تداخل الأصول اللغوية وأثره في بناء المعجمصفحات 59-81

مقدمة

صفحات 59-81
عن هذه الطبعة
عَلَم
عبد الرزاق بن فراج الصاعدي
الكتاب
تداخل الأصول اللغوية وأثره في بناء المعجم
المؤلف
عبد الرزاق بن فراج الصاعدي
الناشر
عمادة البحث العلمي، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، المملطة العربية السعودية
الطبعة
الأولى، 1422هـ/2002م
عدد الأجزاء
2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

وتُعَدُّ هذه آخر مرحلة مهمة في تطور المعجم العربي، وفيها ظهر ما يعرف بـ (المدارس المعجَمِية) ومن تلك المدارس: (مدرسة القافية) وهي محور الحديث في المبحث التالي.

المبحث الرابع: مدرسة القافية

رأى اللغويون أن معاجم المعاني والموضوعات لا تساعد على حصر اللغة، ولا يؤمَن فيها التكرار؛ فاللغة مركبة من متناهٍ، وهو الحروف، والمركب من متناهٍ متناه، فاهتدوا إلى طرق عدةٍ؛ يمكن من طريقها حصر اللغة، فتسابقوا إلى ابتداع أفضل الطرق، واختلف المنهج من عالِمٍ إلى آخر، وحاول اللاحق أن يختار أحسن ما لدى السابقين، ويتلافى عيوبهم، وقلَّد بعضهم بعضاً، حتى استقرت طرق الترتيب، وانكشفت معالم كل طريقة، فيما عرف - مؤخراً بـ (المدارس المعجمية) . والترتيب أمر مهم تتفاوت المعاجم فيه؛ وهو الذي يجعل الناس أكثر إقبالاً على معاجمَ دون غيرها؛ وهو سبب شيوع بعضها، وخمول بعضها الآخر.
ومن المعروف أن أساس التصنيف المعجمي هو (الحرف) في الكلمة، وهو قائم على اعتبارين: الأول: موقع الحرف من الكلمة.
الثاني: موقع الحرف من الأبجدية.

أما الاعتبار الأول - موقع الحرف من الكلمة - فهو أساس الترتيب، وبالنظر إليه تفرعت المدارس وتباينت؛ فمدرسة للحرف الأول، وأخرى للحرف الأخير، وثالثة للحرف المطلق؛ وهي المدرسة التي أَهْمَلَتْ موقع الحرف من الكلمة، وفيما يلي بيان ذلك1 - بإيجاز - لتمييز مدرسة القافية من غيرها والوقوف على مكانتها بين المدارس المعجمية: أ- مدرسة التَّقْلِيبَات2الحرف المطلق: رائد هذه المدرسة هو الخليل بن أحمد الفراهيدي في معجمه (العين) وأساس الترتيب فيها أن توضع الكلمة في الحرف الأسبق وفق

الترتيب الصوتي المخرجي، فابتدأ بأبعد الحروف مخرجاً؛ وهو العين، وانتهى بالحروف الشفوية والهوائية (واي) . ومن منهج الخليل في الترتيب أنه جعل للمعجم ترتيباً خارجياً، وآخر داخلياً؛ ففي الترتيب الخارجي قسَّم المعجم ستَّةً وعشرين1 كتاباً على حروف المعجم؛ مبتدئاً بالعين، ومنتهياً بحروف العلة (واي) والهمزة، مع التزام نظام التقليبات؛ أي أنه عالج الكلمة وتقليباتها المستعملة في موضع واحد على التوالي؛ فمثلاً كلمة (رَقَّ) تذكر في القاف؛ لأنه أسبق الحرفين، ويذكر مقلوبها؛ وهو (قَرَّ) وكلمة (بَحَر) تذكر في كتاب الحاء؛ لأنه أسبق الحروف الثلاثية فيها، ويذكر معها مقلوباتها؛ وهي كما يلي: حرب، حبر، رحب، ربح، بحر، برح.
ولعل بحثه عن الحرف (المطلق) الأول في ترتيبه هو الذي قاده إلى نظام التقليبات، ولنا أن نعكس ذلك؛ فنقول: إن نظام التقليبات هو الذي أدى إلى إطلاق الحرف، أي: أن ينظر إلى الحرف الأسبق في ترتيب الحروف بغضِّ النظر عن موقعه من الكلمة.

وفي الترتيب الداخلي لكل كتاب أخضعَ ما فيه من مادةٍ لنظام الأبنية، فباب للثنائي، وباب للثلاثي، وباب للرباعي، وباب للخماسي.
وسار على هذا النظام غير الخليل: الأزهريُّ في (تهذيب اللغة) والزُّبيدي في (مختصر العين) والقالي في (البارع) وابن عباد في (المحيط) 1 وابن سيدة في (المحكم) . وخالفهم ابن دريد، إلاَّ أنه لم يخرج من المدرسة؛ حيث استبدل الترتيب الألفِ بائي بالترتيب الصوتي، وأبقى على نظام التقليبات والأبنية في الترتيب الداخلي.
ب-مدرسة القافية الحرف الأخير: تقوم هذه المدرسة على تقسيم المعجم سبعةً وعشرين 2باباً؛ بعدد حروف المعجم: باعتبار الحرف الأخير لأصل الكلمة، ومن هنا تسمى (القافية) .

هذا هو الترتيب الخارجي؛ ثم يُرتب كل باب ترتيباً داخلياً بتقسيمه ثمانية وعشرين فصلاً؛ باعتبار الحرف الأول للكلمة، أما حشوها فللترتيب داخل كل فصل.
والتزم في ترتيب الحروف الترتيب الألف بائي المعروف، ولم يؤثر أن معجماً من معاجم هذه المدرسة التزمَ الترتيب الصوتي، ولو تم ذلك - مع التزام القافية - لما أخرجَ صاحبَه من مدرسة القافية، إلاَّ أن يكون فرعاً على المدرسة؛ كـ (الجمهرة) في مدرسة التقليبات.
ويمكن إيجاز نظام مدرسة القافية في الترتيب في كلماتٍ؛ فيقال: إنّ الحرفَ الأخير للباب، والأولَ للفصل، والحشوَ للترتيب داخل الفصل.
ويعد هذه النظام من أدق أنظمة المعاجم؛ فليس للأصل الواحد فيه سوى موضع واحد، إلاَّ ما يقع للإحالة ونحوها؛ بسبب تعدد اللغات؛ كالإبدال والهمز والتسهيل.

أما غير ذلك فهو من (تداخل الأصول) أو السهو، أو التصحيف، أو خطأ النُّسَّاخ. وتجمع هذه المدرسة - إلى دقة النظام - حسن الوضع، وقرب المتناول، مع تيسيرها سبيل حصر اللغة لمن أراده من صُنَّاع المعاجم. ورائد هذه المدرسة –فيما وصل علمنا إليه من تراث العربية هو أبو بشر اليمان بن أبي اليمان البندنيجي (ت 284هـ) في كتابه (التقفية في اللغة) حيث رَتَّبَ كلماته على الحرف الأخير. وقد وضَّح منهجه في ذلك بقوله: "ونظرنا في نهاية الكلام؛ فجمعنا إلى كل كلمة ما يشاكلها مما نهايتها كنهاية الأولى قبلها من حروف الثمانية والعشرين، ثم جُعل ذلك أبواباً على عدد الحروف، فإذا جاءت الكلمة مما يحتاج إلى معرفتها من الكتاب نظرتَ إلى آخرها؛ مما هو من هذه الحروف؛ فطلبته في ذلك الباب الذي هي منه؛ فإنه يسهل معرفتها ـ إن شاء الله"1.
غير أن عمل (البندنيجي) في هذه المدرسة يمثّل مرحلة من مراحلها؛ الّتي اكتملت بعمل الجوهري في (الصّحاح) . لقد ترك البندنيجيّ ترتيب الكلمات داخل كلّ باب، فهو بذلك لم يراعِ نظام الفصل؛ مما أدى إلى حشد الكلمات في كلّ باب بغير نظام معين؛ وذلك يتطلب من الباحث مراجعة الباب كله للبحث عن كلمة

معينة فيه، ويضاف إلى ذلك أنه لم يجرد الكلمات من الزوائد، ولم يرجعها إلى أصولها؛ فكلمات: (الخَفَاءِ) و (الجَفَاءِ) و (الرِّيَاءِ) -مثلاً- في باب الهمزة، وكلمات: (الناحية) و (البادية) و (الجابية) في باب الهاء، شأنه في ذلك شأن أي عمل في بدئه، يَعْتَوره شيء كثير أو قليل من جوانب القصور والخلل.
ولذلك كان هذا المعجم غير صالح لدراسة تداخل الأصول فيه.
ومن رُوَّاد هذه المدرسة: أبو إبراهيم إسحاق بن إبراهيم الفارابي (ت 350هـ) في معجمه (ديوان الأدب) وهو أول من أخذ بنظام الفصل الذي لم يراعه (البندبيجي) وراعى ما بين حرف الفصل وحرف الباب من حَشْوٍ في الترتيب، ولكنه التزم منهجاً خاصاً به جعله أقرب إلى معاجم الأبنية من أي شيء آخر؛ وذلك أنه قسَّم كتابه تقسيماً خارجياً بحسب الأبنية؛ فجعله ستة أقسام؛ سماها كتباً، ثم جعل كلّ كتاب من هذه الكتب شطرين: أسماءً، وأفعالاً، ثم قسَّم كل شطر منهما أبواباً؛ بحسب التجرد والزيادة ونوع البناء، وهكذا؛ وفي داخل كلّ بناء من هذا التفريع رتب ما فيه من كلمات على نظام مدرسة القافية؛ على أكمل صورة؛ أي بالتزام نظام الباب والفصل والحشو، وكرر ذلك مئات المرات؛ فجاء معجمه –بذلك كله- وَعْرَ المسلك، ومشتت المادة؛ وهو أقرب –في صعوبته- إلى معاجم التقليبات، فلكي يصل الباحث إلى مراده

يحتاج إلى أن يلم بجملة أشياء، وعليه أن يخطو خطوات عدةٍ قبل الوصول إلى المراد. وهذا المعجم يخرج من نطاق هذا البحث؛ وإن كان من الممكن الاستفادة مما فيه؛ وبخاصة الأبنية. أما ثالث الرّواد في هذه المدرسة وآخرهم فهو: أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري (ت 393هـ) في معجمه (تاج اللغة وصحاح العربية) المعروف بـ (الصحاح) وهو رائد هذه المدرسة المطلقُ عند بعض الباحثين1.
والحق أن نظام المدرسة في الترتيب استوى على يديه، واستقر؛ فلم يضف أحد من بعده شيئاً يذكر على ما قدمه في المنهج، ولا حاجة لذكر منهجه هنا؛ فقد تقدم إيجازه2.
والذي تطمئن إليه النفس في ريادة هذه المدرسة أن يقال: إنَّ الثلاثة رواد؛ فللبندنيجي فضل ابتداع نظام القافية؛ أعني: الباب، وللفارابي فضل الكشف عن نظام الفصل، وعلى يد الجوهري استوى المنهج واستقرَّ؛ وبسببه ذاع وانتشر.

ولعلَّ مدرسة القافية أعظم المدارس المعجمية على الإطلاق؛ لجمعها بين الدقة والسهولة، ولكونها تمدّ اللغويين والأدباء بفوائد جمة؛ فالأديب –ناثرٌ أو شاعرٌ- يجد فيها طِلْبَتَه؛ فهي تمده بالقوافي، وتعينه على السجع.
ومن هنا نجد أتباع هذه المدرسة كُثُراً؛ فمن أتباعها –خلا الصحاح: (العُباب الزاخر) و (التكملة والذيل والصلة) و (مجمع البحرين) وهي للصَّغاني (ت 650هـ) و (القراح) لأبي الفضل القريشي (من أهل القرن السابع) و (اللسان) لابن منظور (ت 711هـ) و (القاموس المحيط) للفيروزآبادي (ت 817هـ) و (الجامع) و (الراموز) وهما لمحمد بن السيد حسن (ت 866هـ) و (إضاءة الراموس) لابن الطيب الفاسي (ت 1173هـ) و (تاج العروس) للزَّبِيدي (ت 1205هـ) وغير ذلك.
ويكفي ما ألف حول (الصحاح) 1 ويعد بالعشرات؛ ومثله (القاموس) 2 إذ ألِّف حوله كثير من المعاجم والدِّراسات.
ج - مدرسة الصدر الحرف الأول:

تقوم هذه المدرسة في نظامها على وضع الكلمة تحت أول حروفها الأصول، فيقَسَّمُ المعجمُ ثمانيةً وعشرين باباً بعدد حروف المعجم؛ ويراعى في ترتيب الكلمات –في كلَّ باب- الحرف الثاني فالثالث فالرابع فالخامس، إن وجد.
ونظام هذه المدرسة أسهل الأنظمة المعجمية، ولا يفوقه في السهولة إلاَّ نظام الترتيب المعجمي الحديث؛ الذي يتم فيه ترتيب الكلمات من أولها إلى آخرها؛ كنظام هذه المدرسة، ويختلف عنها بأن وضعَ الكلمة فيه يكون بحسب نطقها؛ أي بدون تجريدها من الزوائد.
ولكن يعيب هذا الترتيبَ السّهلَ تفريقُ مشتقات الكلمة الواحدة؛ وتشتيتها بين الأبواب؛ فكلمات: (الخروج) و (التخريج) و (الاستخراج) كلٌّ منها في باب بحسب أوائلها.
والمشهور أن رائد تلك المدرسة هو جار الله الزمخشري (ت 538هـ) في معجمه (أساس البلاغة) والصحيح أن ريادتها مُقَسَّمة بين أربعة من العلماء؛ أولهم: أبو عمرو الشيباني (ت 213هـ) في معجمه (الجيم) 1 إلاَّ أنّ أبا عمرو لم يراع ما بعد الحرف الأول، ولم يراع –أيضاً- تجريد الكلمات من زوائدها؛ فكان صنيعه - في هذه المدرسة - مثلَ صنيع (البندنيجي) في مدرسة القافية.

وثاني هؤلاء هو أحمد بن فارس (ت 395هـ) في معجمه (مجمل اللغة) و (مقاييس اللغة) ومنهجه يختلف عما استقر عليه منهج هذه المدرسة من ناحيتين: إحداهما: أنه قسَّم كل باب ثلاثة أقسام، هي: الثنائي، ثم الثلاثي، ثم ما زاد على الثلاثي، وهو الرباعي والخماسي.
والأخرى: أنه إذا ابتدأ بالحرف نظر إلى الحرف الثاني؛ فراعى أن يبدأ بما بعد الحرف الأول في الترتيب الألف بائي، وكذلك فعل في الحرف الثالث مع الحرف الذي يسبقه، وهو الثاني، فمثلاً في باب العين بدأ –في الثلاثي- بكلمة (عَفَقَ) لأن الفاء أول الحروف المستعملة بعد العين، ولأن القاف أول الحروف بعد الفاء، وذكر بعدها (عَفَكَ) وهكذا حتى انتهى إلى حرف الياء، ثم عاد إلى ما تركه مما هو قبل العين من الحروف الثواني مبتدئاً بالهمزة، حتى وصل إلى العين، وهو الحرف الذي انطلق منه بطريقة أشبه ما تكون بالدَّائرة باتجاه واحد؛ وهي طريقة غريبة وصعبة؛ وليس لها ما يبرِّرها في الصنعة المعجميَّة، ولذلك لم تجد لها رواجاً.
وثالث هؤلاء هو محمد بن تميم البرمكي في كتابه (المنتهى) الَّذي ألَّفه سنة (397هـ) وذكر العطار1 أن البرمكي أعاد ترتيب (الصحاح)

على الحرف الأول وما يليه من الحروف؛ وبذلك يكون قد سبق الزمخشريَّ؛ وهو رائد المدرسة عند العطار. غير أن الدكتور حسين نصار يُشَكِّكُ في ذلك استناداً إلى أوراق من مخطوطة الكتاب اطلع عليها في معهد المخطوطات بجامعة الدول العربية؛ فقال: "يبدو أنها مختلة الترتيب"1.
ورابع هؤلاء هو أبو عبيد الهروي (ت401هـ) في كتابه (الغريبين) إذ سار على النظام المكتمل لهذه المدرسة، وإن صحَّ ظنُّ الدكتور حسين نصار في اختلال الأوراق في نسخة (المنتهى) للبرمكي فإنَّ الهروي هو صاحب الفضل في استواء منهج هذه المدرسة على سوقه، أمَّا الزَّمخشريُّ في معجمه (أساس البلاغة) فهو تابع للهروي وليس رائداً في هذه المدرسة خلافاً للمشهور بين الدَّارسين.
وبالجملة؛ فإن الأربعة المذكورين: أبا عمرو الشيباني، وابن فارس، والبرمكي، وأبا عبيد الهروي يتقاسمون ريادة هذه المدرسة وفضلَ ظهورها، وليس للزمخشري فيها شيء من الزيادة.

المبحث الخامس: سبب اختيار مدرسة القافية

إن تعميم هذه المدرسة، لتشمل المدارسَ الثلاثةَ، يمكن أن يكون أمراً مفيداً، ولكنه لا يخلو من عقبات منهجية؛ ذلك أنَّ ثَمَّ فروقاً كبيرة بين المدارس المعجمية الثلاث في نُظُم الترتيب؛ على نحو ما وَضَّحت في المبحث السابق؛ فالفرق بين مدرستي التقليبات والقافية أن الأخيرة أساسها في ترتيب المعجم هو الأصول (الجذور) بصرف النظر عن اعتبارات الإعلال أو القلب أو الإبدال أو الحذف أو التعويض أو التضعيف أو الإدغام؛ بينما لم تكن الأصول (الجذور) الأساسَ الوحيدَ في نظام مدرسة التقليبات وترتيبها؛ بل إنهم طوَّعوا الأصول، وأخضعوها لخدمة نظام التقليبات؛ فليس في كل مرةٍ تراعى الأصول.
ولا أدل على ذلك من الباب الأول في جميع معاجم التقليبات، التي بين أيدينا؛ وأعني به (باب الثنائي) إذ وضع فيه - خلا الثنائي- الثلاثيُّ المضعف والرباعي المضاعف وهما ليسا منه بالنظر إلى الأصول.
وأُوردُ بعض الأمثلة مما جاء في باب الثنائي من (باب العين) نحو: العِقَّة والعَقيقة والعَقْعَقَةِ، والعُكَّةِ والعَكْعَكَةِ وعَكَكْتُه، وكَعَّ كَعاً والكَعْكَعَة، وعَجَّ العَجُّ والعَجَّاجُ والعَجْعَجَةِ، وجعَّ يَجُعُّ والجَعْجَعَةِ، وعشَّ يعُشُّ والعَشْعَشَةِ، وشَعَّ الشُّعاعُ والشَّعْشَعَةِ، وعضَّ يعضُّ والعَضْعَضَةِ،

والضَّعِّ والضَّعْضَعَةِ، والعَصِّ والصَّعِّ والصَّعْصَعَةِ، والعسِّ والسَّعِّ والسَّعْسَعَةِ، والعطِّ العطعَطَةِ، والعَدِّ والمعدودِ، والعَتِّ والتَّعِّ والتَّعْتَعةِ، والعَلِّ والتَّعَلُّلِ، والنَّعِّ والنَّعْنَعَةِ، وعَفَّ والعَفَافِ1.
فليس لأحدٍ أن يقول: إنَّ الخليلَ، وابنَ دريدٍ، والأزهريَّ، والصاحبَ ابنَ عبادً، والقاليَّ، ابنَ سيدة، لا يميِّزون الثنائي من الثُّلاثي أو الرُّباعي ومن ثَمَّ يقول: إن الأصول قد تداخلت عندهم؛ فهم يعرفون ذلك حقّ المعرفة وهم أرباب اللغة والصنعة. ولنستمع إلى قول إمام اللغويين؛ وهو مبتدع هذا التقسيم: الخليل بن أحمد في مقدمة (العين) حيث قال عن الأول: "كلام العرب مبني على أربعة أصناف: على الثنائي، والثلاثي، والرباعي، والخماسي، فالثنائي على حرفين؛ نحو: قد، لَمْ، هل، لو، بل، ونحوه من الأدوات والزجر"2.
وقال: "والثلاثي من الأفعال نحو قولك: ضرب، خرج … والرباعي من الأفعال نحو: دحرج"3.

ثم قال: "الاسم لا يكون أقل من ثلاثة أحرف: حرف يبتدأ به، وحرف يُحْشَى به الكلمة، وحرف يوقف عليه"1.
فانظر كيف جعل الأسماء والأفعال لا تقل عن ثلاثة أصول؟ فما سرُّ ذلك إذن؟ إنه يكمن في طبيعة نظام التقليبات؛ الذي ابتدعه الخليل، وسار عليه من أتى بعده، واختار نظامه؛ وأن تقليب الثنائي يعطي صورتين، ويعطي تقليب الثلاثي ستَّ صورٍ، أما الرباعي فيعطي أربعاً وعشرين صورةً، ويعطي الخماسي عشرين ومائة صورة.
بَيْدَ أن الثلاثي المضعَّف يعطي ستَّ صور؛ كالثلاثي الصحيح، إلاَّ أن المستعمل منها اثنان فحسب، أما الأربع الأخرى فمهملة باطِّراد؛ فهو أشبه بالثنائي ليس فيه سوى صورتين مستعملتين باطِّراد؛ فمن ثمَّ أُخْرِج من باب الثلاثي إلى باب الثنائي.
ونحو ذلك الرباعي المضاعف لا يمكن أن يعطي صور الرباعي الصحيح الأربع والعشرين، بل إنه لا يعطي سوى ست صور؛ أربع مهملة دائماً، فيبقى اثنتان؛ فهو أشبه بالثنائي؛ فلا جرم أن يوضع في باب الثنائي؛ كالثلاثي المضعف؛ فالمسالة –إذن- شَكْلِيَّةٌ تطَلَّبها إحصاء المفردات، وتوضيح ذلك في الرسم التالي:

توجد رسمة توضيحية

وهذا يؤكد أن وضعهم الثلاثي المضعف والرباعي المضاعف في باب الثنائي لم يكن بسبب تداخل الأصول؛ ولعل هذا التوجيه مما لم يسبق إليه.
إن دراسة التداخل في الثلاثي والرباعي والخماسي في مدرسة التقليبات يعترضها شيء من العقبات؛ وذلك أن (تداخل الأصول) كما رأينا- لا يخرج عن أحد أمرين: أحدهما: التداخل في البناء الواحد.
والآخر: التداخل بين بناءين مختلفين؛ كتداخل الثلاثي مع الرباعي أو الخماسي، وتداخل الرباعي مع الخماسي.
أما الأوّل؛ وهو التّداخل في البناء الواحد؛ فإنه –وإن كان يُعَدُّ ظاهرة لغوية- يصعب الوقوف على أثره في بناء الأبواب الثلاثة؛ فليس ثَمَّةَ دليل يهتدى به؛ لأن نظام التقليبات لا يقوم على حصر الكلمة من طرفيها –أولها وآخرها- وما بينهما؛ خلافاً لمدرسة القافية التي ينضبط فيها هذا الأمر بحرفي الباب والفصل.
كما أن أثر التداخل بين الواوي

واليائي لا يظهر؛ لضمهما في كتاب واحد، كما لا يظهر التداخل بين المعتل والمهموز؛ لكثرة التسهيل في المهموز؛ فكلمة (أَكَلَ) مثلاً مكانها المعتلّ في أكثر معاجم التّقليبات.
أمّا الثاني؛ وهو التداخل بين بناءين مختلفين؛ كتداخل الثلاثي مع الرباعي أو الخماسي، والرباعي مع الخماسي؛ فإن أثره في بناء مدرسة التقليبات أقلُّ غموضاً مما في الشق الأول؛ وهو –أيضاً- لا يخلو من عقبات، فإنهم قد يساوون بين ما فيه زيادة كـ (الشَّدْقَمِ) وهو الواسع الشدق، و (الزُّرْقُمِ) وهو الرجل الأزرق، و (الحَسْدَلِ) وهو القراد- وما خلا من الزيادة.
وذلك يعود إلى طبيعة نظام التقليبات؛ فإن الحرف الزائد في كلمة ما لا يكون كذلك في جميع تقليبات الكلمة، على كل حال، ولا أدل على ذلك من كلمة (الشَّدْقَمِ) فميمها زائدة1 فإن من تقليباتها المستعملة (دِمَشْق) وليست الميم فيها زائدة، ونحو ذلك في (الهِرْمَاسِ) من أسماء الأسد–يذكر في الرباعي؛ على الرغم من نصهم على زيادة ميمه2؛

وذلك أن من تقليباته (ر هـ م س) و (ر هـ س م) إذ يقال: رَهْمَسَ الخَبَرَ ورَهْسَمَهُ 1 بمعنى أتي منه بطرف، والميم فيهما أصلية.
فانظر كيف تغير الحكم على الحرف بعد تقليب الكلمة؛ فيكون الزائد أصلياً، وربما يكون الأصلي زائداً؛ كما حدث في كلمة (رَهْمَسَ) فالميم عادت –هنا- أصلية، وقد كانت زائدة في (الهِرْمَاسِ) ، والهاء أصبحت زائدة في (رَهْمَسَ) 2؛ وقد كانت أصلية قبل القلب.
ومن ثمَّ لم يحسن أن يقال: إن الأصول تداخلت لديهم؛ فوضعت الكلمة في غير موضعها.
والحق أنَّ الفرق بين المدرستين واضح؛ فمدرسة القافية تعتمد –في بنائها- على الأصول؛ فمن ثم يستطيع الباحث أن يحكم بالتداخل إذا وجده؛ بينما لا تعتمد مدرسة التقليبات على الأصول في كل أحوالها؛ ولذا تمّ إبعاد مدرسة التقليبات عن هذه الدّراسة.
فيبقى لنا –خلا مدرسة القافية- مدرسة الصدر؛ وهي –أيضاً- مستبعدة لسببين:

الأوّل: أن هذه المدرسة تُقَيِّدُ الكلمة من أولها؛ بينما تقيد مدرسة القافيةُ الكلمةَ من طرفيها بنظامي الباب والفصل؛ فأدى ذلك إلى تقييد صارم للكلمة في مدرسة القافية؛ فتكون الزيادة الواقعة في لام الكلمة - بسبب نظام الباب - أكثرَ ظهوراً، وأدقَّ ضبطاً.
ومهما يكن من أمرٍ فإنه لا يوجد من معاجم مدرسة الصدر ما يستوعب دراسةً كهذه؛ فمن أشهر معاجم هذه المدرسة (الجيم) للشيباني، و (مجمل اللغة) و (مقاييس اللغة) لابن فارس، و (المنتهى) للبرمكي، و (أساس البلاغة) للزمخشري، و (المغرِب) للمطَرِّزي، و (المصباح المنير) للفَيُّومي.
فـ (الجيم) لم يراعِ ما بعد الحرف الأول، ولم يجرد الكلمات من الزوائد، و (المنتهى) مفقود، وأما (مجمل اللغة) و (مقاييس اللغة) فإن لابن فارس فيهما مذهباً خاصاً –كما مرَّ بنا 1 فلا يظهر –بسببه- أثر تداخل الأصول في الرباعي والخماسي، إذا جمع بين الرباعي والخماسي في باب واحد، وذكرهما مدموجين بلا ترتيب ولا تجريد من الزوائد، وعمدته

فاء الكلمة فحسب؛ فجاء عنوان هذا الباب من كلّ حرف، كما يلي: (باب ما جاء من كلام العرب على أكثر من ثلاثة أحرف أوله …) 1. ومثال ذلك ما جاء في باب الغين؛ أورِدُه –هنا- بترتيب ابن فارس2؛ وهو: (الغَطَمَّشُ) و (الغَمَلَّجُ) و (الغُضْرُوفُ) و (الغَطْرَسَةُ) و (الغَطْرَفَةُ) و (الغِطْرِيفُ) و (الغَذْمَرَةُ) و (الغَضَنْفَرُ) و (المُغَثْمَرُ) و (غَرْدَقْتُ) و (الغُرْنُوقُ) و (الغَلْفَقُ) و (اغْرَندَاهُ) . غير أن لابن فارس مذهباً فريداً من الممكن أن يستفاد منه في دراسة ظاهرة تداخل الأصول بشكلها العام، وسأكشف عن ذلك في الباب الأول –إن شاء الله.
الثاني: أن المعاجم الثلاثة المتبقية – وهي: (أساس البلاغة) و (المغرب) و (المصباح المنير) - تبدو صالحة للدراسة في هذا البحث، على الرغم مما أشرت إليه من قبل3 إلاَّ أنها - في واقع الأمر - غير صالحة من الناحية التطبيقية لدراسة أثر (تداخل الأصول) فيها؛ فأكبر هذه المعاجم الثلاثة –وهو (أساس البلاغة) صغير الحجم قليل المادة؛ فلا يكاد يعدل جزءاً واحداً

من أجزاء (لسان العرب) لأن لكل من هذه المعاجم الثلاثة هدفه الخاص به؛ فلا يوجد في هذه المدرسة معجم يهدف إلى الجمع العام للغة كمعاجم القافية، فـ (أساس البلاغة) يهدف إلى المجاز اللغوي، و (المُغْرِب) اختصار لكتاب (المُعْرِب) للمُطَرِّزي نفسه، وهو مفقود 1 و (المصباح المنير) تفسير لغوي موَسَّعٌ لغريب الشرح الكبير للرافعي، أضاف إليه زيادات قليلة.
فيبقى لنا كبرى المدارس المعجمية مدرسة القافية، ومن خلالها يظهر أثر (تداخل الأصول) في أجلى صورة.

جارٍ التحميل