فصل فِيمَا ذكره الشَّيْخ أَبُو الْقَاسِم القشيرى فِي رسَالَته الْمَشْهُورَة من اعْتِقَاد
مُمْتَنع عِنْدهم وَإِن كَانُوا فِي ذَلِك مخالفين للنصوص وَإِجْمَاع السّلف وأئمة الدّين فَإِن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سَأَلَ بأين فَقَالَ أَيْن الله فَقَالَ لَهُ الْمَسْئُول فِي السَّمَاء فَحكم بأيمان من قَالَ ذَلِك وَكَذَلِكَ سُئِلَ فَقيل لَهُ أَيْن كَانَ رَبنَا قبل ان يخلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض فَأجَاب عَن ذَلِك وَلَكِن جَوَاب أَبى عُثْمَان يُوَافق قَول أهل الْإِثْبَات وهم أهل الْفطْرَة الْعَقْلِيَّة السليمة من الاولين والآخرين الَّذين يَقُولُونَ إِنَّه فَوق الْعَالم إِذْ الْعلم بذلك فطرى عقلى ضَرُورِيّ لَا يتَوَقَّف على سمع أما الْعلم بِأَنَّهُ اسْتَوَى على الْعَرْش بعد ان خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض فِي سِتَّة أَيَّام فَهَذَا سَمْعِي إِنَّمَا علم من جِهَة أَخْبَار الْأَنْبِيَاء وَلِهَذَا شرع الله تَعَالَى لأهل الْملَل الِاجْتِمَاع كل أُسْبُوع يَوْمًا وَاحِدًا ليَكُون الْأُسْبُوع الدائر دَلِيلا على الْأُسْبُوع الَّذِي خلق الله فِيهِ السَّمَاوَات وَالْأَرْض ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش وَلِهَذَا لَا يعرف الْأُسْبُوع إِلَّا من جِهَة أهل الْكتب الإلهية بِخِلَاف الْيَوْم فَإِنَّهُ مَعْلُوم بالحس وَكَذَلِكَ الشَّهْر وَالسّنة يعلم بالحس وسيرالقمر فَيعلم بالحس والحساب وَأما الْأُسْبُوع فَلَيْسَ لَهُ سَبَب حسى وَكَذَلِكَ لَا يُوجد لأيام الْأُسْبُوع ذكر عِنْد الْأُمَم الَّذين لَا كتاب لَهُم وَلَا أخذُوا عَن أهل الْكتب كالترك البَاقِينَ فِي بواديهم فِي لغتهم اسْم الْيَوْم والشهر وَالسّنة دون أَيَّام الْأُسْبُوع
بِخِلَاف الْفرس وَنَحْوهم مِمَّن أَخذ عَن الْمُرْسلين فَإِن فِي لغتهم أَيَّام الْأُسْبُوع وَأهل الْإِثْبَات منازعون فِي أَن الاسْتوَاء هَل هُوَ مُجَرّد نِسْبَة وَإِضَافَة بَين الله وَبَين الْعَرْش من غير أَن يكون الْبَارِي تصرف بِنَفسِهِ بصعود أَو علو وَنَحْو ذَلِك أَو هُوَ يتَصَرَّف بِنَفسِهِ وَأَنه اسْتَوَى على الْعَرْش بعد أَن لم يكن مستويا وَكَذَلِكَ استواؤه إِلَى السَّمَاء ونزوله وَنَحْو ذَلِك عَن قَوْلَيْنِ مشهورين وَالْأول قَول كثير مِمَّن يمِيل إِلَى الْكَلَام وَقَول طَائِفَة من الْفُقَهَاء والصوفية وَالثَّانِي قَول أهل الحَدِيث وَقَول كثير من أهل الْكَلَام وَالْفُقَهَاء والصوفية فَكَلَام أبي عُثْمَان ظَاهِرَة يُوَافق القَوْل الأول وَأما الَّذِي كَانَ يَعْتَقِدهُ فِي الْجِهَة ثمَّ رَجَعَ عَنهُ فَهُوَ أَمر مُجمل لم يذكرهُ فَلَعَلَّهُ كَانَ يعْتَقد من التجسيم والتمثيل مَا يَقُوله أهل الضلال من الرافضة والمجسمة فَرجع عَن ذَلِك فَإِن هَذَا مُمكن وَلَعَلَّه كَانَ يعْتَقد أَن البارى تَعَالَى
مَحْصُور فِي السَّمَوَات تظله وتقره وَأَنه مفتقر إِلَى عرش يحملهُ فَرجع عَن ذَلِك وَأعظم مَا يُقَال إِنَّه كَانَ يعْتَقد أَن الاسْتوَاء من الصِّفَات الفعلية المتجددة أَنه يَفْعَله بِنَفسِهِ ثمَّ رَجَعَ عَن ذَلِك إِلَى أَنه على مَا كَانَ عَلَيْهِ مَعَ كَونه مستويا على الْعَرْش لكنه خلق الْعَرْش بعد أَن لم يكن مخلوقا فَيلْزم أَن يكون مَوْصُوفا بِأَنَّهُ فَوق الْعَرْش وَهَذَا يَقُوله كثير من المثبتة وَإِن كَانَ هَذَا لَيْسَ مَوضِع الْكَلَام فِيهِ فَأَما أَن يُقَال إِن أَبَا عُثْمَان رَجَعَ عَن اعْتِقَاد علو الله على خلقه وَأَنه سُبْحَانَهُ بَائِن عَن مخلوقاته عَال عَلَيْهِم فَلَيْسَ فِي كَلَامه مَا يفهم مِنْهُ ذَلِك بِحَال ثمَّ لَو فرض أَن أَبَا عُثْمَان قَالَ قولا فِيهِ غلط لم يصلح أَن يَجْعَل ذَلِك أصلا لاعتقاد الْقَوْم فَإِن كَلَام أَئِمَّة الْمَشَايِخ الْمُصَرّح بِأَن الله فَوق الْعَرْش كثير منتشر فَإِذا وجد عَن بَعضهم مَا يُخَالف ذَلِك كَانَ ذَلِك خلافًا لَهُم والصوفية يُوجد فيهم الْمُصِيب والمخطئ كَمَا يُوجد فِي غَيرهم وَلَيْسوا فِي ذَلِك بِأَجل من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَلَيْسَ أحد مَعْصُوما فِي كل مَا يَقُوله إِلَّا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نعم وُقُوع الْغَلَط فِي مثل هَذَا يُوجب مَا نقُوله دَائِما إِن الْمُجْتَهد فِي
مثل هَذَا من الْمُؤمنِينَ إِن استفرغ وَسعه فِي طلب الْحق فَإِن الله يغْفر لَهُ خطأه وَإِن حصل مِنْهُ نوع تَقْصِير فَهُوَ ذَنْب لَا يجب ان يبلغ الْكفْر وَإِن كَانَ يُطلق القَوْل بِأَن هَذَا الْكَلَام كفر كَمَا أطلق السّلف الْكفْر على من قَالَ بِبَعْض مقالات الْجَهْمِية مثل القَوْل بِخلق الْقُرْآن أَو إِنْكَار الرُّؤْيَة أَو نَحْو ذَلِك مِمَّا هُوَ دون إِنْكَار علو الله على الْخلق وَأَنه فَوق الْعَرْش فَإِن تَكْفِير صَاحب هَذِه الْمقَالة كَانَ عِنْدهم من أظهر الْأُمُور فَإِن التَّكْفِير الْمُطلق مثل الْوَعيد الْمُطلق لَا يسْتَلْزم تَكْفِير الشَّخْص الْمعِين حَتَّى تقوم عَلَيْهِ الْحجَّة الَّتِي تكفر تاركها كَمَا ثَبت فِي الصِّحَاح عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الرجل الَّذِي قَالَ إِذا أَنا مت فأحرقوني ثمَّ استحقوني ثمَّ ذروني فِي اليم فوَاللَّه لَئِن قدر الله على ليعذبني عذَابا لَا يعذبه أحدا من الْعَالمين فَقَالَ الله لَهُ مَا حملك على مَا فعلت قَالَ خشيتك فغفر لَهُ فَهَذَا الرجل اعْتقد أَن الله لَا يقدر على جمعه إِذا فعل ذَلِك أَو شكّ وَأَنه لَا يَبْعَثهُ وكل من هذَيْن الاعتقادين كفر يكفر من
قَامَت عَلَيْهِ الْحجَّة لكنه كَانَ يجهل ذَلِك وَلم يبلغهُ الْعلم بِمَا يردهُ عَن جَهله وَكَانَ عِنْده إِيمَان بِاللَّه وبأمره وَنَهْيه ووعده ووعيده فخاف من عِقَابه فغفر الله لَهُ بخشيته فَمن أَخطَأ فِي بعض مسَائِل الِاعْتِقَاد من أهل الْإِيمَان بِاللَّه وبرسوله وباليوم الآخر وَالْعَمَل الصَّالح لم يكن أَسْوَأ حَالا من الرجل فَيغْفر الله خطأه أَو يعذبه إِن كَانَ مِنْهُ تَفْرِيط فِي اتِّبَاع الْحق على قدر دينه وَأما تَكْفِير شخص علم إيمَانه بِمُجَرَّد الْغَلَط فِي ذَلِك فعظيم فقد ثَبت فِي الصَّحِيح عَن ثَابت بن الضَّحَّاك عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لعن الْمُؤمن كقتله وَمن رمى مُؤمنا بالْكفْر فَهُوَ كقتله وَثَبت فِي الصَّحِيح أَن من قَالَ لِأَخِيهِ يَا كَافِر فقد بَاء بِهِ أَحدهمَا وَإِذا كَانَ تَكْفِير الْمعِين على سَبِيل الشتم كقتله فَكيف
يكون تكفيره على سَبِيل الِاعْتِقَاد فَإِن ذَلِك أعظم من قَتله إِذْ كل كَافِر يُبَاح قَتله وَلَيْسَ كل من أُبِيح قَتله يكون كَافِرًا فقد يقتل الدَّاعِي إِلَى ى بِدعَة لإضلاله النَّاس وإفساده مَعَ إِمْكَان أَن الله يغْفر لَهُ فِي الْآخِرَة لما مَعَه من الْإِيمَان فَإِنَّهُ قد تَوَاتَرَتْ النُّصُوص بِأَنَّهُ يخرج من النَّار من فِي قلبه مِثْقَال ذرة من إِيمَان وَقد رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس قَالَ بَينا جِبْرِيل قَاعِدا عِنْد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذْ سمع نقيضا من فَوْقه فَرفع رَأسه فَقَالَ هَذَا بَاب من السَّمَاء فتح الْيَوْم لم يفتح قطّ إِلَّا الْيَوْم فَنزل مِنْهُ ملك فَقَالَ هَذَا ملك نزل إِلَى الأَرْض لم ينزل قطّ إِلَّا الْيَوْم فَسلم وَقَالَ أبشر بنورين أُوتِيتهُمَا لم يؤتهما نَبِي قبلك فَاتِحَة الْكتاب وخواتيم سُورَة الْبَقَرَة لن تقْرَأ بِحرف مِنْهُمَا إِلَّا أَعْطيته وَفِي صَحِيح مُسلم عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس قَالَ لما نزلت وَإِن تبدوا مَا فِي أَنفسكُم أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبكُمْ بِهِ الله [سُورَة الْبَقَرَة 284] دخل فِي قُلُوبهم مِنْهَا شئ لم يدْخل قُلُوبهم من شئ فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قُولُوا سمعنَا وأطعنا قَالَ فَألْقى الله الايمان فِي قُلُوبهم فَأنْزل الله لَا يُكَلف الله نفسا إِلَّا وسعهَا لَهَا مَا كسبت
وَعَلَيْهَا مَا اكْتسبت رَبنَا لَا تُؤَاخِذنَا إِن نَسِينَا أَو أَخْطَأنَا [سُورَة الْبَقَرَة 286] قَالَ قد فعلت وَكَلَام الْمَشَايِخ فِي مَسْأَلَة الْعُلُوّ كثير مثل مَا ذكر مُحَمَّد بن طَاهِر الْمَقْدِسِي الْحَافِظ الصُّوفِي الْمَشْهُور الَّذِي صنف للصوفية كتاب صفة التصوف وَمَسْأَلَة السماع وَغير ذَلِك ذكر عَن الشَّيْخ الْجَلِيل أبي جَعْفَر الْهَمدَانِي أَنه حضر مجْلِس أبي الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيّ وَهُوَ يَقُول كَانَ الله وَلَا عرش وَهُوَ على مَا عَلَيْهِ كَانَ أَو كلَاما من هَذَا الْمَعْنى فَقَالَ يَا شيخ دَعْنَا من ذكر الْعَرْش أخبرنَا عَن هَذِه الضَّرُورَة الَّتِي نجدها فِي قُلُوبنَا فَإِنَّهُ مَا قَالَ عَارِف قطّ يَا الله إِلَّا وجد من قلبه ضرورو بِطَلَب الْعُلُوّ وَلَا يلْتَفت يمنة ولايسرة فَكيف ندفع هَذِه الضَّرُورَة عَن قُلُوبنَا قَالَ فَصَرَخَ أَبُو المعالى وَلَطم على رَأسه وَقَالَ حيرني الهمدانى حيرني الْهَمدَانِي
وَقَالَ الإِمَام الْعَارِف معمر بن أَحْمد الاصبهاني شيخ الصُّوفِيَّة فِي أَوَاخِر الْمِائَة الرَّابِعَة قبل الْقشيرِي فِي رِسَالَة لَهُ أَحْبَبْت أَن أوصى أَصْحَابِي بِوَصِيَّة من السّنة وموعظة من الْحِكْمَة وَأجْمع مَا كَانَ عَلَيْهِ أهل الحَدِيث والأثر وَأهل الْمعرفَة والتصوف من الْمُتَقَدِّمين والمتأخرين قَالَ فِيهَا اوإن الله اسْتَوَى على عَرْشه بِلَا كَيفَ وَلَا تَشْبِيه وَلَا تَأْوِيل والاستواء مَعْقُول والكيف فِيهِ مَجْهُول وَأَنه عز وَجل مستو على عَرْشه بَائِن من خلقه والخلق بائنون مِنْهُ بِلَا حُلُول وَلَا ممازجة وَلَا اخْتِلَاط وَلَا ملاصقة لِأَنَّهُ الْفَرد الْبَائِن من الْخلق الْوَاحِد الْغَنِيّ عَن الْخلق وَأَن الله سميع بَصِير عليم خَبِير يتَكَلَّم ويرضى ويسخط ويضحك ويعجب ويتجلى لِعِبَادِهِ يَوْم الْقِيَامَة ضَاحِكا وَينزل كل لَيْلَة إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا كَيفَ شَاءَ فَيَقُول هَل من دَاع فآستجيب لَهُ هَل من مُسْتَغْفِر فآستغفر لَهُ هَل من تائب فأتوب عَلَيْهِ حَتَّى يطلع الْفجْر ونزول الرب إِلَى
السَّمَاء بِلَا كَيفَ وَلَا تَشْبِيه وَلَا تَأْوِيل فَمن أنكر النُّزُول أَو تَأَول فَهُوَ مُبْتَدع ضال ثمَّ ذكر كَلَامهم فِي الْقدر قَالَ أَبُو الْقَاسِم سَمِعت مُحَمَّد ابْن الْحُسَيْن السلمى يَقُول سَمِعت أَبَا عُثْمَان المغربي يَقُول وَقد سُئِلَ عَن الْخلق فَقَالَ قوالب وأشباح تجْرِي عَلَيْهِم أَحْكَام الْقُدْرَة قَالَ وَقَالَ الوَاسِطِيّ لما كَانَت الْأَرْوَاح والأجساد قامتا بِاللَّه وظهرتا بِهِ لَا بذواتها كَذَلِك قَامَت الخطرات والحركات بِاللَّه لَا بذواتها إِذْ الخطرات والحركات فروع جساد والأرواح قَالَ أَبُو الْقَاسِم صرح بِهَذَا الْكَلَام أَن أكساب الْعباد مخلوقة لله وكما أَنه لَا خَالق للجواهر إِلَّا الله فَكَذَلِك لَا خَالق للأعراض إِلَّا الله وَهَذَا الَّذِي قَالَه صَحِيح وَهُوَ مُتَّفق عَلَيْهِ بَين الْمَشَايِخ لَا يعرف مِنْهُم من أنكر شَيْئا من أصُول السّنة فِي مسَائِل الْقدر
وَقَالَ سَمِعت الشَّيْخ أَبَا عبد الرَّحْمَن السَّامِي يَقُول سَمِعت مُحَمَّد بن عبد الله سَمِعت أَبَا جَعْفَر الصيدلاني سَمِعت أَبَا سعيد الخراز يَقُول من ظن أَنه ببذل الْجهد يصل فمتعن وَمن ظن أَنه بِغَيْر الْجهد يصل فمتمن وَهَذَا كَلَام حسن كَمَا قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الحَدِيث الصَّحِيح احرص على مَا ينفعك واستعن بِاللَّه وَلَا تعجز وَإِن أَصَابَك شئ فَلَا تقل لَو أَنِّي فعلت كَذَا وَكَذَا وَلَكِن قل مَا قدر الله وَمَا شَاءَ فعل فَإِن اللو تفتح عمل الشَّيْطَان وَقَالَ لن يدْخل أحدا عمله الْجنَّة قَالُوا وَلَا أَنْت يَا رَسُول الله قَالَ وَلَا أَنا إِلَّا أَن يتغمدني الله بفضله وَرَحمته
ثمَّ قَالَ وَقَالَ الوَاسِطِيّ المقامات أَقسَام قسمت ونعوت أجريت كَيفَ تستجلب بحركات أَو تنَال بسعايات وَهَذَا الْكَلَام الظَّاهِر لَيْسَ بجيد بل هُوَ مَرْدُود وَهَذِه الْمَسْأَلَة بِعَينهَا سُئِلَ عَنْهَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَمَا ثَبت عَنهُ فِي الْأَحَادِيث الصِّحَاح من حَدِيث عمرَان بن حُصَيْن وعَلى ابْن أبي طَالب وَغَيرهمَا لما أخبر بِالْقدرِ فَقَالُوا أَلا نَدْعُو الْعَمَل ونتكل على الْكتاب فَقَالَ لَا اعْمَلُوا فَكل ميسر لما خلق لَهُ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن عَليّ بن ابي طَالب قَالَ كُنَّا فِي جَنَازَة فِي بَقِيع الْغَرْقَد فَأَتَانَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقعدَ وقعدنا حوله وَمَعَهُ مخصرة فَنَكس وَجعل ينكت بمخسرته ثمَّ قَالَ مَا مِنْكُم من أحد إِلَّا وَقد كتب مَقْعَده من النَّار ومقعده من الْجنَّة
فَقَالُوا يَا رَسُول الله أَفلا نَتَّكِل على كتَابنَا فَقَالَ اعْمَلُوا فَكل ميسر لما خلق لَهُ أما من كَانَ من أهل السَّعَادَة فسيصير لعمل السعاده واما من كَانَ من أهل الشَّقَاء فسيصير لعمل الشِّفَاء ثمَّ قَرَأَ فَأَما من أعْطى وَاتَّقَى وَصدق بِالْحُسْنَى فسنيسره لليسرى [سُورَة اللَّيْل 6] وَفِي الصَّحِيح عَن عمرَان بن حُصَيْن قَالَ قَالَ رجل يَا رَسُول الله أيعرف أهل الْجنَّة من أهل النَّار قَالَ نعم قَالَ فَلم يعْمل الْعَامِلُونَ قَالَ كل يعْمل لما خلق لَهُ أَو لما يسر لَهُ وَفِي رِوَايَة كل ميسر لما خلق لَهُ وَفِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث أبي الْأسود الدئلي قَالَ قَالَ لي عمرَان بن حُصَيْن أَرَأَيْت مَا يعْمل النَّاس الْيَوْم ويكدحون فِيهِ أشئ
قضى عَلَيْهِم وَمضى عَلَيْهِم من قدر قد سبق أَو فِيمَا يستقبلون مِمَّا أَتَاهُم بِهِ نَبِيّهم وَثبتت الْحجَّة عَلَيْهِم فَقلت بل شئ قضى عَلَيْهِم وَمضى عَلَيْهِم قَالَ فَقَالَ أَفلا يكون ظلما قَالَ فَفَزِعت من ذَلِك فَزعًا شَدِيدا وَقلت كل شئ خلق الله وَملك يَده فَلَا يسْأَل عَمَّا يفعل وهم يسْأَلُون فَقَالَ لي يَرْحَمك الله إِنِّي لم أرد بِمَا سَأَلتك إِلَّا لأحزر عقلك إِن رجلَيْنِ من مزينة أَتَيَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَا يَا رَسُول الله أَرَأَيْت مَا يعْمل النَّاس الْيَوْم ويكدحون فِيهِ أشئ قضى عَلَيْهِم وَمضى فيهم من قدر قد سبق أَو فِيمَا يستقبلون مِنْهُ مِمَّا أَتَاهُم بِهِ نَبِيّهم وَثبتت الْحجَّة عَلَيْهِم قَالَ لَا بل شئ قضى عَلَيْهِم وَمضى فيهم وتصديق ذَلِك فِي كتاب الله وَنَفس وَمَا سواهَا فألهمها فجورها وتقواها [سُورَة الشَّمْس 6 7] وَفِي السّنَن حَدِيث عمر أَنه سُئِلَ عَن تَفْسِير الْآيَة وَإِذ أَخذ
رَبك من بني آدم من ظُهُورهمْ ذُرِّيتهمْ [سُورَة الاعراف 172] قَالَ عمر رضى الله عَنهُ سَمِعت رَسُول ص يَقُول إِن الله خلق آدم ثمَّ مسح ظَهره بِيَمِينِهِ فأستخرج مِنْهُ ذُرِّيَّة فَقَالَ [خلقت هَؤُلَاءِ للجنة وبعمل أهل الْجنَّة يعْملُونَ ثمَّ مسح ظَهره فأستخرج مِنْهُ ذُرِّيَّة فَقَالَ] خلقت هَؤُلَاءِ للنار وبعمل أهل النَّار يعْملُونَ فَقَالَ رجل فَفِيمَ الْعَمَل يَا رَسُول الله فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِن الله إِذا خلق العَبْد للنار اسْتَعْملهُ بِعَمَل اهل النَّار حَتَّى يَمُوت على عمل من أَعمال النَّار فَيدْخل بِهِ النَّار وَإِذا خلق العَبْد للجنة اسْتَعْملهُ بِعَمَل أهل الْجنَّة حَتَّى يَمُوت على عمل من أَعمال الْجنَّة فيدخله بِهِ الْجنَّة وَفِي صَحِيح مُسلم عَن جَابر بن عبد الله قَالَ جَاءَ سراقَة بن مَالك بن جعْشم فَقَالَ يَا رَسُول الله بَين لنا ديننَا كأنا خلقنَا الْآن فيمَ الْعَمَل الْيَوْم أفيما جَفتْ بِهِ الأقلام وَجَرت بِهِ الْمَقَادِير أم فِيمَا
يسْتَقْبل قَالَ لَا بل فِيمَا جَفتْ بِهِ الأقلام وَجَرت بِهِ الْمَقَادِير قَالَ فَفِيمَ الْعَمَل فَقَالَ اعْمَلُوا فَكل ميسر وفى لفظ كل عَامل ميسر لعمله وَفِي السّنَن عَن ابْن أبي خزامة عَن أَبِيه قَالَ قلت يَا رَسُول الله أَرَأَيْت رقى نسترقيها ودواء نتداوى بِهِ وتقاة نتقيها هَل ترد من قدر الله شَيْئا قَالَ هِيَ من قدر الله فَهَذِهِ السّنَن وَغَيرهَا تبين أَن الله سُبْحَانَهُ وَإِن كَانَ قد تقدم علمه وكتابيه وَكَلَامه بِمَا سَيكون من السَّعَادَة والشقاوة فمما قدره أَن يكون ذَلِك بالأسباب الَّتِي قدرهَا فالسعادة بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَة والشقاوة بِالْفُجُورِ وَكَذَلِكَ الشِّفَاء الَّذِي يقدره للْمَرِيض يقدره بالأدوية والرقى وَكَذَلِكَ سَائِر مَا يقدر من أَمر الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فَقَوْل الْقَائِل كَيفَ تستجلب الْأَقْسَام بالحركات
جَوَابه ان الْأَقْسَام تناولت الحركات كَمَا تناولت السعادات وَالله تَعَالَى قدر ان يكون هَذَا بِهَذَا فَإِذا ترك العَبْد الْعَمَل ظَانّا أَن السَّعَادَة تحصل لَهُ كَانَ هَذَا التّرْك سَببا لكَونه من أهل الشقاوة وَهنا ضل فريقان فريق كذبُوا بِالْقضَاءِ وَالْقدر وَصَدقُوا بِالْأَمر والنهى وفريق آمنُوا بِالْقضَاءِ ولاقدر لَكِن قصروا فِي الْأَمر والنهى وَهَؤُلَاء شَرّ من الْأَوَّلين فَإِن هَؤُلَاءِ من جنس الْمُشْركين الَّذين قَالُوا لَو شَاءَ الله مَا أشركنا [سُورَة الْأَنْعَام 148] وَأُولَئِكَ من جنس الْمَجُوس لَكِن إِذا عَنى بِهَذَا الْكَلَام أَن العَبْد لَا يتكل على عمله وَلَا يظنّ أَنه ينجو بسعيه فَهَذَا معنى صَحِيح فالأسباب الَّتِي من الْعباد بل وَمن غَيرهم لَيست مُوجبَات لَا لأمر الدُّنْيَا وَلَا لأمر الْآخِرَة بل قد يكون لَا بُد مِنْهَا وَمن أُمُور أُخْرَى من فضل الله وَرَحمته خَارِجَة عَن قدرَة العَبْد وَمَا ثمَّ مُوجب إِلَّا مَشِيئَة الله فَمَا شَاءَ كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن وكل ذَلِك قد بَينه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ مَعْرُوف عِنْد من نور الله بصيرته وَأما التَّفْرِيق بَين الْمَقْدُور عَلَيْهِ والمعجوز عَنهُ فَفِي صَحِيح مُسلم عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ الْمُؤمن الْقوي خير وَأحب إِلَى الله من الْمُؤمن الضَّعِيف وَفِي كل خير احرص على مَا
ينفعك واستعن بِاللَّه وَلَا تعجز وَإِن أَصَابَك شئ فَلَا تقل لَو أَنِّي فعلت كَانَ كَذَا وَكَذَا وَلَكِن قل قدر الله وَمَا شَاءَ فعل فَإِن اللو تفتح عمل الشَّيْطَان وَفِي سنَن أبي دَاوُد عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه اخْتصم إِلَيْهِ رجلَانِ فَقضى على أَحدهمَا فَقَالَ المقضى عَلَيْهِ حسبي الله وَنعم الْوَكِيل فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِن الله يلوم على الْعَجز وَلَكِن عَلَيْك بالكيس فَإِذا أحزنك أَمر فَقل حسبي الله وَنعم الْوَكِيل قَالَ أَبُو الْقَاسِم وَسُئِلَ الوَاسِطِيّ عَن الْكفْر بِاللَّه أولله فَقَالَ الْكفْر وَالْإِيمَان وَالدُّنْيَا وَالْآخِرَة من الله وَإِلَى الله وَبِاللَّهِ وَللَّه من الله ابْتِدَاء وإنشاء وَإِلَى الله مرجعا وانتهاء وَبِاللَّهِ بَقَاء وفناء وَللَّه ملكا وخلقا قَالَ وَقَالَ الْجُنَيْد سُئِلَ بعض الْعلمَاء عَن التَّوْحِيد
فَقَالَ هُوَ الْيَقِين فَقَالَ السَّائِل بَين لي مَا هُوَ فَقَالَ هُوَ معرفتك أَن حركات الْخلق وسكونهم فعل الله وَحده لَا شريك لَهُ فَإِذا فعلت ذَلِك فقد وحدته وَقَالَ سَمِعت مُحَمَّد بن الْحُسَيْن يَقُول سَمِعت عبد الْوَاحِد بن عَليّ يَقُول سَمِعت الْقَاسِم بن الْقَاسِم سَمِعت مُحَمَّد بن مُوسَى الوَاسِطِيّ سَمِعت مُحَمَّد بن الْحُسَيْن الْجَوْهَرِي سَمِعت ذَا النُّون الْمصْرِيّ يَقُول وجاءه رجل فَقَالَ ادْع الله لي فَقَالَ إِن كنت أيدت فِي علم الْغَيْب بِصدق التَّوْحِيد فكم من دَعْوَة مجابة قد سبقت لَك وَإِلَّا فَإِن النداء لَا ينفع الغرقى قَالَ وَقَالَ الوَاسِطِيّ ادّعى فِرْعَوْن الربوبية على الْكَشْف وَادعت الْمُعْتَزلَة على السِّرّ تَقول مَا شِئْت
فعلت وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْن النوري التَّوْحِيد كل خاطر يُشِير إِلَى الله بعد أَن لَا تزاحمه خواطر التَّشْبِيه قلت كَلَام الوَاسِطِيّ والجنيد الْمَذْكُور هُنَا هُوَ تَوْحِيد الربوبية وَأَن الله رب كل شئ ومليكه وخالقه وَفِيه الرَّد على الْقَدَرِيَّة الَّذين يجْعَلُونَ أَفعَال العَبْد خَارِجَة عَن قدرته وخلقه وَملكه وَكَذَلِكَ جعل فيهم الوَاسِطِيّ شبها من فِرْعَوْن فَإِن فِرْعَوْن كشف كفره وَقَالَ أَنا ربكُم الْأَعْلَى فَادّعى الربوبية عَلَانيَة والقدرية تدعى أَنَّهَا رب الْأَفْعَال وَمَا يتَوَلَّد عَنْهَا فقد أدعت ربوبيته لَكِن فِي السِّرّ وَهِي ربوبية أَفعَال الْأَعْيَان لَكِن مَقْصُود أهل التَّحْقِيق كالجنيد وَنَحْوه أَن يكون هَذَا التَّوْحِيد للْعَبد خلقا ومقاما بِحَيْثُ يُعْطِيهِ ذَلِك كَمَا توكله على الله تَعَالَى وتفويصه إِلَيْهِ وَالصَّبْر لحكمه وَالرِّضَا بِقَضَائِهِ مالم يُخرجهُ ذَلِك إِلَى إِسْقَاط الْأَمر وَالنَّهْي وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب والوعد والوعيد كَمَا يَقع فِي بعض ذَلِك طَائِفَة من المتصوفة وَأما قَول ذِي النُّون إِن كنت أيدت فِي علم الْغَيْب بِصدق التَّوْحِيد فَلَا يُرَاد بِهِ مُجَرّد الْإِقْرَار بالربوبية الْعَامَّة فَإِن الْمُشْركين كَانُوا يوحدون هَذَا التَّوْحِيد كَمَا قَالَ تَعَالَى وَلَئِن سَأَلتهمْ من خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض ليَقُولن الله [سُورَة الزمر 38] وَقَالَ تَعَالَى وَمَا يُؤمن أَكْثَرهم بِاللَّه إلاوهم مشركون [سُورَة يُوسُف 106]
قَالُوا غيمانهم هُوَ إِيمَانهم بِأَنَّهُ خَالق كل شئ وشركهم أَن عبدُوا مَعَه إِلَهًا آخر وَإِنَّمَا أَرَادَ تَحْقِيق تَوْحِيد الربوبية وتوحيد الإلهية وَهُوَ أَن يعبد الله وَحده لايشرك بِهِ شَيْئا فَهَذَا التَّوْحِيد الَّذِي جَاءَت بِهِ الرُّسُل هُوَ يسْعد صَاحبه وَيدخل الْجنَّة لَا محَالة لَهُ من دَعْوَة مجابة وَمن فَاتَهُ هَذَا التَّوْحِيد فَإِن الله لَا يغْفر أَن يُشْرك بِهِ فَلَا يَنْفَعهُ الدُّعَاء وَهَذَا هُوَ التَّوْحِيد الْمَذْكُور فِي قَول المراغى صفاء الْعِبَادَات لَا ينَال إِلَّا بصفاء التَّوْحِيد وَأما قَول النوري التَّوْحِيد كل خاطر يُشِير إِلَى الله فَهُوَ يعم ذَلِك يَقُول كل توجه إِلَى الله وَحده بقول أَو عمل فَهُوَ تَوْحِيد إِذا لم يكن فِيهِ تَشْبِيه الْخَالِق بالمخلوق أَو الْمَخْلُوق بالخالق كَمَا فِي قَول الْجَهْمِية والممثلة والقدرية وَنَحْوهم وَقد تقدم مَا ذكره الْمَشَايِخ من نفي التَّشْبِيه والتعطيل وَكَذَلِكَ مَا ذكره عَن الشَّيْخ أبي عبد الرَّحْمَن سَمِعت عبد الْوَاحِد بن بكر سَمِعت هِلَال بن أَحْمد يَقُول سُئِلَ أَبُو عَليّ الرُّوذَبَارِي عَن التَّوْحِيد فَقَالَ استقامة الْقلب بِإِثْبَات مُفَارقَة
التعطيل وإنكار التَّشْبِيه والتوحيد فِي كلمة وَاحِدَة كل مَا صورته الأفهام والأفكار فَإِن الله سُبْحَانَهُ بِخِلَافِهِ لَيْسَ كمثله شئ وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير [سُورَة الشورى 11] قَالَ وَقَالَ ابو الْقَاسِم النصراباذي الْجنَّة بَاقِيَة بإبقائه وَذكره لَك ومحبته لَك بَاقٍ بِبَقَائِهِ فشتان بَين مَا هُوَ بَاقٍ بِبَقَائِهِ وَبَين مَا هُوَ بَاقٍ بإبقائه قَالَ الْقشيرِي وَهَذَا الَّذِي قَالَه الشَّيْخ النصراباذي غَايَة التَّحْقِيق فَإِن أهل الْحق قَالُوا صِفَات ذَات الْقَدِيم سُبْحَانَهُ باقيات بِبَقَائِهِ تَعَالَى فنبه على هَذِه الْمَسْأَلَة وَنبهَ على أَن الْبَاقِي بَاقٍ بِبَقَائِهِ خلاف مَا قَالَه مخالفو الْحق
قلت النصراباذي مَقْصُوده التَّفْرِيق بَين من طلب النَّعيم بالمخلوق وَطلب النَّعيم لحظه من الْخَالِق فَقَالَ مَا فِي الْمَخْلُوق بَاقٍ بإبقائه وَأما محبته لَك وَذكره لَك فباق بِبَقَائِهِ وَلَيْسَ مَقْصُوده أَن الْبَقَاء الَّذِي يُوصف بِهِ الرب هُوَ صفة زَائِدَة على الذَّات بِمَا لَيْسَ بِصفة كَمَا يُنَازع فِيهِ أهل الْكَلَام مثل متكلمة أهل الْإِثْبَات وَغَيرهم بل القَاضِي أَبُو بكر الَّذِي يعظمه الْقشيرِي وَيَقُول هُوَ اوحد وقته كَانَ يَقُول لَيْسَ الْبَاقِي بَاقِيا بِبَقَاء ولاالنزاع فِي هَذِه الْمَسْأَلَة إِذا حقق لم يرجع إِلَى معنى مُحَصل يسْتَوْجب النزاع ثمَّ قَالَ أَبُو الْقَاسِم حَدثنَا مُحَمَّد بن الْحُسَيْن سَمِعت النصراباذي يَقُول أَنْت مُتَرَدّد بَين صِفَات الْفِعْل وصفات الذَّات وَكِلَاهُمَا صفته تَعَالَى على الْحَقِيقَة فَإِذا هيمك فِي مقَام التَّفْرِقَة قربك بِصِفَات فعله وَإِذا بلغك إِلَى مقَام الْجمع قربك بِصِفَات ذَاته
قَالَ وَأَبُو الْقَاسِم النصراباذي كَانَ شيخ وقته قلت هَذَا الْكَلَام من النصراباذي يَقْتَضِي أَنه مَوْصُوف بِصِفَات فعله على الْحَقِيقَة مثل الْخلق والرزق كَمَا أَنه مَوْصُوف بِصِفَات الذَّات عل ى الْحَقِيقَة كَالْعلمِ وَالْقُدْرَة وَهَذَا هوالذي ذكره أَبُو بكر مُحَمَّد بن إِسْحَاق الكلاباذي عَن مَذْهَب الصُّوفِيَّة فِي كتاب التعرف وَهُوَ قَول جُمْهُور الْفُقَهَاء وَأهل الحَدِيث وَطَوَائِف من اهل الْكَلَام وَلَيْسَ هُوَ قَول الأشعرية الَّذين سلك سبيلهم أَبُو الْقَاسِم الْقشيرِي قَالَ الْخلق والرزق عِنْدهم عين الْمَخْلُوق وَلَا يسْتَحق أَن يُسمى بالخالق الْبَاعِث الْوَارِث إِلَّا بعد وجود هَذِه المفعولات والنزاع فِي أَن الْفِعْل هَل هُوَ صفة لله وَهل يُوصف بالأسماء الفعلية فِي الْأَزَل وَقد بسطنا الْكَلَام فِي هَاتين الْمَسْأَلَتَيْنِ فِي مَوْضِعه وَقَالَ سَمِعت الإِمَام أَبَا إِسْحَاق الإِسْفِرَايِينِيّ يَقُول لما قدمت من بَغْدَاد كنت أدرس فِي جَامع نيسابور فِي مَسْأَلَة الرّوح وأشرح القَوْل أَنَّهَا مخلوقة وَكَانَ ابو الْقَاسِم النصراباذي قَاعِدا
متباعدا عَنَّا يصغي إِلَى كَلَامي فأجتاز بِنَا بعد ذَلِك بأيام قَلَائِل فَقَالَ لمُحَمد الْفراء أشهد اني أسلمت جَدِيدا على يَد هَذَا الرجل وَأَشَارَ إِلَيّ قلت لَعَلَّه كَانَ عِنْده بعض شُبْهَة أَو رَأْي فَاسد فِي خلقهَا كَمَا يعرض مثل ذَلِك لبَعض النَّاس وَقَالَ سَمِعت مُحَمَّد بن الْحُسَيْن السّلمِيّ يَقُول سَمِعت أَن حُسَيْن الْفَارِسِي يَقُول سَمِعت إِبْرَاهِيم بن فاتك يَقُول سَمِعت الْجُنَيْد يَقُول مَتى يتَّصل من لاشبيه لَهُ وَلَا نَظِير بِمن لَهُ شَبيه وَنَظِير هَيْهَات هَذَا ظن عَجِيب إِلَّا بِمَا لطف اللَّطِيف من حَيْثُ لَا دَرك وَلَا وهم وَلَا إحاطة إِلَّا إِشَارَة الْيَقِين وَتَحْقِيق الْإِيمَان قلت هَذَا الْكَلَام يَقْتَضِي أَن الْعباد إِنَّمَا عرفُوا رَبهم بِمَا الطف بِهِ من تعرفة إِلَيْهِم وهدايته إيَّاهُم بِمَا أَعْطَاهُم لَا معرفَة إِدْرَاك وإحاطة وَهَذَا حسن وَرُبمَا يتَضَمَّن نوعا من الرَّد على طَريقَة أهل النّظر الَّذين يجعلونه بِمُجَرَّدِهِ محصلا للمعرفة الْمَطْلُوبَة وَقَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن الْحُسَيْن سَمِعت عبد الْوَاحِد بن
بكر حَدثنِي أَحْمد بن مُحَمَّد البردعي حَدثنَا طَاهِر بن إِسْمَاعِيل الرَّازِيّ قَالَ قيل ليحيى بن معَاذ أَخْبرنِي عَن الله فَقَالَ إِلَه وَاحِد فَقَالَ كَيفَ هُوَ فَقَالَ ملك قَادر فَقَالَ أَيْن هُوَ فَقَالَ بالمرصاد فَقَالَ السَّائِل لم أَسأَلك عَن هَذَا فَقَالَ مَا كَانَ غير هَذَا كَانَ صفة الْمَخْلُوق فَأَما صفته فَمَا أَخْبَرتك عَنهُ قلت لَا تعلم صِحَة هَذَا الْكَلَام عَن يحيى بن معَاذ إِذْ فِي الْإِسْنَاد من لَا نعرفه وَكَلَام يحيى بن معَاذ عِنْدهم دون كَلَام الْكِبَار من أهل
التَّحْقِيق فِي الْمُعَامَلَات وَغَيرهَا فَإِنَّهُ يتَكَلَّم فِي الرَّجَاء بِكَلَام يشبه كَلَام سفلَة المرجئة لَا يُوَافق أصُول الْمَشَايِخ الْكِبَار المتمسكين بِالسنةِ ويدعى فِي التَّوْحِيد مقَاما هُوَ الْغَايَة وَقد عَابَ عَلَيْهِ ابو يزِيد وَغَيره وَكَلَامه يشبه كَلَام الوعاظ وَهِي طَريقَة أبي الْقَاسِم وَنَحْوه وَهَذَا الْكَلَام الْمَذْكُور من هَذَا الْبَاب فَإِنَّهُ لَيْسَ كل مَا لم يذكرهُ فِي هَذَا الْجَواب بِصفة الْمَخْلُوق لله بل لله صِفَات كَثِيرَة عَظِيمَة لم تدخل فِي هَذَا الْكَلَام ثمَّ صفة الْمَخْلُوق إِن كَانَ لأجل الِاشْتِرَاك فِي الِاسْم فَقَوله ملك قَادر وَإنَّهُ بالمرصاد كَمَا قَالَ تَعَالَى واقعدوا لَهُم كل مرصد [سُورَة التَّوْبَة 5] وَأَيْضًا فَالْجَوَاب عَن أَيْن هُوَ خلاف الْجَواب الَّذِي رضيه رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأقرهُ وَحكم بِإِيمَان قَائِله وَخلاف مَا أجَاب بِهِ هُوَ سائله فَإِنَّهُ لما قَالَ أَيْن الله فَقيل لَهُ فِي السَّمَاء رضى بِهَذَا وَأقر صَاحبه وَلم يقل هَذَا صفة الْمَخْلُوق وَقد روى شيخ الْإِسْلَام الْأنْصَارِيّ الهروى صَاحب علل المقامات ومنازل السائرين فِي كِتَابه الْمُسَمّى بالفاروق بِإِسْنَاد عَن يحيى بن معَاذ أَنه قَالَ إِن الله على الْعَرْش بَائِن من خلقه وَقد أحَاط بِكُل شئ علما وأحصى كل شئ عددا لايشذ عَن هَذِه الْمقَالة إِلَّا جهمى ردئ
ضليل وهالك مرتاب يمزج الله بخلقه ويخالط مِنْهُ الذَّات بالأقذار والإتيان فِي هَيئته وَهُوَ يُخَالف إِنْكَاره الأين فِي هَذِه الرِّوَايَة وَقَالَ أَبُو الْقَاسِم حَدثنِي بن الْحُسَيْن سَمِعت أَبَا بكر الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت أَبَا عَليّ الروذبارى يَقُول كل مَا توهم متوهم بِالْجَهْلِ أَنه كَذَلِك فالعقل يدل على أَنه بِخِلَافِهِ قَالَ وَسَأَلَ ابْن شاهين الْجُنَيْد عَن معنى مَعَ فَقَالَ على مَعْنيين مَعَ الْأَنْبِيَاء بالنصرة والكلاءة قَالَ الله إِنَّنِي مَعَكُمَا أسمع وَأرى [سُورَة طه 46] وَمَعَ الْعَامَّة بِالْعلمِ والإحاطة قَالَ الله تَعَالَى مَا يكون من نجوى ثَلَاثَة إِلَّا هُوَ رابعهم [سُورَة المجادلة 7] فَقَالَ ابْن شاهين مثلك يصلح أَن يكون دَالا للْأمة على الله
قلت هَذَا كَلَام حسن مُتَّفق على صِحَة مَعْنَاهُ بَين ائمة الْهدى وَكَانُوا يَقُولُونَ مثل هَذَا الْكَلَام ردا على من يَقُول من الْجَهْمِية إِن الْحق بِذَاتِهِ فِي كل مَكَان وَيُمكن أَن يَقُول فَوق الْعَرْش وَقد وَقع فِي ذَلِك طَائِفَة من المتصوفة حَتَّى جَعَلُوهُ عين الموجودات وَنَفس المصنوعات كَمَا يَقُوله أهل الِاتِّحَاد الْعَام قَالَ الْقشيرِي وَسُئِلَ ذُو النُّون الْمصْرِيّ عَن قَوْله الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى [سُورَة طه 5] فَقَالَ اثْبتْ ذَاته وَنفى مَكَانَهُ فَهُوَ مَوْجُود [بِذَاتِهِ والأشياء مَوْجُودَة] بِحكمِهِ كَمَا شَاءَ قلت هَذَا الْكَلَام لم يذكر لَهُ إِسْنَادًا عَن ذِي النُّون وَفِي هَذِه الْكتب من الحكايات المسندة شئ كثير لَا أصل لَهُ فَكيف بِهَذِهِ المنقطعة المسيئة الَّتِي تَتَضَمَّن أَن ينْقل عَن الْمَشَايِخ كَلَام لَا يَقُوله عَاقل فَإِن هَذَا الْكَلَام لَيْسَ فِيهِ مُنَاسبَة لِلْآيَةِ بل هُوَ مُنَاقض لَهَا فَإِن هَذِه الْآيَة لم تَتَضَمَّن إِثْبَات ذَاته وَنفى مَكَانَهُ بِوَجْه من الْوُجُوه فَكيف تفسر بذلك وَأما قَوْله هُوَ مَوْجُود بِذَاتِهِ والأشياء مَوْجُودَة بِحكمِهِ فَهُوَ حق لَكِن لَيْسَ هَذَا معنى الْآيَة
قَالَ وَسُئِلَ الشبلي عَن قَوْله الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى فَقَالَ الرَّحْمَن لم يزل وَالْعرش مُحدث وَالْعرش بالرحمن اسْتَوَى قلت هَذَا الْكَلَام أَيْضا لَيْسَ لَهُ إِسْنَاد عَن الشبلي وَهُوَ يتَضَمَّن من الْبَاطِل مَا هُوَ تَحْرِيف لِلْقُرْآنِ أما قَوْله الرَّحْمَن لم يزل وَالْعرش مُحدث فَحق وَأما قَوْله الْعَرْش بالرحمن اسْتَوَى فَهُوَ أَولا خلاف الْقُرْآن فَإِن الله أخبر أَنه هُوَ الَّذِي اسْتَوَى على الْعَرْش فَكيف يُقَال إِن المستوى إِنَّمَا هُوَ الْعَرْش وَأما ثَانِيًا فَإِنَّهُ إِذا قَالَ الْعَرْش اسْتَوَى بِهِ فَهَذَا لَيْسَ أبلغ من قَوْله إِنَّه اسْتَوَى على الْعَرْش كَمَا فِي حَدِيث ابْن عمر أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أهل حِين اسْتَوَت بِهِ رَاحِلَته وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَن يكون الْعَرْش اسْتَوَى بِاللَّه واستقل بِهِ وَحمله وَإِن لم يرد هَذَا الْمَعْنى وَإِنَّمَا أَرَادَ أَن الْعَرْش اعتدل
واستوى بقدرة الله فَهَذَا لَيْسَ هُوَ معنى الْآيَة بل تَحْرِيف صَرِيح يسْتَحق قَائِله الْعقُوبَة البليغة وَلَا يصلح ان يحْكى مثل هَذ عَن قدوة فِي الدّين بل وَلَا عَن أَطْرَاف النَّاس قَالَ وَسُئِلَ جَعْفَر بن نصير عَن قَوْله تَعَالَى الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى فَقَالَ اسْتَوَى علمه بِكُل شئ فَلَيْسَ شئ أقرب إِلَيْهِ من شئ وَهَذَا من نمط الَّذِي قبله وأردى وَهُوَ أسخف من تأويلات القرامطة الباطنية فَإِن اللَّفْظ لَيْسَ فِيهِ مَا يدل على ذَلِك أصلا وجعفر ابْن نصير أجل من أَن يَقُول هَذَا التحريف الَّذِي لَا يصدر مثله إِلَّا عَن بعض غلاة الرافضة والقرامطة والملحدين الطاعنين فِي الْقُرْآن قَالَ وَقَالَ جَعْفَر الصَّادِق من زعم أَن الله فِي شئ أَو من شئ أَو على شئ فقد أشرك إِذْ لَو كَانَ على شئ لَكَانَ مَحْمُولا أَو كَانَ فِي شئ لَكَانَ محصورا أَو كَانَ من شئ لَكَانَ مُحدثا
قَالَ وَقَالَ جَعْفَر الصَّادِق فِي قَوْله ثمَّ دنا فَتَدَلَّى [سُورَة النَّجْم 8] من تودهم أَنه بِنَفسِهِ دنا جعل ثمَّ مسافلة وانما تدنى أَنه كلما قرب مِنْهُ بعده عَن أَنْوَاع المعارف إِذْ لَا دنو وَلَا بعد قلت هَذَا الْكَلَام وأشباهه مِمَّا اتّفق أهل الْمعرفَة على أَنه مَكْذُوب على جَعْفَر مثل كثير من الإشارات الَّتِي ذكرهَا عَنهُ أَبُو عبد الرَّحْمَن فِي حقائق التَّفْسِير وَالْكذب على جَعْفَر كثير منتشر وَالَّذِي نَقله الْعلمَاء الثِّقَات عَنهُ مَعْرُوف يُخَالف رِوَايَة المفترين عَلَيْهِ قَالَ وَرَأَيْت بِخَط الاستاذ أبي على أَنه قيل لصوفي أَيْن الله فَقَالَ أسحقك الله تطلب مَعَ الْعين أثرا قلت هَذَا كَلَام مُجمل قد يَعْنِي بِهِ الصّديق معنى صَحِيحا وَيَعْنِي بِهِ الزنديق معنى فَاسِدا فَإِن السَّائِل أَيْن الله قد يكون سُؤَاله عَن شكّ عَن معرفَة مَا يسْتَحقّهُ الله من الْعُلُوّ وَقد يكون الاستعلام
عَن حَال الْمَسْئُول كَمَا سَأَلَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْجَارِيَة أَيْن الله فَالَّذِي سَأَلَ الصُّوفِي أَيْن الله إِن كَانَ شاكا فِي نعت ربه أَو جَاهِلا بِحَال الْمَسْئُول فَهُوَ نَاقص فَيحْتَمل أَن الصُّوفِي كَانَ عَارِفًا بِاللَّه وَقد عاين السَّائِل من حَاله مَا عرف بِهِ صدقه فَقَالَ سؤالك سُؤال من يُرِيد أَن يسْتَدلّ بالأثر على حَال وَأَنت قد عَايَنت مَا يُغْنِيك عَن ذَلِك فَقَالَ أتطلب مَعَ الْعين أثرا أَو هدى كَمَا أَن المعروفين بِالْإِيمَان من الصَّحَابَة لم يكن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول لأَحَدهم أَيْن الله وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك لمن شكّ فِي إيمَانه كالجارية وَهَذَا كَمَا يذكر فِي حِكَايَة أُخْرَى أَن بَعضهم لقى شخصا فَقَالَ أَيْن رَبك فَقَالَ لَا تقل أَيْن رَبك وَلَكِن قل أَيْن مَحل الْإِيمَان من قَلْبك أَي ان مثلى لَا يُقَال لَهُ أَيْن رَبك وَإِنَّمَا أسأَل عَمَّا يَلِيق بمثلي أَن يسْأَل عَنهُ بل كَمَا فِي الْحِكَايَة الْمَعْرُوفَة عَن يزِيد بن هَارُون الوَاسِطِيّ وَنَحْوهَا أَيْضا لِأَحْمَد بن حَنْبَل أَن مُنْكرا أَو نكيرا لما أَتَيَاهُ وسألاه من رَبك وَمَا دينك وَمن نبيك فَقَالَ أتقولان لي هَذَا وَأَنا يزِيد بن هَارُون الوَاسِطِيّ أعلم النَّاس السّنة سِتِّينَ سنة فَقَالَا اعذرنا فَإنَّا بِهَذَا أمرنَا وانصرفا وتركاه وَظَاهر الْأَمر فِي حَال الصُّوفِي الَّذِي ذكره الْأُسْتَاذ أبي على أَنه قصد هَذَا لِأَنَّهُ قَالَ للسَّائِل أسحقك الله أتطلب مَعَ الْعين اثرا وَهَذَا
الْعين الَّذِي أغناه عَن الْأَثر إِمَّا أَن يكون فِي مَعْرفَته بربه أَو مَعْرفَته بِحَال الْمَسْئُول فَلَو كَانَ الأول لم يَك جَاهِلا فَيسْأَل أَيْن الله وَلم يجب عَلَيْهِ الصُّوفِي حَتَّى يَقُول لَهُ أسحقك الله فَعلم أَنه كَانَ عَارِفًا بِحَال الصُّوفِي وَطلب مِنْهُ زِيَادَة امتحان لَهُ عَن مَعْرفَته بربه فَقَالَ أتطلب مَعَ الْعين أثرا وَأما الْعين الَّذِي يعنيه الزنديق فَأن يكون من أهل الِاتِّحَاد الْمعِين فيعتقد أَنه عاين الله بِعَين بَصَره فِي الدُّنْيَا فَيَقُول أتطلب مَعَ الْعين أثرا أَو يعْتَقد أَن الْوُجُود المعاين هُوَ عين وجود الْحق كَمَا تَقوله الاتحادية أهل الِاتِّحَاد الْمُطلق أَو نَحْو ذَلِك من مقالات الزَّنَادِقَة الْمُنَافِقين وَلَكِن ظَاهر الْحِكَايَة لَا يُوَافق هَذَا فَإِنَّهُ عِنْد هَؤُلَاءِ الْعين والأثر وَاحِد والصوفي قَالَ أتطلب مَعَ الْعين أثرا وَهَذَا يَقْتَضِي أَن السَّائِل بأين يَصح مِنْهُ طلب الْأَثر بعد الْعين وَلَيْسَ فِي الْحِكَايَة مَقْصُود لأبي الْقَاسِم من نفى كَون الله على الْعَرْش وَلَا يَقُول ابو الْقَاسِم بِأَن الْعَارِف حصل لَهُ فِي الدُّنْيَا من مُعَاينَة الله تَعَالَى مَا يُغْنِيه عَن الْأَثر
قَالَ ابو الْقَاسِم حَدثنَا الشَّيْخ أَبُو عبد الرَّحْمَن سَمِعت أَبَا الْعَبَّاس بن الخشاب الْبَغْدَادِيّ سَمِعت أَبَا الْقَاسِم بن مُوسَى سَمِعت مُحَمَّد بن أَحْمد سَمِعت الانصاري سَمِعت الخراز يَقُول حَقِيقَة الْقرب فقد حسن الْأَشْيَاء من الْقلب وهدوء الضَّمِير إِلَى الله قلت هَذِه الْحِكَايَة فِي إسنادها من لَا يعرف حَاله وَإِن صَحَّ هَذَا الْكَلَام عَن أبي سعيد الخراز فَلَيْسَ مَقْصُوده أَن الْقرب من الله لَيْسَ إِلَّا مُجَرّد ذَلِك وَلَكِن أَرَادَ أَن هَذَا هُوَ الَّذِي يُحَقّق الْقرب وَحَقِيقَة الشئ عِنْدهم مَا يحققه فَيكون عِلّة لوُجُوده ودليلا على صِحَّته كَمَا يروون فِي الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ ابْن عَسَاكِر مُرْسلا وروى مُسْندًا من وَجه ضَعِيف لَا يثبت أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لحارثة ابْن سراقَة كَيفَ أَصبَحت يَا حَارِثَة قَالَ أَصبَحت مُؤمنا حَقًا قَالَ فَمَا حَقِيقَة أيمانك فَقَالَ عزفت نَفسِي عَن الدُّنْيَا فآستوى عِنْدِي حجرها وذهبها وَكَأَنِّي أنظر إِلَى عرش رَبِّي بارزا وَكَأَنِّي أنظر إِلَى أهل الْجنَّة يتمتعون فِيهَا وَإِلَى أهل النَّار يُعَذبُونَ فِيهَا فَقَالَ
عرفت فألزم عبد نور الله قلبه فَقَوْلهم فِي هَذَا الحَدِيث الَّذِي يَرْوُونَهُ مَا حَقِيقَة إيمانك أَي مَا يحققه ويصدقه فَذكر مَا يصدقهُ ويحققه من الْيَقِين والزهد كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيث نجا أول هَذِه الْأمة بِالْيَقِينِ والزهد فَقَوْل أبي سعيد حَقِيقَة الْقرب أَي الَّذِي يحققه هُوَ خلو الْقلب مِمَّا سوى الله وسكونه إِلَى الله وَهَذَا تَحْقِيق الْإِخْلَاص والتوحيد الَّذِي من حَقَّقَهُ كَانَ أقرب الْخلق إِلَى الله وَهُوَ تَحْقِيق كلمة الْإِخْلَاص لَا إِلَه إِلَّا الله وَهَذَا على دَرَجَتَيْنِ فَأهل الفناء يفقدون إِدْرَاك الْأَشْيَاء ومعرفتها مصطلمين فِي ذكر الله وَالْمَلَائِكَة وأولو الْعلم وَهُوَ سُبْحَانَهُ شهد وحدانيتهم فِي الإلهيته متضمنه شَهَادَته لجَمِيع خلقه فَإِنَّهُ شَهِيد عليم لَيْسَ عَن الْمَخْلُوقَات بغائب فأولو الْعلم
الشاهدون أَلا إِلَه إِلَّا هُوَ إِذا لم يكن فيهم عجز يُوجب الفناء يُعْطون من الْقُوَّة على مَا يشْهدُونَ بِهِ الْأَمر وَتلك شَهَادَة كَامِلَة أكمل من شَهَادَة اهل الفناء فيفقدون تأله قُلُوبهم للأشياء ووجدهم وطمأنينتهم إِلَيْهَا معتاضين بتأله قُلُوبهم لله ووجدهم بِهِ وطمأنينة قُلُوبهم بِذكرِهِ لَا يفقدون الشَّهَادَة الَّتِي تزيد فِي علمهمْ وَإِيمَانهمْ من شُهُود الربوبية المحيطة جملَة وتفصيلا والإلهية الْوَاجِبَة جملَة وتفصيلا وَمَا يدْخل فِي ذَلِك من أَصْنَاف الْمَخْلُوقَات والمأمورات وَقَالَ أَبُو الْقَاسِم سَمِعت مُحَمَّد بن الْحُسَيْن سَمِعت مُحَمَّد بن عَليّ الْحَافِظ سَمِعت ابا معَاذ الْقزْوِينِي سَمِعت أَبَا عَليّ الدَّلال سَمِعت أَبَا عبد الله بن قهرمان سَمِعت إِبْرَاهِيم الْخَواص يَقُول انْتَهَيْت إِلَى رجل وَقد صرعه الشَّيْطَان فَجعلت أؤذن فِي أُذُنه فناداني الشَّيْطَان من جَوْفه دَعْنِي أَقتلهُ فَإِنَّهُ يَقُول الْقُرْآن مَخْلُوق قلت هَذِه الْحِكَايَة مُوَافقَة لأصول السّنة وَقد ذكرُوا نَحْوهَا حكايات وَاعْترض فِي ذَلِك الْغَزالِيّ وَغَيره بِأَن هَذَا الِاسْتِدْلَال
بِكَلَام الشَّيَاطِين فِي أصُول الدّين وَذكر عَن الإِمَام أَحْمد فِي ذَلِك حِكَايَة بَاطِلَة ذكرهَا فِي المنخول فَقَالَ رب رجل يعْتَقد الشئ دَلِيلا وَلَيْسَ بِدَلِيل كَمَا يذكر وَجَوَاب هَذَا أَن الْجِنّ فيهم الْمُؤمن وَالْكَافِر كَمَا دلّ على ذَلِك الْقُرْآن وَيعرف ذَلِك بِحَال المصروع وَيعرف بِأَسْبَاب قد يقْضِي بهَا أهل الْمعرفَة فَإِذا عرف ان الجني من أهل الْإِيمَان كَانَ هَذَا مثل مَا قصه الله فِي الْقُرْآن من إِيمَان الْجِنّ بِالْقُرْآنِ وكما فِي السِّيرَة من أَخْبَار الهواتف وَإِبْرَاهِيم الْخَواص من أكبر الرِّجَال الَّذين لَهُم خوارق فَلهُ علمه بِأَن هَذَا الجني من الْمُؤمنِينَ لما ذكر هَذِه الْحِكَايَة على سَبِيل الذَّم لمن يَقُول بِخلق الْقُرْآن