البعث والنشور
تصنيف الشيخ الإمام أبي بكر أحمد بن الحسين بن علي بن موسى البيهقي الحافظ رحمه الله (384 - 458 هـ)
يطبع لأول مرة كاملا على خمس نسخ خطية
حققه وضبطه وعلق عليه أبو عاصم الشوامي الأثري
مكتبة دار الحجاز للنشر والتوزيع
بسم الله الرحمن الرحيم
البعث والنشور
طبعة عام 1436 هـ
مكتبة دار الحجاز للنشر والتوزيع المملكة العربية السعودية - الرياض
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
الحمدُ للهِ العَلِي القَدِير الذي خلق السَّمَاواتِ والأرضَ وجعلَ الظلماتِ والنور، وأَنْذَر عِبَادَه بيومِ البَعْثِ والنُّشُور، يَوم يُنْصَب ميزانُ الحَقِّ فلا تُظْلَم نَفْسٌ من قِطْمِير، ذلك يَومُ الجَمْعِ لا رَيْبَ فيه، فَريقٌ في الجنة وفريقٌ في السَّعِير، فَمَن زُحْزِحَ عن النَّارِ وأُدْخِلَ الجَنَّة فَقد فَاز، ومَا الحَيَاةُ الدُّنيا إلا مَتَاع الغُرور، وأشهد أن لا إله إلا الله العَلِيِّ الكَبير لَيْس كَمِثْلِه شَيءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِير، شَهَادة مَن أَقَرَّ بالعَجْز والتَّفْرِيط والتَّقْصِير، والصَّلاة والسَّلام على البَشِير النَّذِير نَبِيِّنا مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - الذي أَرْسَله الله للعالمين بالهدى والخَير الوَفِير، فَأَدَّى الأَمَانَةَ وبَلَّغَ رِسَالَة رَبِّه، أداءً وبلاغًا لا نَقْصَ فيه ولا تَغْيِير، وعلى أبويه الكَرِيْمَيْن إبراهيمَ وإسماعيلَ - عليهما السلام -، وعلى سائر الأنبياء والمرسلَين بالْهُدى والنُّور، وعَلَى أصحابه الرِّجَالِ المُطَهَّرِين الذين قَامُوا بَعْدَ نَبِيِّهم بِدَعْوَتِه، فَأَخْضَلُوا في سَبِيل ذَلِك النُّحُور، صَلاةً وسلامًا دَائمينِ مُبَارَكَيْن مَا تَعَاقَب المَلَوَانِ إلى يَومِ البَعْثِ والنُّشُور.
أَمَّا بعدُ،
فإن الله - عز وجل - خلق آدم، وأنزله إلى الأرض، وأخبره أنه سيرسل لذريته الهدى، الذي إِن اتُّبِعَ؛ فلا خوفٌ عَلى مُتَّبِعهِ ولا حزن، ومن خالفه؛ فهو الشَّقِي الحَزين المَغْبُون، فأرسل الله الرسل وأنزل الشرائع، وجعل
شريعة نبينا - صلى الله عليه وسلم - هي الشريعة الخاتمة، فتكفل رب العالمين بحفظها، وحفظ ما يتعلق بها، فقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)﴾ [الحجر] والذكر يتناول السنة بمعناه، إن لم يتناولها بلفظه، بل يتناول العربية وكل ما يُتَوقَّف عليه معرفة الحق، فإن المقصود مِنْ حِفْظِ القُرآنِ أن تبقى الحجة قائمة والهداية دائمة إلى يوم القيامة؛ لأن محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم خاتم الأنبياء، وشريعته خاتمة الشرائع، والله - عز وجل - إنما خَلَق الخَلْقَ لعبادته، فلا يَقْطَعُ عنهم طريقَ معرفَتِها، وانقطاعُ ذلك في هذه الحياة الدنيا انقطاعٌ لِعلَّةِ بَقَائِهم فيها 1. فَقَيَّد اللهُ - عز وجل - للأمة بعد نبيها رجالًا يقومون بواجب تبليغ دعوة الحق، فقام الجهابذة الكبار بواجبهم على أحسن ما أنت راء، وكان منهم الإمام الكبير أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي - رحمه الله -، الذي وعى من كتاب ربه وسنة نبيه، فحرر وصنف في أكثر أبواب الشريعة، وكان مما صنف كتاب «البعث والنشور» الذي وقعت عيني عليه قبل ثمان سنوات، ورأيت أنه لم يخرج في صورة تليق به، فعزمت على تحقيقه، وإخراجه في صورة قشيبة آنذاك، وحثني على ذلك الشيخ العلامة الوالد الدكتور أَحْمَد مَعْبَد عبد الكريم حفظه الله ورعاه، وما أن صَوَّرْتُ نُسْخَتَه الخطية التي اعْتَمَد عليها من أخرجاه قبل ذلك، حتى رزقني الله بنسخة أخرى للكتاب كانت في مكتبة جمعية المَكْنِز -وكنت باحثًا فيها آنذاك-، فساعدني مديرُها الأسبق الشيخ الكريم الفاضل المعطاء الشيخ عماد الدين عباس حفظه الله، وأَذِن لي في تصويرها، وما أن وقعت في يدي حتى اكتشفت فيها أمرين، الأول أن
الكتاب المطبوع ناقص بمقدار النصف، والثاني أن النسخة الكاملة، مختصرة بحيث حذف ناسِخُهَا أسانيدَ الكِتَاب، فلا يَذكُر إلا الصَّحَابي، أو بالكاد يَذكر التابعي أو من دونه نادرًا، فأسقط في يدي، وتحسرت على فقد نصف هذا الكتاب الجليل، وشكوت ما وجدت للدكتور أحمد معبد حفظه الله تعالى فأرشدني جزاه الله خيرًا إلى أن هناك نسخة في مكتبة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، فأرسلت من فوري في طلبها، وجاءتني النسخة وكانت غاية في الجودة والإتقان، فاغتبطت بها جدا ولكن عكر علي سوء تصويرها في عدة مواضع منها، وخرم وقع في أولها وآخرها، سأصفه في بابه.
لكني عزمت على العمل وبدأت في نسخ الكتاب من نسخة الجامعة الإسلامية التي عانيت في نسخها عناء لا يقدره إلا من عانى معاناتي، ولكن همتي في إخراج كتاب لإمام كالبيهقي لم يطبع من قبل= دفعتني لإنجازه، ومرت الأيام وإذا بخبر يصك سمعي بأن أحد الإخوة قد انتهى من تحقيق الكتاب، فانثنى عزمي وخارت قوتي، وتوقفت عن العمل فيه، منتظرا لتلك الطبعة التي قالوا عنها، لكن علمت بعد ذلك أن الأمر لم يكن بالجِدِّ إنما كان كما يقولون «حجزا للكتاب»، ثم إن ربي أكرمني بنسخة مكتبة أحمد الثالث عن طريق أخي الحبيب الأستاذ وائل محفوظ، والتي قوت عزيمتي مرة أخرى فهي نسخة جيدة وكاملة، كما سيأتي وصفها إن شاء الله، وإن الله - عز وجل - إذا أراد شيئا هيئ أسبابه، فكان من تقدير الله أن يوفقني لنسخة أخرى ألا وهي نسخة مكتبة سان بطرس برج، فعلمت أن الله - عز وجل - قد شاء أن أمضي في الكتاب قدما، فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
وسينتظم حديثي في هذه المقدمة في خمسة أبواب:
الأول: التعريف بالكتاب
هو كتاب «البعث والنشور» كما سماه مصنفه - رحمه الله - في كتاب «شعب الإيمان» في عدة مواضع منه، وفي كتاب «الاعتقاد» في موضع واحد، وفي كتاب «حياة الأنبياء بعد وفاتهم» في موضع واحد.
وكذلك ذكره الذهبي في ترجمته من «سير أعلام النبلاء» (18/ 166)، فقال: وكتاب «البعث» مجلد.
وفي «تاريخ الإسلام» (10/ 95)، وقال: «البعث والنشور».
وذكره السبكي في طبقاته (4/ 10)، في معرض ذكر مصنفات البيهقي، وقال: «وَكلهَا مصنفات نظاف مليحة التَّرْتِيب والتهذيب كَثِيرَة الْفَائِدَة يشْهد من يَرَاهَا من العارفين بِأَنَّهَا لم تتهيأ لأحد من السَّابِقين».
وكذلك الحاج خليفة في «كشف الظنون» (2/ 1402).
وغير هؤلاء من الأئمة الذين سنذكرهم في الباب الآتي.
وقد انتهج البيهقي - رحمه الله - في كتاب «البعث والنشور» نفس المنهج الذي انتهجه في سائر مصنفاته، كعادة المتقدمين في التصنيف، وذلك بإيراد الترجمة ثم الاستدلال عليها من القرآن والسنة المسندة، وقد استوعب البيهقي - رحمه الله - جُل الأبواب التي تتعلق بهذا الموضوع، فبدأ - رحمه الله - بباب الإيمان بذلك اليوم، وبين بالأسانيد الصحيحة أن منكره كافر، ثم استعرض أبواب أشراط الساعة، مستغرقا في ذلك لربع أحاديث الكتاب، ثم شرع في الكلام عن أبواب انقضاء الدنيا والنفخ في الصور، والحشر، والنشر، والقيام بين يدي رب العزة تبارك وتعالى، وذكر طول هذا اليوم، وعرض جملة وفيرة من التفسير المسند لآيات الذكر الحكيم التي تتناول وصف ذلك
اليوم، ثم ذكر الميزان، والقصاص، والمرور على الصراط، وذكر أحوال المؤمنين والكافرين في ذلك، ثم ذكر أبواب الشفاعة وأطنب فيها وأجاد، وعرض فيها مذهب أهل السنة في ذلك، ثم ذكر عدة أبواب تتناول بعض القضايا المتعلقة باليوم الآخر، والتي قد يستشكل فهمها على بعض الناس كفداء المؤمن بالكافر، ثم ذكر حوض النبي - صلى الله عليه وسلم - وذكر صفته، ثم ذكر حال أصحاب الأعراف، ثم ذكر أبواب الإيمان بالجنة والنار، وأنهما مخلوقتان، وذكر صفتهما وما أعد فيهما لأهلهما، ثم ختم الكتاب بحديث الصور الطويل الذي يتضمن ذكر الكثير من أحوال يوم القيامة.
وعادة ما يبدأ البيهقي - رحمه الله - الباب بآيات الذكر الحكيم الذي تدل على المعنى المراد، ثم يذكر بأسانيده ما يوافق فيه أو يساوي أو يصافح الإمامين الجليلين البخاري ومسلم، ثم يخرج هو بنفسه الحديث منهما، وقد صرح البيهقي - رحمه الله - في مقدمة كتابه «دلائل النبوة» (1/ 47) فقال: «وقد صنف جماعة من المتأخرين في المعجزات وغيرها كتبا، وأوردوا فيهاأخبارا كثيرة من غير تمييز منهم صحيحها من سقيمها، ولا مشهورها من غريبها، ولا مرويّها من موضوعها، حتى أنزلها من حسنت نيته في قبول الأخبار منزلة واحدة في القبول، وأنزلها من ساءت عقيدته في قبولها منزلة واحدة في الردّ.
وعادتي- في كتبي المصنّفة في الأصول والفروع- الاقتصار من الأخبار على ما يصح منها دون ما لا يصح، أو التمييز بين ما يصح منها
وما لا يصح، ليكون الناظر فيها من أهل السنة على بصيرة مما يقع الاعتماد عليه، لا يجد من زاغ قلبه من أهل البدع عن قبول الأخبار مغمزا فيما اعتمد عليه أهل السنة من الآثار».
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - «لكن البيهقي يُنَقِّي الآثار ويُمَيِّزُ بين صحيحها وسقيمها أكثر من الطحاوي» 1.
هذا ويُعَدُّ كتاب «البعث والنشور» من أطول كتب الإمام البيهقي - رحمه الله - المصنفة في موضوع واحد بعد كتابه «الجامع لشعب الإيمان».
الثاني: أهمية الكتاب
ترجع أهمية كتاب «البعث والنشور» إلى كونه من الكتب المسندة التي حوت لنا الكثير من الأسانيد، لذا فهو يُعد أصلا من الأصول التي اعتمد عليها كثير من الأئمة الذين جاءوا بعده، فقد كان مصدرا من مصادر كل من الإمام أبي زكريا النووي - رحمه الله - في «شرح صحيح مسلم»، والإمام ابن رجب الحنبلي في كتابه «فتح الباري شرح صحيح البخاري»، والإمام سراج الدين ابن الملقن في كتابيه «التوضيح لشرح الجامع الصحيح»، و «البدر المنير»، والإمام الطِّيْبِي في كتابه «الكاشف عن حقائق السنن»، والحافظ ابن كثير في كتابه «البداية والنهاية»، والإمام الزيلعي في «تخريج أحاديث الكشاف»، والإمام الحافظ ابن حجر في كتابيه «فتح الباري بشرح صحيح البخاري»، و «تغليق التعليق»، والإمام بدر الدين العيني في كتابه «عمدة القاري بشرح صحيح البخاري»، والإمام القسطلاني في كتابه «إرشاد الساري شرح صحيح البخاري»، والإمام السيوطي في كتابيه «الدر المنثور»، و «نواهد الأبكار وشوارد الأفكار» 1، وغير هؤلاء من الأئمة والعلماء.
ثم إن الإمام البيهقي - رحمه الله - قد حفظ لنا كثيرًا من الروايات لبعض المصنفات التي طبعت والتي لم تطبع كاملة، والتي فُقِدَت، فقد روى بإسناده جملة لا بأس بها من طريق كل من الإمام:
مجاهد بن جبر في كتابه «التفسير».
أبي داود الطيالسي في كتابه «المسند».
أبي داود السجستاني في كتابه «السنن».
أبي عبد الله أحمد بن حنبل في كتابه «المسند».
أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري في كتابه «التاريخ الكبير».
أبي بكر ابن أبي شيبة في كتابه «المصنف».
أبي بكر عبد الرزاق بن همام الصنعاني في كتابه «التفسير».
أبي يوسف يعقوب بن سفيان الفسوي في كتابه «المعرفة والتاريخ».
أبي عثمان سعيد بن منصور في كتابه «التفسير -من السنن-».
أبي عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم في كتابه «المستدرك».
أبي أحمد ابن عدي الجرجاني في كتابه «الكامل في ضعفاء الرجال».
وغير هؤلاء من الأئمة الذين صنفوا الأجزاء والأمالي، أو الذين جُمِعَت أحاديثهم عن شيخ معين وأفردت في مصنف.
ويغني الحديث ها هنا عن ذكر المصادر التي اعتمد عليها البيهقي فها هي بين يديك، سوى أنه اعتمد أيضا على كتاب أبي عبد الله الحليمي «المنهاج في شعب الإيمان»، وكذلك كتاب «أعلام الحديث» للخطابي، و «من معالم السنن» له أيضًا، وكتاب «تأويل مختلف الحديث» لابن قتيبة الدينوري.
هذا وللكتاب أهمية أخرى وفائدة جليلة، حيث استخرج الإمام البيهقي - رحمه الله - على الإمامين البخاري ومسلم رحمهما الله جملة كبيرة من الأحاديث التي أخرجاها، ولا يخفى على من له أدنى عناية بهذا الشأن أهمية هذه المستخرجات، من ذكر زيادات في المتون قد يستفاد منها حكمًا جديدًا، أو
إيضاح لمعنى أو غير ذلك من فوائد زيادات المتون، وكذلك العلو في الإسناد وهو من الأهمية بمكان، وهذه المستخرجات حَرِيَّة أن تُفْرَد في مصنف مستقل بحيث يتم جمعها من كتب الإمام البيهقي.
الثالث: وصف النسخ الخطية
وقد أكرمني الملك الجليل بتحقيق هذا الكتاب على خمس نسخ خطية وصفها كالآتي:
1 -
نسخة المكتبة المحمودية،
وقد حصلت عليها من مصورات مكتبة الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، وقد صورها لي أخي الحبيب أبو جويرية المديني إيهاب الصاوي حفظه الله تعالى.
وتقع النسخة في اثنين وأربعين ومائة ورقة، في كل ورقة وجهان، ومسطرتها زهاء خمس وعشرين سطرا، في كل سطر زهاء العشرين كلمة.
وكتبت بخط نسخي عادي.
وقد قسمت إلى أربعة أجزاء، ختم كل جزء منها بما يلي:
«سمع هذه الأربعة الأجزاء وهو ... 1 من الأصل على صاحبها الشيخ الفقيه الإمام الجليل السيد الأوحد أبو المرجا إلياس بن أحمد بن عبد الله الشافعي الدمشقي على الشيخ الإمام الأَجَلِّ الشيخ الأوحد الأغر صدر الحفاظ محدث الشام ناصر السنة أبي القاسم علي بن الحسن بن هبة الله الشافعي الدمشقي، وتقي الدين أبو الحرم مكي بن علي بن الحسن العراقي، وضياء الدين ابو القاسم عبد الملك بن زيد بن ياسين الشافعي يعرف بالدولعي، وأبو العباس أحمد بن أبي البركات بن عثيمة البصري، وشمس الدين أبو عبد الله محمد بن المحسر بن الحسين بن أبي المضاء، وأبو القاسم علي بن عبد الوهاب بن جعفر الحسيني، وأبو الفتح نصر الله بن محمد بن
ناصر، والفقيه أبو الثناء محمود بن غازي بن محمد وولداه إسماعيل وعبد الكافي، وأبو إسحاق إبراهيم بن علي بن محمد الصفار المصري، وجماعة أسمائهم على أصل الشيخ سلمه الله، وصح لهم ذلك بقراءة كاتب البلاغ صالح بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل الطرائفي الخوارزمي الكاثي في المئذنة الشرقية من جامع دمشق حماها الله تعالى في شهر رمضان سنة اثنين وخمسين وخمسمائة».
وهي نسخة جيدة جدا حيث إنها لا تكاد تخطئ إلا في القليل جدًا، ولكنها تنقص من أولها أوراقًا تعادل مائة وثلاثين إسنادًا، ومن آخرها أوراقًا تعادل أربعا وستين إسنادًا، ولا ريب في جودتها إذ قرأت على الإمام أبي القاسم ابن عساكر، وهو أحد رواة الكتاب، ويبدأ كل جزء من الكتاب بما يلي:
«كتاب البعث والنشور تصنيف الشيخ الإمام أبي بكر أحمد بن الحسين ابن علي بن موسى البيهقي الحافظ - رحمه الله -، مما أخبرنا به الشيخ الإمام أبو عبد الله محمد بن الفضل بن أحمد الفراوي الفقيه، عنه، رواية الشيخ الفقيه الأجل الإمام الحافظ الثقة صدر الحفاظ أبي القاسم الحسن بن علي بن الحسن بن هبة الله الشافعي - رضي الله عنه -».
وبالخرم الواقع في آخرها غاب عنا اسم ناسخها وتاريخ النسخ، غير أنى على يقين من أنها كتبت قبل سنة اثنين وخمسين وخمسمائة.
إذ كان هذا هو تاريخ كتابة البلاغ، الذي تم بعد النسخ بلا ريب، إذن فبين نسخها وبين وفاة المصنف أقل من مائة سنة، ولا أعلم نسخة للكتاب أقدم منها والله تعالى أعلم.
وقد اصطلحت لها الرمز «م».
2 -
نسخة مكتبة معهد الاستشراق بسان بطرس برج بروسيا،
برقم (c 1040) وهي من مصورات مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث بدبي.
وتقع في ثمان وأربعين ومائتين ورقة، في كل ورقة وجهان، ومسطرتها زهاء العشرين سطرا، في كل سطر زهاء اثني عشر كلمة، وكتبت بخط نسخي جميل، وهي مضبوطة بالشكل في أكثر المواضع إلا أن ضبطها لا يعتمد عليه البتة، وقد سقط منها الورقة الأولى، وفيها مقدمة المصنف، وكذلك خرم بمقدار ورقة كاملة في أثناءها أستغرق حوالي ثلاثة وثلاثين إسنادًا، ويبدو لي أن الخمس ورقات الأُوَل منها كتبت بخط مختلف عن باقي النسخة، وهي نسخة جيدة في جملتها وقد قوبلت على غيرها يظهر ذلك من التصحيحات والبلاغات التي في حواشيها.
وناسخها هو يوسف بن عبد الله المعروف بالقشامي رحمه الله.
وتاريخ النسخ في ذي القعدة سنة تسع وسبعين وخمسمائة.
وألحق بها ورقة ونصف ورقة، مكتوب عليها سماعات لهذا الكتاب.
وقد اعتمدت نفس الأصل الذي اعتمدته النسخة السابقة، إذ جاء في حاشيتها عند بداية الجزء الثاني من النسخة السابقة: «أول الثاني»، وجاء في نهاية الجزء الثالث: «آخر الجزء الثالث من الأصل».
كما جاء في آخرها: «بلغت معارضة بأصل الحافظ أبي القاسم ابن عساكر ... بخطه مع الموفق أبي الفتح نصر الله بن محمد ... ، ... حسيب الطاقة، فصح ولله الحمد والمنة».
وقد اصطلحت لها الرمز «ب».
3 -
نسخة مكتبة أحمد الثالث باستنبول- تركيا،
(مكتبة متحف طوب قابو سراي) رقم 557.
وتقع في واحد وسبعين ومائة ورقة، في كل ورقة وجهان، ومسطرتها زهاء ثلاثة وعشرين سطرًا في كل سطر زهاء ثلاث عشرة كلمة، وكتبت بخط نسخي واضح، وهي نسخة كاملة، إلا أنه سقط منها الورقة رقم (24) وتستغرق من أثناء حديث رقم (146)، إلى أثناء حديث (155)، وكذلك حدث خرم بمقدار ورقة في آخرها يبدأ وينتهي في أثناء حديث الصور الطويل.
وهذه النسخة قد اختلف إسنادها عن النسختين السابقتين في أولها، فقد جاء في أولها ما يلي: «أخبرنا مولانا الشيخُ الإمامُ أستاذُ العُلماءِ، رئيسُ أهلِ السُّنة، ناصرُ الحديث، مُظهِر طَريقةِ السَّلف، شَرَفُ المِلَّة والدِّين، أبو حامد محمود بنُ عبد الرحمن بنِ سفهسلار الطَّرَازِي - رضي الله عنه -، أخبرنا الشيخُ الإمام العالمُ سيف الملة والدين محمد بن أحمد بن عبد الرحيم الزَّنْجَاني، أخبرنا الشيخ الإمام رَضِيُّ الدين أبو الخير أحمد بن إسماعيل بن يوسف القَزْوِيِنيُّ الطَالقَاني، أخبرنا أبو المَعَالي محمد بن إسماعيل الفَارِسِي، أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البَيْهَقِيُّ قال: ... ».
فهي من رواية أبي المعالي الفارسي، عن البيهقي وليست من رواية الفراوي، إلا أنه في بداية الجزء الرابع على ترتيب نسخة ابن عساكر جاء فيها ما يلي: «أخبرنا الشيخ الفقيه أبو عبد الله محمد بن الفضل قال: أخبرنا الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي الحافظ قال: ... ».
فرجع الإسناد مرة أخرى إلى الفراوي.
وهي نسخة كاملة كما ذكرنا وحفظت لنا صفحة العنوان، ومقدمة المصنف، وقد جاء على طرتها ما يلي: «كتاب البعث والنشور تصنيف الشيخ الإمام أبي بكر أحمد بن الحسين بن علي .... 1 البيهقي الحافظ رحمه الله».
وناسخها هو محمود بن محمد بن أحمد العلوي رحمه الله.
وتاريخ النسخ في عشر ليال خلون من جمادى الآخر سنة خمس وستين وخمسمائة.
وكان النسخ بمدينة دوقات 2.
وقد جاء في آخرها ما يلي: «تمت المقابلة مع النسخة التي نقلت عنها بحمد الله».
وهي نسخة جيدة جدًا وهي عندي أفضل من نسخة سان بطرس برج، ولكني قدمتها عليها في الذكر لتقدم نسخها وحسب.
وقد جاء في أول صفحة منها إجازة بخط راويها وهو محمود بن عبد الرحمن الطرازي لتلميذه الأمير محمود بن الخطير، ونصها:
«بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة على سيد الخلق محمد وآله أجمعين، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء، استخرت الله ´ وأجزت للوُلد الأعز الأمير العالم الفاضل صاحب السيف والقلم ضياء الدين محمود
ابن الخطير، بَلَّغه الله مناه، وأحسن في الآخرة مثواه = أن يروي عني كتاب البعث والنشور للإمام الحافظ أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي سقى الله ثراه، بالأسانيد المذكورة في أول الكتاب، وبجميع البيهقيات وأجزت أيضًا أن يروي عني جميع مسموعاتي ومجازاتي، ... من التفاسير والأحاديث وكتب ... والأدب، وجميع ما للسماع والإجازة يدخل، وأنا بريء من الغلط والتصحيف والتحريف، وأنا عبد الله الفقير إلى رحمة ربه القدير محمود بن عبد الرحمن الطرازي، نزيل سِواس، كتبته في السادس من رجب سنة خمس وستين وستمائة (1) حامدًا الله تعالى مصليًا على نبيه محمد وآله».
وقد اصطلحت لها الرمز «ث».
4 -
نسخة مكتبة الوزير الشهيد علي باشا- بتركيا
رقم (1572)، وهي من مصورات معهد المخطوطات العربية بالقاهرة.
وتقع في واحد وعشرين ومائة ورقة، في كل ورقة وجهان، مسطرتها زهاء واحد وعشرين سطرًا، في كل سطر زهاء ثلاث عشرة كلمة، وكتبت بخط نسخي عادي، وهي نسخة مسندة لكن سقط منها النصف الأول من الكتاب ويعادل اثنين وثلاثين بابًا من أبواب الكتاب فقد بدأت بالباب الثالث والثلاثين (بَابُ قَولِهِ - عز وجل -: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (28)﴾ مَعَ سَائِرِ مَا يَحْتَجُّ بِهِ مَن أنكَرَ الشَّفَاعَةَ) وقد استغرق ذلك ستين وخمسمائة حديث، ما يعادل نصف أسانيد الكتاب تقريبًا.
وبالنقص الواقع في هذه النسخة من أولها غاب عنا إسناد الكتاب، إلا1
أنه عند بداية الباب رقم (49) كتب «أخبرنا الشيخ الفقيه أبو عبد الله محمد بن الفضل بن أحمد الفراوي قراءة عليه قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي قال: ... »
وقد اعتمد ناسخها الأصل الذي اعْتَمَدَتْهُ نسخةُ المحمودية، فقد كتب في الحاشية قبل بداية باب (49) (باب ما جاء في أنهار الجنة ... ) = هذا آخر جزء الأصل، وكذلك هو في نسخة المحمودية.
وقد زيل الناسخ الكتاب بتعقيبة في نهاية كل صفحة من صفحات الظَّهر.
وهي عندي في تقييمي أقل النسخ جودة، ويبدو أن ناسخها لم يكن من المشتغلين بعلم الحديث، إلا أن عنده أمانة في النقل فقد التزم برسم الكثير من الكلمات التي ربما لم يكن يفهم معناها.
وناسخها هو أحمد بن علي بن المجاهد إسرائيل الأنصاري رحمه الله.
وتاريخ نسخها في يوم الأحد خامس شهر صفر من سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة.
وقد اصطلحت لها الرمز «ع».
5 -
نسخة مكتبة تستر بيتي بأيرلندا
رقم (3280).
وتقع في ستة وخمسين ومائة ورقة، في كل ورقة وجهان، ومسطرتها خمسة عشر سطرًا في الوجه، في كل سطر زهاء سبعة عشر كلمة، وكتبت بخط نسخ عادي دقيق، وقد ضبطت كلماتها في مواضعَ كثيرة.
وهي نسخة كاملة تشتمل على جميع أبواب الكتاب، وكذلك مقدمة
المصنف، وهي نسخة جيدة جدًا، وقد أسعفتني في كثير من الأحيان وبينت لي كلمة تعثر علي قراءتها في النسخ الأخرى.
وكانت حرية أن تُتَّخَذ أصلا لولا أنها نسخة مختصرة محذوفة الأسانيد، لا يذكر الناسخ من إسنادها إلا اسم الصحابي فقط، أو ربما ذكر التابعي أو من دونه في مواضع قليلة، وفي مواضع أقل ربما ذكر الإسناد كاملا، لكن هذا لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة، ويبدو أن ناسخها كان من أهل العلم حيث إن طريقة الاختصار هذه لا يستطيعها مجرد ناسخ للكُتب، بل تحتاج من له علم ودراية.
وقد نظر فيها بعض إخواني فرأى أنها قد تكون مختصر الإمام الذهبي رحمه الله للكتاب، وقد ذكر الدكتور بشار عواد معروف في دراسته عن الذهبي التي صُدِّر بها كتاب «سير أعلام النبلاء» = أن الذهبي - رحمه الله - قد اختصر كلا من كتاب «القدر» و» البعث والنشور للبيهقي» 1، وكذلك أشار العلامة السيد أحمد صقر - رحمه الله - في مقدمة تحقيقه لكتاب «معرفة السنن والآثار» للبيهقي (ص 12) 2، وقد دفعني ذلك إلى النظر في بعض كتب الإمام الذهبي التي بخطه، ومقارنته بهذه النسخة، فلا أستطيع أن أنكر أن بينهما تطابق كبير، فلعل هذه النسخة هي مختصر الإمام الذهبي لكتاب «البعث والنشور» غير أني لا أستطيع أن أجزم بذلك لقلة المعطيات لدي، لاسيما وتاريخ كتابة
النسخة واسم الناسخ غير موجودين في آخرها.
هذا وقد زيل ناسخها الكتاب بتعقيبة في مواضع من الكتاب وتركها في مواضع أخرى.
وقد اصطلحت لها الرمز «ش».
هذا وقد طبع الكتاب طبعتين قديمتين الأولى سنة 1986 م عن مركز الخدمات والأبحاث الثقافية- بيروت، بتحقيق الشيخ عامر أحمد حيد.
والثانية سنة 1988 عن مؤسسة الكتب الثقافية -بيروت، بتحقيق أبي هاجر محمد السعيد بن بسيوني زغلول.
ولا أريد أن أخوض في الكلام عن هاتين الطبعتين، نقضًا لهما فقد طبعتا منذ ما يقرب من ثلاثين عاما، ولم يكن توفر للمحقق في هذه الأيام ما توفر الآن من مراجع مطبوعة، وبرامج أليكترونية سريعة، وغير ذلك، وإني لأدعو الله للمحققين الكريمين أن يجزيهما خيرًا إذ أخرجا كتاب للنور لم يكن يعرف عنه الناس شيئا، إلا أني من جهة الأمانة العلمية لا أحل لأحد من طلاب العلم أن ينظر فيهما، أو يعتمد على ما جاء فيهما لكثرة ما وقع فيهما من تحريف وتصحيف، وقد اعتمد الأول على نسخة الشهيد علي فقط، والثاني لم يذكر أنه اعتمد على أي مخطوط غير أنه أدرج صور من نسخة الشهيد علي في آخر مقدمته.
الرابع: منهجي في تحقيق الكتاب
فبعد أن وفقني الله - عز وجل - وحصلت على هذه النسخ الخمس والتي من خلالها غلب على ظني أني سأخرج الكتاب في صورة قريبة مما تركه عليه مؤلفه - رحمه الله -، نسخت الكتاب مستعينًا بالله تعالى، من نسخة المحمودية، مستأنسًا بنسخة تشستر بيتي، وقد عانيت جدا في النسخ منها لرداءة التصوير في مواضع كثيرة، وما أن وصلتني نسخة أحمد الثالث حتى تنفست الصعداء فقد أنقذني الله بها، لوضوحها وكمالها.
وبعد النسخ قابلت المنسوخ على جميع ما لدي من نسخ للكتاب، واكتفيت بذكر الفروق التي أرى أن لها تأثيرا في فهم النص، وتركت جملة من الفروق لم أذكرها لظني أنه لا حاجة للقارئ بذكرها.
ثم رقمت أسانيد الكتاب التي بلغت (1192) إسنادًا، وكذلك رقمت أبواب الكتاب والتي بلغت (73) بابًا سوى باب حديث الصور الطويل.
وضبطت أكثر الكتاب بالشكل، لاسيما الأنساب والأعلام التي يخطئ حتى المتخصصون في ضبطها، وإني لا أستحي إن قلت إن ضبطي لأعلام الكتاب وأنسابه يمكن لمن جاء بعدي أن يعتمد عليه، وقد اجتهدت في ذلك غاية الجهد ورجعت لأكثر المراجع في سبيل ذلك ولربما بِتُّ ليلتي في البحث عن ضبط نسبة لم تذكرها كتب الضبط، وقد يكون للنسبة ضبطان ثابتان فإني أذكرهما معًا كما في نسبة «البَِسطامي» فقد ذكر أنها بفتح الباء وبكسرها فأضع العلامتين كما هو مبين.
ثم خرجت الكتاب على الإسناد، فجاء تخريجي أشبه بتوثيق النص منه إلى التخريج، ولأني أخرج الإسناد على طبقاته فقد أقدم المصدر النازل
على المصدر العالي، لتعلق الأول بالإسناد، خلافا للثاني، فلا يُظَن بي أني قصرت في العزو، فقد أبدأ مثلا بالتخريج من كتاب الحاكم «المستدرك» أو بكتاب «المعرفة والتاريخ» للفسوي، ثم أثني بسنن الترمذي أو مسند أحمد أو أي مصدر أعلى من الذين بدأت بهما، ذلك لوجودهما في الإسناد، أو لأنهما يرويان من طريق راو جاء ذكره في الإسناد.
وقد أشرت في كثير من الأحيان إلى درجة الحديث من حيث الصحة والضعف وذلك من خلال ذكر أقوال أهل العلم من النقاد، والبيهقي - رحمه الله - قد تعرض لذلك في بعض المواطن.
وأخيرًا صنعت مجموعة من الفهارس الفنية التي تعين القارئ على الوصول لبغيته فصنعت فهرسًا للآيات وآخر للأحاديث والآثار وثالثًا لشيوخ الإمام البيهقي الذين روى عنهم في «البعث والنشور»، ورابعاً للمصادر والمراجع التي اعتمدت عليها، وأخيرًا للموضوعات.
وإني لأحمد ربي حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وإن كان جهد الحمد لا يفي بشكر نعمة واحدة من نعمه، إذ وفقني لتحقيق هذا الكتاب ويسر لي السبيل إلى ذلك، وإني لا يسعني أن أغفل ذكر من أعان على ذلك فقد صح
عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا يَشْكُرُ اللهَ مَن لا يَشْكُر النَّاسَ» 1.
فأبدأ أولا بشيخي الكريمين:
الدكتور العلامة الشيخ أحمد معبد عبد الكريم، حفظه الله ورعاه، فهو صاحب المنهج والموجه الأول لهذا العمل، بل هو من كان يدفعني للعمل دفعًا، بالترغيب تارة وبالتوبيخ تارة، فجزاه الله عن المسلمين خيرا، وشيخي ووالدي الذي لم يلدني، الذي لولا أن مَنَّ اللهُ عليَّ صغيرًا بصحبته لما كنت عرفت قَبيلًا من دَبِير، الشيخ الإمام الذي ما رأيت مثله قط أبي إسحاق الحويني حفظه الله ورعاه، وشفاه وعافاه وأمد في الخير عمره ومتعه بالعافية والستر في الدنيا والآخرة، فلولاهما -بارك الله فيهما- بعد عناية الله - عز وجل - ما أُنْجِز هذا العمل ولا غيره من أعمال سابقة.
ثم على ترتيب العمل في هذا الكتاب أشكر أخي وصديقي الكريم أبي عمر عبد المحسن بن محمد فَهيم الذي عانى معي في النسخ من نسخة المحمودية، وغيرها.
وأخي الحبيب وصديقي وصفيي الأستاذ هشام بن إبراهيم الجَوْجَرِي، الذي ساعدني في النسخ أيضًا وفي المقابلة، وليس كتاب أحققه إلا وله علي يد في إخراجه، فأسأل الله تعالى أن يُهَيأ له من أمره رشدًا.
وأخيرًا أخي الكريم المتأدب بالأخلاق العالية محمد بن غالب الدمشقي الذي أنجز معي أكثر فهارس الكتاب، أسال الله تعالى أن يحفظه وأهله من كل سوء.
وإنه لَمِن نَافِلَةِ القول أن أقول: إني لا أُسَلِّمُ نفسي عن خَطَإ أو زَلَل، ولا أَعْصِمُ قولي عن وَهَمٍ وخَطَل، فالفَاضِل مَنْ تُعدُّ سَقَطَاتُهُ، وتُحْصَى غَلَطَاتُهُ إلا بتوفيق اللهِ وعِصْمَتِه، والسَّالِم مِن ذلك كتابُ الله المَجِيد الذِي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (42)﴾ [فصلت: 42].
واللهَ تَعَالى أسأل أَنْ يَجعلَ عَمَلِي هذا خالصًا لوجهه، وأن يجعل تحقيقي وعنايتي بكتابٍ «البعث والنشور»، زادًا ليومِ البعث والنشور، وأَنْ يوفقني لما يحبه ويرضاه، وأن يرزقني حبه، وأن يمتعني بالستر والعافية في الدين والدنيا والآخرة، ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (40) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم: 40 - 41]
والحمدُ لله أولًا وآخرًا ظاهرًا وباطنًا.
وكَتبهُ راجي عفو ربه الكريم أبو عاصم الشَّوَامِي محمد بن محمود بن إبراهيم في اليوم الثامن من شهر جمادى الآخر سنة ست وثلاثين وأربعمائة وألف من هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم -
الخامس: ترجمة الإمام البيهقي
هو الإمام الحافظ العلامة، الثبت، الفقيه، شيخ الإسلام، أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي بن عبد الله بن موسى الخُسْرَوْجِرْدِي، الخُرَاسَانِي، البَيْهَقِي.
وخُسْرَوْجِرْد بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وَفتح الرَّاء وَسُكُون الْوَاو وَكسر الْجِيم وَسُكُون الرَّاء وَفِي آخرهَا الدَّال الْمُهْملَة قَرْيَة من نَاحيَة بيهق.
ولد: في سنة أربع وثمانين وثلاث مائة في شعبان.
وقد سمع وهو ابن خمس عشرة سنة من: أبي الحسن محمد بن الحسين العلوي؛ صاحب أبي حامد بن الشرقي، وهو أقدم شيخ عنده، وفاته السماع من أبي نعيم الإسفراييني؛ صاحب أبي عوانة، وروى عنه بالإجازة في البيوع.
قال الإمام الذهبي:
وبورك له في علمه، وصنف التصانيف النافعة، ولم يكن عنده «سنن النسائي»، ولا «سنن ابن ماجه»، ولا «جامع أبي عيسى» بلى عنده عن الحاكم وقر بعير أو نحو ذلك، وعنده «سنن أبي داود» عاليًا، وتفقه على ناصر العمري، وغيره.
وانقطع بقريته مقبلا على الجمع والتأليف، فعمل «السنن الكبير» في عشر مجلدات، ليس لأحد مثله، وألف كتاب «السنن والآثار» في أربع مجلدات، وكتاب «الأسماء والصفات» في مجلدتين، وكتاب «المعتقد» مجلد، وكتاب «البعث» مجلد، وكتاب «الترغيب والترهيب» مجلد، وكتاب «الدعوات» مجلد، وكتاب «الزهد» مجلد، وكتاب «الخلافيات» ثلاث
مجلدات، وكتاب «نصوص الشافعي» مجلدان، وكتاب «دلائل النبوة» أربع مجلدات، وكتاب «السنن الصغير» مجلد ضخم، وكتاب «شعب الإيمان» مجلدان، وكتاب «المدخل إلى السنن» مجلد، وكتاب «الآداب» مجلد، وكتاب «فضائل الأوقات» مجيليد، وكتاب «الأربعين الكبرى» مجيليد، وكتاب «الأربعين الصغرى»، وكتاب «الرؤية» جزء، وكتاب «الإسراء»، وكتاب «مناقب الشافعي» مجلد، وكتاب «مناقب أحمد» مجلد، وكتاب «فضائل الصحابة» مجلد، وأشياء لا يحضرني ذكرها.
قال الحافظ عبد الغافر بن إسماعيل في «تاريخه»: كان البيهقي على سيرة العلماء، قانعًا باليسير، متجملا في زهده وورعه.
وقال أيضا: هو أبو بكر الفقيه، الحافظ الأصولي، الدَّيِّن الوَرِع، واحد زمانه في الحفظ، وفرد أقرانه في الإتقان والضبط، من كبار أصحاب الحاكم، ويزيد على الحاكم بأنواع من العلوم، كتب الحديث، وحفظه من صباه، وتفقه وبرع، وأخذ فن الأصول، وارتحل إلى العراق والجبال والحجاز، ثم صَنَّف، وتَوالِيفُه تُقَارِب ألف جزء مما لم يسبقه إليه أحد، جمع بين علم الحديث والفقه، وبيان علل الحديث، ووجه الجمع بين الأحاديث، طلب منه الأئمة الانتقال من بَيْهَق إلى نَيْسَابُور، لِسَماع الكتب، فأتى في سنة إحدى وأربعين وأربع مائة، وعَقَدُوا له المجلس لسماع كتاب «المعرفة» وحضره الأئمة.
وقال الذهبي أيضًا: «وبلغنا عن إمام الحرمين أبي المعالي الجُوَيْنِيِّ قال: ما من فقيه شافِعي إلا وللشافعي عليه مِنَّةٌ إلا أبا بكر البَيْهَقِي، فإن المِنَّةَ له على الشافعي لِتَصَانِيفِه في نُصْرَة مَذْهَبِه».
قال الذهبي: «قلت: أصاب أبو المعالي، هكذا هو، ولو شاء البيهقي أن يَعْمَل لِنَفْسِه مذهبًا يَجْتَهِدُ فيه؛ لكان قادرًا على ذلك، لِسَعَة عُلُومِهِ، ومَعْرَفِتِه بالاختلاف، ولهذا تراه يُلَوِّحُ بِنَصْر مَسائِل مِمَّا صَحَّ فِيهَا الحَدِيث.
ولَمَّا سَمِعُوا منه ما أحبوا في قَدْمَتِهِ الأخيرة، مَرِضَ، وحَضَرَت المَنِيَّةُ، فَتُوفِّي: في عاشر شهر جمادى الأولى، سنة ثمان وخمسين وأربعِمائة، فَغُسِّل وكُفِّنَ، وعُمِلَ له تَابُوت، فَنُقِل ودُفِن بِبَيْهَق، وهي نَاحِية قَصَبَتِها خُسْرَوْجِرد، هي مَحْتِدِهُ، وهي على يومين من نيسابور، وعاش أربعًا وسبعين سنة» 1.
هذا والإمام البيهقي - رحمه الله - أشعري المعتقد قد اشتهر بذلك، وقد عده الإمام ابن عساكر في «تبيين كذب المفتري» 2 ضمن أعيان الأشاعرة، وقال ابن السبكي في «الطبقات» 3: «وقرأ علم الكلام على مذهب الأشعري».
وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أنه يتولى مذهب المتكلمين من أصحاب أبي الحسن الأشعري ويذب عنهم وأنه من فضلاء الأشاعرة 4.
وأختم ترجمته بذكر شيوخه الذين روى عنهم في كتاب «البعث والنشور»، فقط وقد ذكرتهم في جملة الفهارس مرتبين على الاسم، وإني ذاكرهم هنا في المقدمة مرتبين على الكنية، ليسهل الوصول إليهم، وهم:
1 - أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الإمام
2 - أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الطوسي الفقيه
3 - أبو الحسن العلاء بن محمد بن أبي سعيد 4 - أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان 5 - أبو الحسن علي بن الحسن بن فهر المصري 6 - أبو الحسن علي بن حمزة بن علي العلوي الحسني 7 - أبو الحسن علي بن عبد الله البيهقي 8 - أبو الحسن علي بن عبد الله بن إبراهيم الهاشمي 9 - أبو الحسن علي بن محمد السبعي 10 - أبو الحسن علي بن محمد المقرئ 11 - أبو الحسن علي بن محمد بن بندار القزويني 12 - أبو الحسن علي بن محمد بن علي بن السقاء 13 - أبو الحسن محمد بن أحمد بن الحسن البزاز 14 - أبو الحسن محمد بن الحسين بن داود العلوي 15 - أبو الحسن محمدُ بن عبد الرحمن بن محمد بن عَبْدَان الشُّرُوطِي 16 - أبو الحسن محمد بن محمد بن حم بن أبي المعروف الإسفراييني 17 - أبو الحسن محمد بن يعقوب الفقيه الطابراني 18 - أبو الحسين علي بن محمد بن عبد الله بن بشران 19 - أبو الحسين محمد بن الحسين بن الفضل القطان 20 - أبو الخير جامع بن أحمد الوكيل المحمداباذي 21 - أبو الطيب سهل بن محمد بن سليمان 22 - أبو الفتح ناصر بن الحسين بن محمد العمري الشريف 23 - أبو الفتح هلال بن محمد بن جعفر 24 - أبو القاسم إسماعيل بن إبراهيم بن علي البندار 25 - أبو القاسم الحَسَن بنُ محمد بن حَبِيب المُفَسِّر 26 - أبو القاسم زيد بن أبي هاشم العلوي 27 - أبو القاسم عبد الخالق بن علي بن عبد الخالق المؤذن
28 - أبو القاسم عبد الرحمن بن عبيد الله الحُرفي 29 - أبو القاسم عبد الواحد بن محمد بن النجار المقرئ 30 - أبو القاسم عبيد الله بن عمر بن علي الفامي 31 - أبو بكر أحمد بن الحسن القاضي 32 - أبو بكر أحمد بن محمد بن غالب الخوارومي 33 - أبو بكر محمد بن إبراهيم الأصبهاني 34 - أبو بكر محمد بن إبراهيم الفارسي 35 - أبو بكر محمد بن الحسن ابن فورك 36 - أبو حامد أحمد بن أبي خلف الصوفي 37 - أبو حامد أحمد بن علي بن بن أحمد المقرئ 38 - أبو زكريا بن أبي إسحاق يحيى بن إبراهيم المزكي 39 - أبو سعد أحمد بن محمد بن أحمد الماليني 40 - أبو سعد عبد الملك بن أبي عثمان الزاهد 41 - أبو سعيد شريك بن عبد الملك بن الحسن 42 - أبو سعيد محمد بن موسى بن الفضل بن أبي عمرو النيسابوري 43 - أبو سهل أحمد بن محمد بن إبراهيم المهراني 44 - أبو صادق محمد بن أبي الفوارس العطار 45 - أبو صالح العنبر بن الطيب ابن أبي طاهر العنبري 46 - أبو طاهر الحسين بن علي بن الحسن الهمذاني 47 - أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الفقيه 48 - أبو عبد الرحمن محمد ابن محبور الدهان 49 - أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين بن محمد السلمي 50 - أبو عبد الله إسحاق بن محمد بن يوسف السوسي 51 - أبو عبد الله الحسن بن عمر بن برهان الغزال 52 - أبو عبد الله الحسين بن الحسن الغضائري
53 - أبو عبد الله الحسين بن شجاع الصوفي 54 - أبو عبد الله الحسين بن عبد الله بن محمد السديري البيهقي 55 - أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد ابن أبي طاهر الدقاق 56 - أبو عبد الله محمد بن الفضل بن نظيف المصري 57 - أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ 58 - أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني 59 - أبو عثمان سعيد بن محمد بن محمد بن عبدان 60 - أبو علي الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن شاذان 61 - أبو علي الحسين بن محمد الروذباري 62 - أبو عمر محمد بن الحسين البسطامي 63 - أبو عمرو محمد بن عبد الله الأديب 64 - أبو عمرو محمد بن عبد الله البسطامي 65 - أبو محمد الحسن بن علي بن المؤمل 66 - أبو محمد جناح بن نذير بن جناح المحاربي 67 - أبو محمد عبد الرحمن بن أحمد ابن أبي حامد المقرئ 68 - أبو محمد عبد الله بن يحيى بن عبد الجبار السكري 69 - أبو محمد عبد الله بن يوسف الأصبهاني 70 - أبو منصور الظفر بن محمد بن أحمد بن زبارة العلوي 71 - أبو منصور عبد القاهر بن طاهر الفقيه 72 - أبو نصر أحمد بن علي الفامي 73 - أبو نصر عمر بن عبد العزيز بن عمر بن قتادة 74 - أبو نصر محمد بن أحمد بن إسماعيل البزاز الطابراني 75 - أبو نصر محمد بن علي بن محمد الفقيه الشيرازي 76 - طلحة بن علي بن الصقر
ترجمة راويي الكتاب عن البيهقي
أولا: الإمام الفراوي
(1).
الشيخ، الإمام، الفقيه، المفتي، مسند خراسان، فقيه الحرم، أبو عبد الله محمد بن الفضل بن أحمد بن محمد بن أبي العباس الصاعدي، الفراوي، النيسابوري، الشافعي.
ولد: في سنة إحدى وأربعين وأربع مائة تقديرًا، لأن شيخ الإسلام أبا عثمان الصابوني أجاز له فيها.
وسمع (صحيح مسلم) من: أبي الحسين عبد الغافر بن محمد، وسمع من أبي عثمان الصابوني أيضا، ومن أبي سعد الكنجروذي، والحافظ أبي بكر البيهقي، وغيرهم.
وهو إمام مفت، مناظر واعظ، حسن الأخلاق والمعاشرة، مكرم للغرباء، وكان جوادا كثير التبسم.
قال السمعاني: سمعت عبد الرشيد بن علي الطبري بمرو يقول: الفراوي ألف راوي.
وتوفي - رحمه الله - في الحادي والعشرين من شوال، ودفن عند إمام الأئمة ابن خزيمة، وقد أملى أكثر من ألف مجلس.
الثاني: أبو المعالي الفارسي
2. هو أبو المعالي، محمد بن إسماعيل بن محمد بن الحسين بن القاسم، الفارسي، سبط الأستاذ أبي القاسم الدهان، من أهل نيسابور، كان شيخًا ثقة، صالحًا، جميل الأمر، مليح الظاهر والهيئة، نظيف الثياب، سمع الإمام أبا بكر أحمد بن الحسين البيهقي، وغيره وكانت ولادته في شعبان، سنة ثمان وأربعين وأربع مائة بنيسابور، وتوفي بها ليلة الأحد الثالثة من جمادى الآخرة، سنة تسع وثلاثين وخمس مائة.1
نماذج من صور المخطوطات
الصفحة الأولى من نسخة المحمودية (م).
نهاية الجزء الأول وبداية الجزء الثاني من (م)
الصفحة الأخيرة من نسخة (م)
الصفحة الأولى من نسخة سان بطرس برج (ب)
الورقة الأخيرة من نسخة (ب)
صورة من السماعات الموجودة في نسخة (ب)