اعتلال القلوب للخرائطيبَابُ ذِكْرِ مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ عَلَى أَحْبَابِهِ

بَابُ ذِكْرِ مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ عَلَى أَحْبَابِهِ

عن هذه الطبعة
عَلَم
الخرائطي
الكتاب
اعتلال القلوب للخرائطي
المؤلف
أبو بكر محمد بن جعفر بن محمد بن سهل بن شاكر الخرائطي السامري (المتوفى: 327هـ)تحقيق: حمدي الدمرداش
الناشر
نزار مصطفى الباز، مكة المكرمة-الرياض
الطبعة
الثانية، 1421هـ2000م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

424 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْأَعْرَابِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ تَمِيمٍ الْخُزَاعِيُّ، عَنِ السَّرِيِّ بْنِ الْمُطَّلِبِ قَالَ: كَانَ الْحَارِثُ بْنُ الشَّرِيدِ مَفْتُونًا بِعَفْرَاءَ بِنْتِ أَحْمَرَ، فَبَقِيَ سَقِيمًا بُرْهَةً مِنْ دَهْرِهِ، وَكَانَتْ تُحِبُّهُ، فَلَمَّا أَجْهَدَهُ الْأَمْرُ كَتَبَ إِلَيْهَا: [البحر الطويل]

صَبَرْتُ عَلَى كِتْمَانِ حُبِّكِ بُرْهَةً ... وَبِي مِنْكِ فِي الْأَحْشَاءِ أَصْدَقُ شَاهِدِ هُوَ الْمَوْتُ إِنْ لَمْ تَأْتِنِي مِنْكِ رُقْعَةٌ ... تَقُومُ لِقَلْبِي فِي مَقَامِ الْعَوَائِدِ فَكَتَبَتْ إِلَيْهِ: [البحر الطويل]

كُفِيتَ الَّذِي نَخْشَى وَصِرْتَ إِلَى الْمُنَى ... وَنِلْتَ الَّذِي تَهْوَى بِرَغْمِ الْحَوَاسِدِ وَوَاللَّهِ لَوْلَا أَنْ يُقَالَ تَظَنُّنًا ... بِيَ السُّوءَ مَا جَانَبْتُ فِعْلَ الْعَوَائِدِ فَلَمَّا وَصَلَّتِ الرُّقْعَةُ وَضَعَهَا عَلَى وَجْهِهِ، فَلَمَّا شَمَّ رَائِحَةَ يَدِهَا وَكَانَتْ مِنْ أَعْطَرِ النِّسَاءِ فِي زَمَانِهَا شَهِقَ شَهْقَةً قَضَى نَحْبَهُ، فَقِيلَ لِعَفْرَاءَ: مَا كَانَ يَضُرُّكِ لَوْ رَوَّحْتِ عَنْ قَلْبِهِ وَأَجَبْتِيهِ بِزَوْرَةٍ؟ قَالَتْ: مَنَعَنِي مِنْ ذَلِكَ قَوْلُكُمْ: عَفْرَاءُ قَدْ صَبَتْ إِلَى الْحَارِثِ، وَوَاللَّهِ لَأَقْتُلَنَّ نَفْسِي عَلَى أَثَرِهِ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُ بِي إِلَّا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ.
فَفَعَلَتْ ذَلِكَ "

425 - حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْفَضْلِ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي مِسْكِينٍ قَالَ: " ضَلَّتْ نَاقَةٌ لِفَتًى مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، فَخَرَجَ بَنِي شَيْبَانَ يَنْشُدُهَا فَإِنَّهُ لَكَذَلِكَ بَصُرَ بِجَارِيَةٍ كَأَنَّهَا الشَّمْسُ حُسْنًا وَجَمَالًا فَعَشِقَهَا عِشْقًا مُبَرِّحًا، فَرَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ وَقَدْ أَذْهَبَتْ عَقْلُهُ، فَمَا تَمَالَكَ أَنْ رَجَعَ إِلَى حَيِّهِمْ، فَلَمَّا هَدَأَ اللَّيْلُ قَالَ: لَعَلِّي أُسْكِنُ بِالنَّظَرِ إِلَيْهَا بَعْضَ مَا بِي.
فَأَتَاهَا وَهِيَ جَالِسَةٌ وَإِخْوَتُهَا نِيَامٌ حَوْلَهَا، فَقَالَ لَهَا: يَا قُرَّةَ عَيْنِي، قَدْ وَاللَّهِ أَذْهَبَ الشَّوْقُ عَقْلِي

وَكَدَّرَ عَلَيَّ عَيْشِي.
فَقَالَتْ: امْضِ إِلَى مَالِكَ، وَإِلَّا أَنْبَهْتُ إِخْوَتِي فَقَتَلُوكَ.
فَقَالَ لَهَا: إِنَّ الْقَتْلَ أَهْوَنُ عَلَيَّ مِنَ الَّذِي أَنَا فِيهِ.
قَالَتْ: وَهَلْ يَكُونُ شَيْءٌ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ؟ قَالَ: نَعَمْ، مَا أَنَا فِيهِ مِنْ حُبِّكِ.
قَالَتْ لَهُ: فَمَا تَشَاءُ؟ قَالَ: أَمْكِنِينِي مِنْ يَدَيْكِ حَتَّى أَضَعَهَا عَلَى قَلْبِي، وَلَكِ عَهْدُ اللَّهِ أَنِّي أَرْجِعُ.
فَفَعَلَتْ.
فَرَجَعَ، فَلَمَّا كَانَتْ لِلْقَابِلَةِ عَاوَدَ فَوَجَدَهَا عَلَى مِثْلِ حَالِهَا، فَقَالَتْ لَهُ كَقَوْلِهَا الْأَوَّلِ، فَقَالَ: أَمْكِنِينِي مِنْ شَفَتَيْكِ حَتَّى أَرْشِفَهَا وَأَنْصَرِفَ.
فَلَمَّا فَعَلَتْ ذَلِكَ وَقَعَ فِي قَلْبِهَا مِنْهُ كَهَيْئَةِ النَّارِ، فَأَقْبَلَتْ تَلْقَاهُ كُلَّ لَيْلَةٍ، فَنَدَرَ بِهِ حَيُّهَا وَإِخْوَتُهَا، فَقَالُوا: مَا لِهَذَا الْكَلْبِ قَدْ أَطَالَ الْمُكْثَ فِي الْخَيْلِ وَهُوَ يَتَخَطَّانَا؟ فَقَعَدُوا لِطَلَبِهِ فِي لَيْلَتِهِمْ تِلْكَ.
وَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ أَنَّ الْقَوْمَ يُرِيدُونَكَ فَكُنْ عَلَى حَذَرٍ، وَإِيَّاكَ وَالْغَفْلَةَ.
فَجَاءَتِ السَّمَاءُ بِمَطَرٍ حَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ طَلَبِهِ، ثُمَّ انْجَلَتِ السَّحَابُ وَطَلَعَ الْقَمَرُ فَتَطَيَّبَتِ الْجَارِيَةُ وَنَشَرَتْ شَعْرَهَا، وَأُعْجِبَتْ بِنَفْسِهَا، وَاشْتَهَتْ أَنْ يَرَاهَا عَلَى تِلْكَ الْحَالِ، فَقَالَتْ لِتِرْبٍ لَهَا قَدْ كَانَتْ أَطْلَعَتْهَا عَلَى شَأْنِهَا: يَا فُلَانَةُ، أَسْعِدِينِي عَلَى الْمُضِيِّ إِلَيْهِ، فَخَرَجَتَا يُرِيدَانِهِ وَهُوَ عَلَى الْخَيْلِ خَائِفٌ مِنَ الطَّلَبِ لَمَّا حَذَّرَتْهُ.
فَبَصُرَ شَخْصَيْنِ يَسِيرَانِ فِي الْقَمَرِ، فَلَمْ يَشُكَّ أَنَّهُمَا مِنَ الْمُطَالِبِينَ، فَانْتَزَعَ سَهْمًا فَمَا أَخْطَأَ قَلْبَ صَاحَبْتِهِ، فَسَقَطَتْ لِوَجْهِهَا مُضَرَّجَةً بِدَمِهَا، فَلَمْ تَزَلْ تَضْطَرِبُ حَتَّى مَاتَتْ، فَبُهِتَ شَاخِصًا يَنْظُرُ إِلَيْهَا، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ: [البحر الكامل]

نَعَبَ الْغُرَابُ بِمَا كَرِهْـ ... ـتُ وَلَا إِزَالَةٌ لِلْقَدَرْ تَبْكِي وَأَنْتَ قَتَلْتَهَا ... فَاصْبِرْ وَإِلَّا فَانْتَحِرْ ثُمَّ جَمَعَ نَبْلَهُ فَجَعَلَ يُجَابِهَا أَوْدَاجَهُ حَتَّى قَتَلَ نَفْسَهُ "

أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الْأَجَلُّ الْإِمَامُ الْعَالِمُ شِهَابُ الدِّينِ أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ عَلِيٍّ الْغَزْنَوِيُّ أَيَّدَهُ اللَّهُ بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِالْقَاهِرَةِ، ثَامِنَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ تِسْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْكَرَمِ الْمُبَارَكُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ الشَّهْرَزُورِيُّ بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ فِي شُهُورِ سَنَةِ سِتٍّ وَأَرْبعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَاجِبُ الْجَلِيلُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْعَلَّافُ قِرَاءَةُ عَلَيْهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بِشْرَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيٍّ الْكِنْدِيُّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ بِمَكَّةَ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْخَرَائِطِيُّ قَالَ:

426 - حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْمُخَرِّمِيُّ قَالَ: " اشْتَرَيْتُ لِهَارُونَ الرَّشِيدِ جَارِيَةً مَدِينِيَّةً، فَأُعْجِبَ بِهَا، فَأَمَرَ الْفَضْلَ بْنَ الرَّبِيعِ أَنْ يَبْعَثَ فِي حَمْلِ أَهْلِهَا وَمَوَالِيهَا لِيَنْصَرِفُوا بِجَوَائِزِهَا، وَأَرَادَ بِذَلِكَ تَشْرِيفَهَا، فَوَفَدَ إِلَى مَدِينَةِ السَّلَامِ ثَمَانُونَ رَجُلًا، وَوَفَدَ مَعَهُمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَاسْتَوْطَنَ الْمَدِينَةَ، كَانَ يَهْوَى الْجَارِيَةَ، فَلَمَّا بَلَغَ الرَّشِيدَ خَبَرُهُمْ أَمَرَ الْفَضْلَ أَنْ يَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لِيَكْتَتِبَ اسْمَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ وَحَاجَتَهُ، فَفَعَلَ حَتَّى بَلَغَ إِلَى الْعِرَاقِيِّ فَقَالَ لَهُ: حَاجَتُكُ؟ فَقَالَ: إِنْ أَنْتَ كَتَبْتَهَا وَضَمِنْتَ لِي عَرْضَهَا مَعَ مَا تَعْرِضُ أَنْبَأْتُكَ بِهَا، فَقَالَ: أَفْعَلُ ذَلِكَ، فَقَالَ: حَاجَتِي أَنْ أَجْلِسَ مَعَ فُلَانَةَ حَتَّى تُغَنِّينِي ثَلَاثَةَ أَصْوَاتٍ، وَأَشْرَبُ ثَلَاثَةَ أَرْطَالٍ، وَأُخْبِرُهَا بِمَا تُجِنُّهُ ضُلُوعِي مِنْ حُبِّهَا.
فَقَالَ الْفَضْلُ: أَنْتَ مَوْسُوسٌ مَدْخُولٌ عَلَيْكَ فِي عَقْلِكِ قَالَ: يَا هَذَا، قَدْ أُمِرْتَ أَنْ تَكْتُبَ مَا يَقُولُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا، فَاكْتُبْ مَا أَقُولُ

وَاعْرِضْهُ، فَإِنْ أُجِبْتُ إِلَيْهِ، وَإِلَّا فَأَنْتَ فِي أَوْسَعِ الْعُذْرِ، فَدَخَلَ الْفَضْلُ مُغْضَبًا، فَوَقَفَ بَيْنَ يَدَيِ الرَّشِيدِ، فَقَرَأَ عَلَيْهِ مَا كَتَبَ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فِيهِمْ وَاحِدٌ مَجْنُونٌ سَأَلَ مَا أُجِلُّ مَجْلِسَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَنِ التَّفَوُّهِ بِهِ، فَقَالَ: قُلْ وَلَا تَجْزَعَنَّ.
فَقَالَ كَذَا وَكَذَا قَالَ: اخْرُجْ إِلَيْهِ وَقُلْ لَهُ: إِذَا كَانَ بَعْدَ ثَلَاثٍ فَاحْضُرْ لِيُنْجَزَ لَكَ مَا سَأَلْتَ، وَكُنْ أَنْتَ تَتَوَلَّى الِاسْتِئْذَانَ لَهُ، وَدَعَا بِخَادِمٍ، وَقَالَ: امْضِ إِلَى فُلَانَةَ وَقُلْ لَهَا: قَدْ حَضَرَ رَجُلٌ قَالَ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ أَجَبْنَاهُ إِلَى مَا سَأَلَ فَكُونِي عَلَى أُهْبَةٍ.
ثُمَّ خَرَجَ الْفَضْلُ إِلَى الْفَتَى فَأَدَّى إِلَيْهِ كَمَا قَالَ الرَّشِيدُ، فَانْصَرَفَ، فَلَمَّا كَانَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ حَضَرَ وَعَرَفَ الرَّشِيدُ خَبَرَهُ، فَقَالَ: يُلْقَى لَهُ بِحَيْثُ أَرَى كُرْسِيًّا مِنْ فِضَّةٍ وَلِلْجَارِيَةِ كُرْسِيًّا مِنْ ذَهَبٍ، وَلْتَخْرُجْ إِلَيْهِ وَتُحْضِرْ ثَلَاثَةَ أَرْطَالٍ.
فَجَلَسَ الْمُغَنِّي عَلَى كُرْسِيٍّ، وَجَلَسَتِ الْجَارِيَةُ بِإِزَائِهِ، فَحَدَّثَهَا وَالرَّشِيدُ يَرَاهُمَا فَقَالَ الْخَادِمُ: لَمْ تَدْخُلْ لِتَشْتَبِقَ وَتُضِيفَ.
فَأَخَذَ رِطْلًا وَخَرَّ سَاجِدًا، وَقَالَ: إِذَا شِئْتَ أَنْ تُغَنِّي فَغَنِّي: [البحر الطويل]

خَلِيلِيَّ عُوجَا بَارَكَ اللَّهُ فِيكُمَا ... وَإِنْ لَمْ تَكُنْ هِنْدٌ بِأَرْضِكُمَا قَصْدَا وَقُولَا لَهَا: لَيْسَ الضَّلَالُ أَجَازَنَا ... وَلَكِنَّمَا جُزْنَا لِنَلْقَاكُمَا عَمْدَا غَدًا يَكْثُرُ الْبَاكُونَ مِنَّا وَمِنْكُمُ ... وَتْزَدادُ دَارِي مِنْ دِيَارَكُمُ بُعْدَا فَغَنَّتْ، ثُمَّ شَرِبَ الرِّطْلَ وَحَادَثَهَا سَاعَةً، فَاسْتَحَثَّهُ الْخَادِمُ فَأَخَذَ الرِّطْلَ بِيَدِهِ وَقَالَ: غَنِّي، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكِ: [البحر الطويل]

تَكَلَّمَ مِنَّا فِي الْوُجُوهِ عُيُونُنَا ... فَنَحْنُ سُكُوتٌ وَالْهَوَى يَتَكَلَّمُ وَنْغَضُبُ أَحْيَانًا وَنَرْضَى بِطَرْفِنَا ... وَذَلِكَ بِمَا بَيْنَنَا لَيْسَ يُعْلَمُ فَغَنَّتْهُ، وَشَرِبَ الرِّطْلَ الْبَاقِيَ، وَحَادَثَتْهُ سَاعَةً، فَاسْتَعْجَلَهُ الْخَادِمُ فَخَرَّ سَاجِدًا يَبْكِي، وَأَخَذَ الرِّطْلَ بِيَدِهِ وَاسْتَوْدَعَهَا اللَّهَ، وَقَامَ عَلَى رِجْلِهِ وَدُمُوعُهُ تَسْتَبِقُ اسْتِبَاقَ الْمَطَرِ وَقَالَ: إِذَا شِئْتِ أَنْ تُغَنِّي فَغَنِّي: [البحر السريع]

أَحْسَنَ مَا كُنَّا تَفَرَّقْنَا ... وَخَانَنَا الدَّهْرُ وَمَا خُنَّا فَلَيْتَ ذَا الدَّهْرَ لَنَا مَرَّةً ... عَادَ لَنَا يَوْمًا كَمَا كُنَّا فَغَنَّتْهُ الصَّوْتَ، فَقَلَبَ الْفَتَى طَرْفَهُ فَبَصُرَ فِي الصَّحْنِ فَأَمَّهَا، وَأَتْبَعَهُ الْخَدَمُ لِيُهْدُوهُ الطَّرِيقَ، فَفَاتَهُمْ وَصَعِدَ الدَّرَجَةَ فَأَلْقَى نَفْسَهُ إِلَى الْأَرْضِ عَلَى رَأْسِهِ فَخَرَّ مَيِّتًا، فَقَالَ الرَّشِيدُ: عَجَّلَ الْفَتَى، وَلَوْ لَمْ يُعَجِّلْ لَوَهَبْتُهَا لَهُ "

427 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الدُّولَابِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عِيسَى، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: " انْحَدَرْتُ قَالَ: مِنْ سُرَّ مَنْ رَأَى، مَعَ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، فَلَمَّا صِرْنَا إِلَى مَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ: الْعَلْثُ دَعَا بِالطَّعَامِ فَأَكَلْنَا، وَحَوْلَ مِنَ الْحِرَاقَةِ الَّتِي فِيهَا الْخَدَمُ جَارِيَتَيْنِ عَوَّادَةٌ وَطُنْبُورِيَّةٌ، وَمُدَّتْ سِتَارَةٌ فَغَنَّتِ الطُّنْبُورِيَّةُ: [البحر الكامل]

يَا رَحْمَتِي لِلْعَاشِقِينَا ... مَا إِنْ أرَى لَهُمْ مُعِينَا كَمْ يُهْجَرُونَ وَيْبُعَدُو ... نَ وَيُضْرَبُونَ وَيَصْبِرُونَا فَقَالَتْ لَهَا الْعَوَّادَةُ: فَيَصْنَعُونَ مَاذَا إِذَا لَمْ يَصْبِرُوا؟ فَهَتَكَتِ السِّتَارَةُ وَقَالَتْ: يَصْنَعُونَ هَكَذَا، وَأَلْقَتْ نَفْسَهَا فِي دِجْلَةَ فَغَرِقَتْ، وَكَانَ عَلَى رَأْسِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ غُلَامٌ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ وَجْهًا، فَلَمَّا رَأَى مَا صَنَعْتِ الْجَارِيَةُ قَالَ: [البحر الكامل]

أَنْتِ الَّتِي غَرَّقْتِنِي ... بَعْدَ الْقَضَا لَوْ تَعْلَمِينَا لَا خَيْرَ بَعْدَكِ إِنْ بَقِينَا ... وَالْمَوْتُ زَيْنُ الْعَاشِقِينَا وَأَلْقَى نَفْسَهُ خَلْفَهَا فَغَرَقَ، وَأُنْشِدَ ذَلِكَ عَلَى إِسْحَاقَ فَرَفَعَ النَّبِيذَ وَأَمَرَ بِطَلَبِهِمَا وَإِخْرَاجِهِمَا، فَأُخْرِجَا مِنَ الْمَاءِ فَدَفَنَّاهُمَا "

428 - حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْفَضْلِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَيْسِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ زِيَادٍ قَالَ: " قُلْتُ لِامْرَأَةٍ مِنْ عُذْرَةَ وَرَأَيْتُ بِهَا هَوًى غَالِبًا حَتَّى خِفْتُ عَلَيْهَا الْمَوْتَ: مَا بَالُ الْعِشْقِ يَقْتُلُكُمْ مَعَاشِرَ عُذْرَةَ مِنْ بَيْنِ أَجْيَالِ الْعَرَبِ؟ قَالَتْ: فِينَا جَمَالٌ وَتَعَفُّفٌ، فَالْجَمَالُ يُجَمِّلُنَا عَلَى الْعَفَافِ، وَالْعَفَافُ يُوَرِّثُنَا رِقَّةَ الْقُلُوبِ، وَالْعِشْقُ يُفْنِي آجَالَنَا، وَإِنَّا نَرَى مَحَاجِرًا لَا تَرَوْنَهَا "

جارٍ التحميل