الباب الثاني: التداخل في البناء الواحد (الثلاثي، الرباعي، الخماسي)
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- عبد الرزاق بن فراج الصاعدي
- الكتاب
- تداخل الأصول اللغوية وأثره في بناء المعجم
- المؤلف
- عبد الرزاق بن فراج الصاعدي
- الناشر
- عمادة البحث العلمي، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، المملطة العربية السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1422هـ/2002م
- عدد الأجزاء
- 2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
قول الرّاجز:
يارُبَّ سَارٍ بَاتَ مَا تَوَسَّدَا ... إلاَّ ذِرَاعَ العَنْسِ أو كَفَّ اليَدَا1
وقول الشّاعر:
فَلَسْنَا عَلَى الأَعْقَابِ تَدْمَى كُلُومُنَا لَكِنْ عَلَى أَقْدَامِنَا يَقْطُرُ الدَّمَا2
وتثنيتهما على هذه اللّغة: يَدَيَانِ ودَمَيَانِ؛ مثل: رَحَيَانِ3 وفَتَيَانِ.
وبالجملة؛ فإنّ (الدّم) يحتمل الأصلين: (د م ي) لقولهم في التّثنية (دَمَيَانِ) وفيه ما ذكره الجوهريّ2.
والرّاجح أن يكون الأصل (د م ي) لغلبة الياء على الواو لاماً5، وقال المبرِّد: (اعْلَم أَنَّهُ مَا كَانَ عَلَى حَرْفَيْن، وَلاَ يُدْرَى مَا أَصْلُهُ الّذِي حُذِفَ مِنْهُ، فَإِنَّ حُكْمَهُ فِي التَّصْغِيرِ وَالجَمْعِ أَنْ تُثْبَتَ فِيْهِ اليَاءُ؛ لأَنَّ أَكْثَرَ مَا يُحْذَفُ مِنْ هَذَا اليَاءُ وَالوَاوُ؛ وَاليَاءُ أَغْلَبُ عَلَى الوَاوِ عَلَيْهَا؛ فَإِنَّمَا
القِيَاسُ عَلَى الأَكْثَرِ) 1.
ويتداخل الأصلان (ق هـ و) و (ق هـ ي) في (القَهَة) وهي من أسماء النَرْجِس، وتحتمل الأصلين: ذكرها ابن سِيدَه2 في (ق هـ ي) وذكر أنّها تحتمل أن تكون من الواو؛ ولذلك أعادها هناك3.
وذكرها ابن منظورٍ4 في (ق هـ ي) ونقل عنهم أنّها تحتمل الأصلين.
وليس ثَمَّ ما يرجَّح به، إلا الحمل على الأكثر، وهو الياء لاماً، ولا سيّما أنّ الأصلين الواويّ واليائيّ مستعملان؛ كما في (المُحكَم) و (القاموس) .
ثانياً- التّداخل بين النّاقص واللّفيف:
هذا النّوع هو الثّاني من أنواع التّداخل في النّاقص، والتّداخل فيه أقلّ حدوثاً من النّوع السّابق.
فمنه تداخل (ق ت و) و (ق وو) في (اقْتَوَتْهُ) من حديث عطاء بن السّائب وسؤاله عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن "امرأة كان زوجها مملوكاً فاشترته؛ فقال: إن اقْتَوَتْه فُرِّق بينهما، وإن أعتقته فهما على نكاحهم "1. وقد فُسِّر (اقْتَوَتْه) باسْتَخْدَمَتْه، وهو يحتمل الأصلين:
أن يكون من (ق ت و) والقَتْوُ: الخدمة؛ يقال: قَتَوتُ أَقْتُو قَتْواً ومَقْتًى، وقيل: القَتْوُ حسن خدمة الملوك، ومنه قول الشّاعر:
إِنِّي امْرُؤٌ مِنْ بَنِي خُزَيْمَةَ لاَ ... أُحْسِنُ قَتْوَ المُلُوكِ والخَبَبَا2
ذكر الزّمخشريّ أنّه (افْعَلّ) من القتو؛ وهو:الخدمة؛ كارْعَوَى من الرّعْوَى3؛ ومراده أنّه (اقْتَوَى) قبل اتّصال الضّمير؛ كأحد الوجهين في (ارْعَوَى) ، فلمّا اتّصل الضّمير حذف الألف لالتقاء السّاكنين، فصار وزنه - حينئذٍ - (افْعَلَتْ) وفيه نظرٌ؛ لأنّ (افْعَلَّ) لم يجئ متعدّياً، والّذي سُمِعَ (اقْتَوَى) بمعنى: صار خادماً، وعليه قول عمرو بن كلثوم:
تَهَدَّدْنَا وَأَوْعِدْنَا رُوَيْداً ... مَتَى كُنَّا لأُمِّكَ مَقْتَوِينَا1
وجعله جماعةٌ من العلماء من هذا الأصل؛ أعني (ق ت و) ومنهم:
ابن الأثير2، وابن سِيدَه3، وابن منظورٍ4.
ويجوز أن يكون أصله (ق وو) ووزنه حينئذٍ (افْتَعَلَ) من: الاقتواء؛ بمعنى الاستخلاص؛ فكنَّى به عن الاستخدام؛ لأنّ من اقتوى عبداً ردفه أن يستخدمه5.
ويقال: التّقاوي: تزايد الشّركاء "وَلاَ يَكُوْنُ الإِقْوَاءُ إِلاَّ مِنَ البَائِع، وَلاَ التَّقَاوِي إِلاَّ مِنَ الشُّرَكَاء، وَلاَ الاقْتِوَاء إِلاَّ مِمَّنْ يَشْتَرِي مِنَ الشُّرَكَاءِ، والّذِي يُبَاعُ مِنَ العَبْدِ أَوِ الجَارِيَةِ أَوِ الدَّابَّةِ مِنَ اللَّذِينَ تَقَاوَيَا ... أَصْلُهُ مِنَ القُوَّةِ؛ لأَنَّهُ بُلُوغٌ بالسِّلْعَةِ أَقْوَى ثَمنها "6، ويقال: اقْتَوَى الشّيء: اختصَّه لنفسه؛ فهو من ذلك.
ومن أسباب التّداخل في هذه الكلمة أنّ المعنى من الممكن أن يحمل على الأصلين؛ فيصحّ، ويضاف إلى ذلك وجود التّاء الثّالثة الّتي تحتمل أن
تكون تاء الافتعال؛ فتكون زائدةً، وتحتمل أن تكون التّاء عين الفعل؛ فتكون أصليَّةً.
وممّن وضع الكلمة في (ق وو) الزّمخشريّ1، وأبو موسى الأصفهانيّ2،وممّن وضعها في الموضعين: ابن الأثير3، وابن منظورٍ4.
ومن هذا النّوع تداخل (ت ح ي) و (ح ي ي) في (تِحْيَاة) وهي مفرد (التّحَايِي) وهي ثلاثة كواكب حِذاءَ الهَنْعَة5
ويجوز فيها الوجهان6:
أن تكون من (ح ي ي) فهي – حينئذٍ (تِفْعَلَة) كـ (تِحْلَبَة) 7 من الأبنية؛ ويرجّح هذا الأصل أنّ نوءها كبير الحيا، من أنواء الجوزاء، قال النّابغة:
أَسْرَت عَلَيْهِ مِنَ الجَوْزَاءِ سَارِيَةٌ ... تُزْجِي الشَّمَالُ عَلَيْهِ سَالِفَ البَرَدِ8
أن يكون من (ت ح ي) فهي على هذا (فِعْلاَة) كـ (عِزْهَاة) وهو اللّئيم. بيد أنّ الأصل الأوّل أولى؛ لقرب الاشتقاق. ويتداخل الأصلان (م وهـ) و (م وو) في (الماوِيَّةِ) وهي: المِرَآةُ، أو حجر البِلَّوْرِ، وهي تحتمل الأصلين:
فالرّاجح أنّها من (م وهـ) فتكون منسوبةً إلى الماء؛ لصفائها، وأنّ الصّور تُرى فيها كما تُرى في الماء الصّافي1.
وأصل الماء (م وهـ) فهمزته منقلبة عن هاءٍ؛ بدلالة ضروب تصاريفه، ومنها التّصغير والجمع؛ إذ يقال فيهما: (مُوَيْهٌ) و (أمْوَاهٌ) و (مِيَاهٌ) فأصله قبل الإعلال (مَوَهٌ) 2.
وذكر ابن منظورٍ3 (االمَاويَّةَ) في (م وو) وليس له وجهٌ ظاهرٌ، والأوّل أقرب؛ لدلالة الاشتقاق والتّصريف.
د- التّداخل في اللّفيف:
والقسمة في هذا النّوع تقتضي أربعةً - أيضاً -؛ تقدَّمت ثلاثةٌ منها في المثال والأجوف والنّاقص، ولم يبق إلاّ التّداخل بين اللّفيف واللّفيف؛ وهو نوعٌ يشيع فيه التّداخل؛ لغلبة حروف العلّة فيه، وفيما يلي بيان ذلك من خلال بعض الأمثلة:
فمنه تداخل (ح ي ي) و (ح ي و) في (الحَيَوَان) وهو مصدرٌ على وزن (فَعَلاَن) بمعنى: الحياة؛ وهو - أيضا - اسم جنسٍ يقع على كلّ شيءٍ حيٍّ. وقد اختلفوا في أصله1.
فذهب الجمهور إلى أنّ أصله (ح ي ي) وأنّ الواو فيه منقلبةٌ عن الياء؛ فأصله قبل القلب (الحَيَيَان) فقلبت الياء الثّانية واواً؛ لئلاَّ يجتمع ياءان على التّوالي؛ استثقالاً للحرفين من جنسٍ واحدٍ؛ لأنّه اسمٌ، فخروجه عن الفعل كخروج آيةٍ، وبابها2.
وأوّل من أثر عنه ذلك الخليل3، وكان سيبويه يراه، ويوجّهه بقوله: "وأمَّا قَوْلُهُم: حَيَوان فَإِنَّهُم كَرِهُوا أَنْ تَكُونَ اليَاءُ الأُولَى سَاكِنَةً، وَلمَْ يَكُونُوا لِيُلْزِمُوهَا الحَرَكَةَ هَهُنَا، وَالأُخَرَى غَيْرُ مُعْتَلَّةٍ مَنْ مَوْضَعِهَا؛ فَأُبْدِلَتِ الوَاوُ، لِيَخْتَلِفَ الحَرْفَان، كَمَا أَبْدَلُوهَا فِي رَحَوِيٍّ، حَيْثُ كَرِهُوا اليَاءَات،
فَصَارَتِ الأُولَى عَلَى الأَصْلِ، كَمَا صَارَتِ اللاَّمُ الأُولَى فِي مُمِلٍّ، وَنَحْوِهِ، عَلَى الأَصْلِ حِيْنَ أُبْدِلَتِ اليَاءُ مِنْ آخِرِهِ) 1. وما ذهبوا إليه في أصله مذهبٌ قويٌّ؛ لأمور:
أحدها: أنّه ليس في كلامهم ممّا عينه ياءٌ ولامه واوٌ شيءٌ؛ فيقاس (الحَيَوَان) عليه2.
وثانيها: أنّهم يقولون في تثنية حيّ: حَيَيَانِ بالياء لا غير، والتّثنية ممّا يردّ الأشياء إلى أصولها؛ فتثبت بذلك أنّ الواو في (حَيَوَان) بدلٌ من الياء3.
وثالثها: أنّ الحيوان من: الحياة، ومعنى الحياة يرد في قولهم (الحَيَا) للمطر؛ ألا ترى أنّه يحيي الأرض والنّبات؛ كما قال تعالى: ﴿فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ 4 والحَيَا لامه ياءٌ، وكذلك الحياة5.
وربّ قائلٍ يقول: لماذا اختاروا قلب اللاّم دون العين؛ فيجاب عن ذلك بأنّهم لو أبدلوا العين واواً لدخل في باب (طَوَيتُ) فيحمل عليه؛ لكثرته فيظنّ "أنّها أصلٌ في موضعها؛ لكثرة هذا الباب، فلمّا قلبت الثّانية
واواً صارت مستنكرةً في موضعها؛ فيتنبّه بذلك على كونها غير أصلٍ"1.
على أنّه ليس في (الحَيَوَان) إعلالٌ؛ إذ لم يجز ذلك في الواو؛ وهي لام الكلمة؛ لما كان يلزم من حذفها؛ إذ يقال فيها (حَيَان) لأنّها قبل الحذف (حَيَاان) فلم تعلَّ، وأمّا عين الكلمة فصحّت - هنا - كما صحّت في (الجَوَلاَن) و (الهَيَمَان) مثلاً2.
والأصل في حركة عين (الحَيَوَان) السّكون؛ قال المبرّد: "حَيَوَان أصله (فَعَلان) لأنّ (فَعَلاناً) إنّما يجيء فيما يكون اضطراباً؛نحو الغَلَيان والنّزَوَان؛ فلو قلبوا اللاّم واواً لزمها القلب إلى الياء؛ لأنّ الياء قبلها ساكنةٌ، وكان يلزمهالإدغام؛ فيصير: حَيَّان، مثل: أَيَّام؛ فحرّكوا العين وأبدلوا اللاّم واواً كأنّهم قالوا: حَيَيَان؛ واستثقلوا جمع الياءين، فأبدلوا الثّانية واواً؛ وإنّما استثقلوا حَيَيَان كما استثقلوا رَحَيِيّاً "3.
وذهب المازنيّ4 إلى أنّ الأصل (ح ي و) وأنّ الواو أصلٌ، وقد جاء على ما لا يستعمل؛ وهو أن تكون العين ياءً، واللاّم واواً؛ فلذلك لم يشتقّوا منه فعلاً؛ لأنّه ليس في الكلام فعلٌ مستعملٌ موضع عينه ياءٌ ولامه واوٌ "ونظيره في هذا الباب على هذا القول: جَبَيْتُ الخراج جِبايةً، وجِباوَةً، وليس من جِباوَةٍ فعلٌ، ومثل ذلك: فاظَ الميّت فيظاً، وفَوظاً،
وليس من فَوْظٍ فعل "1.
ولعلّ المازنيّ ذهب بذلك إلى أنّ الواو في (الحَيَوَان) أصلٌ؛ وليست منقلبةً من ياءٍ، وأنّ الياء - أيضاً - أصلٌ من باب اللّغتين، ثمّ يجوز أن يكون استُعمِلَ الفعل من لغة الياء؛ ولم يُستعمل من لغة الواو؛ لثقل ذلك عليهم؛ فقالوا: حَيِيْتُ.
ويجوز - أيضاً - أن يكون استُعْمِلَ فعل اللّغة الّتي تكون اللاّم فيه واواً؛ فقلبت ياءً للكسرة التي قبلها؛ إذ جاؤوا به على: فَعِلَ يَفْعَلُ؛ مثل: عَلِمَ يَعْلَمُ؛ فقالوا: حَيِيتُ.
ويبدو أنّ السّمين الحلبيّ2 كان يرجّح مذهب المازنيّ؛ إذ جعل (الحَيَوَان) في (ح ي و) وفَصَلَه عمَّا بعده؛ وهو (ح ي ي) 3. والأقرب في هذا هو مذهب الجمهور لما تقدّم؛ ويؤيّده السّماع والقياس؛ أي: أنّ أصل حَيَوَان (ح ي ي) لا (ح ي و) .
ومن أمثلة التّداخل في هذا النّوع: تداخل (ل وي) و (ول ي) في قراءة ابن عامرٍ وحمزةَ ﴿وإِنْ تَلُوا﴾ 4 بضمّ اللاّم وبواوٍ واحدةٍ؛ منقوله عزّ
وجلّ: ﴿فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ 1.
وهو يحتمل الأصلين:2
يجوز أن يكون الأصل (ول ي) من: وَلِيَ يَلِي؛ وأصله (تَوْلِيُوا) ثمّ حذفت الواو؛ وهي فاء الفعل؛ لاعتلالها، ووقوعها بين ياءٍ وكسرةٍ؛ نحو: يَعِدُ ويَزِنُ: فصار (تَلِيُوا) فحذفت الضّمّة استثقالاً من على الياء؛ فالتقى ساكنان؛ فحذفت الياء، ثمّ ضمّ ما قبل الواو.
ومعناه من: الوِلاية؛ أي: ولاية الأمر؛ وهو ضدّ الإعراض عنه؛ من قولك: وَلِيْتُ الحكمَ والقضاءَ بين الرّجلين.
والمعنى يؤيّد هذا الأصل؛ فدليل حمله على: وَلِيَ – أنّ بعده (أو تُعْرِضُوا) فهو نقيض: تَلُوا؛ لأنَ ولاية الشّيء: الإقبال عليه، ونقيضه: الإعراض عنه، فإنّما قيل لهم: "وإن تَلُوا الأمر فتعدلوا فيه أو تعرضوا عنه فلا تَلُوه، ولا تعدلوا فيه إن وليتموه، فإنّ الله كان بما تعملون خبيراً"3، فيجازى المحسن المقبل بإحسانه، ويحاسب المعرض على إعراضه.
وانفرد الأخفش بتقدير محذوفٍ؛ وهو (عليهم) بعد (تَلُوا) قال: "وليس للولاية معنًى – هاهنا – إلاّ في قوله: وإن تلوا عليهم، فطرح: عليهم، فهو جائزٌ "1. ويجوز أن يكون أصله (ل وي) من: لَوَى يَلْوي؛ إذا أعرض؛ فيكون أصل ﴿تَلُوا﴾ (تَلْوِيُوا) ثمّ ألقيت حركة الياء على الواو الأولى، وحذفت الياء؛ لسكونها وسكون الواو الأخيرة بعدها، أو لسكونها وسكون الواو قبلها2 في الأصل، أي: قبل النّقل؛ فأبدل من الواو المضمومة همزةٌ؛ فصارت: (تَلُؤوا) 3بإسكان اللاّم، ثمّ طرحت الهمزة، وطرحت حركتها على اللاّم؛ فصارت: (تَلُوا) كما قيل: في أَدْوُر: أَدْؤُر، ثمّ طرحت الهمزة؛ فصارت (أَدُر) 4. وعلى هذا الأصل تكون القراءتان بمعنى واحدٍ من: اللَّيّ5، ولذلك
اختاره الزّجّاج1؛ وهو الرّاجح.
وعلى ما تقدّم يكون معنى ﴿إِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا﴾ على التّرادف، ويكون معناهما على اختيار الأصل الآخر - أعني (ول ي) على التّضادّ، وكلاهما صحيحٌ في السّياق العامّ للآية، ومقبولٌ عند المفسّرين وأهل اللّغة؛ خلا الأخفش2؛ فإنّه جعل هذه القراءة لحناً؛ إن قدِّر هذا الأصل؛ أعني (ل وى) والأمر خلاف ما ذهب إليه؛ فالقراءة صحيحة؛ لأنّها سبعيّةٌ، وقد اتّفق عليها اثنان منهم؛ وهما: عبد الله بن عامرٍ، وحمزة بن حبيب الزّيَّات.
ومن التّداخل في اللّفيف بين (ح ي ي) و (ي ح ي) في (يَحْيَى) عَلَم لرجلٍ؛ وهو اسم النّبيّ يحيى - عليه وعلى نبيّنا الصّلاة والسّلام - فهو يحتمل الوجهين:
أن يكون من (ح ي ي) فيكون على وزن (يَفْعَلُ) موازناً للفعل3، ومشتقّاً من الحياة.
وهو يحتمل أن يكون عربيّاً أو أعجميّاً4، كما أنّه ممنوعٌ من الصّرف، وليس في ذلك دليلٌ لأحدهما على الآخر؛ فإن كان عربياًّ فمنعه من الصّرف للعَلَمِيَّة ووزن الفعل، وإن كان أعجمياً فذلك للعلمية
والعُجمة؛ غير أنّ في العجمة – إن صحّت – دليلاً على أصالة الياء الأولى.
ومعناه يقرِّب اشتقاقه من: الحياة؛ ويؤيّد ما تقدّم في (الزّوائد) وهو أنّ الياء يقضى عليها بالزّيادة أوّلاً إن صحبها ثلاثة أصولٍ؛ كما في (يَزِيد) و (يَعْمُر) ويقوِّيه – أيضاً- أنّ (ي ح ي) أصلٌ مهملٌ في العربيّة.
ولكن يجوز أن يكون أصله (ي ح ي) فقد نُقِلَ عن الكسائيّ1 أنّ يحيى (فَعْلَى) وهو وجهٌ مقبولٌ إن كان الاسم أعجميّاً، وقد رجّحه الزّمخشريّ2.
ومن أمثلة هذا النّوع: تداخل (ح ي ي) و (ح وي) في (حَيَّة) وهي: واحدة الحَيَّات أو الهوَامِّ، وقد اختلفوا في أصلها:
يرى سيبويه3 أنّ أصلها (ح ي ي) مستدلاًّ على ذلك بقول العرب في النّسب إلى (حَيَّة بنِ بَهْدَلَة) : (حَيَوِيٌّ) وهي عنده (فَعْلَة) حرِّكت الياء في النّسب؛ لأنّه لا تكون الواو ثابتةً وقبلها ياءٌ ساكنةٌ.
وعلى هذا المذهب لو كانت العين واواً - لقالوا: (حَوَوِيٌّ) 4 كما قيل في النّسب إلى (لَيَّةٍ) 5: لَوَوِيٌّ.
وكان أبو عليّ الفارسيّ1 يرى هذا - أيضاً - ويستدلّ له بغير ما استدلّ به سيبويه؛ وهو قولهم: أرضٌ مُحْيَاة، ومُعْفَاة؛ أي: كثيرة الحَيَّات والأفاعي.
على أنّه ليس في قولهم: رجلٌ حَوَّاءٌ - وهو: الّذي يجمع الحيّات - دليلٌ على الواو عند أبي عليّ2؛ لأنّه غير مأخوذ من (الحَيَّة) ولكنّه من (حَوَيْتُ) فهما أصلان تقاربا في ألأصل والمعنى؛ كـ (سَبِطٍ وسِبْطَرٍ) و (دَمِثٍ ودِمَثْرٍ) فكما أنّ لفظ (لأّالٍ) بالهمزة المشددة الممدودة، وهو: بائع اللّؤلؤ – ليس من لفظ (لؤلؤ) كذلك (حَيَّةٌ) و (حَوَّاءٌ) فكلٌّ منهما أصلٌ مستقلٌّ.3
على أنّ ما ذهب إليه أبو عليٍّ في (حَوَاءٍ) ليس قولاً قاطعاً؛ فهو يحتمل الأصل الآخر؛ بخلاف (لؤلؤٍ) و (لأّالٍ) فهما أصلان لا محالة؛ لأنّ أحدهما رباعيٌّ، والآخر ثلاثيٌّ، وأمّا (حيّةٌ) و (حوَّاءٌ) فهما من الثّلاثيّ، وانقلاب حروف العلّة بعضها عن بعضٍ كثيرٌ.
وذهب أبو حاتمٍ السِّجِستانيُّ إلى أنّ أصلها (ح وي) مستدلاًّ بالمعنى؛ وهو تحوِّي الحَيَّة في لِوائها، وبقولهم: رَجُلٌ: حَوَّاءٌ وحَاوٍ4.
وقد تردّد فيه ابن سِيدَه؛ فذكره في الأصلين1، وتابعه ابن منظورٍ2.
ومن ذلك تداخل (ث وو) و (ث ي و) في (ثَايَةٍ) وهو مَأوى الغنم والبقر3.
و (ر وي) و (ر ي و) في (الرّايَة) 4.
و (أي و) و (أي ي) في (أَيَا) الشّمس، وهو نورها5.
و (هـ وي) و (هـ وو) في (الهَوَى) 6.
و (وغ ي) و (وغ و) في (الأَوَاغي) وهي مَفَاجِر الماء في الدِّبار والمزارع، واحدتها آغِيةٌ7.
المبحث الثّاني: التّداخل بين المعتلّ والمهموز
ومما يكثر فيه تداخل الأصول: التّداخل بين المعتلّ والمهموز، وقد وقفنا على تعريف المعتلّ في المبحث السّابق.
أمّا المهموز فهو "ما كان أحد أصوله الثلاثة همزة"1، نحو: أَكَلَ وسَأَلَ ومَلأَ.
وثمّة علاقة بين المعتلّ والمهموز، تُعدّ من أهمّ أسباب التّداخل بينهما؛ وهي هَمْزُ المعتلّ، وتخفيف المهموز؛ وهما ممّا يكثر في النّوعين؛ أعني: المعتلّ والمهموز؛ حتّى تكاد تُعدّ من حروف العلّة؛ ألا ترى كيف وُضعت في معاجم التّقليبات في باب واحد، وأول من فعل ذلك الخليل في العين 2؛ على الرّغم مما بينها وبين حروف العلّة من اختلاف في المخرج
والصّفات.
فمخرج الهمزة من أقصى الحلق1 أو من الحنجرة (المزمار) 2 وهي صوت شديد3، مجهور.
أمّا الواو والياء فمخرجهما من الشّفة، ومن صفاتهما اللّين؛ لأن مخرجهما يتّسع لهواء الصّوت من اتّساع غيرهما 4، والألف هاوية؛ ومخرجها أشدّ اتّساعاً من مخرج صاحبتيهما؛ وهنّ أخفّ الحروف؛ لاتّساع مخارجهنّ 5. ولعلّ سبب ذلك أنّهم وجدوا حروف العلّة تُخفّف وتهمز في كثير من الحالات، ونُمهّد لهذا المبحث بالوقوف على ذلك ـ بإيجاز ـ لأنّه يُعين على معرفة الأصول:
أ - همز المعتلّ:
تُقلب حروف العلّة همزة، وله ثلاثة أحكام: قلبها وجوباً أو جوازاً أو شذوذاً.
فأمّا القلب الواجب فتشترك أحرف العلّة الثّلاثة فيه في موضعين، وتشترك الياء والواو فيه في موضعين، وتختصّ الواو به في موضع واحد.
فالموضع الأول: المشترك بينها، هو أن يقع أحدها لاماً أو زائداً في الطّرف الحقيقيّ، أو الحكميّ إثْر ألف زائدة.
فمثال قلبها في الطّرف الحقيقيّ قولهم: سماءٌ من السُّموّ، وبناءٌ من: البِنَايَة، وصحراءُ من: صَحْرَى.
والموضع الثّاني: المشترك بينهما هو أن يقع أحد الأحرف الثّلاثة بعد ألف الجمع الأقصى، وقد كان في المفرد مدّاً زائداً كقولهم: عَجَائِزُ في جمع: عَجُوز، وصَحَائِفُ في: صَحِيفَةٍ، ورَسَائِلُ في: رِسَالَةٍ.
وتشترك الواو والياء في قلبهما همزة وجوباً في موضعين:
الأول: أن تقع إحداهما عيناً لاسم فاعل من: فعل ثلاثيّ أُعلّت فيه، ما دامت العين في مكانها؛ نحو: قَائِمٍ وبَائِعٍ من: قَامَ وبَاعَ.
الثاني: أن يقع أحدهما ثاني حرفين ليّنين بينهما ألف الجمع الأقصى الذي بعد ألفه حرفان؛ سواء تماثل اللّيّنان أم اختلفا، فمثال الواوين: أَوّلُ وأَوَائِلُ أصله: أَواوِل.
ومثال اليائين: نَيّفٌ ونَيَائِفُ، وأصله: نَيَايِفُ.
ومثال ما اختلفا فيه: سَيّد وسَيَائِد، وأصله: سَيَاوِدُ.
أمّا الموضع الذي اختصّت فيه الواو بالقلب همزة وجوباً، فذاك عند اجتماع واوين في صدر الكلمة بشرط ألاّ تكون ثانيتهما مدة غير
أصلية، ومثال ذلك (أُوَلٌ) جمع أُوْلى، وأصله (وُوَلٌ) على مذهب من جعله من (وول) كما سبق به البيان1 و (أُوْلَى) وأصلها (وُولَى) وأُواصل جمع: وَاصِلة.
أمّا قلب أحرف العلّة همزة جوازاً، فهو خاصّ بالواو والياء؛ وهما كما يلي:
1- تُقلب الواو همزة جوازاً - باتفاق - إذا وقعت مضمومة ضمّة لازمة غير مشدّدة ولا موصوفة بموجب الإبْدال؛ وذاك نحو: (أَدْؤُر) في (أَدْوُر) جمع دَارٍ، وأُجُوه في (وُجُوُهٍ) جمع: وَجْهٍ.
ويُجيزُ المازنيّ قلب الواو المُصدّرة المكسورة همزةً قياساً مُطّرداً؛ نحو: إِشَاحٍ في: وِشَاح، وإِسَادة في: وِسَادَة، وإِعَاءٍ في: وِعَاءٍ 2. ويرى سيبويه أن يكون ذلك مقصوراً على السّماع 3.
2- تُقلب الياء همزة جوازاً في موضع واحد؛ وهو أن تقع بين ألفٍ وياء مشدّدة؛ نحو: غائيّ ورائيّ، وذلك في النَّسب إلى: غايةٍ ورايةٍ.
وتقلب أحرف العلّة همزة شذوذاً:
مثال قلب الواو همزة قولهم: مُؤْسَى في: مُوسى، والمُؤْقِدَان في: المُوقِدَانِ في قول جرير:
أَحَبُّ المُؤْقِدَانِ إليّ مُؤْسَى ... وَجَعْدَةُ إِذْ أَضَاءهُمَا الوَقُودُ1
ومثال قلب الياء همزة شذوذاً قولهم: في أسنانهم أَلَلٌ؛ أي: يَلَلٌ، وهو: قِصَرُ الأسنان، أو ميلها إلى داخل الفم.
ومثال قلب الألف همزة شذوذاً، قولهم: العَأْلَم والمُشْتَئِقُ؛ في قول الرّاجز:
... صَبْرا فَقَدْ هَيّجْتَ شَوْقَ المُشْتَئِقْ2 ...
وأصله المُشتاق، فهَمَزه ضرورة؛ لأنها تُقابل لام (مُسْتَفْعِلُنْ) .
ب - تخفيف المهموز:
لا يخلو صوت الهمزة من صعوبة في النّطق؛ لبعد مخرجها في الحَلْق، وقد أشار إلى ذلك سيبويه؛ فقال: "اعْلَم أَنَّ الهَمْزَةَ إِنَّمَا فعَلَ بِهَا هَذَا مَنْ لّمْ يُخفّفها؛ لأنه بَعُدَ مخرجُها؛ ولأنّها نبْرةٌ في الصّدر تُخرج باجتهاد، وهِيَ أَبْعَدُ الحُرُوف مَخْرَجاً؛ فثَقُل عليهم ذلك؛ لأَنَّه كَالتَّهُوّع"3.
ولعلّ هذا ما جعلهم يتّبعون مذاهب العرب في أدائها؛ من حيث التّحقيق، والتّخفيف، والبدل4.
وتحقيق الهمزة هو إعطاؤها حقّها من الأداء1؛ وهو لغة تميم2؛ نحو قولك: قَرَأْتُ، وسَأَلَ، ولَؤُمَ، وبَئِسَ3.
أما التّخفيف ففيه ثلاث صور؛ وهي 4:
1- أن تُجعل الهمزةُ بينَ بين.
2- أن تُقلب (تُبْدل) 5.
3- أن تُحذف.
أمّا الأول: فنُطْقُ الهمزةِ مع إضعاف الصوت وإخفائه، وعدم إتمامه؛ وله صورٌ ذكرها الصرفيون6.
أمّا الثّاني: وهو قلبها أو إبدالها حرفاً من حروف العلة الواو والياء والألف؛ وهو المهمّ هنا؛ لأنه من المواضع الّتي يكثر فيها تداخل الأصول؛ كالموضع السابق - أعني: همْز المعتلّ - ولكنّه على عكسه.
ومِلاكُ القول في هذا أنّ الهمزة تُقلب حرفَ علةٍ وجوباً وجوازاً على النّحو التالي1:
أولاً: قلب الهمزة حرف علةٍ وجوباً:
وهذا يكون في موضعين: أحدهما الجمع الأقصى على (مَفَاعِل) فتُقلب فيه الهمزة ياءً؛ إن كانت عارضة في الجمع، وكانت لام الجمع معتلة أو مهموزة؛ نحو: قَضَايا2 جمع: قَضِيّةٍ، ومطايا جمع: مطيّة، وخطايا جمع: خَطِئةٍ.
وتُقلب واواً: إذا كانت لام المفرد واواً سلِمت فيه من الإعلال؛ نحو: أَدَاوَى، وأصله (أَدَائِوُ) .
وثانيهما: أن تلتقي همزتان في كلمة واحدة؛ فيجب قلب الثّانية حرف علة؛ لأن الثّقل حصل منها؛ نحو: آمَنَ، أصله: أَأْمَن، وإِيثَار أصله: إِئْثَار، وأُوتُمِن أصله: أُؤْتُمِن، وأَوَادِم في جمع آدَمَ، وأصلها: أَأَادِمُ.
ثانياً: قلب الهمزة حرف علة جوازاً:
ويكون ذلك في موضعين:
1- إذا سُكّنت الهمزة المفردة؛ وتحرك ما قبلها جاز قلب الهمزة من جنس الحركة السّابقة؛ نحو: رَاسٍ في رَأْسٍ، وبِير في: بِئْر، ومُومن في: مُؤْمن.
2- إذا انفتحت الهمزة وضُمّ ما قبلها أو كُسر جاز قلب الهمزة من جنس حركة ما قبلها؛ نحو: جُوَنٍ في: جُؤَنٍ، ومِيرَة في: مِئَرَةٍ.
ومن هنا عُرف فيما جاء على التّحقيق أو جاء مهموزاً تارة ومخفّفاً تارةً أخرى أنّ الأصل فيه الهَمْز "لأن ما كان مهموز الأصل فتخفيفه جائز، وما لم يكن مهموزاً في الأصل فهَمْزُه لحن، إلاّ ما كانت فيه علة موجبة لذلك"1 كما تقدم في هَمْز المعتلّ.
على أن التسهيل - هنا - لا يُؤخذ على إطلاقه، فثمّة شرط يجب أن يتوفّر فيما يُخفّف؛ وهو ألاّ يؤدّي ذلك إلى تغيير دلالة اللّفظ؛ فالمُؤْكِلُ والمُوكِلُ، وزَأَرَ وزار، وبَدَأَ وبدا؛ ليس أحدهما مخفّفاً من الآخر؛ بل كلٌ منهما أصل مستقلٌ؛ لاختلاف المعنى بين الأصلين المهموز وغير المهموز2؛ ألا ترى أنّ المُؤْكِل: المُطْعِمُ، والمُوكِل: مَنْ وكّل غيره على أمر ليقوم به، وزَأَرَ الأسد: إذا صاح وزمْجر، وزار الرجل جاره بمعنى: عاده، وبدأ بالشيء، أي: فعله ابتداءً قبل غيره، أمّا بدا فمن قولهم: بدا يبدو إذا ظهر، وبدا إذا تحول إلى البادية، ونحوه.
وقد يؤدّي مثل ذلك إلى تداخل الأصول، أو الشّك فيها؛ كقول الرّاجز:
يَا صَاحِ أرْحِلْ ضَامِرَات العِيسِ ... وابْكِ عَلَى لَطْمِ ابْنِ خَيْرِ الفُوسِ 3
وبدأ بالشيء، أي: فعله ابتداءً قبل غيره، أمّا بدا فمن قولهم: بدا يبدو إذا ظهر، وبدا إذا تحول إلى البادية، ونحوه.
وقد يؤدّي مثل ذلك إلى تداخل الأصول، أو الشّك فيها؛ كقول الرّاجز:
يَا صَاحِ أرْحِلْ ضَامِرَات العِيسِ ... وابْكِ عَلَى لَطْمِ ابْنِ خَيْرِ الفُوسِ 1
ألا ترى إلى ما حكاه ابن منظور في التّعقيب على البيت بقوله: "لا أدري أهو لجمع فأس، كقولهم: رُؤُوس في جمع: رأس، أم هي من غير هذا الباب؛ من تركيب (ف وس) "1.
ومنه تداخل الأصلين في (مُؤْهِب) في قول الشّاعر:
جَيْشُ المِحَمّيْنِ حَشّ النّارَ تَحْتَهُما ... غَرْثَانُ أَمْسَى بِوَادٍٍ مُؤهِبِ الحَطَبِ 2
قال أبو علي: "فمن أخذه من: الأُهْبَةِ والتّأهّب هَمَزَ إن شاء، ومن أَخَذَه من: وَهَبَ، وجعل الفاء والواو لم يَهْمِز، إلا على قول من قال: مُؤْسَى، وقد تُؤُوِّلَ البيت على الأمرين جميعاً"3.
ولِيَتَمَيَّزَ الأصلان اشتغل فريق من علماء العربية في جمع ما يُهمز وما لا يُهمز من النّوعين: فأفرد ابن السكيت - مثلاً - أبواباً للهمْز في كتابه (إصلاح المنطق) ممّا يُقال بالهمزة مرّة وبالواو مرّة أخرى4، وما
يُقال بالهمز والياء1، وما هَمَزَه بعض العرب وترك هَمْزه بعضهم2، وما تركت العرب هَمْزه3، ونحو ذلك.
وأفرد ابن قتيبة4 وابن سيده5 مثل تلك الأبواب.
ثمّ جاء ابن مالك؛ فألّف كتاباً جامعاً في ذلك سمّاه: (شرح النظم الأوجز في ما يُهمز وما لا يهمز) جمع فيه أقوال السّابقين، وزاد عليها.
أمّا تخفيف الهمزة بحذفها - وهو الصورة الثالثة - فيكون في "كلّ همزة متحركة كان قبلها حرف ساكن؛ فأَردت أن تخفّف حَذَفْتَها، وألقيت حركتها على السّاكن الذي قبلها؛ وذلك قولك: مَنَ بُوكَ؟ ومَنُ مُّكَ؟ وكَمِ بِلُك؟ إذا أردت أن تُخفّف الهمزة في الأبّ والأمّ والإبل"6.
ومن ذلك قولهم: المَرَةُ والكَمَةُ في: المرأة والكمأة؛ وهو نوع من النّبات.
أمّا البدل - وهو المذهب الثالث في مذاهب العرب في أداء المهموز - فالمقصود منه عموم البدل بين الهمزة وغيرها؛ فيدخل فيه المعتلّ وغير المعتلّ؛ كالتّبادل بين الهمزة والعين.
أمّا المعتلّ فقد مرّ ذكره؛ وهو الصورة الثّانية من صور تخفيف الهمزة، أمّا التّبادل بين الهمزة وغير المعتلّ فليس من مواضع هذا المبحث.
والّذي يراه البحث فيما جاء مخفّفاً وأصله الهمز، أو جاء مهموزاً وأصله غير الهمز والمعنى واحد، أن يُذكر في المعاجم في موضع واحد؛ لأنّه ليس له إلاّ أصل واحد؛ وللحفاظ على اطّراد النّظام المعجميّ الدّقيق، ودرء اتّساع معاجم القافية؛ مما لا موجِب له، ولتيسير سبيل اطّلاع القارئ على كلّ ما جاء في المادّة الواحدة في مكان واحد.
ولا بدّ - هنا - من الإشارة إلى أنّ التّداخل بين المعتلّ والمهموز، في هذا المبحث، لا يُعزى كلُّه إلى همز المعتلّ أو تخفيف المهموز؛ إذ قد يُعزى إلى أسباب أخرى مختلفة؛ راجعة إلى طبيعة المعتلاّت كما أشرنا إلى ذلك فيما مضى، أو إلى طبيعة المهموز، أو إليهما معاً، وبخاصّة إذا وقعت الهمزة أو المعتلّ في أوّل الكلمة؛ وهو من مواضع زيادتهما؛ وكثيراً ما تلتبس بالأصليّ.
والقسمة الجامعة للتّداخل في هذا المبحث على النحو التّالي:
أ- التّداخل بين المثال والمهموز.
ب- التّداخل بين الأجوف والمهموز.
ج- التّداخل بين النّاقص والمهموز.
د- التّداخل بين اللّفيف والمهموز.
وعلى أنّ المراد من ذلك هو التّداخل بين الأصل المعتلّ والأصل المهموز؛ وليس المراد التّداخل بين الحرف والحرف.
أ - التّداخل بين المثال والمهموز.
يكثر التّداخل بين المثال والمهموز؛ لما مرّ من التّعاقب بين حرف العلّة والهمزة؛ أو لأن الهمزة وحروف العلّة قد يلتبس أمرها بين الأصالة والزّيادة في أوّل الكلمة. وفيما يلي بيان ذلك، وتفصيل حال التّداخل فيه:
فمن هذا النّوع تداخل (وح د) و (أح د) في (أحد) و (إحدى) أوّل العدد؛ وهما يحتملان الأصلين:
الرّاجح عند الجمهور أن الأصل (وح د) وأنّ الهمزة فيه مبدلة من الواو، وقد كان سيبويه يرى هذا؛ فقد قال: "وقالوا: أَحَدٌ؛ وأصله: وَحَدٌ؛ لأنّه واحد؛ فأبدلوا الهمزة لضعف الواو عوضاً لما يدخلها من الحذف والبدل"1.
ويدلّ على أنّ أصله الواو - أيضاً - مجيئه بالواو؛ كقول النّابغة:
كَأَنّ رَحْلِي وَقَدْ زَالَ النَّهَارُ بِنَا ... بِذِي الجَلِيلِ عَلَى مُسْتَأْنِسٍ وَحَدِ1
وقولهم (مَوْحَدٌ) يدلّ على أصالة الواو، ولو كانت الهمزة أصليّة لقالوا: (مَأْحَدٌ) ؛ مثل: مَأْخَذٍ من: أَخَذَ، ومَأْكَلٍ من: أَكَلَ، قال الشّاعر:
ولَكِنّمَا أَهْلِي بِوَادٍ أَنِيسُه ... سِبَاعٌ تَبَغَّى النَّاسَ مَثْنى ومَوْحَد2
ويجوز أن يكون أصله (أح د) وهو بعيد؛ يردّه ما تقدّم، ولا يجوز أن يُقال: إنّ (الواحد) لا دليل فيه؛ إذ يجوز أن يكون أُبدل من الهمزة واو؛ فراراً من اجتماع الهمزتين3؛ وهو ثقيل كما تقدّم؛ فيكون أصله حينئذ (آحِداً) لأنّ ذلك غير مألوف في العربيّة؛ ألا تراهم لم يقولوا في: الآكِل والآمِل والآمِن والآسِر، ونحو ذلك: الواكل والوامل والوامن والواسر.
وعلى الرُّغْم من ذلك فقد وضعه أكثر المعجميّين في الأصلين، ومنهم: الجوهريّ4 وابن منظور5 والفيروزآباديّ6.
ووضعه الزمخشريّ1 في (وح د) عل الصّحيح.
ومنه تداخل (أب ب) و (وب ب) في (الوَبِّ) وهو: التّهيّؤ للحملة في الحرب؛ يقال: وبّ الرّجل؛ إذا تهيّأ للحملة في الحرب؛ وهو يحتمل الأصلين:
جعله الأزهري2 من (أب ب) وذكر أنّ الواو في (الوَبِّ) مبدلة من الهمزة.
وجعله الصّاغانيّ3 من (وب ب) وتابعه الفيروزآباديّ4.
وذكره ابن منظور5 في الأصلين.
ومن أمثلة هذا النّوع تداخل (ود د) و (أد د) في (أُدَد) وهو أبو عدنان؛ أدُّ بن طابخة بن إلياس بن مضر6، وهو يحتمل الأصلين:
ذهب ابن دريد إلى أنّ أصله (ودد) وقال: "وأحسب أن الهمزة في: أُدٍّ، واو؛ لأنه من الوُدِّ أي الحب فقلبوا الواو همزة، لانضمامها؛ نحو
﴿أُقِّتَتْ﴾ 1 وأُرِّخ الكتاب؛ الأصل: وُرِّخ2، ووَقِّتَتْ"3.
وذهب الجوهريّ4 إلى أنّ أصله (أدد) وتابعه ابن منظور5 والفيروزآباديّ6.
ويتداخل في هذا النوع (أل ق) و (ول ق) في (الأَوْلَق) وهو: ضرب من الجنون؛ وهو يحتمل الأصلين.7
يجوز أن يكون أصله (أل ق) من تألّق البرق إذا خفق؛ وذلك أنّ الخفوق ممّا يصحبه الانزعاج والاضطراب، وكذلك الأولق؛ فوزنه - حينئذ (فَوْعَل) وهو مذهب سيبويه8 والجمهور، واستدلّوا على ذلك بقولهم: أُلق الرّجل؛ فهو مألوق9؛ فدلّ ذلك على أصالة الهمزة.
وربّ قائل يقول: إنّه ليس في قولهم: (أُلِقَ) دليل على أصالة الهمزة؛ فقد تكون منقلبة عن الواو المضمومة؛ فيكون أصله - حينئذ (وُلِقَ) ثمّ قُلبت الواو همزة؛ على حدّ قولهم: (أُزِنَ) و (أُعِدَ) في: (وُزِنَ) و (وُعِدَ) فلا تكون حجة في (أُلِقَ) .
فالجواب أنّ قولهم: مألوق دليل أصالة الهمزة؛ فلو كانت الهمزة في (أُلِقَ) منقلبة عن الواو في (وُلِق) لزالت في اسم المفعول لزوال الضّمّة الموجبة للقلب؛ فكان يجب أن يُّقال - حينئذ (مَوْلُوقٌ) كما يقولون: (أُعِدَ) فهو (مَوْعود) ولم يُسمع قولهم: (مَأْعود) كما لم يقولوا: (مَوْلُوقٌ) وكقولهم: اُقِّتَت وتَوَقَّتَت؛ فاستُدلّ بذلك على أنّ الهمزة في (أُلِقَ) أصليّة غير منقلبة عن واو.1
قال ابن جنيّ: "ولو جاز لمدعٍ أن يقول: إنّ أصل أُلِقَ: وُلِقَ - من غير دلالة، ومع أنّ الهمزة ثانية في تصريف الكلمة بحيث لا موجب للقلب - لجاز لآخر - أيضاً - أن يقول: إنّ أصل: أُخذ: وُخِذَ، وإنّ أصل: أمّ: وُمّ، وإنّ أصل أُكل: وُكل، من غير دلالة ولا ثبت.
ولو جاز ذلك لخرج الأمر من باب طريق العلم إلى الجهل، وارتكاب ما لا حقيقة له، واعتقاد ما لا دليل عليه".2
وهذا - أعني القول بأنّ الأصل (أل ق) - مذهب الجماعة؛ كابن السّرّاج1 والزّبيديّ2 وأبي عليّ3 وابن جنّيّ4 والصّيمريّ5 والجواليقيّ6 وابن يعيش7 والرّضيّ8 والسّخاويّ9.
وجعله الجوهريّ - أيضاً - من (أل ق) وفاقاً للجمهور، غير أنّه سها - رحمه الله - في استدلاله على أنّه يجوز أن يكون (أَفْعَل) بقولهم: أُلِقَ الرجل فهو مَأْلوقٌ، وهو دليل لعكس ما ذكر، وهو (فَوْعَل) .
2- ويجوز أن يكون أصله (ول ق) فيكون وزنه (أَفْعَل) واشتقاقه - حينئذ - من (وَلَقَ) يَلِق إذا أسرع، ومنه قراءة عائشة وابن عباس - رضي الله عنهما -: ﴿إذ تَلِقونَه بألسنتكم﴾ 10 وقول الشاعر:
جَاءَتْ بِهِ عَنْسٌ مِنَ الشَّامِ تَلِقْ1 ...
وأصل (تَلِق) (تَوْلِقُ) . ولعلّ أول من ذهب إلى هذا: الكسائيّ.1
ويحتمل - أيضاً - أن يكون على وزن (فَوْعل) كالسّابق، ولكن من الأصل (ول ق) فيكون أصل أَوْلَق: (وَوْلَق) أُبدلت الواو الأولى فيه همزة؛ لالتقاء الواوين في أولّ الكلمة؛ على حدّ قولهم في تصغير: وَاصل (أُوَيْصِلٌ) وأصله (وُوَيْصلٌ) 2.
وتظهر ثمرة هذا الخلاف عند التّسمية به، فإن جُعل (أَفْعَل) فإنّه لا ينصرف، وإن جُعل على وزن (فَوْعَل) فإنّه ينصرف.
والرّأي هو ما عليه الجمهور من أنّ أصله (أَلَقَ) وأنّه (فوعل) لقوّة ما استدلوا به.
وتبعاً لاختلافهم في أصل هذا اللفظ اختلفت المعاجم فيه؛ فقد ذكره الأزهريّ3 في (أل ق) وكذا الجوهريّ4.
1هو: القُلاح بن حزن المنقريّ؛ ينظر: تهذيب الألفاظ 299، وما ينصرف 15، والتكملة 232، والمحتسب 2/104، والمحكم 6/350، وإيضاح شواهد الإيضاح 2/890.
وذكره ابن فارس1 في (ول ق) .
وذكره جماعة من المعجميّين في الموضعين؛ ومنهم: ابن سيده2 وابن منظور3 والفيروزآباديّ4.
ومن ذلك (أوْهَدَ) وهو من أسماء يوم الاثنين؛ ويحتمل الأصلين (أهـ د) و (وهـ د) :
ذهب كراعٌ5 إلى أنه (فوعل) فيكون أصله (أهـ د) لأنّه نظير (أَوْلَق) .
على أنّه لا دليل فيه على أصالة الهمزة؛ كـ (أَوْلَق) وحمله عليه لا يكفي، ويُضعفه ـ أيضاً ـ أنّ (أهـ د) أصل مهمل.
وقياس مذهب سيبويه6 أن يكون (أوْهَد) من (وهـ د) ولا يُقاس على (أَوْلَق) عنده؛ لأنه لا دليل فيه ـ كما ذكرت ـ كما في (أَوْلَق) ولذلك حُمل على (أَفْعَل) لأنّه أكثر من (فَوْعَل) .
وفي هذا الأصل ذكره: ابن سيده1، وابن منظور2، والفيروزآباديّ3.
ومن ذلك تداخل (وأ ب) و (ت أب) في (التَّوْأَبَانِيَّينِ) وهما قادمتا الضّرع في قول الشاعر:
فَمَرَّتْ عَلى أَطْرَافِ هِرٍّ عَشِيَّةً ... لَهَا تَوْأَبَانِيَّانِ لَمْ يَتَفَلْفَلا 4
وكان الأصمعي يقول: "ولا أدري ما أصل ذلك"5 يريد أنه لا يعرف اشتقاقه، ومن أين أُخذ؟
وشكّك أبو عبيدة فيه، وذكر أنّ العرب لاتعرفه6.
فإن كان هذا عربيّاً فإنه يحتمل الأصلين:
يجوز أن يكون أصله (ت أب) وهو رأي الجوهريّ1، وتابعه ابن منظور2.
ويجوز أن يكون أصله (وأ ب) وإلى هذا ذهب أبو عليّ الفارسيّ3، وذكر أنّ تَوْأَبَاً (فَوْعَل) والتّاء بدل من الواو، فهو من الوَأْب؛ لأن الثّدْيَ الصّغير صُلب متوتِّر، وذاك أنّ نزول اللّبن فيه، وارتضاع الفصيل منه لم يُرْخه، ووصْفه بالصّلابة كوصفهم الحافر بها في قول الراجز:
بِكُلِّ وَأبٍ لِلْحَصَى رَضَّاخِ4
...
وقاسه - أيضاً - على (حَوْفَزَان) وهو اسم رجل، و (حَوْتَنَان) وهو اسم موضع؛ وهما (فَوْعَلان) وكذلك (تَوْأَبَان) . فيكون أصله قبل القلب - على رأي أبي عليّ (وَوْأَبَان) ثمّ أُلحق ياءً مشدّدة زائدة5، كما زادوها في (عاريّة) وهم يريدون (عارة) وفي (أَحْمَرِيٍّ) وهم يريدون (أحمر) ثمّ ثنّوه فقالوا: (تَوْأَبَانِيَّانِ) .
ب - التّداخل بين الأجوف والمهموز:
وهذا هو النّوع الثّاني من أنواع التّداخل؛ بين المعتلّ والمهموز، وهو ممّا يكثر فيه التّداخل.
فمنه تداخل (ل ي ت) و (أل ت) في قوله عز وجلّ: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ 1 أي: ما أنقصناهم؛ وهو يحتمل الأصلين:
يجوز أن يكون الأصل (أل ت) وذهب إلى ذلك الفرّاء؛ فقال: (الألت النّقص) 2.
وهو مذهب الزّجّاج3 - أيضاً- فقد ذكر أنّه يُقال: أَلَتَه يَألِتُهُ: إذا نَقَصَه، ومنه قول الشاعر:
أَبْلِغْ سَرَاةَ بَنِي سَعْدٍ مُغَلْغَلَةً ... جَهْدَ الرِّسَالَةِ لا أَلْتاً ولا كَذِبَا4
أي: لا نقصان.
وعلى هذا فـ ﴿أَلَتْنَاهُمْ﴾ على وزن (فَعَلْنَاهُمْ) .
ويقوّي هذا الأصل قراءة أبي عمرو ويعقوب في قوله - عز وجل -: ﴿لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً﴾ 1: ﴿لا يَأْلِتْكُم﴾ 2
ويقوّيه - أيضاً - قراءة ابن هرمز: (ألتناهم) بالمدّ؛ من: آلَتَ على وزن (أَفْعَلَ) كما ذكر أبو حيّان3.
ويجوز4 أن يكون الأصل (ل ي ت) من قولهم: لاتَهُ يَليِتُهُ ليْتاً؛ إذا نقصه وصرفه، ومن ذلك قول الشّاعر:
وَلَيْلَةٍ ذَاتِ نَدًى سَرَيْتُ ... وَلَمْ يَلِتْنِي عَنْ سُرَاهَا لَيْتُ5
أي: لم يصرفني عنها صارف، أو نقصٌ بي، أو عجزٌ منّي.
وعلى هذا التقدير فإنّ وزن ﴿أَلَتْنَاهُمْ﴾ (أَفَلْناهُم) وتقديره في الأصل: (أَليَتْنَاهُم) (أَفْعَلْنَاهُم) وتقديره بعد الإعلال: (أَلاْتنَاهُم) فَحُذِفَتِ العَين؛ وهيَ حرف العلّة؛ لالتقاء السّاكنين.