انكروا ان يكون للعباد نعيم غير تنعمهم بِهَذِهِ الامور المخلوقة واشباهها ثمَّ من هَؤُلَاءِ من انكر ان يكون الْمُؤْمِنُونَ يرَوْنَ رَبهم كَمَا ذهب الى ذَلِك الْجَهْمِية من الْمُعْتَزلَة وَغَيرهم وَمِنْهُم من اقر بِالرُّؤْيَةِ اما الرُّؤْيَة الَّتِي اخبر بهَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَمَا هُوَ مَذْهَب اهل السّنة وَالْجَمَاعَة واما بِرُؤْيَة فَسرهَا بِزِيَادَة كشف اَوْ علم اَوْ جعلهَا بحاسة سادسة وَنَحْو

ذَلِك من الاقوال الَّتِي ذهب اليها ضرار بن عَمْرو وَطَوَائِف من اهل الْكَلَام المنتسبين الى نصر اهل السّنة فِي مَسْأَلَة الرُّؤْيَة وان كَانَ مَا يثبتونه من جنس مَا نفته الْمُعْتَزلَة والضرارية والنزاع بَينهم لَفْظِي ونزاعهم مَعَ اهل السّنة معنوي وَلِهَذَا كَانَ بشر المريسي وامثاله يفسرون الرُّؤْيَة بِنَحْوِ من تَفْسِير هَؤُلَاءِ وَالْمَقْصُود هُنَا ان مثبتة الرُّؤْيَة مِنْهُم من انكر ان يكون الْمُؤمن ينعم بِنَفس رُؤْيَته ربه قَالُوا لِأَنَّهُ لَا مُنَاسبَة بَين الْمُحدث وَالْقَدِيم كَمَا ذكر ذَلِك الاستاذ ابو الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيّ فِي الرسَالَة النظامية وكما ذكره ابو الْوَفَاء بن عقيل فِي بعض كتبه

ونقلوا عَن ابْن عقيل انه سمع قَائِلا يَقُول أَسأَلك لَذَّة النّظر الى وَجهك فَقَالَ يَا هَذَا هَب ان لَهُ وَجها اله وَجه يتلذذ بِالنّظرِ اليه وَذكر ابو الْمَعَالِي ان الله يخلق لَهُم نعيما بِبَعْض الْمَخْلُوقَات مُقَارنًا للرؤية فَأَما التنعم بِنَفس الرُّؤْيَة فَأنكرهُ وَجعل هَذَا من اسرار التَّوْحِيد واكثر مثبتي الرُّؤْيَة يقرونَ بتنعم الْمُؤمنِينَ بِرُؤْيَة رَبهم وَهُوَ مَذْهَب سلف الامة وأئمتها ومشايخ الطَّرِيق

كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَغَيره عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اللَّهُمَّ بعلمك الْغَيْب وبقدرتك على الْخلق احيني مَا كَانَت الْحَيَاة خيرا لي وتوفني اذا كَانَت الْوَفَاة خيرا لي اللَّهُمَّ اني أَسأَلك خشيتك فِي الْغَيْب وَالشَّهَادَة وَأَسْأَلك كلمة الْحق فِي الْغَضَب وَالرِّضَا وَأَسْأَلك الْقَصْد فِي الْفقر والغنى وَأَسْأَلك نعيما لَا ينْفد وقرة عين لَا تَنْقَطِع وَأَسْأَلك الرِّضَا بعد الْقَضَاء وَأَسْأَلك برد الْعَيْش بعد الْمَوْت وَأَسْأَلك لَذَّة النّظر الى وَجهك وَأَسْأَلك الشوق الى لقائك فِي غير ضراء مضرَّة وَلَا فتْنَة مضلة اللَّهُمَّ زينا بزينة الايمان واجعلنا هداة مهتدين وَفِي صَحِيح مُسلم وَغَيره عَن صُهَيْب عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ اذا دخل اهل الْجنَّة الْجنَّة نَاد مُنَاد يَا اهل الْجنَّة ان لكم عِنْد الله موعدا يُرِيد ان ينجزكموه فَيَقُولُونَ مَا هُوَ الم يبيض وُجُوهنَا ويثقل موازيننا ويدخلنا الْجنَّة ويجرنا من النَّار قَالَ

فَيكْشف الْحجاب فَيَنْظُرُونَ اليه فَمَا اعطاهم شَيْئا احب اليهم من النّظر اليه وَكلما كَانَ الشَّيْء احب كَانَت اللَّذَّة بنيله اعظم وَهَذَا مُتَّفق عَلَيْهِ بَين السّلف والائمة ومشايخ الطَّرِيق كَمَا روى عَن الْحسن الْبَصْرِيّ انه قَالَ لَو علم العابدون انهم لَا يرَوْنَ رَبهم فِي الاخرة لذابت نُفُوسهم فِي الدِّينَا شوقا اليه وَكَلَامهم فِي ذَلِك كثير ثمَّ هَؤُلَاءِ الَّذين وافقوا السّلف والائمة والمشايخ على التنعم بِالنّظرِ الى الله تَعَالَى وَتَنَازَعُوا فِي مَسْأَلَة الْمحبَّة الَّتِي هِيَ اصل ذَلِك فَذهب طوائف من الْمُتَكَلِّمين وَالْفُقَهَاء الى ان الله لَا تحب نَفسه وانما الْمحبَّة محبَّة طَاعَته وعبادته وَقَالُوا هُوَ ايضا لَا يحب عباده الْمُؤمنِينَ وانما محبته ارادته للإحسان اليهم ولإثابتهم وَدخل فِي هَذَا القَوْل من انتسب الى نصر السّنة من اهل

الْكَلَام حَتَّى وَقع فِيهِ طَائِفَة من اصحاب مَالك وَالشَّافِعِيّ وَاحْمَدْ كَالْقَاضِي ابي بكر وَالْقَاضِي ابي يعلى وابي الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيّ وامثال هَؤُلَاءِ وَهَذَا فِي الْحَقِيقَة شُعْبَة من التجهم والاعتزال فَإِن اول من انكر الْمحبَّة فِي الاسلام الْجَعْد بن دِرْهَم استاذ الجهم بن صَفْوَان

فضحى بِهِ خَالِد بن عبد الله الْقَسرِي وَقَالَ ايها النَّاس ضحوا تقبل الله ضَحَايَاكُمْ فَإِنِّي مضح بالجعد بن دِرْهَم انه زعم ان الله لم يتَّخذ ابراهيم خَلِيلًا وَلم يكلم مُوسَى تكليما ثمَّ نزل فذبحه وَالَّذِي دلّ عَلَيْهِ الْكتاب وَالسّنة وَاتفقَ عَلَيْهِ سلف الامة وأئمتها وَجَمِيع مَشَايِخ الطَّرِيق ان الله يحب وَيُحب وَلِهَذَا وافقهم على ذَلِك من تصوف من اهل الْكَلَام كَأبي الْقَاسِم الْقشيرِي وابي حَامِد الْغَزالِيّ وامثالهما وَنصر ذَلِك ابو حَامِد فِي الاحياء وَغَيره وَكَذَلِكَ ابو الْقَاسِم ذكر ذَلِك فِي الرسَالَة على طَرِيق الصُّوفِيَّة كَمَا فِي كتاب ابي طَالب الْمَكِّيّ الْمُسَمّى بقوت الْقُلُوب وابو حَامِد مَعَ كَونه تَابع فِي ذَلِك الصُّوفِيَّة اسْتندَ فِي ذَلِك

لما وجده من كتب الفلاسفة من اثبات نَحْو ذَلِك حَيْثُ قَالُوا يعشق ويعشق وَقد بسطت الْكَلَام على هَذِه الْمَسْأَلَة الْعَظِيمَة فِي الْقَوَاعِد الْكِبَار بِمَا لَيْسَ هَذَا مَوْضِعه وَقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿يُحِبهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ سُورَة الْمَائِدَة 54 وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَالَّذين آمنُوا أَشد حبا لله﴾ سُورَة الْبَقَرَة 165 وَقَالَ تَعَالَى ﴿أحب إِلَيْكُم من الله وَرَسُوله﴾ سُورَة التَّوْبَة 24 وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم انه قَالَ ثَلَاث من كن فِيهِ وجد حلاوة الايمان ان يكون الله وَرَسُوله احب اليه مِمَّا سواهُمَا وان يحب الْمَرْء لَا يُحِبهُ الا لله وان يكره ان يرجع فِي الْكفْر بعد ان انقذه الله مِنْهُ كَمَا يكره ان يقذف فِي النَّار

وَالْمَقْصُود هُنَا ان هَؤُلَاءِ المتجهمة من الْمُعْتَزلَة وَمن وافقهم الَّذين يُنكرُونَ حَقِيقَة الْمحبَّة يلْزمهُم ان ينكروا التَّلَذُّذ بِالنّظرِ اليه وَلِهَذَا لَيْسَ فِي الْحَقِيقَة عِنْدهم الا التنعم بِالْأَكْلِ وَالشرب وَنَحْو ذَلِك وَهَذَا القَوْل بَاطِل بِالْكتاب وَالسّنة واتفاق سلف الامة ومشايخها فَهَذَا اُحْدُ الحزبين الغالطين والحزب الثَّانِي طوائف من المتصرفة والمتفقرة والمتنسكة وافقوا هَؤُلَاءِ على ان الْمحبَّة لَيست الا هَذِه الامور الَّتِي يتنعم بهَا الْمَخْلُوق وَلَكِن وافقوا السّلف والائمة على اثبات رُؤْيَة الله والتنعم بِالنّظرِ اليه واصابوا فِي ذَلِك وصاروا يطْلبُونَ هَذَا النَّعيم وتسمو همتهم اليه وَيَخَافُونَ فَوَاته وَصَارَ احدهم يَقُول مَا عبدتك شوقا الى جنتك وَلَا خوفًا من نارك وَلَكِن

فصول الكتاب · 25 فصل · 469 صفحة
فصول الاستقامة · 469 صفحة
مقدمة الكتابفصل الرأى الْمُحدث فِي الْأُصُول وَهُوَ الْكَلَام الْمُحدث وَفِي الْفُرُوع وَهُوَ الرأىفصل فِيمَا اخْتلف فِيهِ الْمُؤْمِنُونَ من الْأَقْوَال والافعال فِي الْأُصُول وَالْفُرُوعفصل مُهِمّ عَظِيم الْقدر فِي هَذَا الْبَاب وَذَلِكَ أَن طوائف كَبِيرَة من أهلفصل وَكَذَلِكَ لفظ الْحَرَكَة أثْبته طوائف من أهل السّنة والْحَدِيث وَهُوَ الَّذِي ذكرهفصل وَقد اعْترف أَكثر أَئِمَّة أهل الْكَلَام والفلسفة من الْأَوَّلين والآخرين بِأَن
فصل فِيمَا ذكره الشَّيْخ أَبُو الْقَاسِم القشيرى فِي رسَالَته الْمَشْهُورَة من اعْتِقَاد
فصل قَالَ أَبُو الْقَاسِم وَقَالَ ابْن عَطاء لما خلق الله الأحرف جعلهَا سرا فَلَمَّافصل فِي الحَدِيث الَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن جوَيْرِية أم الْمُؤمنِينَ لما خرج النَّبِي
فصل يتَعَلَّق بِالسَّمَاعِ قَالَ أَبُو الْقَاسِم الْقشيرِي فِي بَاب السماع قَالَ الله
فصل فِي محبَّة الْجمال
فصل وَمن اسباب ذَلِك مَا وَقع من الاشراك فِي لفظ الْغيرَة فِي كَلَام الْمَشَايِخ
فصل فِيمَا ذكره الاستاذ ابو الْقَاسِم الْقشيرِي فِي بَاب الرِّضَا عَن الشَّيْخ ابي
فصل فِي السكر واسبابه وَأَحْكَامهفصل وَمن أقوى الْأَسْبَاب الْمُقْتَضِيَة للسكر سَماع الْأَصْوَات المريبة من وَجْهَيْن منفصل اذا تبين هَذَا فَاعْلَم ان اللَّذَّة وَالسُّرُور امْر مَطْلُوب بل هُوَ مَقْصُودفصل واذا كَانَت اللَّذَّة مَطْلُوبَة لنَفسهَا فَهِيَ انما تذم اذا اعقبت الما اعظمفصل فَإِذا تبين ان السكر مؤلف من امرين وجودي وَهُوَ اللَّذَّة وعدمي وَهُوَ عدمفصل فَإِذا تبين أَن جنس عدم الْعقل وَالْفِقْه لَا يحمد بِحَال فِي الشَّرْع بلفصل فَهَكَذَا زَوَال الْعقل بالسكر هُوَ من نوع زَوَاله بالإغماء وَالْجُنُون وَنَحْوفصل فقد تبين ان اُحْدُ وصفي السكر مَنْفَعَة فِي الاصل وَالْوَصْف الاخر اثم كَمَافصل قَالَ الله تَعَالَى لما اهبط آدم وَمن مَعَه الى الارض
فصل فِي الامر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر
فصل واذا كَانَت جَمِيع الْحَسَنَات لَا بُد فِيهَا من شَيْئَيْنِ ان يُرَاد بهَافصل فِي الْإِكْرَاه وَمَا يتَعَلَّق بِهِ
عن المتن
الاستقامة
تأليف ابن تيمية
الأولى، 1403
تقدّمك في الكتاب: صفحات 65-104 — 22 من 37
جارٍ التحميل