فصل فِيمَا ذكره الاستاذ ابو الْقَاسِم الْقشيرِي فِي بَاب الرِّضَا عَن الشَّيْخ ابي
لانظر اليك اَوْ اجلالا لَك وامثال هَذِه الْكَلِمَات ومقصودهم بذلك طلب مَا هُوَ اعلى من الاكل وَالشرب والتمتع بالمخلوق وَلَكِن غلطوا فِي اخراج ذَلِك من الْجنَّة وَقد يغلطون ايضا فِي ظنهم انهم يعْبدُونَ الله بلاحظ وَلَا ارادة وان كل مَا يطْلب مِنْهُ فَهُوَ حَظّ النَّفس وتوهموا ان الْبشر يعْمل بِلَا ارادة وَلَا مَطْلُوب وَلَا مَحْبُوب وَهُوَ سوء معرفَة بِحَقِيقَة الايمان وَالدّين والاخرة وَسبب ذَلِك ان همة احدهم الْمُتَعَلّقَة بمطلوبه ومحبوبه ومعبوده تقنيه عَن نَفسه حَتَّى لَا يشْعر بِنَفسِهِ واراداتها فيظن انه يفعل بِغَيْر مُرَاد وَالَّذِي طلبه وعلق بِهِ همته هُوَ غَايَة مُرَاده ومحبوبه ومطلوبه وَهَذَا كَحال كثير من الصَّالِحين والصادقين وارباب الاحوال والمقامات يكون لاحدهم وجد صَحِيح وذوق سليم لَكِن لَيْسَ لَهُ
عبارَة تبين مُرَاده فَيَقَع فِي كَلَامه غلط وَسُوء ادب مَعَ صِحَة مَقْصُوده وان كَانَ من النَّاس من يَقع مِنْهُ غلط فِي مُرَاده واعتقاده فَهَؤُلَاءِ الَّذين قَالُوا مثل هَذَا الْكَلَام اذا عنوا بِهِ طلب رُؤْيَة الله تَعَالَى اصابوا فِي ذَلِك لَكِن أخطأوا من جِهَة انهم جعلُوا ذَلِك خَارِجا عَن الْجنَّة فأسقطوا حُرْمَة اسْم الْجنَّة وَلزِمَ من ذَلِك امور مُنكرَة وَنَظِير ذَلِك مَا ذكره عَن الشبلي رَحمَه الله انه سمع قَارِئًا يقْرَأ ﴿مِنْكُم من يُرِيد الدُّنْيَا ومنكم من يُرِيد الْآخِرَة﴾ سُورَة آل عمرَان 152 فَصَرَخَ وَقَالَ ايْنَ من يُرِيد الله فيحمد مِنْهُ كَونه اراد الله وَلَكِن غلط فِي ظَنّه ان الَّذين ارادوا الأخرة مَا ارادوا الله
وَهَذِه الاية فِي اصحاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الَّذين كَانُوا مَعَه بِأحد وهم افضل الْخلق فَإِن لم يُرِيدُوا الله افيريد الله من هُوَ دونهم كالشبلي وامثاله وَمثل ذَلِك مَا اعرفه عَن بعض الْمَشَايِخ انه سُئِلَ مرّة عَن قَوْله ﴿إِن الله اشْترى من الْمُؤمنِينَ أنفسهم وَأَمْوَالهمْ بِأَن لَهُم الْجنَّة﴾ سُورَة التَّوْبَة 111 قَالَ فَإِذا كَانَت الانفس والاموال فِي ثمن الْجنَّة فالرؤية بِمَ تنَال فَأَجَابَهُ مُجيب بِمَا يشبه هَذَا السُّؤَال وَالْوَاجِب ان نعلم ان كل مَا اعده الله لأوليائه من نعيم بِالنّظرِ اليه وَمَا سوى ذَلِك فَهُوَ فِي الْجنَّة كَمَا ان كل مَا توعد بِهِ اعداءه هُوَ فِي النَّار وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿فَلَا تعلم نفس مَا أُخْفِي لَهُم من قُرَّة أعين﴾ سُورَة السَّجْدَة 17
وَفِي الحَدِيث الصَّحِيح عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول الله اعددت لعبادي الصَّالِحين مَا لَا عين رَأَتْ وَلَا اذن سَمِعت وَلَا خطر على قلب بشر بله مَا اطعتم عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ فِي قَوْله فِي حَدِيث ابْن عمر عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ان ادنى اهل الْجنَّة منزلَة من ينظر فِي ملكه من مسيرَة الف عَام وان اعلاهم منزلَة من ينظر الى وَجه الله بكرَة وعشيا
وَقَوله فِي حَدِيث صُهَيْب اذا دخل اهل الْجنَّة الْجنَّة نَادَى مُنَاد يَا اهل الْجنَّة ان لكم عِنْد الله موعدا الحَدِيث ثمَّ قَالَ فَيكْشف الْحجاب فَيَنْظُرُونَ اليه وَشبه ذَلِك واذا علم ان جَمِيع ذَلِك وامثاله دَاخل فِي الْجنَّة فَالنَّاس على دَرَجَات متفاوته كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿انْظُر كَيفَ فضلنَا بَعضهم على﴾
﴿بعض وللآخرة أكبر دَرَجَات وأكبر تَفْضِيلًا﴾ سُورَة الاسراء 21 وكل مَطْلُوب للْعَبد بِعبَادة وقربة اَوْ دُعَاء اَوْ غير ذَلِك من مطَالب الاخرة هُوَ فِي الْجنَّة وَطلب الْجنَّة والاستعاذة من النَّار طَرِيق انبياء الله وَرُسُله وَجَمِيع اولياء الله السَّابِقين المقربين واصحاب الْيَمين كَمَا فِي السّنَن ان النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سَأَلَ بعض اصحابه كَيفَ تَقول فِي دعائك قَالَ اقول اللَّهُمَّ اني أَسأَلك الْجنَّة واعوذ بك من النَّار اما اني لَا احسن دندنتك وَلَا دندنة معَاذ فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حولهَا ندندن فقد اخبر انه
هُوَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ومعاذ وَهُوَ افضل الائمة الراتبين بِالْمَدِينَةِ فِي حَيَاة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم انما يدندنون حول الْجنَّة أفيكون قَول اُحْدُ فَوق قَول رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ومعاذ وَمن يُصَلِّي خلفهمَا من الْمُهَاجِرين والانصار وَلَو طلب هَذَا العَبْد مَا طلب كَانَ فِي الْجنَّة وَأهل الْجنَّة نَوْعَانِ سَابِقُونَ مقربون وأبرار أَصْحَاب يَمِين قَالَ تَعَالَى كلا ان كتاب الابرار لفي عليين وَمَا ادراك مَا عليون كتاب مرقوم يشهده المقربون ان الابرار لفي نعيم على الأرائك ينظرُونَ تعرف فِي وُجُوههم نَضرة النَّعيم يسقون من رحيق مختوم ختامه مسك وَفِي ذَلِك فَلْيَتَنَافَس الْمُتَنَافسُونَ ومزاجه من تسنيم عينا يشرب بهَا المقربون سُورَة المطففين 18 27
قَالَ ابْن عَبَّاس تمزج لأَصْحَاب الْيَمين مزجا ويشربها المقربون صرفا وَقد ثَبت فِي الصَّحِيح عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم انه قَالَ اذا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذّن فَقولُوا مثل مَا يَقُول ثمَّ صلوا على فانه من صلى على مرّة صلى الله عَلَيْهِ عشرا ثمَّ سلوا الله لي الْوَسِيلَة فانها دَرَجَة فِي الْجنَّة لَا تنبغي الا لعبد من عباد الله وارجو ان اكون انا ذَلِك العَبْد فَمن سَأَلَ الله لي الْوَسِيلَة حلت عَلَيْهِ شَفَاعَتِي يَوْم الْقِيَامَة فقد اخبر ان الْوَسِيلَة الَّتِي لَا تصلح الا لعبد وَاحِد من عباد الله وَرَجا ان يكون هُوَ ذَلِك العَبْد هِيَ دَرَجَة فِي الْجنَّة فَهَل بَقِي بعد الْوَسِيلَة شَيْء اعلى مِنْهَا يكون خَارِجا عَن الْجنَّة يصلح للمخلوقين
وَثَبت فِي الصَّحِيح ايضا فِي حَدِيث الْمَلَائِكَة الَّذين يَلْتَمِسُونَ النَّاس فِي مجَالِس الذّكر قَالَ فَيَقُولُونَ للرب تَعَالَى وجدناهم يسبحونك ويحمدونك ويكبرونك قَالَ فَيَقُول وَمَا يطْلبُونَ قَالُوا يطْلبُونَ الْجنَّة قَالَ فَيَقُول وَهل رأوها قَالَ فَيَقُولُونَ لَا قَالَ فَيَقُول فَكيف لَو رأوها قَالَ فَيَقُولُونَ لَو رأوها لكانوا اشد لَهَا طلبا قَالَ وَمِمَّا يستعيذون قَالُوا يستعيذون من النَّار قَالَ فَيَقُول فَهَل رأوها قَالَ فَيَقُولُونَ لَا قَالَ فَيَقُول فيكف لَو رأوها قَالُوا لَو رأوها لكانوا اشد مِنْهَا استعاذه قَالَ فَيَقُول اشهدكم اني قد اعطيتهم مَا يطْلبُونَ واعذتهم مِمَّا يستعيذون اَوْ كَمَا قَالَ قَالَ فَيَقُولُونَ فيهم فلَان الخطاء جَاءَ لحَاجَة فَجَلَسَ مَعَهم قَالَ فَيَقُول هم الْقَوْم لَا يشقى
بهم جليسهم فَهَؤُلَاءِ الَّذين هم من افضل اولياء الله كَانَ مطلوبهم الْجنَّة ومهربهم من النَّار وايضا فالنبي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما بَايع الانصار لَيْلَة الْعقبَة وَكَانَ الَّذين بَايعُوهُ من افضل السَّابِقين الاولين الَّذين هم افضل من هَؤُلَاءِ الْمَشَايِخ كلهم قَالُوا للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اشْترط لِرَبِّك وَلِنَفْسِك ولاصحابك قَالَ اشْتَرِ لنَفْسي ان تنصروني مِمَّا تنْصرُونَ مِنْهُ انفسكم واهليكم وَاشْترط لِأَصْحَابِي ان تواسوهم قَالُوا فَإِذا فعلنَا ذَلِك فَمَا لنا قَالَ لكم الْجنَّة قَالُوا امدد يدك فوَاللَّه لَا نقيلك وَلَا نستقيلك وَقد قالو لَهُ فِي اثناء
الْبيعَة ان بَيْننَا وَبَين الْقَوْم حِبَالًا وعهودا وانا ناقضوها فَهَؤُلَاءِ الَّذين بَايعُوهُ هم من اعظم خلق الله محبَّة لله وَرَسُوله وبذلا لنفوسهم واموالهم فِي رضَا الله وَرَسُوله على وَجه لَا يلحقهم فِيهِ اُحْدُ من هَؤُلَاءِ الْمُتَأَخِّرين قد كَانَ غَايَة مَا طلبوه بذلك الْجنَّة فَلَو كَانَ هُنَاكَ مَطْلُوب اعلى من ذَلِك لطلبوه لكِنهمْ علمُوا ان فِي الْجنَّة كل مَحْبُوب ومطلوب بل وَفِي الْجنَّة مَا لَا
تشعر بِهِ النُّفُوس لتطلبه فَإِن الطّلب وَالْحب والارادة فرع عَن الشُّعُور والاحساس والتصور فَمَا لَا يحسه الانسان وَلَا يتصوره وَلَا يشْعر بِهِ يمْتَنع ان يَطْلُبهُ وَيُحِبهُ ويريده وَالْجنَّة فِيهَا هَذَا وَهَذَا كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿لَهُم مَا يشاؤون فِيهَا ولدينا مزِيد﴾ سُورَة ق 35 وَقَالَ ﴿وفيهَا مَا تشتهيه الْأَنْفس وتلذ الْأَعْين﴾ سُورَة الزخرف 71 فَفِيهَا كل مَا يشتهونه وفيهَا مزِيد على ذَلِك وَهُوَ مَا لم يبلغهُ علمهمْ ليشتهوه كَمَا قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا لَا عين رَأَتْ وَلَا اذن سَمِعت وَلَا خطر على قلب بشر وَهَذَا بَاب وَاسع فَإِذا عرفت هَذِه الْمُقدمَة فَقَوْل الْقَائِل الرِّضَا ان لَا تسْأَل الله الْجنَّة وَلَا تستعيذه من النَّار ان اراد بذلك ان لَا تسْأَل الله مَا هُوَ دَاخل فِي مُسَمّى الْجنَّة الشَّرْعِيَّة فَلَا تسأله النّظر اليه وَلَا غير ذَلِك مِمَّا هُوَ مَطْلُوب جَمِيع الانبياء والاولياء وانك لَا تستعيذ بِهِ
لَا من احتجابه عَنْك وَلَا من تعذيبك فِي النَّار فَهَذَا الْكَلَام مَعَ كَونه مُخَالفا لجَمِيع الانبياء وَالْمُرْسلِينَ وَسَائِر الْمُؤمنِينَ فَهُوَ متناقض فِي نَفسه فَاسد فِي صَرِيح الْمَعْقُول وَذَلِكَ ان الراضي الَّذِي لَا يسْأَل انما لَا يسْأَله لرضاه عَن الله وَرضَاهُ عَنهُ انما هُوَ بعد مَعْرفَته بِهِ ومحبته لَهُ فَإِذا قدر انه حجب فَرضِي بِزَوَال كل نعيم فَرضِي بِزَوَال رِضَاهُ عَن الله وبزوال محبته لله واذا لم يبْق مَعَه رضَا عَن الله وَلَا محبَّة لله فَكَأَنَّهُ قَالَ يُرْضِي ان لَا يرضى وَهَذَا جمع بَين النقيضين وَلَا ريب انه كَلَام من لم يتَصَوَّر مَا يَقُول وَلَا عقله يُوضح ذَلِك ان الراضي انما يحملهُ على احْتِمَال المكاره والآلام مَا يجده من لَذَّة الرِّضَا وحلاوته فَإِذا فقد تِلْكَ الْحَلَاوَة واللذة امْتنع ان يحْتَمل الما ومرارة فَكيف يتَصَوَّر ان يكون رَاضِيا وَلَيْسَ مَعَه من حلاوة الرِّضَا مَا يحمل بِهِ مرَارَة المكاره
وانما هَذَا من جنس كَلَام السَّكْرَان والفاني الَّذِي وجد فِي نَفسه حلاوة الرِّضَا فَظن ان هَذَا يبْقى مَعَه على أَي حَال كَانَ وَهَذَا غلط عَظِيم مِنْهُ كغلط سمنون كَمَا تقدم وان اراد بذلك ان لَا يسْأَل التَّمَتُّع بالمخلوق بل يسْأَل مَا هُوَ اعلى من ذَلِك فقد غلط من وَجْهَيْن من جِهَة انه لم يَجْعَل ذَلِك الْمَطْلُوب من الْجنَّة وَهُوَ أَعلَى نعيم الْجنَّة وَمن جِهَة انه ايضا اثْبتْ انه طَالب مَعَ كَونه رَاضِيا فَإِذا كَانَ الرِّضَا لَا يُنَافِي هَذَا الطّلب فَلَا يُنَافِي طلبا اخر اذا كَانَ مُحْتَاجا الى مَطْلُوبه وَمَعْلُوم ان تنعمه بِالنّظرِ لَا يتم الا بسلامته من النَّار وبتنعمه من الْجنَّة بِمَا هُوَ دون النّظر وَمَا لَا يتم الْمَطْلُوب الا بِهِ فَهُوَ مَطْلُوب فَيكون طلبه للنَّظَر طلبا للوازمه الَّتِي مِنْهَا النجَاة من النَّار فَيكون رِضَاهُ لَا يُنَافِي طلب حُصُول الْمَنْفَعَة وَلَا دفع الْمضرَّة عَنهُ وَلَا طلب حُصُول الْجنَّة وَدفع النَّار وَلَا غَيرهمَا مِمَّا هُوَ من لَوَازِم النّظر فَتبين تنَاقض قَوْله وايضا فَإِذا لم يسْأَل الله الْجنَّة لم يستعذ بِهِ من النَّار فإمَّا ان يطْلب من الله مَا هُوَ دون ذَلِك مِمَّا يحْتَاج اليه من جلب مَنْفَعَة وَدفع
مضبرة واما ان لَا يَطْلُبهُ فَإِن طلب مَا هُوَ دون ذَلِك واستعاذ مِمَّا هُوَ دون ذَلِك فَطَلَبه للجنة اولى واستعاذته من النَّار اولى وان كَانَ الرِّضَا ان لَا يطْلب شَيْئا قطّ وَلَو كَانَ مُضْطَرّا اليه وَلَا يستعيذ من شَيْء قطّ وَلَو كَانَ مضرا بِهِ فَلَا يَخْلُو اما ان يكون ملتفتا بِقَلْبِه الى الله فِي ان يفعل بِهِ ذَلِك واما ان يكون معرضًا عَن ذَلِك فَإِن الْتفت بِقَلْبِه الى الله فَهُوَ طَالب مستعيذ بِحَالهِ وَلَا فرق بَين الطّلب بِالْحَال والقال بل هُوَ بهما اكمل واتم فَلَا يعدل عَنهُ وان كَانَ معرضًا عَن جَمِيع ذَلِك فَمن الْمَعْلُوم انه لَا يحيا وَيبقى الا بِمَا يُقيم حَيَاته وَيدْفَع مضاره فَذَلِك الَّذِي بِهِ يحيا من طلب جلب الْمَنَافِع وَدفع المضار اما ان يُحِبهُ ويطلبه ويريده من اُحْدُ اَوْ لَا يُحِبهُ وَلَا يَطْلُبهُ وَلَا يُريدهُ فَإِن احبه وَطَلَبه واراده من غير الله كَانَ مُشْركًا مذموما فضلا على ان يكون مَحْمُودًا
وان قَالَ لَا احبه وَلَا اطلبه وَلَا اريده لَا من الله وَلَا من خلقه قيل هَذَا مُمْتَنع فِي الْحَيّ فَإِن الْحَيّ يمْتَنع عَلَيْهِ ان لَا يحب مَا بِهِ يبْقى وَهَذَا امْر مَعْلُوم بالحس وَمن كَانَ بِهَذِهِ المثابة امْتنع ان يُوصف بِالرِّضَا فَإِن الراضي مَوْصُوف بحب وارادة خَاصَّة اذ الرِّضَا مُسْتَلْزم لذَلِك فَكيف يسلب عَنهُ ذَلِك كُله فَهَذَا وامثاله مِمَّا يبين فَسَاد هَذَا الْكَلَام فِي الْعقل واما الرِّضَا فِي سَبِيل الله وَطَرِيقه وَدينه فَمن وُجُوه احدها ان يُقَال الراضي لَا بُد ان يفعل مَا يرضاه الله الا فَكيف يكون رَاضِيا عَن الله من لَا يفعل مَا يرضاه الله وَكَيف يسوغ رضَا مَا يكرههُ الله ويسخطه ويذمه وَينْهى عَنهُ وَبَيَان هَذَا ان الرِّضَا الْمَحْمُود اما ان يكون الله يُحِبهُ ويرضاه
واما ان لَا يُحِبهُ ويرضاه فَإِن لم يكن يُحِبهُ ويرضاه لم يكن هَذَا الرِّضَا مَأْمُورا بِهِ لَا امْر ايجاب وَلَا امْر اسْتِحْبَاب فَإِن من الرِّضَا مَا هُوَ كفر كرضا الْكفَّار بالشرك وَقتل الانبياء وتكذيبهم ورضاهم بِمَا يسخطه الله ويكرهه قَالَ تَعَالَى ﴿ذَلِك بِأَنَّهُم اتبعُوا مَا أَسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أَعْمَالهم﴾ سُورَة مُحَمَّد 28 فَمن اتبع مَا يسْخط الله بِرِضَاهُ وَعَمله فقد اسخط الله وَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ان الْخَطِيئَة اذا عملت فِي الارض كَانَ من غَابَ عَنْهَا ورضيها كمن شَهِدَهَا وَمن شَهِدَهَا وسخطها كَانَ كمن غَابَ عَنْهَا وانكرها وَقَالَ صلى الله
عَلَيْهِ وَسلم سَيكون بعدِي امراء تعرفُون وتنكرون فَمن انكر فقد برِئ وَمن كره فقد سلم وَلَكِن من رَضِي وتابع وَقَالَ تَعَالَى ﴿يحلفُونَ لكم لترضوا عَنْهُم فَإِن ترضوا عَنْهُم فَإِن الله لَا يرضى عَن الْقَوْم الْفَاسِقين﴾ سُورَة التَّوْبَة 96 فرضانا عَن الْقَوْم الْفَاسِقين لَيْسَ مِمَّا يُحِبهُ الله ويرضاه وَهُوَ لَا يرضى عَنْهُم وَقَالَ تَعَالَى ﴿أرضيتم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا من الْآخِرَة فَمَا مَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا فِي الْآخِرَة إِلَّا قَلِيل﴾ سُورَة التَّوْبَة: 38 فَهَذَا رضى قد ذمه الله وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِن الَّذين لَا يرجون لقاءنا وَرَضوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا واطمأنوا بهَا﴾ سُورَة يُونُس 7 فَهَذَا أَيْضا مَذْمُوم وشواهد هَذَا كَثِيرَة
فَمن رَضِي بِكُفْرِهِ وَكفر غَيره وفسقه وَفسق غَيره ومعاصيه ومعاصي غَيره فَلَيْسَ هُوَ مُتبعا لرضا الله وَلَا هُوَ مُؤمن بِاللَّه بل هُوَ مسخط لرَبه وربه غَضْبَان عَلَيْهِ لَا عَن لَهُ ذام لَهُ متوعد لَهُ بالعقاب وَطَرِيق الله الَّتِي يَأْمر بهَا الْمَشَايِخ المهتدون انما هِيَ الامر بِطَاعَة الله وَالنَّهْي عَن مَعْصِيَته فَمن امْر وَاسْتحبَّ اَوْ مدح الرِّضَا الَّذِي يكرههُ الله ويذمه وَينْهى عَنهُ ويعاقب اصحابه فَهُوَ عَدو لله لَا ولي لله وَهُوَ يصد عَن سَبِيل الله وَطَرِيقه لَيْسَ بسالك لسبيله وَطَرِيقه واذا كَانَ الرِّضَا الْمَوْجُود فِي بني آدم مِنْهُ مَا يُحِبهُ الله وَمِنْه مَا يكرههُ ويسخطه وَمِنْه مَا هُوَ مُبَاح لَا من هَذَا وَلَا من هَذَا كَسَائِر اعمال الْقُلُوب من الْحبّ والبغض وَغير ذَلِك كلهَا يَنْقَسِم الى مَحْبُوب لله ومكروه لله ومباح فَإِذا كَانَ الامر كَذَلِك فالراضي الَّذِي لَا يسْأَل الله الْجنَّة وَلَا يستعيذه من النَّار يُقَال لَهُ سُؤال
الله الْجنَّة واستعاذته من النَّار اما ان تكون وَاجِبَة واما ان تكون مُسْتَحبَّة واما ان تكون مُبَاحَة واما ان تكون مُحرمَة واما ان تكون مَكْرُوهَة وَلَا يَقُول مُسلم انها مُحرمَة وَلَا مَكْرُوهَة وَلَيْسَت ايضا مُبَاحَة مستوية الطَّرفَيْنِ وَلَو قيل انها كَذَلِك فَفعل الْمُبَاح المستوى الطَّرفَيْنِ لَا يُنَافِي الرِّضَا اذ لَيْسَ من شَرط الراضي ان لَا يَأْكُل وَلَا يشرب وَلَا يلبس وَلَا يفعل امثال هَذِه الامور فَإِذا كَانَ مَا يَفْعَله من هَذِه الامور لَا يُنَافِي رِضَاهُ اينافي رِضَاهُ دُعَاء وسؤال هُوَ مُبَاح واذا كَانَ الدُّعَاء وَالسُّؤَال كَذَلِك وَاجِبا اَوْ مُسْتَحبا فمعلوم ان الله يرضى بِفعل الْوَاجِبَات والمستحبات فَكيف يكون الراضي الَّذِي هُوَ من اولياء الله لَا يفعل مَا يرضاه الله وَيُحِبهُ بل يفعل مَا يسخطه ويكرهه وَهَذِه صفة اعداء الله لَا اولياء الله والقشيري قد ذكر هَذَا فِي اوائل بَاب الرِّضَا فَقَالَ اعْلَم ان الْوَاجِب على العَبْد ان يرضى بِقَضَاء الله الَّذِي امْر
بِالرِّضَا بِهِ اذ لَيْسَ كل مَا هُوَ بِقَضَائِهِ يجوز للْعَبد اَوْ يجب على العَبْد الرِّضَا بِهِ كالمعاصي وفنون محن الْمُسلمين وَهَذَا الَّذِي قَالَه قَالَه قبله وَبعده وَغَيره وَمَعَهُ غير وَاحِد من الْعلمَاء كَالْقَاضِي ابي بكر وَالْقَاضِي ابي يعلى وامثالهما لما احْتج عَلَيْهِم بعض الْقَدَرِيَّة بِأَن الرِّضَا بِقَضَاء الله مَأْمُور بِهِ فَلَو كَانَت الْمعاصِي بِقَضَاء الله لَكنا مأمورين بِالرِّضَا بهَا الرِّضَا بِمَا نهى الله عَنهُ لَا يجوز فأجابهم اهل السّنة عَن ذَلِك بِثَلَاثَة اجوبة أَحدهَا وَهُوَ جَوَاب هَؤُلَاءِ وجماهير الائمة ان هَذَا الْعُمُوم لَيْسَ بِصَحِيح فلسنا مأمورين ان نرضى بِكُل مَا قضى وَقدر وَلم يَجِيء فِي الْكتاب وَالسّنة امْر بذلك وَلَكِن علينا ان نرضى بِمَا امرنا بِالرِّضَا بِهِ كطاعة الله وَرَسُوله وَهَذَا هُوَ الَّذِي ذكره ابو الْقَاسِم وَالْجَوَاب الثَّانِي انهم قَالُوا انا نرضى بِالْقضَاءِ الَّذِي هُوَ
صفة الله اَوْ فعله وَلَا نرضى بالمقضى الَّذِي هُوَ مَفْعُوله وَفِي هَذَا الْجَواب ضعف قد بَيناهُ فِي غير هَذَا الْموضع الثَّالِث انهم قَالُوا ان هَذِه الْمعاصِي لَهَا وَجْهَان وَجه الى العَبْد من حَيْثُ هِيَ فعله وصنعه وَكَسبه وَوجه الى الرب من حَيْثُ انه خلقهَا وقضاها وقدرها فنرضى من الْوَجْه الَّذِي يُضَاف بِهِ الى الله وَلَا نرضى من الْوَجْه الَّذِي يُضَاف بِهِ الى العَبْد اذ كَونهَا شرا وقبيحة ومحرمة وسببا للعذاب والذم وَنَحْو ذَلِك انما هُوَ من جِهَة كَونهَا مُضَافَة الى العَبْد وَهَذَا مقَام فِيهِ من كشف الْحَقَائِق والاسرار مَا قد ذكرنَا مِنْهُ مَا ذكرنَا فِي غير هَذَا الْموضع وَلَا يحْتَملهُ هَذَا الْمَكَان فَإِن هَذَا مُتَعَلق بمسائل الصِّفَات وَالْقدر وَهُوَ من اعظم مطَالب الدّين واشرف عُلُوم الاولين والاخرين وادقها على عقول اكثر الْعَالمين
وَالْمَقْصُود هُنَا ان مَشَايِخ الصُّوفِيَّة وَغَيرهم من الْعلمَاء قد بينوا أَن من الرِّضَا مَا يكون جَائِزا وَمِنْه مَالا يكون جَائِزا فضلا عَن كَونه مُسْتَحبا اَوْ من صِفَات المقربين وان ابا الْقَاسِم ذكر فِي الرسَالَة ذَلِك ايضا فَإِن قيل هَذَا الَّذِي ذكرتموه امْر بَين وَاضح فَمن ايْنَ غلط من قَالَ الرِّضَا ان لَا تسْأَل الله الْجنَّة وَلَا تستعيذه من النَّار وَغلط من يستحسن مثل هَذَا الْكَلَام كَائِنا من كَانَ قيل غلطوا فِي ذَلِك لأَنهم رَأَوْا ان الراضي بِأَمْر لَا يطْلب غير ذَلِك الامر فَالْعَبْد اذا كَانَ فِي حَال من الاحوال فَمن رِضَاهُ ان لَا يطْلب غير تِلْكَ الْحَال ثمَّ انهم رَأَوْا ان اقصى المطالب الْجنَّة واقصى المكاره النَّار فَقَالُوا يَنْبَغِي ان لَا يطْلب شَيْئا وَلَو انه الْجنَّة وَلَا يكره شَيْئا وَلَو انه النَّار فَهَذَا وَجه غلطهم وَدخل الضلال عَلَيْهِم من وَجْهَيْن احدهما ظنهم ان الرِّضَا بِكُل مَا يكون امْر يُحِبهُ الله ويرضاه
وان هَذَا من اعظم طرق اولياء الله فَجعلُوا الرِّضَا بِكُل حَادث وكائن اَوْ بِكُل حَال يكون فِيهَا العَبْد طَرِيقا الى الله فضلوا ضلالا مُبينًا الطَّرِيق الى الله انما هِيَ ان ترضيه بِأَن تفعل مَا يُحِبهُ ويرضاه لَا ان ترْضى بِكُل مَا يحدث وَيكون فَإِنَّهُ هُوَ لم يَأْمُرك بذلك وَلَا رضيه لَك وَلَا احبه بل هُوَ سُبْحَانَهُ يكره ويسخط وَيبغض على اعيان اَوْ افعال مَوْجُودَة لَا يحصيها الا هُوَ وَولَايَة الله مُوَافَقَته بِأَن تحب مَا يحب وَتبْغض مَا يبغض وَتكره مَا يكره وتسخط مَا يسْخط وتوالي من يوالي وتعادي من يعادي فَإِذا كنت تحب وترضى مَا يسخطه ويكرهه كنت عدوه وَلَا وليه وَكَانَ كل ذمّ نَالَ من رَضِي مَا اسخط الله قد نالك فَتدبر هَذَا فَإِنَّهُ تَنْبِيه على اصل عَظِيم ضل فِيهِ من طوائف النساك والصوفية والعباد الْعَامَّة من لَا يحصيهم الا الله
الْوَجْه الثَّانِي انهم لم يفرقُوا بَين الدُّعَاء الَّذِي امروا بِهِ امْر ايجاب وامر اسْتِحْبَاب وَبَين الدُّعَاء الَّذِي نهوا عَنهُ اَوْ لم يؤمروا بِهِ وَلم ينهوا عَنهُ فَإِن دُعَاء العَبْد لرَبه ومسألته اياه ثَلَاثَة انواع نوع امْر بِهِ العَبْد اما امْر ايجاب واما امْر اسْتِحْبَاب مثل قَوْله ﴿اهدنا الصِّرَاط الْمُسْتَقيم﴾ سُورَة الْفَاتِحَة 6 وَمثل دُعَائِهِ فِي اخر الصَّلَاة كالدعاء الَّذِي كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَأْمر بِهِ اصحابه فَقَالَ اذا قعد احدكم فِي التَّشَهُّد فليستعذ بِاللَّه من ارْبَعْ من عَذَاب جَهَنَّم وَعَذَاب الْقَبْر وفتنة الْمحيا وَالْمَمَات وفتنة الْمَسِيح الدَّجَّال فَهَذَا دُعَاء امْر بِهِ النَّبِي
صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الصَّحَابَة ان يدعوا بِهِ فِي اخر صلَاتهم وَقد اتّفقت الامة على انه مَشْرُوع يُحِبهُ الله وَرَسُوله ويرضاه وَتَنَازَعُوا فِي وُجُوبه فأوجبه طَاوُوس وَطَائِفَة وَهُوَ قَول فِي مَذْهَب احْمَد وَالْأَكْثَرُونَ قَالُوا هُوَ مُسْتَحبّ والادعيه الَّتِي كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَدْعُو بهَا اَوْ يعلم اصحابه ان يدعوا بهَا لَا تخرج عَن ان تكون وَاجِبَة اَوْ مستحبه وكل وَاحِد من الْوَاجِب وَالْمُسْتَحب فَالله يُحِبهُ ويرضاه وَمن فعله رَضِي الله عَنهُ وارضاه فَهَل يكون من الرِّضَا ترك مَا يُحِبهُ ويرضاه وَنَوع من الدُّعَاء ينْهَى عَنهُ كالاعتداء فِي الدُّعَاء مثل ان يسْأَل الرجل مَا لَا يصلح لَهُ مِمَّا هُوَ من خَصَائِص الانبياء وَلَيْسَ هُوَ بِنَبِي وَرُبمَا هُوَ من خَصَائِص الرب سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مثل ان يسْأَل لنَفسِهِ الْوَسِيلَة الَّتِي لَا تصلح الا لعبد من عباده اَوْ
يسْأَل الله ان يَجعله افضل من اولياء الله حَتَّى يكون افضل من ابي بكر وَعمر اَوْ يسْأَل الله ان يَجعله بِكُل شَيْء عليم اَوْ على كل شَيْء قدير اَوْ يرفع عَنهُ كل حجاب يمنعهُ من مطالعة الغيوب وامثال ذَلِك اَوْ مثل من يَدعُوهُ ظَانّا انه مُحْتَاج الى عباده وانهم يبلغون ضره ونفعه فيطلب مِنْهُ ذَلِك الْفِعْل وَيذكر انه اذا لم يَفْعَله حصل لَهُ ضير من الْخلق فَهَذَا وَنَحْوه جهل بِاللَّه واعتداء فِي الدُّعَاء وان وَقع فِي نَحْو ذَلِك طَائِفَة من الشُّيُوخ وَمثل ان يَقُول اللَّهُمَّ اغْفِر لي ان شِئْت فيظن ان الله قد يفعل الشَّيْء مُخْتَارًا وَقد يعقله مكْرها كالملوك فَيَقُول اغْفِر لي ان شِئْت وَقد نهى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن ذَلِك وَقَالَ لَا يقل
احدكم اللَّهُمَّ اغْفِر لي ان شِئْت اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي ان شِئْت وَلَكِن ليعزم الْمَسْأَلَة فَإِن الله لَا مكره لَهُ وَمثل ان يقْصد السجع فِي الدُّعَاء ويتشهق ويتشدق وامثال ذَلِك فَهَذِهِ الادعية وَنَحْوهَا منهى عَنْهَا وَمن الدُّعَاء مَا هُوَ مُبَاح كَطَلَب الفضول الَّتِي لَا مَعْصِيّة فِيهَا وَالْمَقْصُود ان الرِّضَا الَّذِي هُوَ من طَرِيق الله لَا يتَضَمَّن ترك وَاجِب وَلَا ترك مُسْتَحبّ فالدعاء الَّذِي هُوَ وَاجِب اَوْ مُسْتَحبّ لَا يكون تَركه من الرِّضَا كَمَا ان ترك سَائِر الْوَاجِبَات لَا يكون من الرِّضَا الْمَشْرُوع وَلَا فعل الْمُحرمَات من الرِّضَا الْمَشْرُوع
فقد تبين غلط هَؤُلَاءِ من جِهَة ظنهم ان الرِّضَا مَشْرُوع بِكُل مَقْدُور وَمن جِهَة انهم لم يميزوا بَين الدُّعَاء الْمَشْرُوع ايجابا اَوْ اسْتِحْبَابا وَالدُّعَاء غير الْمَشْرُوع وَقد علم بالاضطرار من دين الاسلام ان طلب الْجنَّة من الله والاستعاذة بِهِ من النَّار هُوَ من اعظم الادعية الْمَشْرُوعَة لكل اُحْدُ من الْمُرْسلين والنبيين وَجَمِيع الصديقين وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وان ذَلِك لَا يخرج عَن كَونه وَاجِبا اَوْ مُسْتَحبا وَطَرِيق اولياء الله الَّتِي يسلكونها لَا تخرج عَن فعل وَاجِبَات ومستحبات اذ مَا سوى ذَلِك محرم اَوْ مَكْرُوه اَوْ مُبَاح لَا مَنْفَعَة فِيهِ فِي الدّين ثمَّ انه مِمَّا اوقع هَؤُلَاءِ فِي هَذَا الْغَلَط انهم وجدوا كثيرا من النَّاس لَا يسْأَلُون الله جلب الْمَنَافِع وَدفع المضار حَتَّى طلب الْجنَّة والاستعاذة من النَّار من جِهَة كَون ذَلِك عبَادَة وَطَاعَة
وَخيرا بل من جِهَة كَون النَّفس تطلب ذَلِك فَرَأَوْا ان من الطَّرِيق ترك مَا تختاره النَّفس وتريده وان لَا يكون لأَحَدهم ارادة اصلا بل يكون مَطْلُوبه الجريان تَحت الْقد كَائِنا من كَانَ وَهَذَا هُوَ الَّذِي ادخل كثيرا مِنْهُم فِي الرهبانية وَالْخُرُوج عَن الشَّرِيعَة حَتَّى تركُوا من الاكل وَالشرب واللباس وَالنِّكَاح مَا يَحْتَاجُونَ اليه وَمَا لَا تتمّ مصلحَة دينهم الا بِهِ فانهم رَأَوْا الْعَامَّة تعد هَذِه الامور عبَادَة بِحكم الطَّبْع والهوى وَالْعَادَة وَمَعْلُوم ان الافعال الَّتِي تقع على هَذَا الْوَجْه لَا تكون عبَادَة وَلَا طَاعَة وَلَا قربَة فَرَأى اولئك ان الطَّرِيق الى الله ترك هَذِه الامور لِأَنَّهَا من الطبيعيات والعادات فلازموا من الْجُوع والسهر وَالْخلْوَة والصمت وَغير ذَلِك مِمَّا فِيهِ ترك الحظوظ وَاحْتِمَال المشاق مَا اوقعهم فِي ترك وَاجِبَات ومستحبات وَفعل مكروهات ومحرمات
وكلا الْأَمريْنِ غير مَحْمُود وَلَا مَأْمُور بِهِ وَلَا طَرِيق الى الله طَرِيق المفرطين الَّذين فعلوا هَذِه الامور الْمُحْتَاج اليها على غير وَجه الْعِبَادَة والقربة الى الله وَطَرِيق الْمُعْتَدِينَ الَّذين تركُوا هَذِه الافعال بل الْمَشْرُوع ان تفعل بنية التَّقَرُّب الى الله وان يشْكر الله قَالَ تَعَالَى ﴿كلوا من الطَّيِّبَات وَاعْمَلُوا صَالحا﴾ سُورَة الْمُؤْمِنُونَ 51 وَقَالَ تَعَالَى ﴿كلوا من طَيّبَات مَا رزقناكم واشكروا لله﴾ سُورَة الْبَقَرَة 172 فَأمر بِالْأَكْلِ وَالشُّكْر فَمن أكل وَلم يشْكر كَانَ مذموما وَمن لم يَأْكُل لم يشْكر كَانَ مذموما وَفِي الصَّحِيح عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم انه قَالَ ان الله ليرضى عَن العَبْد ان يَأْكُل الْأكلَة فيحمده عَلَيْهَا وَيشْرب الشربة فيحمده عَلَيْهَا
وَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لسعد انك لن تنْفق نَفَقَة تبتغي بهَا وَجه الله الا ازددت بهَا دَرَجَة ورفعة حَتَّى اللُّقْمَة ترفعها الى فِي امْرَأَتك وَفِي الصَّحِيح ايضا انه اذا انفق الرجل على اهله يحتسبها فَهُوَ لَهُ صدقه فَكَذَلِك الادعية هَب ان من النَّاس من يسْأَل الله جلب الْمَنْفَعَة لَهُ وَدفع الْمضرَّة عَنهُ طبعا وَعَادَة لَا شرعا وَعبادَة فَلَيْسَ من الْمَشْرُوع لي ان ادْع الدُّعَاء مُطلقًا لأجل تَقْصِير هَذَا وتفريطه بل افعله انا شرعا وَعبادَة
ثمَّ اعْلَم ان الَّذِي يَفْعَله شرعا وَعبادَة انما يسْعَى فِي مصلحَة نَفسه وَطلب حظوظه المحمودة فَهُوَ يطْلب مصلحَة دُنْيَاهُ واخرته بِخِلَاف الَّذِي يَفْعَله طبعا فَإِنَّهُ انما يطْلب مصلحَة دُنْيَاهُ فَقَط كَمَا قَالَ تَعَالَى فَمن النَّاس من يَقُول رَبنَا اتنا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الاخرة من خلاق وَمِنْهُم من يَقُول رَبنَا اتنا فِي الدُّنْيَا حَسَنَة وَفِي الاخرة حَسَنَة وقنا عَذَاب النَّار اولئك لَهُم نصيب مِمَّا كسبوا وَالله سريع الْحساب سُورَة الْبَقَرَة 200 202 وَحِينَئِذٍ فطالب الْجنَّة والمستعيذ من النَّار انما يطْلب حَسَنَة الاخرة فَهُوَ مَحْمُود وَمِمَّا يبين الامر فِي ذَلِك ان يرد قَول هَؤُلَاءِ بِأَن العَبْد لَا يفعل مَأْمُورا وَلَا يتْرك مَحْظُورًا فَلَا يُصَلِّي وَلَا يَصُوم وَلَا يتَصَدَّق وَلَا يحجّ وَلَا يُجَاهد وَلَا يفعل شَيْئا من الْخَيْر فَإِن ذَلِك انما فَائِدَته حُصُول الثَّوَاب وَدفع الْعقَاب فاذا كَانَ هُوَ لَا يطْلب حُصُول الثَّوَاب الَّذِي هُوَ الْجنَّة وَلَا دفع الْعقَاب الَّذِي هوالنار فَلَا يفعل مَأْمُورا وَلَا يتْرك مَحْظُورًا وَيَقُول انا رَاض بِكُل مَا يَفْعَله بِي وان
كفرت وفسقت وعصيت بل يَقُول انا اكفر وافسق واعصي حَتَّى يعاقبني وارضى بعقابه فأنال دَرَجَة الرِّضَا بِقَضَائِهِ وَهَذَا قَول من هُوَ اجهل الْخلق واحمقهم واضلهم واكفرهم اما جَهله وحمقه فَلِأَن الرِّضَا بذلك مُمْتَنع مُتَعَذر وَلِأَن ذَلِك مُسْتَلْزم الْجمع بَين النقيضين واما كفره فَلِأَنَّهُ مُسْتَلْزم لتعطيل دين الله الَّذِي بعث بِهِ رسله وَانْزِلْ بِهِ كتبه وَلَا ريب ان مُلَاحظَة الْقَضَاء وَالْقدر اوقعت كثيرا من اهل الارادة من المتصوفة فِي ان تركُوا من الْمَأْمُور وفعلوا من الْمَحْظُور مَا صَارُوا بِهِ إِمَّا ناقصين محرومين وَإِمَّا عاصين وَإِمَّا فاسقين وَإِمَّا كَافِرين وَقد رَأَيْت من ذَلِك الوانا ﴿وَمن لم يَجْعَل الله لَهُ نورا فَمَا لَهُ من نور﴾ سُورَة النُّور 40 وَهَؤُلَاء والمعتزله وَنَحْوهم من الْقَدَرِيَّة فِي طرفِي نقيض هَؤُلَاءِ يلاحظون الْقدر ويعرضون عَن الامر واولئك يلاحظون الامر ويعرضون عَن الْقدر والطائفتان تظن ان مُلَاحظَة الامر
وَالْقدر مُتَعَذر كَمَا ان طَائِفَة تجْعَل ذَلِك مُخَالفا للحكمة وَالْعدْل وَهَذِه الاصناف الثَّلَاثَة هِيَ الْقَدَرِيَّة الْمَجُوسِيَّة والقدرية المشركية الْقَدَرِيَّة الابليسية وَقد بسطنا الْكَلَام على هَذِه الْفرق فِي غير هَذَا الْموضع واكثر مَا يبتلى بِهِ السالكون اهل الاراداة والعامة فِي هَذَا الزَّمَان هِيَ الْقَدَرِيَّة المشركية فَيَشْهَدُونَ الْقدر ويعرضون عَن الامر كَمَا قَالَ فيهم بعض الْعلمَاء انت عِنْد الطَّاعَة قدرى وَعند الْمعْصِيَة جبري أَي مَذْهَب وَافق هَوَاك تمذهبت بِهِ وانما الْمَشْرُوع الْعَكْس وهوان يكون عِنْد الطَّاعَة يَسْتَعِين الله عَلَيْهَا قبل الْفِعْل ويشكره عَلَيْهَا بعد الْفِعْل ويجتهد ان لَا يعْصى فَإِذا اذنب وَعصى بَادر الى التَّوْبَة وَالِاسْتِغْفَار كَمَا فِي الحَدِيث سيد الاسْتِغْفَار ان يَقُول العَبْد ابوء لَك
بنعمتك عَليّ وابوء بذنبي فَاغْفِر لي وكما فِي الحَدِيث الصَّحِيح الالهي يَا عبَادي انما هِيَ اعمالكم احصيها لكم ثمَّ اوفيكم اياها فَمن وجد خيرا فليحمد الله وَمن وجد غير ذَلِك لَا يَلُومن الا نَفسه وَمن هَذَا الْبَاب دخل قوم من اهل الارادة فِي ترك الدُّعَاء واخرون جعلُوا التَّوَكُّل والمحبة وَنَحْو ذَلِك من مقامات الْعَامَّة وامثال هَذِه الاغاليط الَّتِي قد تكلمنا عَلَيْهَا فِي غير هُنَا الْموضع
وَبينا الْفرق بَين الصَّوَاب وَالْخَطَأ فِي ذَلِك وَلِهَذَا وامثاله يُوجد فِي كَلَام ائمة هَؤُلَاءِ الْمَشَايِخ الْوَصِيَّة بِاتِّبَاع الْعلم والشريعة كَقَوْل سهل بن عبد الله التسترِي رَحمَه الله الْعَمَل بِلَا اقْتِدَاء عَيْش النَّفس وَالْعَمَل بالاقتداء عَذَاب على النَّفس وَقَالَ كل وجد لَا يشْهد لَهُ الْكتاب وَالسّنة فَهُوَ بَاطِل وَقَالَ الْجُنَيْد بن مُحَمَّد من لم يقْرَأ الْقُرْآن وَيكْتب الحَدِيث لَا يقْتَدى بِهِ فِي هَذَا الشَّأْن لِأَن علمنَا هَذَا مُقَيّد بِالْكتاب وَالسّنة وَقَالَ احْمَد بن ابي الْحوَاري من عمل عملا بِلَا اتِّبَاع سنة رَسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَبَاطِل عمله