17 - الى قَوْله ﴿إِن فِي ذَلِك لعبرة لمن يخْشَى﴾ سُورَة النازعات 26 ثمَّ ذكر المبدأ اَوْ الْمعَاد مفصلا فَقَالَ ﴿أأنتم أَشد خلقا أم السَّمَاء بناها﴾ الى قَوْله ﴿فَإِذا جَاءَت الطامة الْكُبْرَى﴾ سُورَة النازعات 34 الى قَوْله تَعَالَى فَأَما من طَغى وآثر الْحَيَاة الدُّنْيَا فَإِن الْجَحِيم هِيَ المأوى وَأما من خَافَ مقَام ربه وَنهى النَّفس عَن الْهوى فَإِن الْجنَّة هِيَ المأوى سُورَة النازعات 37 41 الى آخر السُّورَة وَكَذَلِكَ فِي المزمل ذكر قَوْله وذرنى والمكذبين اولى النِّعْمَة ومهلهم قَلِيلا ان لدينا انكالا وَجَحِيمًا سُورَة المزمل 11 12 الى قَوْله ﴿فأخذناه أخذا وبيلا﴾ سُورَة المزمل 16 وَكَذَلِكَ فِي سُورَة الحاقة ذكر قصَص الامم كثمود وَعَاد وَفرْعَوْن ثمَّ قَالَ تَعَالَى ﴿فَإِذا نفخ فِي الصُّور نفخة وَاحِدَة﴾
﴿وحملت الأَرْض وَالْجِبَال فدكتا دكة وَاحِدَة﴾ سُورَة الحاقة 13 14 الى تَمام مَا ذكره من امْر الْجنَّة وَالنَّار وَكَذَلِكَ فِي سُورَة ن والقلم ذكر قصَّة اهل الْبُسْتَان الَّذين منعُوا حق اموالهم وَمَا عاقبهم بِهِ ثمَّ قَالَ ﴿كَذَلِك الْعَذَاب ولعذاب الْآخِرَة أكبر لَو كَانُوا يعلمُونَ﴾ سُورَة الْقَلَم 33 وَكَذَلِكَ فِي سُورَة التغابن قَالَ ألم يأتكم نبأ الَّذين كفرُوا من قبل فذاقوا وبال امرهم وَلَهُم عَذَاب اليم ذَلِك بِأَنَّهُ كَانَت تأتيهم رسلهم بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا اُبْشُرْ يهدوننا فَكَفرُوا وتولوا وَاسْتغْنى الله وَالله غَنِي حميد سُورَة التغابن 5 6 ثمَّ قَالَ ﴿زعم الَّذين كفرُوا أَن لن يبعثوا قل بلَى وربي لتبعثن﴾ سُورَة التغابن 7 وَكَذَلِكَ فِي سُورَة ق ذكر حَال الْمُخَالفين للرسل وَذكر الْوَعْد والوعيد فِي الاخرة وَكَذَلِكَ فِي سُورَة الْقَمَر ذكر هَذَا وَهَذَا وَكَذَلِكَ فِي ال حم مثل حم غَافِر والسجدة والزخرف وَالدُّخَان غير ذَلِك الى
غير ذَلِك مِمَّا لَا يُحْصى فَإِن التَّوْحِيد والوعد والوعيد من اول مَا انْزِلْ كَمَا فِي صَحِيح البُخَارِيّ عَن يُوسُف بن مَاهك قَالَ اني عِنْد عَائِشَة ام الْمُؤمنِينَ رَضِي الله عَنْهَا اذا جاءها عراقي فَقَالَ أَي الْكَفَن خير قَالَت وَيحك وَمَا يَضرك قَالَ يَا ام الْمُؤمنِينَ اريني مصحفك قَالَت لم قَالَ لعَلي أؤلف الْقُرْآن عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يقْرَأ غير مؤلف قَالَت وَمَا يَضرك ايه قَرَأت قبل انما نزل اول مَا نزل مِنْهُ سُورَة من الْمفصل فِيهَا ذكر الْجنَّة وَالنَّار حَتَّى اذا ثاب النَّاس الى الاسلام نزل الْحَلَال وَالْحرَام وَلَو نزل اول شَيْء لَا تشْربُوا الْخمر لقالوا لَا نَدع الْخمر ابدا وَلَو نزل لَا تَزْنُوا لقالوا لَا نَدع الزِّنَا ابدا لقد نزل بِمَكَّة على مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم واني لجارية العب ﴿بل السَّاعَة موعدهم والساعة أدهى﴾
﴿وَأمر﴾ سُورَة الْقَمَر 46 وَمَا نزلت سُورَة الْبَقَرَة وَالنِّسَاء الا وانا عِنْده قَالَ فأخرجت لَهُ الْمُصحف فَأَمْلَتْ عَلَيْهِ آي السُّور واذا كَانَ الْكفْر والفسوق والعصيان سَبَب الشَّرّ والعدوان فقد ينْدب الرجل أَو الطَّائِفَة ويسكت أخرون عَن الامر وَالنَّهْي فَيكون ذَلِك من ذنوبهم وينكر عَلَيْهِم اخرون انكارا مَنْهِيّا عَنهُ فَيكون ذَلِك من ذنوبهم فَيحصل التَّفَرُّق وَالِاخْتِلَاف وَالشَّر وَهَذَا من اعظم الْفِتَن والشرور قَدِيما وحديثا اذ الانسان ظلوم جهول وَالظُّلم وَالْجهل انواع فَيكون ظلم الاول وجهله من نوع وظلم كل من الثَّانِي وَالثَّالِث وجهلهما من نوع اخر واخر وَمن تدبر الْفِتَن الْوَاقِعَة رأى سَببهَا ذَلِك وَرَأى ان مَا وَقع بَين امراء الْأمة وعلمائها وَمن دخل فِي ذَلِك من مُلُوكهَا ومشايخها وَمن تَبِعَهُمْ من الْعَامَّة من الْفِتَن هَذَا اصلها
يدْخل فِي ذَلِك اسباب الضلال والغي الَّتِي هِيَ الاهواء الدِّينِيَّة والشهوانية وَهِي الْبدع فِي الدّين والفجور فِي الدُّنْيَا وَذَلِكَ ان اسباب الضلال والغي الَّتِي هِيَ الْبدع فِي الدّين والفجور فِي الدُّنْيَا مُشْتَركَة تعم بني آدم لما فيهم من الظُّلم وَالْجهل فبذنب بعض النَّاس يظلم نَفسه وَغَيره بِفعل الزِّنَا اَوْ التلوط اَوْ غَيره اَوْ بِشرب خمر اَوْ ظلم فِي المَال بِجِنَايَة اَوْ سَرقَة اَوْ غصب وَنَحْو ذَلِك وَمَعْلُوم ان هَذِه الْمعاصِي وان كَانَت مستقبحة مذمومة فِي الْعقل وَالدّين فَهِيَ مشتهاة فِي الطباع ايضا وَمن شَأْن النُّفُوس انها لَا تحب اخْتِصَاص غَيرهَا بِشَيْء وزيادته عَلَيْهَا لَكِن تُرِيدُ
ان يحصل لَهَا مَا حصل لَهُ وَهَذَا هُوَ الْغِبْطَة الَّتِي هِيَ ادنى نَوْعي الْحَسَد فَهِيَ تُرِيدُ الاستعلاء على الْغَيْر والاستئثار دونه اَوْ تحسده وتتمنى زَوَال النِّعْمَة عَنهُ وان لم يحصل فَفِيهَا من إِرَادَة الْعُلُوّ وَالْفساد والاستكبار والحسد مَا مُقْتَضَاهُ انها تخْتَص عَن غَيرهَا بالشهوات فَكيف اذا رَأَتْ الْغَيْر قد اسْتَأْثر عَلَيْهَا بذلك واختص بهَا دونهَا فالمعتدل مِنْهُم فِي ذَلِك الَّذِي يحب الِاشْتِرَاك والتساوي واما الاخر فظلوم حسود وَهَذَانِ يقعان فِي الامور الْمُبَاحَة والامور الْمُحرمَة لحق الله فَمَا كَانَ جنسه مُبَاحا من اكل وَشرب وَنِكَاح ولباس وركوب واموال اذا وَقع فِيهَا الِاخْتِصَاص حصل بِسَبَبِهِ الظُّلم وَالْبخل والحسد واصلها الشُّح كَمَا فِي الصَّحِيح عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم انه قَالَ إيَّاكُمْ وَالشح فان الشُّح اهلك من كَانَ قبلكُمْ امرهم بالبخل فبخلوا وامرهم بالظلم فظلموا وامرهم بالقطيعة فَقطعُوا
وَلِهَذَا قَالَ الله تَعَالَى فِي وصف الانصار وَالَّذين تبوأوا الدَّار والايمان من قبلهم أَي من قبل الْمُهَاجِرين ﴿وَلَا يَجدونَ فِي صُدُورهمْ حَاجَة مِمَّا أُوتُوا﴾ سُورَة الْحَشْر 9 أَي لَا يَجدونَ الْحَسَد مِمَّا اوتي اخوانهم من الْمُهَاجِرين ﴿ويؤثرون على أنفسهم وَلَو كَانَ بهم خصَاصَة﴾ سُورَة الْحَشْر 9 ثمَّ قَالَ ﴿وَمن يُوقَ شح نَفسه فَأُولَئِك هم المفلحون﴾ سُورَة التغابن 16 ورؤى عبد الرَّحْمَن بن عَوْف يطوف بِالْبَيْتِ وَيَقُول رب قنى شح نَفسِي رب قني شح نَفسِي رب قنى شح نَفسِي فَقيل لَهُ فِي ذَلِك فَقَالَ اذا وقيت شح نَفسِي فقد وقيت الْبُخْل وَالظُّلم والقطيعة اَوْ كَمَا قَالَ فَهَذَا الشُّح الَّذِي هُوَ شدَّة حرص النَّفس يُوجب الْبُخْل بِمَنْع
مَا هُوَ عَلَيْهِ وَالظُّلم بِأخذ مَال الْغَيْر وَيُوجب قطيعة الرَّحِم وَيُوجب الْحَسَد وَهُوَ كَرَاهَة مَا اخْتصَّ بِهِ الْغَيْر وَتمنى زَوَاله والحسد فِيهِ بخل وظلم فانه بخل بِمَا اعطيه عَن غَيره وظلمه بِطَلَب زَوَال ذَلِك عَنهُ فَإِذا كَانَ هَذَا فِي جنس الشَّهَوَات الْمُبَاحَة فَكيف بالمحرمة كَالزِّنَا وَشرب الْخمر وَنَحْو ذَلِك واذا وَقع فِيهَا اخْتِصَاص فَإِنَّهُ يصير فِيهَا نَوْعَانِ أَحدهمَا احدهما بغضها لما فِي ذَلِك من الِاخْتِصَاص وَالظُّلم كَمَا يَقع فِي الامور الْمُبَاحَة الْجِنْس أَحدهمَا وَالثَّانِي بغضها لما فِي ذَلِك من حق الله وَلِهَذَا كَانَت الذُّنُوب ثَلَاثَة أَقسَام احدها مَا فِيهِ ظلم للنَّاس كالظلم بِأخذ الْأَمْوَال وَمنع
الْحُقُوق والحسد وَنَحْو ذَلِك وَالثَّانِي مَا فِيهِ ظلم للنَّفس فَقَط كشرب الْخمر وَالزِّنَا اذا لم يَتَعَدَّ ضررهما وَالثَّالِث مَا يجْتَمع فِيهِ الْأَمْرَانِ مثل ان يَأْخُذ المتولى أَمْوَال النَّاس يزنى بهَا وَيشْرب بهَا الْخمر وَمثل ان يَزْنِي بِمن يرفعهُ على النَّاس بذلك السَّبَب ويضرهم كَمَا يَقع مِمَّن يحب بعض النِّسَاء وَالصبيان وَقد قَالَ الله تَعَالَى قل انما حرم رَبِّي الْفَوَاحِش مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن والاثم وَالْبَغي بِغَيْر الْحق وان تُشْرِكُوا بِاللَّه مَا لم ينزل بِهِ سُلْطَانا وان تَقولُوا على الله مَالا تعلمُونَ سُورَة الاعراف 33 وامور النَّاس انما تستقيم فِي الدُّنْيَا مَعَ الْعدْل الَّذِي قد
يكون فِيهِ الِاشْتِرَاك فِي بعض انواع الْإِثْم اكثر مِمَّا تستقيم مَعَ الظُّلم فِي الْحُقُوق وان لم يشْتَرك فِي اثم وَلِهَذَا قيل ان الله يُقيم الدولة العادلة وان كَانَت كَافِرَة وَلَا يُقيم الظالمة وان كَانَت مسلمة وَيُقَال الدُّنْيَا تدوم مَعَ الْعدْل وَالْكفْر وَلَا تدوم مَعَ الظُّلم والاسلام وَقد قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَيْسَ ذَنْب اسرع عُقُوبَة من الْبَغي وَقَطِيعَة الرَّحِم فالباغي يصرع فِي الدُّنْيَا وان كَانَ مغفورا لَهُ مرحوما فِي الاخرة وَذَلِكَ ان الْعدْل نظام كل شَيْء فَإِذا اقيم امْر الدُّنْيَا بِالْعَدْلِ قَامَت وَإِن لم يكن لصَاحِبهَا فِي الأخرة من خلاق
وَمَتى لم تقم بِالْعَدْلِ لم تقم وان كَانَ لصَاحِبهَا من الايمان مَا يَجْزِي بِهِ فِي الاخرة فَالنَّفْس فِيهَا دَاعِي الظُّلم لغَيْرهَا بالعلو عَلَيْهِ الْحَسَد لَهُ والتعدي عَلَيْهِ فِي حَقه وفيهَا دَاعِي الظُّلم لنَفسهَا بتناول الشَّهَوَات القبيحة كَالزِّنَا وَأكل الْخَبَائِث فَهِيَ قد تظلم من لَا يظلمها وتؤثر هَذِه الشَّهَوَات وان لم يَفْعَلهَا غَيرهَا فَإِذا رَأَتْ نظراءها قد ظلمُوا اَوْ تناولوا هَذِه الشَّهَوَات صَار دَاعِي هَذِه الشَّهَوَات اَوْ الظُّلم فِيهَا اعظم بِكَثِير وَقد تصبر ويهيج ذَلِك لَهَا من بغض ذَلِك الْغَيْر وحسده وَطلب عِقَابه وَزَوَال الْخَيْر عَنهُ مَا لم يكن فِيهَا قبل ذَلِك وَلها حجَّة عِنْد نَفسهَا من جِهَة الْعقل وَالدّين بِكَوْن ذَلِك الْغَيْر قد ظلم نَفسه وَالْمُسْلِمين وان امْرَهْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيه عَن الْمُنكر وَاجِب وَالْجهَاد على ذَلِك من الدّين
وَالنَّاس هُنَا ثَلَاثَة اقسام قوم لَا يقومُونَ إِلَّا فِي اهواء نُفُوسهم فَلَا يرضون الا بِمَا يعطونه وَلَا يغضبون الا لما يحرمونه فَإِذا اعطى احدهم مَا يشتهيه من الشَّهَوَات الْحَلَال اَوْ الْحَرَام زَالَ غَضَبه وَحصل رِضَاهُ وَصَارَ الْأَمر الَّذِي كَانَ عِنْده مُنْكرا ينْهَى عَنهُ ويعاقب عَلَيْهِ ويذم صَاحبه ويغضب عَلَيْهِ مرضيا عَنهُ وَصَارَ فَاعِلا لَهُ وشريكا فِيهِ ومعاونا عَلَيْهِ ومعاديا لمن ينْهَى عَنهُ وينكر عَلَيْهِ وَهَذَا غَالب فِي بني آدم يرى الانسان وَيسمع من ذَلِك مَا لَا يُحْصِيه الا الله وَسَببه ان الانسان ظلوم جهول فَلذَلِك لَا يعدل بل رُبمَا كَانَ ظَالِما فِي الْحَالين يرى قوما يُنكرُونَ على المتولى ظلمه لرعيته واعتداءه عَلَيْهِم فيرضى اولئك
المنكرين بِبَعْض الشَّيْء من منصب اَوْ مَال فينقلبون اعوانا لَهُ واحسن احوالهم ان يسكنوا عَن الانكار عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ تراهم يُنكرُونَ على من يشرب الْخمر ويزني وَيسمع الملاهي حَتَّى يدخلُوا احدهم مَعَهم فِي ذَلِك اَوْ يرضوه بِبَعْض ذَلِك فتراه حِينَئِذٍ قد صَار عونا لَهُم وَهَؤُلَاء قد يعودون بإنكارهم الى اقبح من الْحَال الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا وَقد يعودون الى مَا هُوَ دون ذَلِك اَوْ نَظِيره وَقوم يقومُونَ قومه ديانَة صَحِيحَة يكونُونَ فِي ذَلِك مُخلصين لله مصلحين فِيمَا عملوه ويستقيم لَهُم ذَلِك حَتَّى يصبروا على مَا اوذوا فَهَؤُلَاءِ هم الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات وهم من خير امة اخرجت للنَّاس يأمرون بِالْمَعْرُوفِ وَينْهَوْنَ عَن الْمُنكر ويؤمنون بِاللَّه
وَقوم يجْتَمع فيهم هَذَا وَهَذَا وهم غَالب الْمُؤمنِينَ فَمن فِيهِ دين وَله شَهْوَة تَجْتَمِع فِي قُلُوبهم ارادة الطَّاعَة وارادة الْمعْصِيَة وَرُبمَا غلب هَذَا تَارَة وَهَذَا تَارَة وَهَذِه الْقِسْمَة الثلاثية كَمَا قيل الانفس ثَلَاث امارة ومطمئنة ولوامة فالأولون هم اهل الانفس الامارة الَّتِي تَأْمُرهُمْ بالسوء والأوسطون هم اهل النُّفُوس المطمئنة الَّتِي قيل فِيهَا يَا أيتها النَّفس المطمئنة ارجعي الي رَبك راضية مرضية فادخلي فِي عبَادي وادخلي جنتي سُورَة الْفجْر 27 30 والاخرون هم اهل النُّفُوس اللوامة الَّتِي تفعل الذَّنب ثمَّ تلوم عَلَيْهِ وتتلوم تَارَة كَذَا وَتارَة كَذَا اَوْ تخلط عملا صَالحا وَأخر سَيِّئًا وَهَؤُلَاء يُرْجَى ان يَتُوب عَلَيْهِم اذا اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ كَمَا
قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خلطوا عملا صَالحا وَآخر سَيِّئًا عَسى الله أَن يَتُوب عَلَيْهِم إِن الله غَفُور رَحِيم﴾ سُورَة التَّوْبَة 102 وَلِهَذَا لما كَانَ النَّاس فِي زمن ابي بكر وَعمر اللَّذين امْر الْمُسلمُونَ بالاقتداء بهما كَمَا قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اقتدوا باللذين من بعدِي ابي بكر وَعمر اقْربْ عهدا بالرسالة وَأعظم ايمانا وصلاحا وأئمتهم اقوم بِالْوَاجِبِ واثبت فِي الطُّمَأْنِينَة لم تقع فتْنَة اذ كَانُوا فِي حكم الْقسم الْوسط وَلما كَانَ فِي اخر خلَافَة عُثْمَان فِي خلَافَة على رَضِي الله
عَنْهُمَا كثر الْقسم الثَّالِث فَصَارَ فيهم شَهْوَة وشبهة مَعَ الايمان وَالدّين وَصَارَ ذَلِك فِي بعض الْوُلَاة وَبَعض الرعايا ثمَّ كثر ذَلِك بعد فَنَشَأَتْ الْفِتْنَة الَّتِي سَببهَا مَا تقدم من عدم تمحيص التَّقْوَى وَالطَّاعَة فِي الطَّرفَيْنِ واختلاطما بِنَوْع من الْهوى والعصبية فِي الطكرفين وكل مِنْهُمَا متأول أَنه يَأْمر بِالْمَعْرُوفِ وَينْهى عَن الْمُنكر وان مَعَه الْحق وَالْعدْل وَمَعَ هَذَا التَّأْوِيل نوع من الْهوى فَفِيهِ نوع من الظَّن وَمَا تهوى الانفس وان كَانَت احدى الطَّائِفَتَيْنِ اولى بِالْحَقِّ من الاخرى فَلهَذَا يجب على الْمُؤمن ان يَسْتَعِين بِاللَّه ويتوكل عَلَيْهِ فِي ان يُقيم قلبه وَلَا يزيغه ويثبته على الْهدى وَالتَّقوى وَلَا يتبع الْهوى كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿فَلذَلِك فَادع واستقم كَمَا أمرت وَلَا تتبع أهواءهم وَقل آمَنت بِمَا أنزل الله من كتاب وَأمرت لأعدل بَيْنكُم﴾
﴿الله رَبنَا وربكم﴾ سُورَة الشورى 15 وَهَذَا ايضا حَال الامة فِيمَا تَفَرَّقت فِيهِ وَاخْتلفت فِي المقالات والعبادات وَهَذِه الامور مِمَّا تعظم بهَا المحنة على الْمُؤمنِينَ فَإِنَّهُم يَحْتَاجُونَ الى شَيْئَيْنِ الى دفع الْفِتْنَة الَّتِي ابتلى بهَا نظراؤهم من فتْنَة الدّين وَالدُّنْيَا عَن نُفُوسهم مَعَ قيام الْمُقْتَضى لَهَا فَإِن مَعَهم نفوسا وشياطين كَمَا مَعَ غَيرهم فَمَعَ وجود ذَلِك من نظرائهم يقوى الْمُقْتَضى عِنْدهم كَمَا هُوَ الْوَاقِع فيقوى الدَّاعِي الَّذِي فِي نفس الانسان وشيطانه ودواعي الْخَيْر كَذَلِك وَمَا يحصل من الدَّاعِي بِفعل الْغَيْر والنظير فكم من النَّاس لم يرد خيرا وَلَا شرا حَتَّى رأى غَيره
لَا سِيمَا ان كَانَ نَظِيره يَفْعَله فَفعله فَإِن النَّاس كأسراب القطا مجبولون على تشبه بَعضهم بِبَعْض وَلِهَذَا كَانَ الْمُبْتَدِئ بِالْخَيرِ وبالشر لَهُ مثل من تبعه من الاجر والوزر كَمَا قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من سنّ سنة حَسَنَة فَلهُ اجرها واجر من عمل بهَا الى يَوْم الْقِيَامَة من غير ان ينقص من اجورهم شَيْئا وَمن سنة سَيِّئَة فَعَلَيهِ وزرها ووزر من عمل بهَا الى يَوْم الْقِيَامَة من غير ان ينقص من اوزارهم شَيْئا وَذَلِكَ لاشتراكهم فِي الْحَقِيقَة وان حكم الشَّيْء حكم نَظِيره وشبيه الشَّيْء منجذب اليه فَإِذا كَانَ هَذَانِ داعيين قويين فَكيف اذا انْضَمَّ اليهما داعيان اخران
وَذَلِكَ ان كثيرا من اهل الْمُنكر يحبونَ من يوافقهم على مَا هم فِيهِ ويبغضون من لَا يوافقهم وَهَذَا ظَاهر فِي الديانَات الْفَاسِدَة من مُوالَاة كل قوم لموافقيهم ومعاداتهم لمخالفيهم وَكَذَلِكَ فِي امور الدُّنْيَا والشهوات كثيرا مَا يخْتَار اهلها ويؤثرون من يشاركهم فِي امورهم وشهواتهم اما للمعاونة على ذَلِك كَمَا فِي المتغلبين من اهل الرياسات وقطاع الطَّرِيق وَنَحْو ذَلِك واما لتلذذهم بالموافقة كَمَا فِي المجتمعين على شرب الْخمر مثلا فَإِنَّهُم يحبونَ ان يشرب كل من حضر عِنْدهم واما لكراهتهم امتيازه عَنْهُم بِالْخَيرِ اما حسدا لَهُ على ذَلِك وَمَا لِئَلَّا يَعْلُو عَلَيْهِم بذلك ويحمد دونهم وَإِمَّا لِئَلَّا يكون لَهُ عَلَيْهِم حجَّة وَإِمَّا لخوفهم من معاقبته لَهُم بِنَفسِهِ اَوْ بِمن يرفع ذَلِك اليهم وَلِئَلَّا
يَكُونُوا تَحت منته وحظره وَنَحْو ذَلِك من الاسباب قَالَ الله تَعَالَى ﴿ود كثير من أهل الْكتاب لَو يردونكم من بعد إيمَانكُمْ كفَّارًا حسدا من عِنْد أنفسهم من بعد مَا تبين لَهُم الْحق﴾ سُورَة الْبَقَرَة 109 وَقَالَ تَعَالَى فِي الْمُنَافِقين ﴿ودوا لَو تكفرون كَمَا كفرُوا فتكونون سَوَاء﴾ سُورَة النِّسَاء 89 وَقَالَ عُثْمَان بن عَفَّان رَضِي الله عَنهُ ودت الزَّانِيَة لَو زنى النِّسَاء كُلهنَّ والمشاركة قد يختارونها فِي نفس الْفُجُور كالاشتراك فِي شرب الْخمر وَالْكذب والاعتقاد الْفَاسِد وَقد يختارونها فِي النَّوْع الثَّانِي كالزاني الَّذِي يود ان غَيره يَزْنِي اَوْ السَّارِق الَّذِي يود ان غَيره يسرق لَكِن فِي غير الْعين الَّتِي زنى بهَا اَوْ سَرَقهَا وَأما الدَّاعِي الثَّانِي فقد يأمرون الشَّخْص بمشاركتهم فِيمَا هم
عَلَيْهِ من الْمُنكر فَإِن شاركهم والا عادوه وآذوه على وَجه قد يَنْتَهِي الى حد الاكراه اَوْ لَا يَنْتَهِي الى حد الاكراه ثمَّ ان هَؤُلَاءِ الَّذين يختارون مُشَاركَة الْغَيْر لَهُم فِي قَبِيح فعلهم اَوْ يأمرونه بذلك ويستعينون بِهِ على مَا يريدونه مَتى شاركهم وعاونهم واطاعهم انتقصوه واستخفوا بِهِ وَجعلُوا ذَلِك حجَّة عَلَيْهِ فِي امور اخرى وان لم يشاركهم عادوه وآذوه وَهَذِه حَال غَالب الظَّالِمين القادرين وَهَذَا الْمَوْجُود فِي الْمُنكر مَوْجُود نَظِيره فِي الْمَعْرُوف وابلغ مِنْهُ كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَالَّذين آمنُوا أَشد حبا لله﴾ سُورَة الْبَقَرَة 165 فَإِن دَاعِي الْخَيْر اقوى فَإِن الانسان فِيهِ دَاع يَدعُوهُ الى الايمان وَالْعلم الصدْق وَالْعدْل واداء الامانة فاذا وجد من يعْمل مثل ذَلِك صَار لَهُ دَاع اخر لَا سِيمَا اذا كَانَ نَظِيره لَا سِيمَا مَعَ المنافسة وَهَذَا مَحْمُود حسن فَإِن وجد من يحب مُوَافَقَته على ذَلِك ومشاركته لَهُ من الْمُؤمنِينَ وَالصَّالِحِينَ وَمن يبغضه اذا لم يفعل
ذَلِك صَار لَهُ دَاع ثَالِث فَإِذا امروه بذلك ووالوه على ذَلِك وعادوه وعاقبوه على تَركه صَار لَهُ دَاع رَابِع وَلِهَذَا يُؤمر الْمُؤْمِنُونَ ان يقابلوا السَّيِّئَات بضدها من الْحَسَنَات كَمَا يُقَابل الطَّبِيب الْمَرَض بضده فَيُؤْمَر الْمُؤمن بِأَن يصلح نَفسه وَذَلِكَ بشيئين بِفعل الْحَسَنَات وبترك السَّيِّئَات وَهَذِه اربعة انواع وَيُؤمر ايضا بإصلاح غَيره بِهَذِهِ الانواع الاربعة بِحَسب قدرته وامكانه قَالَ تَعَالَى وَالْعصر ان الانسان لفي خسر الا الَّذين امنوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصبرِ سُورَة الْعَصْر 1 3 وروى عَن الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ انه قَالَ لَو فكر النَّاس كلهم فِي سُورَة الْعَصْر لكفتهم وَهُوَ كَمَا قَالَ
فَإِن الله تَعَالَى اخبر فِيهَا ان جَمِيع النَّاس خاسرون الا من كَانَ فِي نَفسه مُؤمنا صَالحا وَمَعَ غَيره موصيا بِالْحَقِّ موصيا بِالصبرِ واذا عظمت المحنة كَانَ ذَلِك لِلْمُؤمنِ الصَّالح سَببا لعلو الدرجَة وعظيم الاجر كَمَا سُئِلَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اي النَّاس اشد بلَاء قَالَ الانبياء ثمَّ الصالحون ثمَّ الامثل فالأمثل يبتلى الرجل على حسب دينه فَإِن كَانَ فِي دينه صلابة زيد فِي بلائه وان كَانَ فِي دينه رقة خفف عَنهُ وَمَا يزَال الْبلَاء بِالْمُؤمنِ حَتَّى يمشي على وَجه الارض وَلَيْسَ عَلَيْهِ خَطِيئَة وَحِينَئِذٍ فَيحْتَاج من الصَّبْر الى مَا لَا يحْتَاج اليه غَيره وَذَلِكَ هُوَ سَبَب
الامامة فِي الدّين كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَجَعَلنَا مِنْهُم أَئِمَّة يهْدُونَ بأمرنا لما صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يوقنون﴾ سُورَة السَّجْدَة 24 فَلَا بُد من الصَّبْر على فعل الْحسن الْمَأْمُور وَترك السيء الْمَحْظُور وَيدخل فِي ذَلِك الصَّبْر على الاذى وعَلى مَا يُقَال وَالصَّبْر على مَا يُصِيبهُ من المكاره وَالصَّبْر عَن البطر عِنْد النعم وَغير ذَلِك من انواع الصَّبْر وَلَا يُمكن العَبْد ان يصبر ان لم يكن لَهُ مَا يطمئن لَهُ ويتنعم بِهِ ويغتذى بِهِ وَهُوَ الْيَقِين كَمَا فِي الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ ابو بكر الصّديق رَضِي الله عَنهُ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم انه قَالَ يَا ايها النَّاس سلوا الله الْيَقِين والعافية فانه لم يُعْط اُحْدُ بعد الْيَقِين خيرا من الْعَافِيَة فسلوهما الله
وَكَذَلِكَ اذا امْر غَيره بِحسن اَوْ احب مُوَافَقَته لَهُ على ذَلِك اَوْ نهى غَيره عَن شَيْء فَيحْتَاج ان يحسن الى ذَلِك الْغَيْر إحسانا يحصل بِهِ مَقْصُود من حُصُول المحبوب واندفاع الْمَكْرُوه فَإِن النُّفُوس لَا تصبر على المر الا بِنَوْع من الحلو لَا يُمكن غير ذَلِك وَلِهَذَا امْر الله تَعَالَى بتأليف الْقُلُوب حَتَّى جعل للمؤلفة قُلُوبهم نَصِيبا فِي الصَّدقَات وَقَالَ تَعَالَى لنَبيه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ﴿خُذ الْعَفو وَأمر بِالْعرْفِ وَأعْرض عَن الْجَاهِلين﴾ سُورَة الاعراف 199 وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصبرِ وَتَوَاصَوْا بالمرحمة﴾ سُورَة الْبَلَد 17 فَلَا بُد ان يصبر وان يرحم وَهَذَا هُوَ الشجَاعَة وَالْكَرم وَلِهَذَا يقرن الله تَعَالَى بَين الصَّلَاة وَالزَّكَاة تَارَة وَهِي
الاحسان الى الْخلق وَبَينهَا وَبَين الصَّبْر تَارَة وَلَا بُد من الثَّلَاثَة الصَّلَاة وَالزَّكَاة وَالصَّبْر لَا تقوم مصلحَة الْمُؤمنِينَ الا بذلك فِي صَلَاح نُفُوسهم واصلاح غَيرهم لَا سِيمَا كلما قويت الْفِتْنَة والمحنة فَإِن الْحَاجة الى ذَلِك تكون اشد فالحاجة الى السماحة وَالصَّبْر عَامَّة لجَمِيع بنى آدم لَا تقوم مصلحَة دينهم وَلَا ديناهم الا بهما وَلِهَذَا فَإِن جَمِيعهم يتمادحون بالشجاعة وَالْكَرم حَتَّى ان ذَلِك عَامَّة مَا يمدح بِهِ الشُّعَرَاء ممدوحيهم فس شعرهم وَكَذَلِكَ يتذامون بالبخل والجبن والقضايا الَّتِي يتَّفق عَلَيْهَا عقلاء بني آدم لَا تكون الا حَقًا كاتفاقهم على مدح الصدْق وَالْعدْل وذم الْكَذِب وَالظُّلم وَقد قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما سَأَلَهُ الاعراب
حَتَّى اضطروه الى سَمُرَة فتعلقت بردائه فَالْتَفت اليهم وَقَالَ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَو ان عِنْدِي عدد هَذِه الْعضَاة نعما لقسمته عَلَيْكُم ثمَّ لَا تجدوني بَخِيلًا وَلَا جَبَانًا وَلَا كذوبا وَلَكِن يتنوع ذَلِك بتنوع الْمَقَاصِد وَالصِّفَات فَإِنَّمَا الاعمال بِالنِّيَّاتِ وانما لكل امْرِئ من نوى وَلِهَذَا جَاءَ الْكتاب وَالسّنة بذم الْبُخْل والجبن ومدح الشجَاعَة والسماحة فِي سَبِيل الله دون مَا لَيْسَ فِي سَبيله فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم شَرّ مَا فِي الْمَرْء شح هَالِع
وَجبن خَالع وَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من سيدكم يَا بني سَلمَة فَقَالُوا الْجد بن قيس على انا نزنه بالبخل فَقَالَ وَأي دَاء أدوى من الْبُخْل وَفِي رِوَايَة ان السَّيِّد لَا يكون بَخِيلًا بل سيدكم الابيض الْجَعْد بشر بن الْبَراء بن معْرور وَكَذَلِكَ فِي الصَّحِيح قَول جَابر بن عبد الله لأبي بكر الصّديق رَضِي الله عَنْهُمَا اما ان تُعْطِينِي واما ان تبخل عني فَقَالَ تَقول واما ان تبخل عني واي دَاء ادوى من الْبُخْل فَجعل الْبُخْل من اعظم الامراض
وَفِي صَحِيح مُسلم عَن سلمَان بن ربيعَة قَالَ قَالَ عمر رَضِي الله عَنهُ قسم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قسما فَقلت يَا رَسُول الله وَالله لغير هَؤُلَاءِ احق بِهِ مِنْهُم فَقَالَ انهم خيروني بَين ان يَسْأَلُونِي بالفحش وَبَين ان يبخلوني وَلست بباخل يَقُول انهم يَسْأَلُونِي مَسْأَلَة لَا تصلح فَإِن اعطيتهم والا قَالُوا هُوَ بخيل فقد خيروني بَين امرين مكروهين لَا يتركوني من احدهما الْمَسْأَلَة الْفَاحِشَة والتبخيل والتبخيل اشد فأدفع الاشد بإعطائهم وَالْبخل جنس تَحْتَهُ انواع كَبَائِر وَغير كَبَائِر قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَا يَحسبن الَّذين يَبْخلُونَ بِمَا آتَاهُم الله من فَضله هُوَ خيرا لَهُم بل هُوَ شَرّ لَهُم سيطوقون مَا بخلوا بِهِ يَوْم الْقِيَامَة﴾ سُورَة آل عمرَان 180
وَقَالَ ﴿واعبدوا الله وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئا وبالوالدين إحسانا﴾ سُورَة النِّسَاء 36 الى قَوْله ان الله لَا يحب من كَانَ مختالا فخورا الَّذين يَبْخلُونَ ويأمرون النَّاس بالبخل سُورَة النِّسَاء 36 37 وَقَالَ تَعَالَى وَمَا مَنعهم ان تقبل مِنْهُم نفقاتم الا انهم كفرُوا بِاللَّه وبرسوله وَلَا يأْتونَ الصَّلَاة الا وهم كسَالَى وَلَا يُنْفقُونَ الا وهم كَارِهُون سُورَة التَّوْبَة 54 وَقَالَ فَلَمَّا آتَاهُم من فَضله بخلوا بِهِ وتولوا وهم معرضون فأعقبهم نفَاقًا فِي قُلُوبهم الى يَوْم يلقونه سُورَة التَّوْبَة 76 77 وَقَالَ ﴿وَمن يبخل فَإِنَّمَا يبخل عَن نَفسه﴾ سُورَة مُحَمَّد 38 وَقَالَ فويل للمصلين الَّذين هم عَن صلَاتهم ساهون الَّذين هم يراءون وَيمْنَعُونَ الماعون سُورَة الماعون 407 وَقَالَ وَالَّذين يكنزون الذَّهَب وَالْفِضَّة وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيل الله فبشرهم بِعَذَاب اليم يَوْم يحمى عَلَيْهَا فِي نَار جَهَنَّم فتكوى بهَا جباههم وجنوبهم وظهروهم الاية سُورَة التَّوْبَة
34 - 35 وَكثير من الاي فِي الْقُرْآن من الامر بالايتاء والاعطاء وذم من ترك ذَلِك كُله ذمّ للبخل وَكَذَلِكَ ذمه للجبن كثير فِي مثل قَوْله ﴿وَمن يولهم يَوْمئِذٍ دبره إِلَّا متحرفا لقِتَال أَو متحيزا إِلَى فِئَة فقد بَاء بغضب من الله ومأواه جَهَنَّم وَبئسَ الْمصير﴾ سُورَة الانفال 16 وَقَوله عَن الْمُنَافِقين ويحلفون بِاللَّه انهم لمنكم وَمَا هم مِنْكُم وَلَكنهُمْ قوم يفرقون لَو يَجدونَ ملْجأ اَوْ مغارات اَوْ مدخلًا لولوا اليه وهم يجمحون سُورَة التَّوْبَة 56 57 وَقَوله ﴿فَإِذا أنزلت سُورَة محكمَة وَذكر فِيهَا الْقِتَال رَأَيْت الَّذين فِي قُلُوبهم مرض ينظرُونَ إِلَيْك نظر المغشي عَلَيْهِ من الْمَوْت﴾ سُورَة مُحَمَّد 20 وَقَوله ألم تَرَ الى الَّذين قيل لَهُم كفوا ايديكم واقيموا الصَّلَاة وَأتوا الزَّكَاة فَلَمَّا كتب عَلَيْهِم الْقِتَال اذا فريق مِنْهُم يَخْشونَ النَّاس كخشية الله أواشد خشيَة وَقَالُوا رَبنَا لم كتبت
﴿علينا الْقِتَال لَوْلَا أخرتنا إِلَى أجل قريب قل مَتَاع الدُّنْيَا قَلِيل وَالْآخِرَة خير لمن اتَّقى وَلَا تظْلمُونَ فتيلا﴾ سُورَة النِّسَاء 77 وَمَا فِي الْقُرْآن من الحض على الْجِهَاد وَالتَّرْغِيب فِيهِ وذم الناكلين عَنهُ والتاركين لَهُ كُله ذمّ للجبن وَلما كَانَ صَلَاح بني آدم لَا يتم فِي دينهم ودنياهم الا بالشجاعة وَالْكَرم بَين الله سُبْحَانَهُ انه من تولى عَنهُ بترك الْجِهَاد بِنَفسِهِ ابدل الله بِهِ من يقوم بذلك وَمن تولى عَنهُ بإنفاق مَاله ابدل الله بِهِ من يقوم بذلك فَقَالَ يَا ايها الَّذين امنوا مالكم اذا قيل لكم انفروا فِي سَبِيل الله اثاقلتم الى الارض ارضيتم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا من الاخرة فَمَا مَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا فِي الاخرة الا قَلِيل الا تنفرُوا يعذبكم عذَابا اليما ويستبدل قوما غَيْركُمْ وَلَا تضروه شَيْئا وَالله على كل شَيْء قدير سُورَة التَّوْبَة 38 39 وَقَالَ تَعَالَى ﴿هَا أَنْتُم هَؤُلَاءِ تدعون لتنفقوا فِي﴾
﴿سَبِيل الله فمنكم من يبخل وَمن يبخل فَإِنَّمَا يبخل عَن نَفسه وَالله الْغَنِيّ وَأَنْتُم الْفُقَرَاء وَإِن تَتَوَلَّوْا يسْتَبْدل قوما غَيْركُمْ ثمَّ لَا يَكُونُوا أمثالكم﴾ سُورَة مُحَمَّد 38 وبالشجاعة وَالْكَرم فِي سَبِيل الله فضل الله السَّابِقين فَقَالَ ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُم من أنْفق من قبل الْفَتْح وَقَاتل أُولَئِكَ أعظم دَرَجَة من الَّذين أَنْفقُوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الْحسنى﴾ سُورَة الْحَدِيد 10 وَقد ذكر الْجِهَاد بِالنَّفسِ وَالْمَال فِي سَبيله ومدحه فِي غير آيَة من كِتَابه وَذَلِكَ هُوَ الشجَاعَة والسماحة فِي طَاعَته سُبْحَانَهُ وَطَاعَة رَسُوله وملاك الشجَاعَة الصَّبْر الَّذِي يتَضَمَّن قُوَّة الْقلب وثباته وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى ﴿كم من فِئَة قَليلَة غلبت فِئَة كَثِيرَة بِإِذن الله وَالله مَعَ الصابرين﴾ سُورَة الْبَقَرَة 249 وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا لَقِيتُم فِئَة فاثبتوا﴾
واذْكُرُوا الله كثيرا لَعَلَّكُمْ تفلحون واطيعوا الله وَرَسُوله وَلَا تنازعوا فتفشلوا وَتذهب ريحكم واصبروا ان الله مَعَ الصابرين سُورَة الانفال 45 46 والشجاعة لَيست هِيَ قُوَّة الْبدن فقد يكون الرجل قوي الْبدن ضَعِيف الْقلب وانما هِيَ قُوَّة الْقلب وثباته فَأن الْقِتَال مَدَاره على قُوَّة الْبدن وصنعته لِلْقِتَالِ وعَلى قُوَّة الْقلب وخبرته بِهِ والمحمود مِنْهُمَا مَا كَانَ بِعلم وَمَعْرِفَة دون التهور الَّذِي لَا يفكر صَاحبه وَلَا يُمَيّز بَين الْمَحْمُود والمذموم وَلِهَذَا كَانَ الْقوي الشَّديد هُوَ الَّذِي يملك نَفسه عِنْد الْغَضَب حَتَّى يفعل مَا يصلح دون مَا لَا يصلح فَأَما المغلوب حِين غَضَبه فَلَيْسَ هُوَ بِشُجَاعٍ وَلَا شَدِيد وَقد تقدم ان جماع ذَلِك هُوَ الصَّبْر فَإِنَّهُ لَا بُد مِنْهُ وَالصَّبْر صبران صَبر عِنْد الْغَضَب وصبر عِنْد الْمُصِيبَة كَمَا قَالَ الْحسن رَحمَه
الله مَا تجرع عبد جرعة اعظم من جرعة حلم عِنْد الْغَضَب وجرعة صَبر عِنْد الْمُصِيبَة وَذَلِكَ لِأَن أصل ذَلِك هُوَ الصَّبْر على المؤلم وَهَذَا هوالشجاع الشَّديد الَّذِي يصبر على المؤلم والمؤلم ان كَانَ مِمَّا يُمكن دَفعه اثار الْغَضَب وان كَانَ مِمَّا لَا يُمكن دَفعه اثار الْحزن وَلِهَذَا يحمر الْوَجْه عِنْد الْغَضَب لثوران الدَّم عِنْد استشعار الْقُدْرَة ويصفر عِنْد الْحزن لغور الدَّم عِنْد استشعار الْعَجز وَلِهَذَا جمع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الحَدِيث الصَّحِيح الَّذِي رَوَاهُ مُسلم عَن عبد الله بن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ قَالَ قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا تَعدونَ الرقوب فِيكُم قَالُوا الرقوب الَّذِي لَا يُولد لَهُ قَالَ لَيْسَ ذَاك بالرقوب وَلَكِن الرقوب الرجل الَّذِي لم يقدم من وَلَده شَيْئا ثمَّ قَالَ ماتعدون الصرعة فِيكُم قُلْنَا الَّذِي لَا يصرعه الرِّجَال فَقَالَ لَيْسَ
بذلك وَلَكِن الصرعة الَّذِي يملك نَفسه عِنْد الْغَضَب فَذكر مَا يتَضَمَّن الصَّبْر عِنْد الْمُصِيبَة وَالصَّبْر عِنْد الْغَضَب قَالَ الله تَعَالَى فِي الْمُصِيبَة ﴿وَبشر الصابرين الَّذين إِذا أَصَابَتْهُم مُصِيبَة قَالُوا إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون﴾ الاية سُورَة الْبَقَرَة 155 156 وَقَالَ تَعَالَى فِي الْغَضَب ﴿وَمَا يلقاها إِلَّا الَّذين صَبَرُوا وَمَا يلقاها إِلَّا ذُو حَظّ عَظِيم﴾ سُورَة فصلت 35 وَهَذَا الْجمع بَين صَبر الْمُصِيبَة وصبر الْغَضَب نَظِير الْجمع بَين صَبر الْمُصِيبَة وصبر النِّعْمَة كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى وَلَئِن اذقنا
الانسان منا رَحْمَة ثمَّ نزعناها مِنْهُ انه ليؤوس كفور وَلَئِن اذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليَقُولن ذهب السَّيِّئَات عني انه لفرح فخور الا الَّذين صَبَرُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات أُولَئِكَ لَهُم مغْفرَة وَأجر كَبِير سُورَة هود 9 11 وَقَالَ لكيلا تأسوا على مَا فاتكم وَلَا تفرحوا بِمَا آتَاكُم سُورَة الْحَدِيد 23 وَبِهَذَا وصف كَعْب بن زُهَيْر من وَصفه من الصَّحَابَة الْمُهَاجِرين حَيْثُ قَالَ... لَيْسُوا مفاريح ان نَالَتْ رماحهم... كثرا وَلَيْسوا مجازيعا اذا نيلوا... وَكَذَلِكَ قَالَ حسان بن ثَابت فِي صفة الانصار... لَا فَخر ان هم اصابوا من عدوهم... وان اصيبوا فَلَا خور وَلَا هلع...
وَقَالَ بعض الْعَرَب فِي صفة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يغلب فَلَا يبطر ويغلب فَلَا يضجر وَلما كَانَ الشَّيْطَان يدعوالناس عِنْد هذَيْن النَّوْعَيْنِ الى تعدِي الْحُدُود بقلوبهم واصواتهم وايديهم نهى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن ذَلِك فَقَالَ لما قيل لَهُ لما رأى ابراهيم فِي النزع أَتَبْكِي اَوْ لم تنه عَن الْبكاء فَقَالَ انما نهيت عَن صَوْتَيْنِ احمقين فاجرين صَوت عِنْد نعْمَة لَهو وَلعب وَمَزَامِير الشَّيْطَان وَصَوت عِنْد مُصِيبَة لطم خدود وشق جُيُوب وَدُعَاء بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّة فَجمع بَين الصوتين وَأما نَهْيه عَن ذَلِك فِي المصائب فَمثل قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَيْسَ منا من لطم الخدود وشق الْجُيُوب ودعا بِدَعْوَى
الْجَاهِلِيَّة وَقَالَ انا برِئ من الحالقة والصالقة والشاقة وَقَالَ مَا كَانَ من الْعين وَالْقلب فَمن الله وَمَا كَانَ من الْيَد وَاللِّسَان فَمن الشَّيْطَان وَقَالَ ان الله لَا يُؤَاخذ على دمع الْعين
وَلَا حزن الْقلب وَلَكِن يعذب بِهَذَا اَوْ يرحم واشار الى لِسَانه وَقَالَ من ينح عَلَيْهِ فانه يعذب بِمَا نيح عَلَيْهِ وَاشْترط على النِّسَاء فِي الْبيعَة الا يَنحن وَقَالَ ان النائحة اذا لم تتب قبل مَوتهَا فَإِنَّهَا تلبس يَوْم