اعتلال القلوب للخرائطيصفحات 205-208

بَابُ ذِكْرِ الْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ وَالْمُحَافَظَةِ عَلَى الْوُدِّ

صفحات 205-208
عن هذه الطبعة
عَلَم
الخرائطي
الكتاب
اعتلال القلوب للخرائطي
المؤلف
أبو بكر محمد بن جعفر بن محمد بن سهل بن شاكر الخرائطي السامري (المتوفى: 327هـ)تحقيق: حمدي الدمرداش
الناشر
نزار مصطفى الباز، مكة المكرمة-الرياض
الطبعة
الثانية، 1421هـ2000م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

419 - حَدَّثَنَا أَبُو الْفَضْلِ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: رَأَى الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ الرَّبَابَ ابْنَةَ

امْرِئِ الْقَيْسِ فَأَحَبَّهَا حُبًّا شَدِيدًا فَتَزَوَّجَهَا، فَلَمَّا دَخَلَ بِهَا كَانَ لَهَا أَشَدَّ حُبًّا قَالَتْ سَكِينَةُ: فَكُنْتُ أَرَى أَبِي يَنْظُرُ فِي وَجْهِهَا مَلِيًّا ثُمَّ يَبْتَسِمُ وَيُقَبِّلُهَا، فَقَالَ فِيهَا ذَاتَ يَوْمٍ: [البحر الوافر] لَعَمْرِي إِنَّنِي لَأُحِبُّ دَارًا ... تَحِلُّ بِهَا سَكِينَةُ وَالرَّبَابُ أُحِبُّهُمَا وَأَبْذُلُ فَوْقَ جُهْدِي ... وَلَيْسَ لِعَاذِلٍ عِنْدِي عِتَابُ وَكَانَتْ مَعَهُ يَوْمَ الطَّفِّ فَرَجَعَتْ إِلَى الْمَدِينَةِ مُصَابَةً مَعَ مَنْ رَجَعَ، فَخَطَبَهَا الْأَشْرَافُ مِنْ قُرَيْشٍ، فَقَالَتْ: وَاللَّهِ لَا يَكُونُ لِي حَمْوٌ آخَرَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَعَاشَتْ بَعْدَهُ سَنَةً لَمْ يُظِلُّهَا سَقْفُ بَيْتٍ حَتَّى بَلِيَتَ وَمَاتَتْ كَمَدًا "

420 - حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْجَوْهَرِيُّ قَالَ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْجَهْمِ: " لَمَّا أَفْضَتِ الْخِلَافَةُ إِلَى الْمُتَوَكِّلِ عَلَى اللَّهِ أَهْدَى إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاهِرٍ مِنْ خُرَاسَانَ جَوَارٍ، وَكَانَتْ فِيهِنَّ جَارِيَةٌ يُقَالُ لَهَا: مَحْبُوبَةُ، وَكَانَتْ قَدْ نَشَأَتْ بِالطَّائِفِ، وَكَانَ لَهَا مَوْلًى مُغْرًى بِالْأَدَبِ، فَكَانَتْ قَدْ أَخَذَتْ عَنْهُ وَرَوَتِ الْأَشْعَارَ، وَكَانَ الْمُتَوَكِّلُ مُعْجَبًا فَغَضِبَ عَلَيْهَا، وَمَنَعَ جَوَارِي الْقَصْرِ مِنْ كَلَامِهَا، فَكَانَتْ فِي حُجْرَتِهَا لَا يُكَلِّمُهَا أَحَدٌ أَيَّامًا فَرَأَتْهُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّهُ قَدْ

صَالَحَهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ دَخَلَتْ عَلَيْهِ، فَقَالَ: يَا عَلِيُّ، فَقُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَشَعَرْتَ أَنِّي رَأَيْتُ مَحْبُوبَةَ فِي مَنَامِي قَدْ صَالَحْتُهَا وَصَالَحَتْنِي.
فَقُلْتُ: خَيْرًا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِذًا يُقِرُّ اللَّهُ عَيْنَكَ وَيَسُرُّكَ، فَوَاللَّهِ، إِنَّا لَفِيمَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ حَدِيثِهَا إِذْ جَاءَتْ وَصِيفَةٌ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَتْ: يَا سَيِّدِي، سَمِعْتُ صَوْتَ عُودٍ مِنْ حُجْرَةِ مَحْبُوبَةَ، فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ: قُمْ بِنَا يَا عَلِيُّ نَنْظُرْ مَا هَذَا الْأَمْرُ، فَنَهَضْنَا حَتَّى أَتَيْنَا حُجْرَتَهَا فَإِذَا هِيَ تَضْرِبُ بِالْعُودِ وَتَقُولُ: [البحر المنسرح]

أَدُورُ فِي الْقَصْرِ لَا أَرَى أَحَدًا ... أَشْكُو إِلَيْهِ وَلَا يُكَلِّمُنِي حَتَّى كَأَنِّي أَتَيْتُ مَعْصِيَةً ... لَيْسَتْ لَهَا تَوْبَةٌ تُخَلِّصُنِي فَهَلْ شَفِيعٌ لَنَا إِلَى مَلِكٍ ... قَدْ زَارَنِي فِي الْكَرَى فَصَالَحَنِي حَتَّى إِذَا مَا الصَّبَاحُ لَاحَ لَنَا ... عَادَ إِلَى هَجْرِهِ فَصَارَمَنِي قَالَ: فَصَاحَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَصِحْتُ مَعَهُ، فَسَمِعَتْ فَتَلَقَّتْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ثُمَّ أَكَبَّتْ عَلَى رِجْلِهِ تُقَبِّلُهَا، فَقَالَتْ: يَا سَيِّدِي، رَأَيْتُكَ فِي لَيْلَتِي هَذِهِ كَأَنَّكَ قَدْ صَالَحْتَنِي قَالَ: وَأَنَا وَاللَّهِ قَدْ رَأَيْتُكِ، فَرَدَّهَا إِلَى مَرْتَبَتِهَا كَأَحْسَنِ مَا كَانَتْ، فَلَمَّا كَانَ مِنْ أَمْرِ الْمُتَوَكِّلِ مَا كَانَ تَفَرَّقْنَ وَصِرْنَ إِلَى الْعَوَّادِ وَنَسِينَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَصَارَتْ مَحْبُوبَةُ إِلَى وَصِيفٍ الْكَبِيرِ، فَوَاللَّهِ مَا كَانَ لِبَاسُهَا إِلَّا الْبَيَاضَ، وَكَانَتْ تَنْتَحِبُ وَتَشْهَقُ إِلَى أَنْ جَلَسَ وَصِيفٌ يَوْمًا لِلشُّرْبِ وَجَلَسَ الْجَوَارِي اللَّاتِي كُنَّ لِلْمُتَوَكِّلِ يُغَنِّينَهُ، فَمَا تَغَنَّتْ مِنْهُنَّ وَاحِدَةٌ إِلَّا تَغَنَّتْ غَيْرُهَا، وَأَوْمَأَ إِلَيْهَا فَقَالَتْ: إِنْ رَأَى الْأَمِيرُ أَنْ يَعْفِيَنِي، فَأَبَى، فَقَالَ لَهَا الْجَوَارِي: لَوْ كَانَ فِي الْحُزْنِ فَرَجٌ لَحَزِنَّا مَعَكِ، وَجِيءَ بِالْعُودِ فَوُضِعَ فِي حِجْرِهَا فَأَنْشَأَتْ تَقُولُ: [البحر الخفيف]

أَيُّ عَيْشٍ يَطِيبُ لِي ... لَا أَرَى فِيهِ جَعْفَرَا

مَلِكٌ قَدْ رَأَتْهُ عَيْنِي ... جَرِيحًا مُعَفَّرَا كُلُّ مَنْ كَانَ ذَا هُيَامٍ ... وَسَقَمٍ فَقَدْ بَرَا غَيْرَ مَحْبُوبَةَ الَّتِي ... لَوْ تَرَى الْمَوْتَ يُشْتَرَى لَاشْتَرَتْهُ بِمَا حَوَتْـ ... ـهُ جَمِيعًا لِتُقْبَرَا فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى وَصِيفٍ فَأَمَرَ بِإِخْرَاجِهَا، فَصَارَتْ إِلَى حَالَةٍ قَبِيحَةٍ وَلَبِسَتِ الصُّوفَ، وَأَخَذَتْ تَرْثِيهِ وَتَبْكِيهِ حَتَّى مَاتَتْ "

421 - حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْفَضْلِ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَهْمِ قَالَ: إِنِّي لَعِنْدَ الْمُتَوَكِّلِ يَوْمًا وَالْفَتْحُ جَالِسٌ إِذْ قِيلَ لَهُ: فُلَانٌ النَّخَّاسُ بِالْبَابِ، فَأَذِنَ لَهُ، فَدَخَلَ وَمَعَهُ وَصِيفَةٌ، فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ: " مَا صِنَاعَةُ هَذِهِ؟ قَالَ: تَقْرَأُ بِأَلْحَانٍ.
فَقَالَ الْفَتْحُ: اقْرَأِي لَنَا خَمْسَ آيَاتٍ.
فَانْدَفَعَتْ تَقُولُ: [البحر السريع] قَدْ جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ... وَشَقَّ عَنَّا الظُّلْمَةَ الصُّبْحُ خَدِينُ مُلْكٍ وَرَحَى دَوْلَةٍ ... وَهَمُّهُ الْإِشْفَاقُ وَالنُّصْحُ اللَّيْثُ إِلَّا أَنَّهُ مَاجِدٌ ... وَالْغَيْثُ إِلَّا أَنَّهُ سَمْحُ وَكُلُّ بَابٍ لِلنَّدَى مُغْلَقٌ ... فَإِنَّمَا مِفْتَاحُهُ الْفَتْحُ قَالَ: فَوَاللَّهِ لَقَدْ دَخَلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ السُّرُورِ مَا قَامَ إِلَى الْفَتْحِ فَوَقَعَ عَلَيْهِ يُقَبِّلُهُ، وَوَثَبَ الْفَتْحُ فَقَبَّلَ رِجْلَهُ، فَأَمَرَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ بِشِرَائِهَا، وَأَمَرَ بِهَا بِجَائِزَةٍ وَكِسْوَةٍ، وَبَعَثَ بِهَا إِلَى الْفَتْحِ، فَكَانَتْ أَحَظَّ جَوَارِيهِ عِنْدَهُ، فَلَمَّا قُتِلَ الْفَتْحُ رَثَتْهُ بِهَذِهِ الْأَبْيَاتِ: [البحر المنسرح]

قَدْ قُلْتُ لِلْمَوْتِ حِينَ نَازَلَهُ ... وَالْمَوْتُ مِقْدَامُهُ عَلَى الْبَهْمِ لَوْ قَدْ تَبَيَّنْتَ مَا فَعَلْتَ إِذًا ... فَزِعْتَ شَيْنًا عَلَيْهِ مِنْ نَدَمِ فَاذْهَبْ بِمَنْ شَنِيتَ إِذْ ذَهَبْتَ بِهِ ... مَا بَعْدَ فَتْحٍ لِلْمَوْتِ مِنْ أَلَمِ وَلَمْ تَزَلْ تَبْكِي وَتَنُوحُ عَلَيْهِ حَتَّى مَاتَتْ " وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: لَمْ يَرِبِ الْمَوَدَّةُ وَيَزْرَعُ الْمَحَبَّةُ بِمِثْلِ سُكُونِ النَّفْسِ إِلَى النِّعْمَةِ وَالْوَفَاءِ لِأَهْلِ الثِّقَةِ، وَالْمَزِيدِ بِتَعَاهُدِ النِّعْمَةِ وَالشُّكْرِ عَلَيْهَا

422 - أَنْشَدَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَارَسْتَانِيُّ: [البحر البسيط] لَا وَالَّذِي إِنْ بَكَيْتُ الْيَوْمَ عَاقَبَنِي ... وَإِنْ صَدَقْتُ تَلَقَّانِي بِغُفْرَانِي مَا قَرَّتِ الْعَيْنُ بِالْأَبْدَالِ بَعْدَكُمُ ... وَلَا وَجَدْتُ لَذِيذَ النَّوْمِ يَغْشَانِي إِنِّي وَجَدْتُ بِكُمْ مَا لَمْ يَجِدْ أَحَدٌ ... جِنٌّ بِجِنٍّ وَلَا إِنْسٌ بِإِنْسَانِ

423 - حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ يَزِيدَ الْحَرَّانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَرْزُوقٍ الرَّقِّيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْبَصْرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ الرَّقِّيُّ، عَنْ بَعْضِ وَلَدِ حُمَيْدٍ الطُّوسِيِّ قَالَ: كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ

يَهْوَى جَارِيَةً يُقَالُ لَهَا: ظَلُومٌ، وَكَانَ شَدِيدَ الشَّغَفِ بِهَا، وَكَانَتْ تَجِدُ بِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، فَبَيْنَمَا هُوَ ذَاتَ يَوْمٍ فِي مَجْلِسِهِ وَقَدْ فُرِشَ بِالدِّيبَاجِ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ الْجَوَارِي وَالْمُغَنُّونَ، وَلَيْسَ ظَلُومٌ حَاضِرَةً إِذْ وَجَّهَ بَعْضُ جَوَارِيهِ بِأُتْرُجَّةٍ مَحْشُوَّةٍ بِالْمِسْكِ وَالْعَنْبَرِ، فَلَمَّا وُضِعَتْ فِي يَدِهِ شَمَّهَا وَشَرِبَ رِطْلًا وَذَكَرَ ظَلُومًا، فَدَعَا بِوَصِيفٍ كَانَ عَلَى رَأْسِهِ فَدَفَعَ إِلَيْهِ الْأُتْرُجَّةَ، وَقَالَ لَهُ: اذْهَبْ بِهَذِهِ إِلَى ظَلُومٍ، فَلَمَّا دَفَعَ إِلَيْهَا الْأُتْرُجَّةَ وَأَدَّى الرِّسَالَةَ بَكَتْ بُكَاءً شَدِيدًا حَتَّى رَحِمَهَا جَمِيعُ مَنْ حَضَرَهَا، وَقَالُوا: إِنَّنَا مَا رَأَيْنَا أَعْجَبَ مِنْكِ، يُوَجِّهُ إِلَيْكِ بِتَحِيَّةٍ فَتَبْكِينَ فَقَالَتْ: أَنَا أَتَغَنَّى بِصَوْتٍ تَعْلَمُونَ مِمَّ بُكَايَ، فَانْدَفَعَتْ تُغَنِّي: [البحر الكامل] أَهْدَى لَهُ أَحْبَابُهُ أُتْرُجَّةً ... فَبَكَى وَأَشْفَقَ مِنْ عَيَافَةِ زَاجِرِ خَافَ التَّلَوُّنَ وَالْفِرَاقِ لِأَنَّهَا ... لَوْنَانِ بَاطِنُهَا خِلَافُ الظَّاهِرِ فَلَمَّا جَاءَ الْغُلَامُ قَالَ: مَا بَطَّأَ بِكَ؟ فَأَعْلَمَهُ أَنَّهَا كَانَتْ خَارِجَةً عَنْ مَنْزِلِهَا، وَأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ يَسْأَلُ عَنْهَا حَتَّى وَقَفَ عَلَى مَوْضِعِهَا، فَغَاظَهُ ذَلِكَ، فَكَتَبَ إِلَيْهَا: [البحر الكامل] ضَيِّعْتِ عَهْدَ فَتًى لِغَيْبِكِ حَافَظٌ ... فِي حِفْظِهِ عَجَبٌ وَفِي تَضْيِيعِكِ فَصِدْتِ عَنْهُ فَمَا لَهُ مِنْ حِيلَةٍ ... إِلَّا الْوُقُوفُ إِلَى أَوَانِ رُجُوعِكِ إِنْ تَقْتُلِيهِ وَتَذْهَبِي بِحَيَاتِهِ ... فَبِحُسْنِ وَجْهِكِ لَا بِحُسْنِ صَنِيعِكِ وَوَجَّهَ إِلَيْهَا بِالرُّقْعَةِ مَعَ الْغُلَامِ وَأَمَرَهُ أَلَّا يَأْخُذَ لَهَا جَوَابًا، فَلَمَّا دَفَعَ إِلَيْهَا الرُّقْعَةَ قَرَأَتْهَا ثُمَّ بَكَتْ حَتَّى رَحِمَهَا جَمِيعُ مَنْ كَانَ فِي الْمَجْلِسِ، ثُمَّ قَالَتْ لِلْغُلَامِ: اسْمَعْ مِنِّي صَوْتًا وَاحْفَظْهُ، وَانْدَفَعَتْ تُغَنِّي: [البحر الخفيف]

هَلْ لِعَيْنَيَّ إِلَى الرُّقَادِ شَفِيعُ ... إِنَّ قَلْبِي مِنَ السِّقَامِ مَرُوعُ لَا تَرَانِي بَخَلْتَ عَنْكَ بِدَمْعٍ ... لَا وَرَوحِ الْحَبِيبِ مَا لِي دُمُوعُ إِنَّ قَلْبِي إِلَيْكَ صَبٌّ حَزِينٌ ... فَاسْتَرَاحَتْ إِلَى الْأَنِينِ الضُّلُوعُ لَيْسَ فِي الْعَطْفِ يَا مُحَمَّدُ بِدَعٌ ... إِنَّمَا كُلُّ مَا أُقَاسِي بَدِيعُ وَلَمْ تَزَلْ تُرَدِّدُهَا عَلَيْهِ حَتَّى حَفِظَهَا الْغُلَامُ، فَانْصَرَفَ، فَقَالَ لَهُ مَوْلَاهُ: أَخْبِرْنِي بِجَمِيعِ مَا رَأَيْتَ مِنْهَا، فَأَخْبَرَهُ خَبَرَهَا، وَغَنَّاهُ الْأَبْيَاتَ فَبَكَا، وَقَالَ: صَدَقَتْ وَاللَّهِ، لَيْسَ فِي الْعَطْفِ عَلَى مِثْلِهَا بِدَعٌ، وَدَعَا بِدَوَاةٍ وَقِرْطَاسٍ وَكَتَبَ إِلَيْهَا أَنْ تَصِيرَ إِلَيْهِ، وَكَتَبَ فِي أَسْفَلِ الرُّقْعَةِ: [البحر البسيط] أَنْزَلْتِ بِالْقَلْبِ هَمًّا قَدْ أَضَرَّ بِهِ ... صَبْرًا عَلَى الْهَمِّ حَتَّى يَنْزِلَ الْفَرَجُ إِنْ كُنْتِ فِي الشَّكِّ مِمَّا بِي وَقَدْ خَفِيَتْ ... بَيْنَ الْجَوَانِحِ بَادِ الْحُبِّ مُذْحِجَجُ ظَلُومُ فَاسْتَخْبِرِي عَنْ حُبِّكُمْ جَسَدِي ... يُخْبِرْكِ أَنِّي نَحِيلٌ هَائِمٌ كَهِجُ قَالَ: فَلَمَّا قَرَأْتِ الرُّقْعَةَ وَثَبَتْ مِنْ مَجْلِسِهَا حَتَّى وَافَتْ مَنْزِلَهُ وَقَالَتْ: أَنَا مَمْلُوكَةٌ، وَلَا أَمْلِكُ نَفْسِي، فَإِنْ كَانَتْ لَكَ فِيَّ حَاجَةٌ فَمُرْ بِشِرَائِي لِأَكُونَ طَوْعَ يَدِكَ، فَاشْتُرِيَتْ لَهُ، فَمَكَثَتْ عِنْدَهُ فَكَانَتْ أَعَزَّ جَوَارِيهِ عَلَيْهِ وَأَعْلَاهُنَّ مَرْتَبَةً لَدَيْهِ، حَتَّى كَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ فِي وَقْعَةِ بَابِكٍ فَقُتِلَ، فَلَمَّا بَلَغَهَا قَتْلُهُ جَزَعَتْ عَلَيْهِ جَزَعًا شَدِيدًا وَجَعَلَتْ تَرْثِيهِ، فَكَانَ مِمَّا قَالَتْ: [البحر البسيط] مُحَمَّدُ بْنَ حُمَيْدٍ أُخْلِقَتْ دِمَمُهْ ... أُرِيقَ مَاءُ الْمَعَالِي مُذْ أُرِيقَ دَمُهْ رَأَيْتُهُ بِنِجَادِ السَّيْفِ مُخْتَبِيًا ... فِي النَّوْمِ بَدْرًا جَلَّتْ عَنْ وَجْهِهِ ظُلَمُهْ فِي رَوْضَةٍ قَدْ عَلَا حَافَاتِهَا زَهْرٌ ... عَلِمْتُ بَعْدَ انْتِبَاهِي أَنَّهَا نِعَمُهْ فَقُلْتُ وَالدَّمْعُ مِنْ حُزْنٍ وَمِنْ كَمَدٍ ... يَجْرِي انْسِكَابًا عَلَى الْخَدَّيْنِ مُنْسَجَمُهْ أَلَمْ تَمُتْ يَا شَقِيقَ النَّفْسِ مُذْ زَمَنٍ ... فَقَالَ لِي: لَمْ يَمُتْ مَنْ لَمْ يَمُتْ كَرَمُهْ

فَلَمْ تَزَلْ تَرْثِيهِ وَتَبْكِي عَلَيْهِ حَتَّى مَاتَتْ " قَالَ الْخَرَائِطِيُّ: الشِّعْرُ لِأَبِي تَمَامٍ

جارٍ التحميل