الباب الثاني: التداخل في البناء الواحد (الثلاثي، الرباعي، الخماسي)
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- عبد الرزاق بن فراج الصاعدي
- الكتاب
- تداخل الأصول اللغوية وأثره في بناء المعجم
- المؤلف
- عبد الرزاق بن فراج الصاعدي
- الناشر
- عمادة البحث العلمي، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، المملطة العربية السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1422هـ/2002م
- عدد الأجزاء
- 2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
وهو: اسم رجل، يَحتمل أن يكون من باب (زَمَمْتُ النَّاقَةَ) أي: عَلَّقْتُ عليها الزِّمام؛ فيكون على وزن (فِعْلان) .
ويحتمل أن يكون على (فِعَّال) من (الزَّمَنِ) وهو: الوقت.
والأصل الأوَّل أعلى عند ابن جِنِّي1؛ لأنَّ قياس مذهب سيبويه2 أنَّ ما فيه حرفان ثانيهما مُضَعَّف وبعدهما ألفٌ ونون، يُحمل على زيادة الألف والنُّون ما لم يُعرف اشتقاقه.
ومن ذلك (حِطَّان) وهو: التَّيس؛ فهو يحتمل الأصلين (ح ط ط) على وزن (فِعْلان) و (ح ط ن) على وزن (فِعّال) .
وذهب ابن دريد3 إلى أنَّه (فِعْلاَن) .
وجعله ابن منظور في (ح ط ن) وأشار إلى الاحتمالين4.
ومنه (إِبَّان) كل شيء؛ وهو وقته وأوانه؛ فإنه يحتمل الأصلين:
جعله بعضهم من (أب ب) من قولهم: أَبَّ لكذا؛ إذا تهيَّأ له وعزم عليه؛ كأنَّه يقول: أتاني في تهيُّوء ذلك5؛ فهو -حينئذ (فِعْلان) .
وجعله الجوهريُّ مشتقا من (أب ن) 6.
ومنه تداخل الأصلين في (عِدَّان فرعون) فإنه يحتمل الأصلين.
وقد ذكر ذلك الأزهري بقوله: (من جعل عِدَّان (فِعْلانا) فهو من العَدِّ
والعِدادِ ومن جعله (فِعْلالا) فهو من: عَدَن) 1.
والأقرب عنده أنَّه من العَدِّ؛ لأنَّه جُعل بمعنى: الوقت.
وأمَّا (فُعَّال) و (فُعْلان) فيتداخل منه (ر ب ب) و (ر ب ن) في (رُبَّان) كُلِّ شيء؛ وهو مُعظَمُه وجَماعَتُه، ورُبَّان السفينة الّذي يقودها؛ وهو يحتمل الأصلين، والأقرب عند الصَّغانيِّ (ر ب ن) لقولهم: تَرَبَّن فُلانٌ2؛ أي: صار رُبَّانَ سفينةٍ.
ومن: (الدُّكَّان) وهي: الدَّكَّة المَبْنِيَّة للجلوس عليها؛ وهو يحتمل الأصلين (د ك ك) و (د ك ن) 3.
فمن اشتقه من قولهم: (دَكَنْتُ الشيء أَدْكُنُهُ دَكْنًا) إذا نَضَدْتُ بعضه فوق بعض؛ فأصله عنده (د ك ن) ووزنه (فُعَّال) وهو محكي عن ابن دريد4.
ومن اشتقَّه من: الدَّكِّ، لقولهم: أَكَمَةٌ دَكَّاء؛ إذا كانت منبسطة، فهو عنده من (د ك ك) ووزنه (فُعلان) .
ومن ذلك تداخل (ر م م) و (ر م ن) في (رُمَّان) وهو الفاكهة المعروفة؛ وقد اختلفوا في أصله5:
وذهب الأخفش2 وابن مالك3 إلى أنَّ أصله (ر م ن) واستدل ابن مالك بثبوت النون في قولهم: (مَرْمَنةٌ) للبقعة الكثيرة الرُّمَّان؛ وكان يرى أنَّه لو كانت النُّون فيه زائدة لقالوا: (أرضٌ مَرَمَّةٌ) لا (مَرْمَنةٌ) .
وليس بعيداً أن يكون ذلك على قاعدة توهم أصالة الحرف الزَّائد.
ومنه (دُرَّانَةُ) من أسماء النِّساء؛ فهو يحتمل الأصلين (د ر ن) و (د ر ر) .
قال الأزهريُّ: (النُّون في دُرَّانة إن كانت أصلية فهي (فُعْلالَة) [هكذا] من الدَّرَنِ.
فإن كانت غير أصلية فهي (فُعْلانة) مِنَ: الدُّرِّ أو الدَّرِّ؛ كما قالوا: قُرَّان مِنَ: القُّرِّ، أو مِنَ: القَرِينِ) 4.
ولعلَّ الأزهريَّ وَهِم -رحمه الله- حين قال: إنَّها (فُعْلالَة) مِنَ: الدَّرَنِ؛ لأنَّ قياس وزنها إن كانت مشتقة من (الدَّرَنِ) أن يكون (فُعَّالَة) ولا وجه لـ (فُعْلالة) .
وقد نقله ابن منظور5 على ما فيه، ولعله سها عن إصلاحه، أو التَّنبيه عليه.1
(ثانياً) : ما آخره همزة:
منه تداخل (ص د د) و (ص د أ) في (صَدَّاءَ) وهو: اسم بئر في قَوْلِ الشَّاعر:
وإنِّي وتِهْيَامِي بِزَيْنَبَ كالّذي ... يُطالِبُ مِن أَحْوَاضِ صَدَّاءَ مَشْرَبَا1
وهي تحتمل الأصلين:
يجوز أن تكون (فَعْلاء) من (ص د د) فكأنَّها تَصُدُّ طالبها.
ويجوز أن تكون (فَعّالا) من (ص د أ) وأنَّه لذلك وضعها ابن منظور في المهموز2، وقد يقال: (عَيْنٌ صَدآءُ) أي: عَذْبَةُ الماء، وفي المثل: (ماءٌ ولا كَصَدْآءَ) 3.
ويحتمل أصلاً ثالثاً؛ وهو المعتلّ (ص د ي) 4 ووزنها -حينئذ (فَعَّال) أيضاً- فيكون اشتقاقها من: صَدَا يَصْدُو أو صَدِيَ يَصْدَى؛ وهو: شدَّة العَطَشِ، والأصل الأخير -أعني: المعتلّ- ليس ممّا نحن فيه هنا.
ومن ذلك تداخل (ك ل أ) و (ك ل ل) في (كَلاَّء) وهو: مَرْفَأُ السُّفن؛ فيحتمل الأصلين:
ذهب سيبويه5 إلى أنَّه (فَعّال) مثل (جَبَّار) من (ك ل أ) لأنَّه يَكْلأُ السُّفن من الرِّيحِ.
وهو عند ثَعْلَبٍ (فَعْلاء) مِن (ك ل ل) لأنَّ الرِّيحَ تَكِلُّ فيه فلا يَنْخَرِقُ1، وقيل2: إنَّه من (كَلَّ) إذا تَعِبَ.
وقولُ سيبويه أَرْجَحُ؛ لأنَّهم ذكروا أنَّ الكَلاَّءَ مُذَكَّرٌ لا يُؤنِّثُه أحدٌ مِنَ العرب3.
وبتداخل في (الثُّفَاءِ) وهو حبُّ الرَّشاد أصلان (ث ف أ) و (ث ف ف) وهو يحتملهما؛ فيجوز أن يكون (فُعَّالا) 4 مَن (ث ف أ) أو (فُعْلاَء) من (ث ف ف) والأوَّل أرجح؛ لأنَّ (ث ف ف) أصلٌ مهملٌ.
ومنه (الدُّبَّاء) وهو: القَرْعُ، وواحدها: دُبَّاءةٌ؛ وهو يحتمل الأصلين:
ذهب الهَرويُّ5 إلى أنَّه (فُعْلاء) من (د ب ب) وتابعه ابن الأثير6 ومُوَفَّق الدِّين البغداديُّ7.
ويَرى الزَّمخشريُّ أنَّه (فُعال) ولامهُ همزةٌ؛ آخذاً بظاهر اللَّفظ، ومستدلاً بأنَّه لا يُعرف انقلاب لامِهِ عن واوٍ أو ياءٍ8.
ويحتمل (القِثَّاءُ) الأصلين (ق ث أ) من قولهم: أَقْثَأَ القَوْمُ؛ إذا كثُرَ عندهم القِثَّاءُ؛ فوزنه -حينئذ (فِعّال) .
ويجوز أن يكون وزنه (فِعْلاَء) من (ق ث ث) . وقد أجاز ابن عَقِيلٍ1 الأصلين؛ ولكنَّه ذكَرَ أنَّ وزنه على احتمال أصالة الهمزة (فِعْلال) 2 وهو غير مستقيم كما ترى، وقياس وزنه (فِعَّال) .
الفصل الثاني: التداخل في الرباعي والخماسي
الفصل الثَّاني: التَّداخل في الرُّباعيّ والخماسيّ
يقلّ تداخل الأصول بين الرّباعي والرّباعي قلّةً ظاهرةً، ويصل إلى حدّ النُّدرة بين الخماسيّ والخماسي. ولمّا كان الرّباعي والخماسيّ متشابهين في قلَّة المادّة وندرة التَّداخل؛ ولا سيّما الخماسي جاء الحديث عنهما- هنا - في موضع واحد.
إنَّ لندرة التَّداخل في الرُّباعيّ أوالخماسيّ أسباباً من أهمّها:
الأوّل: قلّة ما جاء في اللّغة العربية من الرُّباعيّ أو الخماسيّ؛ قياساً على ما جاء منها في الثّلاثيّ؛ ألا ترى أنَّ ما جاء على الرُّباعيّ في (الصّحاح) للجوهريّ لا يتعدّى ما نسبته (66ر13 ?) وهو ما يمثّل ثمانية وستين وسبعمائة أصل من مجموع ما في الصّحاح من أصول؛ وعدّتها عشرون وستمائة وخمسة آلاف أصل1.
وما فيه من الخماسيّ لا يتجاوز ما نسبته (67ر.. ?) وهي نسبة
جدّ قليلة؛ لا تكاد تذكر؛ لأنّ ما في الصّحاح من الخماسيّ لا يتجاوز ثمانية وثلاثين أصلاً.
أمّا الثّلاثيّ في الصّحاح فبلغت نسبته (85,65 ?) لأنَّ عدد الأصول الثّلاثية فيه أربعة عشر وثمانمائة وأربعة آلاف أصل؛ وهو ما يزيد على أربعة أخماس ما في الصّحاح من أصول.
وتختلف النسبة قليلاً في (لسان العرب) وفي (تاج العروس) ولكنّها لا تبتعد كثيراً عمّا في (الصّحاح) .
فالرباعي في (اللّسان) 1 يبلغ ما نسبته (47, 27 ?) لأنّه يمثّل ثمانية وأربعين وخمسمائة وألفي أصل من مجموع أصول (اللّسان) البالغ ثلاثة وسبعين ومائتين وتسعة آلاف أصل؛ بينما لا يتجاوز الخماسيّ ما نسبته (2, 2%) إذ لم تتجاوز الأصول الخماسية سبعة وثمانين ومائة أصل؛ في حين بلغ الثّلاثيّ ما نسبته (51, 70%) لأنَّ ما فيه من ذلك يبلغ ثمانية وثلاثين وخمسمائة وستة آلاف أصل.
أمَّا (تاج العروس) 2 فتبلغ الأصول الرّباعية فيه ما نسبته (07, 34%) فعدّتها واحد وثمانون وأربعة آلاف أصل رباعيّ من مجموع ما فيه من الأصول، وقدره ثمانية وسبعون وتسعمائة وأحد عشر ألف أصل؛ بينما لم يتجاوز الخماسيّ في (التّاج) ما نسبته (5, 2%) وهو يمثّل ثلاثمائة أصل خماسيّ؛ في حين بلغت نسبة الثّلاثيّ (42, 63%) وهي تمثّل سبعة وتسعين وخمسمائة وسبعة آلاف أصل ثلاثي.
وفيما يلي إحصاء ما تقدم في الجداول الثلاثة التالية، لتسهل على القارئ الموازنة: جدول عدد الأصول الثلاثية في المعاجم الثلاثة المعجم ... الثلاثي ... نسبة الرباعي ... الخماسي ... المجموع الصحاح ... 4814 ... 768 ... 38 ... 5620 اللسان ... 6538 ... 6548 ... 187 ... 9273 التاج ... 7597 ... 4081 ... 300 ... 11978 جدول يبين نسبة الأصول الثلاثة في كل المعاجم المعجم ... نسبة الثلاثي ... نسبة الرباعي ... نسبة الخماسي الصحاح ... 85.65‰ ... 13.67‰ ... 00.67‰ اللسان ... 70.51‰ ... 27.47‰ ... 2.02‰ التاج ... 63.43‰ ... 34.07‰ ... 2.5‰
الثّاني: أنَّ من أهمّ أسباب تداخل الأصول أن تزيد حروف الكلمة على عدد حروف الأصل؛ فإذا زادت زادت فرص التَّداخل.
والفرق في ذلك بين الثّلاثيّ من جهة، والرباعي والخماسي من جهة كبيرٌ؛ فالثّلاثي عرضة للزوائد بجميع أنواعها؛ ويساعد على ذلك خفّته؛ لقلّة أصوله؛ بينما تقلّ الزّوائد في الرّباعي لثقله، وهي أقلّ في الخماسيّ، وقد تقدّم في الباب الأوّل1 أنَّ الفعل لا يكون خماسيَّ الأصول للثّقل.
وإن وقع فيهما شيء من الزّوائد فهو في الغالب من حروف العلّة: الألفِ والواو والياءِ؛ وهنّ أمّهات الزوائد، وزيادتهن في الرّباعي أو الخماسيّ لا خفاء فيها؛ لأنّهنّ لا يكنّ أصلاً فيهما؛ كما قرّر جمهور علماء العربيّة.
ومثال الألف - فيما يكثر زيادته (سِرْدَاحٌ) وهي: النّاقة السّريعة، و (قَبَعْثَرَى) وهو: الجمل الضَّخم العظيم.
ومثال الواو (عُصْفُورٌ) و (عَضْرَفُوطٌ) وهو ذَكَرُ العِظَاء.
أمَّا الياء فمثالها (غِطْرِيفٌ) وهو: السِّيد الكريم، و (خُزَعْبِيلٌ) وهو: الباطل.
وممّا يكثر زيادته النّون؛ وهي مطّردة في الرّباعي وما شابهه؛ إذا توسّطت ساكنة؛ نحو (جَحَنْفَلٍ) و (غَضَنْفَرٍ) .
وأمر النّون في وضوحٍ زيادتها في ذلك الموضع كوضوح زيادة
حروف العلّة الثّلاثة؛ لأنَّ النّون من حروف الذّلاقة الّتي لا يكاد يَعرَى رباعيٌّ أو خماسي منها1.
وتزاد النّون آخراً في الرّباعي؛ نحو (عُقْرُبَان) وهي: دُويّبة تدخل الأذن، و (حِدْرِجَان) وهو: القَصير من الرِّجال.
أمَّا زيادة النّون في الخماسيّ فنادرة؛ نحو (قُرَعْبَلانَة) وهي: دُوَيبة عريضةٌ؛ وهذا البناء من النَّوادر؛ لأنَّ الخماسيّ لا يكاد تلحقه إلاَّ زيادة واحدة2؛ وهي في الغالب من حروف العلّة.
فيتّضح بذلك الفرق بينهما وبين الثّلاثيّ الّذي يحتمل أربعة أحرفٍ زوائد في آنٍ واحد؛ مثل (اشْهِيبَابٍ) و (احْمِيْرَارٍ) وهما على (افْعِيلال) 3 و (كُذُبْذُبَان) .
فإذا زاد عليه قلّة الرّباعي والخماسي في اللّغة؛ على نحو ما ثبت بالموازنة؛ زادت الهوّة بينهما، وتكشَّفتْ؛ فقلّ التّداخل في الرّباعي إلى حدٍّ كبير، وندر في الخماسيّ حتّى كاد ينعدم وجوده.
الثَّالث: أنَّ أكثر ما جاء من تداخل الرُّباعيّ أو الخماسيّ إنَّما يقع بين كلِّ واحد منهما وما كان دونه في الأصول؛ أي: أنّ التَّداخل يكون بين الرُّباعيّ والثّلاثي، ويكون بين الخماسيّ والرباعي، أو الخماسيّ
والثلاثي، وكلّ ذلك ليس ممَّا نحن فيه في هذا الفصل؛ فله بحثٌ مستقلٌ يأتي -إن شاء الله- في محلِّه.
ولعلَّ هذا ممّا يفسّر قلّة التّداخل - هنا - أيضاً.
على أنّه لا يجوز أن يقاس على الثّلاثي؛ لأنَّ الثّلاثي لا أصول أقلّ منه، ولو وجد ذلك في العربيّة لما كثر التَّداخل فيه على النّحو الّذي تقدَّم في الفصل السّابق.
المبحث الأوَّلُ: التَّداخل بين الرّباعي والرّباعيّ
من ذلك تداخل (ب ل أص) و (ب ل هـ ص) في قولهم: (بَلأَص) إذا فرَّ وعَدَا من فزعٍ، وأسرع؛ ومنه قول الشّاعر:
ولَوْ أُرِي فَاكَرِشٍ لَبَلْهَصَا1
فهو يحتمل الأصلين:
ذهب ابن فارس إلى أنَّ أصله (ب ل هـ ص) على الإبدال؛ وكان يقول: "بَلأَصَ: غير أصلٍ؛ لأنَّ الهمزة مبدلة من هاء، والصَّاد مبدلة من سينٍ"2.
وتبعه في ذلك الأزهري3.
وذهب ابن منظور4 إلى أنَّ الأصل (ب ل أص) وذكر (بَلْهَصَ) في أصلٍ مستقلٍّ؛ ولم يستبعد الإبدال؛ حين قال: "وقد يجوز أن يكون هاؤه بدلاً من همزة بَلأصَ"5.
ونقل ذلك الزَّبِيدي1.
ولا يستبعد الإبدال بين الهمزة والهاء؛ لأنّهما من الحلق ومخرجهما واحد.
ويتداخل (ح ن ت ل) و (ح ت أل) في (الحُنْتَألِ) في قولهم: "مالي عنه (حُنْتَألٌ) أي: ما لي منه بدٌّ؛ وهو يحتمل الأصلين: يجوز أن يكون أصله (ح ن ت ل) فتكون الهمزة زائدة؛ ووزنه - حينئذً (فُعْلأل) وإلى هذا ذهب ابن سيده، وابن منظور2.
وذهب الجواليقي إلى أنَّ الأصل (ح ت أل) بزيادة النّون؛ وأنَّ وزنه (فُنْعَلٌّ) 3.
وما ذهب إليه ابن سيده وابن منظور هو الأقرب؛ فقد روى الجوهريّ أنَّهم يقولون: "ما أجد منه حُنْتاَلاً"4 بلا همزٍ؛ وإن كان يجوز حمله على التّسهيل.
ويقوِّيه -أيضاً- سقوط الهمزة في (الحُنْتُلِ) وهو شبه المِخلب المُعَقَّفِ5؛ فالاشتقاق يقوِّيه؛ لأنَّ المخلب هو الّذي ينشب في الشَّيء؛ فلا يكاد ينفكّ منه؛ فقولهم: (ما لي عنه حُنْتَألٌ) يعني: ما لي منه بدٌّ، وهو
قريب من هذا المعنى.
ويحتمل (دَهْدَيتُ) في قولهم: (دَهْدَيتُ الحجرَ) أي: دَحْرجْته- الأصلين:
حمله بعضهم على ظاهره فجعله من (د هـ د ى) كما فعل ابن منظور1.
وهو رأي ضعيف؛ لأنَّ حرف العلّة لا يكون أصلاً في رباعيٍّ خلا المضاعف؛ نحو عَوْعَى عَوْعَاةً: زجر الضَّأن، وقوقَتِ الدَّجاجة.
وجعله الخليل من (د هـ د هـ) 2 فالياء الأخيرة مبدلة من هاء، وأصله (دَهْدَهْتُ) واستدلّ بقول عمرو بن كلثوم:
يُدَهْدِهْنَ الرُّؤُوسَ كَمَا تُدَهْدِي ... حَزَاوِرَةٌ بِأَيْدِيهَا الكُرِينَا3
وكان يقول: "حوَّل الهاء الأخيرة ياءً؛ لأنَّ الهاء أقرب الحروف شَبَهاً بالياء؛ ألا ترى أنَّ الياء مَدَّةً والهاء نَفَسٌ، ومن هنالك صار مجرى الياء والواوِ والألف والهاء في رويِّ الشّعر واحداً"4.
وسار على هذا المبحث في أصل الكلمة: المازِنيّ وابن جنّي5،
واستدلاّ بقولهم: (دَهْدُوهَةُ الجُعْلِ) بمعنى: دَحْرُوجَتِه، وبقولهم: (دَهْدَهْتُ) فدلّ ذلك على أنَّ الهاء أصل؛ ولكنّهم أبدلوا منها الياء.
وثَمَّةَ أصل ثالثٌ يحتمله اللّفظ؛ ليس ممَّا نحن فيه؛ وهو أن يكون ثلاثياً؛ فيكون وزن (دَهْدَى) (فَعْلَى) من باب سَلِسٍ وقَلِقٍ، ثمّ زيدت فيه الألف للإلحاق بالرّباعي1.
ويتداخل في الرّباعي (ط م أن) و (ط أم ن) في قولهم: (اطْمَأنَّ) فهو (مُطْمَئِنٌّ) بمعنى: سَكَنَ؛ وهو يحتمل الأصلين؛ وقد اختلفوا فيه2:
ذهب سيبويه إلى أنَّ أصله (ط أم ن) وإنّما حدث فيه قلبٌ3 بتقديم الهمزة؛ فيكون وزن (اطْمأنّ) و (مُطْمَئِنٌّ) على مذهب سيبويه (افْلَعَلّ) و (مُفْلَعِلاّ) على القلب.
وذهب أبو عمر الجَرمِيّ إلى أنَّ الأصل (ط م أن) 4 وهو عكس مذهب سيبويه؛ فيكون وزن (اطْمَأَنّ) و (مُطْمَئِنٌّ) (افْعَلَلّ) و (مُفْعَلِلاًّ) مثل (اقْشَعَرَّ) و (ومُقْشَعِرٍّ) .
وقد وازن العلماء بين المذهبين وحجّة كلّ منهما، فاختار بعضهم مذهب سيبويه، واختار بعضهم مذهب الجَرميّ.
وممّن اختاروا مذهب سيبويه: ابن جنّي1 الّذي يعدُّ خير من علّل مذهب سيبويه وأبرز حجّته؛ فذكر أنَّ سيبويه كان يرى أنَّه لمّا كان (طَأْمَنَ) مجرّداً من الزّوائد، و (اطْمَأَنَّ) مزيداً فيه، ولم يُمسع (طَمْأَنَ) من غير زيادة2؛ فينبغي أن يكون المجرّد هو الأصل، وهو (طَأْمَنَ) والمزيد فيه هو المقلوب؛ وهو (اطْمَأَنَّ) لأنَّ الزّيادة إذا لحقت الكلمة لحقها ضربٌ من الوَهَن "لأنَّ مخالطتها شيء3 ليس من أصلها مزاحمة لها… وإذا كان في الزّيادة طرف من الإعلال للأصل كان أن يكون القلب مع الزِّيادة أولى؛ وذلك أنَّ الكلمة إذا لحقها ضربٌ من الضّعف أسرع إليها ضعفٌ آخر؛ كحذفهم ياَء حَنِيفَةَ في الإضافة إليها لحذف تائها في قولهم: حَنَفِيٌّ، ولمّا لم يكن في: حَنِيفٍ تاءٌ تُحذف فيحذف ياؤها جاء في الإضافة إليه على أصله، فقالوا: حَنِيفِيٌّ"4.
وانبرى ابن جنّي إلى رأي الجَرميّ محاولاً إبطال حجّته الّتي تقوّي مذهبه؛ فقال: "فإن قال أبو عُمَر: جَرْيُ المصدر على: اطْمَأَنَّ، يدلّ على أنّه هو الأصل، وذلك قولهم: الاطْمِئْنَان- قيل: قولهم: الطَّاْمَنَةُ، بإزاء قولهم: الاطْمِئْنَان فمصدر بمصدر.
وبقي على أبي عمر أنَّ الزّيادة جرت في المصدر جريها في الفعل والعلّة في الموضعين واحدة، وكذلك الطُّمَأنِينَةُ ذات زيادة؛ فهي إلى الإعلال أقرب"1.
وفي الحقّ أنّ ما ذكره ابن جنّي في الاحتجاج لسيبويه، وإضعاف رأي الجرمي، من الممكن نقضه ألا ترى أنّه أقام دليله وحجّته على أساس أنّ العرب لم تقل (طَمْأَنَ) البتّة2 بل قالت: (اطْمَأَنَّ) في حين أنَّ الأمر بخلاف ذلك؛ فقد روى أئمّة اللّغة (طَمْأَنَ) بإزاء (طَأْمَنَ) .
قال الفارابِيُّ: "طَأْمَنَ ظهره، وطَمْأَنَ، بمعنى"3.
وقال الجوهريُّ: "طَمْأَنَ ظهره وطَامَنَه بمعنى، على القلب، وطَأْمَنت منه: سَكَّنْتُ"4.
ونقل نحو ذلك جماعة؛ منهم السَّرقُسْطِيُّ5، وابن منظور6،
والفيروزآبادي1، والزَّبِيديّ2، دون أن ينكره أحد منهم. ومن سمع أو روى حجّة على من لم يسمع أو لم يروِ.
وبذلك يتساوى الأصلان (طَمْأَنَ) و (طَأْمَنَ) في ورودهما متجرّدين من الزَّوائد؛ فيبقى ترجيح أحدهما على الآخر؛ بالنّظر إلى تصرّف كلّ منهما؛ وهي قاعدتهم في معرفة الأصل في القلب.
فإن تساويا فليس أحدهما بأولى من الآخر؛ وإن رَجَحَ أحدهما فهو - في الغالب - الأصل. وتقَصِّي ذلك في (طَأْمَنَ) و (طَمْأَنَ) يبيّن ما يلي:
قالوا في الأوّل: طَأْمَنَ يُطَأْمِنُ طَأْمَنَةً فهو مُطَأْمِنٌ3.
وقالوا في الثّاني: طَمْأَنَ يُطَمْئِنُ طَمْأَنَةً، واطْمَأَنَّ يَطْمَئِنُّ اطْمِئْنَاناً وطُمَأْنِينَةً، وهو مُطْمَئِنٌّ.
وبذلك يتَّضح أنَّ (طَأْمَنَ) قصَّر عن (طَمْأَنَ) في التّصريف؛ فلم يأت منه (اطْأَمَنَّ يَطْأَمِنُّ اطْئِمْنَاناً فهو مُطأَمِنٌ، فيما يقابل: اطْمَأَنَّ يَطْمَئِنُّ اطْمِئْنَاناً فهو مُطْمَئِنٌّ.
ولم يأتِ (طُؤَمْنِينَةٌ) فيما يقابل طُمَأْنِينَةً.
ولعلّ ذلك ما جعل الرَّضيّ4 وابن عصفور يأخذان برأي الجَرميّ وقد كان ابن عصفور أكثر وضوحاً في ذلك حينما عرض للرّأيين، وعلّق
على رأي الجَرميّ بقوله: "وهو الصّحيح عندي؛ لأنَّ أكثر تصريف الكلمة أتى عليه"1 أي على (طَمْأَنَ) . ولعلَّ ممّا يرجّح هذا الأصل - أعني (ط م أن) أنّ القرآن الكريم جاء عليه في ثلاث عشرة آية2، ولم يأت فيه من الأصل الآخر شيء.
المبحثُ الثَّاني: التَّداخل بين الخماسيّ والخماسيّ
تقدَّم أن التَّداخل بين الخماسيّ والخماسي نادر الوقوع للأسباب الّتي ذكرت ثَمَّ.
وممّا جاء منه تداخل (ز ب ر ج د) و (ز ب ر د ج) في (الزَّبَرْجَدِ) وهو الزُّمُرُّدُ؛ فيحتمل الأصلين:
يجوز أن يكون أصله (ز ب ر د ج) على ظاهر لفظه؛ كما وضعه ابن منظور1، وتابعه الفيروزآباديّ2.
ويجوز أن يكون الأصل فيه (ز ب ر ج د) فيكون (زَبَرْدَجٌ) مقلوباً من (زَبَرْجَدٍ) .
وإلى هذا ذهب ابن جنّي، وذكر أنَّه جاء مقلوباً في ضرورة الشّعر؛ وهو مخصوص بالقافية.
والعلّة عنده في جعله مقصوراً على الضّرورة؛ أنَّ العرب لا تقلب الخماسيّ؛ لاستكراههم هذا البناء؛ لإفراط طوله3.
ومن ذلك تداخل الأصلين (ق ر ط ع ب) و (ق ر ع ط ب) في قولهم: ما لفلان قُرُطْعُبَة، أي ماله قليل ولا كثير.
قال الرّاجز:
فَمَا عَلَيهِ مِنْ لِبَاسٍ طِحْرِبَهْ
وَمَالَهُ مِنْ نَشَبٍ قُرُطْعُبهْ1
وقال: رواها أبو زيد فيما حكاه ابن دُريد: قُرُعْطُبة2، وعدّها السّيوطيّ من القلب3.
وليس لدينا دليل قاطع لتمييز الأصل من المقلوب في هذه الكلمة، ويمكن أن يفهم من كلام أكثر الأئمّة أنّ الأصل (ق ر ط ع ب) بتقديم الطّاء؛ فقد ذكرها فيه كلٌّ من الجوهريّ4، والصّغانيّ5، وابن منظور6، والفيروزآباديّ7، والزَّبِيديّ8، ولم يحكوا فيه القلب، أو يذكروه في الأصل الآخر.
ومن ذلك تداخل الأصلين (ق ن ع ص ر) و (ق ن ص ع ر) في (قِنْصَعْرٍ) على رواية كُراعٍ، وقد فسَّره بأنَّه القصير الظّهر والعنق من
الرِّجال1.
و (القِنْصَعْرُ) مقلوب من (قِنْعَصْرٍ) أو العكس؛ فإنَّ معناهما واحد.
على أنّ كُراعاً خالف اللّغوييّن في روايته بتقديم العين على الصّاد؛ فلم أجد من يوافقه على ذلك؛ فجمهور اللّغويين مجمعون على أنّه من الأصل الثَّاني، أعني: (ق ن ص ع ر) 2.
غير أنَّ الأزهري رواه بتقديم العين على النّون - أيضاً - قال -بعد أن ذكر ما يوافق الجمهور: "وضَرَبْتُهُ حَتَّى اقْعَنْصَرَ؛ أي: تقاصر إلى الأرض؛ وهو مُقْعَنْصِرٌ؛ قدّم العين على النّون حتّى يحسن إخفاؤها؛ فإنّها لو كانت بجنب القاف ظهرت؛ وهكذا يفعلوان في (افْعَنلَلَ) يقلبون البناء حتَّى لا تكون النّون قبل الحروف الحلقيّة"3.
ولا يخفى أنّ قياس البناء في (اقْعَنصَرَ) يقتضي زيادة النّون؛ لتوسّطها ساكنة؛ كنون (احْرَنْجَمَ) فتكون الكلمة رباعيّة، فتخرج - حينئذ - ممَّا نحن فيه، أو تكونا من باب: سَبِطٍ وسِبَطْرٍ.
ويظهر ممَّا تقدَّم أنَّ الإبدال أو القلب من أهمِّ أسباب التَّداخل بين الرُّباعيّ والرّباعيّ أو الخماسيّ والخماسيّ.