تداخل الأصول اللغوية وأثره في بناء المعجمصفحات 127-166

الباب الأول: الأصول والزوائد

صفحات 127-166
عن هذه الطبعة
عَلَم
عبد الرزاق بن فراج الصاعدي
الكتاب
تداخل الأصول اللغوية وأثره في بناء المعجم
المؤلف
عبد الرزاق بن فراج الصاعدي
الناشر
عمادة البحث العلمي، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، المملطة العربية السعودية
الطبعة
الأولى، 1422هـ/2002م
عدد الأجزاء
2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

زائدة"1.
د-ما وقعت الزيادة في رابعه (لامه الثانية) وعدته ستون كلمة 2. فمثاله قوله: "ومن ذلك قولهم للقصير: جَعْبَرٌ ... وتكون الراء زائدة"3.
وقوله: "الخَدَلَّجَةُ: وهي الممتلئة الساقين والذراعين، والجيم زائدة، وإنما هو من الخدالة"4.
وقوله: "بعير قُرَامِلٌ عظيمُ الخَلْقِ؛ وهذا مما زيدت لامه، وأصله القَرْمُ"5.
ويلَخِّصُ الجدول التالي الزوائدَ في كل موقع من الرّباعيّ عند ابنِ فارس: موقع الزيادة ... الحرف الأول ... الحرف الثاني ... الحرف الثالث ... الحرف الرابع العدد ... 39 ... 83 ... 57 ... 60 النسبة ... 16.31% ... 34.72% ... 23.84% ... 25.10%

ويفهم من هذا الجدول أنَّ الثاني هو أكثر المواقع زيادةً عند ابن فارس، أما أقلها زيادةً فهو الحرف الأول. ومن أمثلة الخماسيّ –وهو قليل عند ابن فارس- قوله: "الشَّمَرْدَلُ، وهو الرجل الخفيف في أمره، ويقال: الفتي القوي من الإبل، وأيُّ ذلك كان؛ فهو من: شَمَرَ"10 وقوله: "القَلَهْذَمُ: يقال هو صفة للماء الكثير؛ وهذا مما زيدت فيه اللام والهاء؛ وهو من القذْمِ؛ وهو الكثرة"2.
وقوله: "العَنْتَرِيسُ: الناقة الوثيقة، وقد يوصف به الفرس ... وهذا كله مما زيدت فيه التاء ... والنون –أيضاً- زائدة"3.
ومن أهمِّ ما يلحظ في زوائد ابن فارس أنه لا يقصرُها على حروف الزيادة؛ بل كل الحروف –تقريباً- تقع عنده زائدة.
وسيأتي تفصيل ذلك في الكلام على حروف الزيادة - إن شاء الله -. ومن ذلك أنَّه ذكر في باب (ما زاد على الثلاثة) كلماتٍ ليست منه؛ بل هي ثلاثيةٌ؛ كـ (الشَّوْقَبِ) 4 و (الزُّعْرُور) 5 و (العَيْهَرَةِ)16

وهي (ش ق ب) و (ز ع ر) و (ع هـ ر) . أما النوع الثالث مما زاد على الثلاثة؛ وهو عند ابن فارس (ما وُضِعَ وضعاً) بحيث لا يعرف اشتقاقه؛ فذكر1 منه (البَهْصَلَةَ) وهي المرأة القصيرة، و (البَحْزَجَ) وهو ولد البقرة، و (بَرْشَمَ) الرجل إذا وَجَمَ.
وقد اعتاد ابن فارس أن يذيِّل بهذا النوع كل باب - تقريباً - من أبواب ما زاد على الثلاثة.
على أنه كان متردداً في أمره؛ فلم يجزم به؛ بل يشير - في كثير من الأحيان - إلى تردده كقوله: "ومما وُضعَ وضعاً، وقد يجوز أن يكون عند غيرنا مشتقاً"2.وقولِه: "ولا أظن له قياساً"3 وقولِه: "ولعل له قياساً لا نعلمه"4.
وربما شك ابن فارس في صحة النقل عن العرب؛ كقوله: "وكل الذي ذكرناه مما لا قياس له، وكأنَّ النفس شاكّةٌ في صحته، وإن كنَّا سمعناه"5.
ويلخّص ابن فارس الطرق الثلاث؛ التي اعتمدها فيما زاد على الثَّلاثة في قوله: "وسبيل هذا سبيل ما مضى ذكره؛ فبعضه مشتق ظاهر الاشتقاق، وبعضه منحوت بادي النحت، وبعضه موضوع وضعاً، على

عادة العرب في مثله"1.
هذا مذهب ابن فارس فيما زاد على الثلاثة من الأصول، وهو مذهب تفردَّ به؛ وإن كان فرعاً على مسلك الكوفيين؛ لا سيما في الزوائد؛ على أنَّ له فيه مذهباً خاصاً؛ فهو يخالف الكسائي والفراء في عدم تقيده بموقع الزائد؛ فقد يكون هذا الزائد في آخر الكلمة؛ كما قال الفراء، وقد يكون في الحرف الذي قبل الأخير؛ كما قال الكسائي، وقد يكون في غير ذلك، كأن يكون في أول الكلمة، أو في ثانيها، أو في ثالثها في الخماسيّ.
ومذهب ابن فارس في الزوائد يحتاج إلى دراسة تحليلية موسعة ليس هذا مكانها.
وأما مذهب البصريين في عدّ الرّباعيّ أصلاً من الأصول –فهو المذهب الصحيح الذي يؤيده الاشتقاق والتصريف؛ وهو المذهب الذي كتب له الانتشار والاستمرار.
وما احتجّ به الكوفيون لنفي الأصول الرّباعيّة ضعيف لا يعوَّل عليه.
وثمة تفصيل في الرّباعيّ؛ فمنه ما اختلفت أحرفه الأربعة؛ وهو الكثير؛ نحو: جعفرٍ، ودَحْرَجَ، وأمرُ هذا النوع واضح، ومن الرّباعيّ نوع تكرر بعض حروفه؛ فمنه ما تكرر فيه حرف واحدٌ، ومنه ما تكرر فيه حرفان، وفيما يلي تفصيل ذلك:

أوَّلاً: ما تكرَّرَ فيه حرف واحد؛ وفيه تفصيل: أ- ما ماثلَ أولُه ثانيه: مع اختلاف الثالث والرابع؛ نحو (دَيْدَبُونٍ) في قول الشاعر: خَلّوا طَرِيقَ الدَّيْدَبُونِ وقد ... فاتَ الصِّبَا وتُنُوزِعَ الفَخْرُ1 أي: اللهو أو الباطل، وهو رباعي2؛ وأصوله (د د ب ن) ووزنه (فَيْعَلُول) . ومثله (زَيْزَفُونٌ) وهي الناقة السريعة؛ في قول أمَيَّة بن أبي عائذ: مَطَارِيحَ بالوَعْثِ مَرَّ الحُشُو ... رِ هاجَرْنَ رَمَّاحَةً زَيْزَفُونَا 3 وهو رباعي4؛ وأصوله (ز ز ف ن) ووزنه (فَيْعَلُول) . وثمة تداخل أصول في هذه الكلمة بين الثّلاثيّ والرّباعيّ، وقد كان ابن جني متردداً في أصولها؛ فقال مرةً: إنها رباعية5، وأظهر تردده في موضع آخر؛ فقال: (وهي في ظاهر الأمر: (فَيْفَعُول) من (الزَّفَنِ) لأنه ضرب من الحركة مع صوتٍ.
وقد يجوز أن يكون: زيزفونٌ رباعياً قريباً من لفظ الزَّفنِ، ومثله من الرّباعيّ: دَيْدَبُون) 6.

وجعله السيرافي1 ثلاثياً من الزَّفنِ، ورجَّح ابن عصفور2 كونَه رباعياً.
ب - ما ماثل أولُه ثالثَه؛ مع اختلاف الثاني والرابع؛ نحو (قَرْقَلٍ) وهو قميص للنساء، و (جَرْجَمَ) إذا شرب الشراب، و (فَرْفَخٍ) وهو نبات الرِّجْلَةِ، و (زَهْزَقَ) إذا أكثرَ الضحك، و (القَرْقَمَةِ) وهي ثياب كتان بيض؛ فحروفه الأربعة أصول3، ولا يجوز أن يقال: إن وزنه (فَعْفَل) . ج- ما ماثل أولُه رابعَه: مع اختلاف ثانيه وثالثه؛ نحو (قُرْبَقٍ) وهو دكَّان البقال، و (صَعْفَصَةٍ) وهو نوع من اللحوم يطبخ بخل، و (سَعْلُوسٍ) وهو موضعٌ؛ وذلك ونحوه حروفه الأربعة أصول4،ولا يجوز أن يقال: إن وزنه (فَعْلَف) . د - ماثل ثانيه رابعَه؛ فمن ذلك (قِسْطَاسٌ) و (شَعَلَّعٌ) وهو الطويل، و (الهَزَنْبَزُ) و (الهَزَنْبَزَانُ) وهو الحديد الوثاب من الرِّجال؛ وهو رباعي5.
ثانياً: ما تكرر فيه حرفان: ومثاله (زَلْزَلَ) وهذا النوع من أكثر الأصول مَدْعاةً للتداخل، وجملة القول في مذاهبهم فيه ما يلي: 1-إنه ثنائيٌّ؛ ووزنه (فَعْفَع) .

2-إنه ثلاثي؛ ووزنه (فَعَّل) أو (فَعْفَل) . 3-إنَّه رباعي؛ ووزنه (فَعْلَل) . وقد مرَّ بنا ما يتصل بالثّنائيّ والثّلاثيّ، وفيما يلي تفصيل المذهب الثالث المتصل بالرّباعيّ؛ وهو أوسع المذاهب فيه انتشاراً بين اللغويين؛ وهو المشهور 1؛ وهو مذهب البصريين.
ومن أقدم من قال به سيبويه؛ حيث قال: "ولا نعلم في الكلام على مثال (فَعْلال) إلاَّ المضاعف من بنات الأربعة؛ الذي يكون الحرفان الآخران منه بمنزلة الأولين؛ وليس حروفه زوائد ... ولا نعلم المضاعف جاء مكسور الأول إلاَّ في المصدر، نحو: الزِّلزال "2. وأخذ به المبرد في قوله: "وليست الثُّرَّةُ عند النحويين البصريين من لفظ الثَّرْثَارَةِ، ولكنها في معناها"3.
ونقل ابن عقيل أن المبرد سامح فيه ورجَّح أن يكون رباعياً4.
ومنهم المازني5 الذي جعل ذلك رباعياً.
ومنهم أبو علي الفارسي6، وذكره في باب الفعل الرّباعيّ؛ نحو (قَلْقَلْتُه) و (زَلْزَلْتُه) فجعله رباعياً مضاعفاً.

وكان أبو عليٍّ يرى أن مذهب القائلين بالإبدال فيه ليس بسديد؛ لتباعد حروفه؛ فقد ذكر ابن جني رأي من قال: إنَّ (حَثْحَثَ) أصله: حثَّثَ؛ بإبدال الثاء الوسطى حاءً؛ بقوله: "وسألتُ أبا عليٍّ عن فساده؛ فقال: العلة في فساده أن أصل القلب في الحروف إنما هو فيما تقارب منها؛ وذلك: الدال والطاء والتاء، والذال والظاء والثاء، والهاء والهمزة، والميم والنون، وغير ذلك مما تداخلت مخارجه. فأما الحاء فبعيدة من الثاء، وبينهما تفاوت يمنع قلب إحداهما إلى أختها؛ قال: وإنما حَثْحَثَ أصل رباعي، وحَثَّثَ أصل ثلاثي؛ وليس واحد منهما من لفظ صاحبه، إلاَّ أنّ حَثْحَثَ من مضاعف الأربعة، وحَثَّثَ من مضاعف الثلاثة، فلما تضارعا بالتضعيف الذي فيهما اشتبه على بعض الناس أمرهما؛ وهذا هو حقيقة مذهبنا ... هذا هو الصواب"1.
وقد تبنى ابنُ جني رأيَ البصريين ممثلاً في رأي شيخه الفارسي حتى أمسى من أشدِّ المتمسكين به، ومن أكثرهم ترديداً له في كثير من كتبه؛ كـ (المنصِفِ) و (سِرِّ صناعة الإعراب) و (الخصائص) و (المبهج في تفسير أسماء شعراء الحماسة) . ومن ذلك قوله ردًّا على أبي إسحاق الزجاج، وهو بصري خرج عن جماعته في هذه المسألة: "وذهب أبو إسحاق في نحو: قَلْقَلَ، وصَلْصَلَ، وجَرْجَرَ، وقَرْقَرٍ، إلى أنه (فَعْفَلَ) وأن الكلمة لذلك ثلاثية ... وذهب إلى مذهب شاذٍ غريبٍ في أصلٍ منقادٍ عجيبٍ، ألا ترى

إلى كثرته ... وهذا باب واسع جداً، ونظائره كثيرة؛ فارتكب أبو إسحاق مركباً وعراً، وسحب فيه عدداً جماً، وفي هذا إقدام وتَعَجْرُفٌ"1.
وقوله: "وهذا عند حُذَّاق أهل التصريف مُحال"2.
وقوله في موضع آخر: "على أن أبا بكرٍ محمد بن السَّري قد كان تابع الكوفيين، وقال في هذا بقولهم. وإنما هذه أصول تقاربت ألفاظها، وتوافقت معانيها"3.
وقوله نحواً من ذلك في (المنصف) 4. ومما يقوي مذهب البصريين في أنَّ هذا النوع رباعي، وليس ثلاثياً أو ثنائياً ما أشير إلى بعضه من قبلُ؛ وهو كما يلي: 1- قولهم في مصدره (فَعْلَلَة) و (فِعْلال) كـ (الزَّلزلة) والزِّلزال (فلو كان ثلاثياً مضعَّفاً لجاء مصدره على (التَّفعيل) كـ (كسَّر تكسيراً.
2- يؤدّي رأي من قال بإبدال الثالث من جنس الأول للثقل إلى الإدعاء بوقوع الإبدال من حروفٍ غير متقاربة المخارج؛ لا يقع بينها الإبدال في العادة؛ كالحاء والثاء في (حَثْحَثَ) والكاف والباء في (كبكب) . بل إن سبيلهم؛ إذا استثقلوا التضعيف، غير ذلك؛ وهو فك التضعيف بإبداله بحرف العلة؛ كقولهم في: تَظَنَّنْتُ: تَظَنَّيْتُ 5؛ دون

تَظَنْظَنْتُ، وقصيت أظفاري في: قَصَّصْتُ1.
ثالثاً- الأصول الخماسيّة: هذا النوع هو ثالث الأصول عند البصريين، ومن تابعهم؛ من جمهور اللغويين والصرفيين؛ وهو مخصوص بالأسماء دون الأفعال، وأقلُّ الثلاثة في الكلام؛ كما نصَّ عليه سيبويه2.
وللعلماء تفسيرات في اختصاصه بالأسماء دون الأفعال، ومنها: أ- أنَّ الفعل مُعَرَّض للزوائد من أوله وآخره؛ كقولهم: دحرجتُه فتدحرَجَ، فلو بنيتَ من الخماسيّ لكان تقديره: سَفَرْجَلتُهُ فتسَفَرْجلَ؛ وهو ثقيل كما ترى. كما أن الضمائر تلحق بالأفعال، وتصير معها بمنزلة الشيء الواحد، نحو: ضربنا وضربتم؛ فإذا جاء الخماسيّ فعلاً، ولحقته الضمائر، أفرط في الطول؛ فكان تقديره: سَفَرْجَلْتُم؛ وهو ثقيل3.
ب - وأن الأسماء أشدُّ تمكناً من الأفعال؛ بدليل استغنائها عن الأفعال4، وحاجة الأفعال إلى الأسماء5؛ فكانت أولى بالثقل؛ لتمكُّنها.
ج- وأنَّ الأسماء أصل الأفعال؛ وهي قبلها في الرتبة، وكثرةِ الأمثلة؛ فهي أولى بالخماسيّ من الأفعال، كما أنَّها أولى منها بالتنوين6.

وكاد الإجماع على اختصاص الأسماء بالخماسيّ؛ دون الأفعال، ينعقد؛ لولا تفرد الخليل برأي يخالف ما أجمع عليه القوم؛ إذ قال: "والخماسيّ من الأفعال نحو: اسْحَنكَكَ، واقْشَعرَّ، واسْحَنفَرَ، واسْبَكَرَّ، مبني على خمسة أحرف ... والألفِ، التي في: اسْحَنكَكَ، واقْشَعرَّ، واسْحَنفَرَ، واسْبَكَرَّ، ليست من أصل البناء"1.
وقال: "اعلم أن الراء في: اقشعرَّ، واسبكَرَّ، هما راءان أدغمت واحدة في الأخرى، والتشديد علامة الإدغام"2.
وقال: "ليس للعرب بناءٌ في الأسماء، ولا في الأفعال، أكثرُ من خمسة أحرف؛ فمهما وجدتَ زيادةً على خمسة أحرف في فعلٍ أو اسمٍ، فاعلم أنها زائدة على البناء"3.
وما ذكره الخليل ليس من الخماسيّ عند اللغويين؛ فأوله ثلاثي؛ وهو (اسحنكك) من (س ح ك) وما بعده رباعي؛ أصوله على التوالي: (ق ش ع ر) و (س ح ف ر) و (س ب ك ر) . ويمكن توجيه ذلك بأحد ثلاثة أمور: أحدها: أن لا يكون ذلك النصُّ للخليل؛ لأن (العين) مشكوك في نسبته له؛ وهو توجيه بعيد؛ لأن الإجماع شبه معقود على أن مقدمة (العين) من صنع الخليل أو رويت عنه؛ بدليل السند.

وثانيها: أن يكون ذلك من آراء الخليل المبكرة؛ التي لم تنضج؛ وهي مما يناسب مقدمات وضع المقاييس في العربية؛ التي لم تأخذ وضعها النهائي إلاَّ على أيدي تلامذة الخليل –وعلى رأسهم سيبويه- أو من جاء بعدهم. ثالثها: أنَّ الذي دفعه إلى عدِّ تلك الأفعال من الخماسيّ أنه وجدها لا تُسْتعمل إلاَّ خماسيةً؛ أعني أنَّ الزيادة فيها لا تفارقها. ويقوي هذا الاحتمال قول سيبويه عن نوع من الزوائد:" وربما بني عليه الفعل؛ فلم يفارقه، كما أنه قد يجيء الشيء على: أَفْعَلْتُ وافْتَعَلْتُ ونحو ذلك، لا يفارقه بمعنى، ولا يستعمل في الكلام إلاَّ على بناء فيه زيادة"1.
ومثَّل له سيبويه بـ (اقْطَرَّ) النبات و (اقْطَارَّ) إذا وَلَّى، و (اقْشَعَرَّ) و (اسْحَنْكَكَ) . ويعد سيبويه من أوائل المعترضين على مسألة أن يكون الفعل خماسياً بقوله عن بنات الخمسة: إنها "لا تكون في الفعل البتة"2.
ومنهم الأزهري الذي ذيَّل حديثه عن (مُسْحَنْكِكٍ) و (مُحْلَنْكِكٍ) ونحوهما باعتراضٍ على صاحب (العين) بقوله: "قلتُ: وأصل هذين الحرفين ثلاثي، صار خماسياً؛ بزيادة نون وكاف، وكذلك ما أشبهها من الأفعال.

وأمَّا اسْحَنْفَرَ واحْرَنقَزَ فهما رباعيان، والنون زائدة؛ وبها أُلحقتا بالخماسيّ. وجملة قول النحويين إن الخماسيّ الصحيح الحروف لا يكون إلاَّ في الأسماء؛ مثل: الجَحْمَرِشِ والجِرْدَحْلِ. وأما الأفعال فليس فيها خماسيٌّ إلاَّ بزيادة حرفٍ أو حرفين"1.
وهذا هو مذهب اللغويين والصرفيين؛ ولا أعلم أحداً من القدامى بعد سيبويه خالف فيه.
على أنَّ حق الخماسيّ أن يكون اثنين وتسعين ومائة بناءٍ2 إلاَّ أنَّه أُهْمِلَ معظمُها للثقل، ولالتقاء الساكنين؛ فلم يستعمل منها سوى أربعة أبنية؛ وهي3: 1- (فَعْلَلِل) نحو (جَحْمَرِشٌ) وهي الثقيلة السَّمْجة من النساء، أو العجوز الكبيرة.
2- (فَعَلَّل) نحو (شَمَرْدَلٍ) وهو القوي السريع الفَتِيُّ من الإبل وغيرها.
3- (فِعْلَلّ) نحو (جِرْدَحْلٍ) وهو الضخم من الإبل.
4- (فُعَلَّل) نحو (قُذَعْمِلٍ) وهو القصير الضخم من الإبل.

وزاد ابن السراج1 بناءً خامساً؛ وهو (فُعْلَلِل) ومثاله (هُنْدَلِعٌ) ولا دليل على أصالة النون فيه2؛ فالحكم بزيادتها أقرب؛ لأن الحرف إذا تردد بين الأصالة والزيادة مع ندرة الوزنين، كان الأولى الحكم بالزيادة؛ لكثرة ذي الزيادة3.
وقد تقدم4 مذهب الكوفيين –ومنهم ابن فارس- وهو ردهم ما زاد عن الثلاثة من الأصول إلى الثلاثة، بالزيادة أو النحت.
وما قيل هناك يقال هنا؛ ولا حاجة لإعادته.
نعم؛ وليس في كلام العرب اسم على ستة أحرف5؛ لأن السداسي حدُّ اسمين6 ولا يلتفت لاسمين ذكرهما ابن سيده7 في باب السداسي؛ أحدهما: (شَاهَسْفَرَمٍ) بسكون الميم؛ وهو: ريحان الملك بالفارسية في قول الأعشى: وشَاهَسْفَرِمْ والياسمينُ ونَرْجِسٌ ... يُصَبِّحُنَا في كُلِّ دَجْنٍ تَغَيَّمَا8

وثانيهما: (الخَشَسْبَرَمْ) وهو من رياحين البر1.
وقد أشار إلى أنهما معرَّبان، وأولهما من الفارسية؛ وهو مركب من (شاه بمعنى الملك، و (سَبَرم وهو: الريحان.
وهي في لغتها الأم (سَبَرَمْ) 2. وما جاء في هذا الباب في بعض المعاجم؛ وبخاصة (التاج) فهو من المعرَّب، ولا يدخل في بحث أصول العربية. هذه سبيلهم في الأصول، والذي عليه اللغويون في صناعة المعاجم هو مذهب البصريين؛ وهو أنَّ أصول ما تصرف من كلام العرب ثلاثة فحسب: ثلاثية، ورباعية، وخماسية. وقد اقتفيت في هذا البحث آثارهم في مذهبهم. النَّحْتُ: ومن تمام الحديث عن الأصول عند القدامى أن نعرض ـ بشيء من الإيجاز ـ لموضوع النَّحتِ، ونبين مواقفهم منه. وهو في اللغة: القطع والنقص والقشر والبَرْيُ3.
ومعناه الاصطلاحي مأخوذ من معانيه اللغوية؛ وهو4: أن يُعمدَ

إلى كلمتين أو جملة؛ فينزع من مجموع حروفها كلمةٌ واحدةٌ؛ تدل على ما كانت تدل عله الجملة.
والنحت جنس من الاختصار1؛ وهو لون من ألوان التركيب2، إلاَّ أنَّه يختلف عنه بأنه تُنتقص فيه المواد المنحوت منها وتُخْتَزل؛ بخلاف التركيب الذي يُبقي على بنيتي الكلمتين. وأقدم تعريف له –فيما وصل علمنا إليه- ما ذكره ابن فارسٍ بقوله: "ومعنى النحتِ أن تؤخذ كلمتان؛ وتنحت منهما كلمة؛ تكون آخذةً منهما جميعاً بحظٍّ"3.
ولم ينل النحت عناية كافية عند علماء العربية القدامى؛ فلم توضع له قواعد ثابتة، وقد ذكر عند أكثرهم عرضاً؛ كما فعل الخليل وسيبويه ومن أتى بعدهما. ولعل السبب في ذلك أن ما جاء من النحت عن العرب قليل؛ لا يكاد يتجاوز ستين كلمة4.
وأول من عرض للنحت –فيما وصلنا- الخليلُ؛ حيث ذكر قولهم: (حَيْعَلَ) و (الحَيْعَلَةُ) في قول الشاعر: فباتَ خَيَالُ طَيْفِكِ لي عَنِيقاً ... إلى أن حَيْعَلَ الدَّاعي الفَلاحا5

وقول الآخر: أقولُ لها ودَمْعُ العينِ جارٍ ... ألم يُحْزِنْكِ حَيْعَلَةُ المُنَادِي1 فقال الخليل: "فهذه كلمة جمعت من: حَيَّ، ومن: على، وتقول منه: حَيْعَلَ يُحَيْعِلُ حَيْعَلَةً؛ وقد أكثرتَ من الحيعلةِ؛ أي: من قولك: حيَّ على؛ وهذا يشبه قولهم: تَعَبْشَمَ الرَّجلُ، وتَعَبْقَسَ، ورجلٌ عبْشَمِيٌّ، إذا كان من عبدِ شمسٍ، أو من عبد قيس؛ فأخذوا من كلمتين متعاقبتين كلمةً، واشتقوا فعلاً؛ قال: وتَضْحَكُ مِنٍّي شَيْخَةٌ عَبْشَمِيَّةٌ ... كَأَنْ لَمْ تَرَى 2 قَبْلِي أسيراً يمانياً نسبها إلى عبد شمسٍ، فأخذ العين والباء من: عبدٍ، وأخذ الشين والميم من: شمسٍ، وأسقط الدال والسين، فبنى من الكلمتين كلمةً؛ فهذا من النحت ... وما وُجد من ذلك فهذا بابه"3.
ويلاحظ في النحت عند الخليل أنه يأتي من الأسماء على وزن (فَعْلَلٍ) ويشتق منه فعل رباعي على وزن (فَعْلَلَ) ويجوز عنده أن ينحت من اسمين، أو من فعلٍ وحرف؛ بشرط أن يكونا متعاقبين في جملة، أو بالإضافة.
ويشير سيبويه إلى النحت في حديثه عن النسب بقوله: "وقد يجعلون للنسب في الإضافة اسماً بمنزلة: جعفرٍ، ويجعلون فيه من حروف

الأول والآخر، ولا يخرجونه من حروفهما ليعرف ... فمن ذلك عَبْشَمِيٌّ، وعَبْدَرِيٍّ"1.
وقد حاولوا أن يُقَعِّدوا له بالاستنباط من شواهده القليلة، والاعتماد على قولِ الخليل؛ فذكروا2 أنه يؤخذ من كلٍّ من الكلمتين الفاءُ والعينُ؛ نحو (عَبْشَمِيٌّ) في عبدِ شمسٍ، وإن كان عين الثاني معتلاً أُكْمِلَ البناء بلامه؛ نحو (عَبْدَرِيٌّ) في: عبدِالقيس، وعبد الدار.
غير أن ذلك لا يطَّرد؛ وبخاصة فيما نحت من أكثر من كلمتين؛ كقولهم: (حَوْلَقَ) و (حَوْقَلَ) و (بَسْمَلَ) . ويأخذ النحت - عند القدامى- اتجاهين؛ أحدهما لجمهور اللغويين والصرفيين والنحاة؛ وهو أن ينحت من كلمتين أو من جملة على وزن (فَعْلَل) في الغالب؛ على نحو ما ذكر قبل قليل.
أمَّا الاتجاه الثاني فمذهب ابن فارس3 وقد توسَّع في النحت؛ وهو أن ينحت على أيِّ وزن من أوزان العربية المستعملة في الرّباعيّ أو

الخماسيّ. ويُعَدُّ ابن فارسٍ من أعظم المُنَظِّرِينَ الكوفيين للأصول، ولعل الذي دعاه إلى الأخذ بهذا المذهب هو اتجاهه الكوفي، وإخلاصه لمدرسةٍ لا تعتدّ بما زاد عن الثّلاثيّ من الأصول؛ فأراد أن يرد الرّباعيّ أو الخماسيّ إلى أصلهما؛ فخرَّج ما زاد عن الثّلاثيّ على الزيادة أو النحت، ورام أن يجعل لذلك قياساً يُتَّبع. ووضَّح ابنُ فارسٍ مذهبه بقوله: "اعلم أن للرباعي والخماسيّ مذهباً في القياس؛ يستنبطه النظر الدقيق؛ وذلك أن أكثر ما تراه منه منحوت، ومعنى النحت أن تؤخذ كلمتان، وتُنحت منهما كلمةٌ؛ تكون آخذةً منهما جميعاً بحظ ... فعلى هذا الأصل بنينا ما ذكرناه من مقاييس الرّباعيّ"1.
وما ذكره ابن فارس من المنحوت جدير بالتأمل لكثرته؛ إذ بلغ خمس عشرة ومائة كلمةٍ منحوتةٍ من كلمتين؛ باستثناء ثماني كلمات نحتن من ثلاث كلمات.
ومن أمثلة ما نحت من كلمتين قوله: "ومن ذلك: بُحْثُر، وهو القصير المُجْتَمِعُ الخَلْقِ؛ فهذا منحوت من كلمتين من: الباء والتاء والراء؛ وهو من: بترتُه فبُتِرَ؛ كأنه حُرِمَ الطول؛ فَبُتِرَ خَلقُه.
والكلمة الثانية: الحاء والتاء والراء، وهو من:حَتَرْتُ وأحْتَرْتُ؛ وذلك أن لا تفضل على أحد؛ يقال: أَحْتَرَ على نفسه وعياله؛ أي: ضيَّق عليهم؛ فقد صار هذا

المعنى في القصير؛ لأنه لم يُعْطَ ما أُعْطِيَهُ الطويل"1.
وقوله: "ومن الباب: الصَّهْصَلِقُ: الشديد الصوت الصَّخَّاب؛ يقال: امرأة صَهْصَلِقٌ: صَخَّابةٌ؛ وهذا منحوت من كلمتين: من صَهَلَ، وصَلَقَ"2.
وقوله: "ومن ذلك: النَّهْشَلُ: الذئب، ويقال: الصقر؛ وهو منحوت من كلمتين: نَشَلَ، ونَهَشَ؛ كأنه ينشل اللحم، وينهشه"3.
ومن أمثلة ما ينحت من ثلاث كلمات قوله: "ومن ذلك: القَلْفَعُ؛ وهو ما يَبِسَ من الطين على الأرض فَيَتَقَلَّفُ؛ وهذه منحوتة من ثلاث كلمات: من:قَفَعَ، و:قَلَعَ، و:قَلَفَ"4.
ومنه جَعْلُه (الكُردُوسَ) 5 وهي: الخيل العظيمة؛ منحوتة من (كرد) و (كرس) و (كدس) . ومنه (النَّقْرَشَةُ) وهي: الحسُّ الخفيُّ؛ جعلها منحوتة من: نَقَرَ، وقَرَشَ، ونَقَشَ؛ قال: "لأنه كأنه ينقر شيئاً ويقرشه: يجمعه ويَنْقُشُهُ؛ كما يُنْقَشُ الشيء بالمنقاش"6.
على أن ابن فارس لم يستطع أن يبني رأيه على خطةٍ علميةٍ دقيقةٍ،

محكمة مطرةٍ؛ وآية ذلك ما وقع له فيها من هَنَاتٍ غيرِ هَيِّناتٍ.
ومن ذلك عدُّهُ كلماتٍ منحوةً تارةً ومزيدةً تارةً أخرى، مثل 1: العَسْلَقِ – وهو كل سبع جَرُؤَ على الصيد- عدَّه منحوتاً من ثلاث كلمات: عَسِقَ وعَلَقَ وسَلَقَ، ثم قرَّر أنَّ (العَسَلَّقَ) وهو الظليم –مزيد، بقوله: "ممكن أن يكون من السرعة، وتكون القاف زائدة، ويكون من العسلان، ويمكن أن تكون العين زائدة من: السَّلْقِ والتَّسَلُّقِ"2.
والذي ينبغي في (العَسْلَقِ) و (العَسَلَّقِ) على مذهبه- أن يكونا منحوتين أو مزيدتين؛ لا أن يكون أحدهما منحوتاً، والآخرُ مزيداً؛ وهما مجتمعان في الحروف، وفي المعنى؛ وهو السرعة في سَبُعِ الصيد والظَّلِيم.
ولا أدل على تردده بين الأمرين من قوله: "الثَّعلبُ: مَخْرَجُ الماء من الجرين، فهذا مأخوذ من: ثَعَبَ؛ اللام فيه زائدة.
فأمَّا ثعلبُ الرُّمحِ فهو منحوت من: الثَّعْبِ ومن العَلْبِ؛ وهو –في خِلْقتِه - يشبه المِثْعَبَ؛ وهو مَعْلُوبٌ3 ... ووجه آخر أن يكون من: العَلْبِ ومن الثَّلْبِ؛ وهو الرمح الخَوَّار؛ وذلك الطَّرَفُ دقيقٌ؛ فهو: ثَلِبٌ"4.
والكلمتان من أصل واحد؛ بجامع الحروف فيهما والمعنى الذي يمكن أن تشتركا فيه، وهو: امتداد الشيء وانبساطه وانسيابه5؛ ويُلْمَحُ ذلك

في انثعابِ الماء –جَرَيَانه- والثعلبِ –الحيوانِ- والثعبانِ، وثعلب الرمحِ.
ومن ذلك أن العلاقة بين المنحوت منه –في بعض ما أورد من الألفاظ- ليست كاملةً؛ كورود حرف في المنحوت لا وجود له في الكلمتين المنحوتِ منهما؛ مثل (الجَعْظَار) وهو الرجل الجافي؛ عدَّه منحوتاً من كلمتين؛ هما (الجَظُّ) و (الجَعْظُ) وأغفل الراءَ؛ ولم يُبَيّن مأتاها في الكلمة المنحوتة.
وقد احتاط ابن فارس لنفسه بالقسم الثالث؛ وهو ما وُضع وضعاً؛ ليخرِّج عليه ما استعصى، وخفيت عنه أصوله.
على أنه يتضح في أمثلته وَلَعُهُ بالمعنى، واعتداده به؛ فلم يكن للنحت عنده قياس تصريفي واضح، ومن الصعب استنباط ذلك من أمثلته؛ على الرغم من كثرتها؛ لأنه لا طريق فيها إلى الاطراد.
ولعله تلافى هذا النقص في كتابه الموسوم (المدخل إلى علم النحت) 1. ولا يخرج ما أورده ابن فارس –في الرّباعيّ- عن ستِّ صورٍ عقليةٍ؛ لا سابعَ لها: أولاها: إفراد الحرف الأول من كلتا الكلمتين، فكلمة (البَحْتَرِ) مثلاً منحوتةٌ من (ب ت ر) و (ح ت ر) فالكلمتان تتشابهان في حرفين، وتنفرد كل منهما بحرفٍ؛ وهو الباء للأولى؛ وهو أولها، والحاء للثانية، وهو أولها - أيضاً- فلذا عبرتُ عن ذلك بانفراد الأول من كلتا الكلمتين.

والصورة الثانية: انفراد الأول والثاني.
والثالثة: انفراد الأول والثالث.
والرابعة: انفراد الثاني والثاني.
والخامسة: انفراد الثاني والثالث.
والسادسة: انفراد الثالث والثالث.
وفيما يلي بيان ذلك بالجدول التالي: إفراد الأول والأول ب ... ... ت ... ر ... ح ... ت ... ر البحتر إفراد الأول والثاني ع ... ف ... ... ق ... ف ... ل ... ق العفلق إفراد الأول والثالث ب ... ز ... ع ... ... ز ... ع ... ر بزعر إفراد الثاني والثاني ز ... هـ ... ... ق ز ... ... ل ... ق الزهلق إفراد الثاني والثالث ز ... ل ... ق ... ز ... ... ق ... م الزلقوم إفراد الثالث والثالث د ... غ ... م ... د ... غ ... ... ر المدغمر

أمَّا ما أورده في الخماسيّ المنحوتِ فمن القلة بحيث يصعب تقنينه.
ولعل مذهب ابن فارس في النحت لم يَذِعْ؛ أو يلقَ قبولاً لدى معاصريه من القدامى؛ فلم أجد من حفل به من اللغويين والصرفيين والنحاة، أو أخذ به سوى ما كان من تخريج بعضهم الكلمةَ أو الكلمتين على مذهبه؛ كالثعالبي1 الذي جعل (الصَّلْدَمَ) من (الصَّلْدِ) و (الصَّدْمِ) والصَّهْلِقَ من (صَهَلَ) و (صَلَقَ) والتبريزي الذي ذكر أنَّ كلمة (ادْلَهَمَّ) مشتقة من (دَلَمَ) و (دَهَمَ) وذكر أنَّ (الشَّمَيْذَرَ) منحوتة من (الشَّمْذِ) و (الشَّذْرِ) 2وقد خالفَ ابنَ فارسٍ3 في ذلك.
وذكر بعضهم أنَّه وُجِدَ في القرن السادس مَن نحى مَنحَى ابن فارس في الأصول الرّباعيّة والخماسيّة؛ وهو الحسن بن الخَطِير المعروف بالظَّهير (ت 598هـ) فقد ذكر ياقوت أنه سئل عما وقع من ألفاظ العرب على مثال (شَقَحْطَبٍ) فأجاب بأن ذلك يسمى في كلام العرب المنحوتَ؛ وفسره بأن معناه أن الكلمة منحوتة من كلمتين؛ كما يَنحت النجار خشبتين، ويجعلهما واحدة، فـ (شَقَحْطَبٌ) منحوت من (شِقٍّ) و (حطبٍ) . قال ياقوت: "فسأله البُلْطِيُّ4 أن يثبت له ما وقع من هذا المثال؛ ليعول في معرفتها عليه؛ فأملاها عليه في نحو عشرين ورقة من حفظه، وسماها

كتاب: تنبيه البارعين على المنحوت من كلام العرب"1.
وأُعجب بعض اللغويين المتأخرين –من المعاصرين- بفكرة ابن فارس في النحت، كجُرْجِي زيدان في (الفلسفة اللغوية) وعبد القادر المغربي في (الاشتقاق والتعريب) والدكتور هادي حمودي في (أحمد بنِ فارس) . على أنهم لم يسلموا له بكل ما جاء به، وذهب بعضهم إلى حدِّ اتهامه بالظن والتخمين والتأويل البعيد2،والبعد عن القياس3، والتحيُّل العقلي4، والتكلف5 والتعجل والتخليط6، والافتيات والاصطناع، والتعسف والشَّطط7، وغير ذلك.
ومهما يكن من أمرٍ فإن ابن فارس - رحمه الله - بذل جهداً فذاً كبيراً فيما عالجه في هذا الباب، وكشف عن مقدرة لغوية متميزة في التأصيل، جديرةٍ بالإعجاب والتأمل.
وتكلفه في بعض أمثلة النحت لا يعني فساد مذهبه من أساسه؛ فلعلّه لامس حقيقة بعض الأصول، ويكفيه فخراً أنه شقَّ درباً فسيحاً لمن أراد سلوكه، والمضيَّ فيه.

المَبْحَثُ الثَّانِي: الأصُولُ عِنْدَ المتأخِّرِينَ

سار جُمهور المتأخّرين من اللّغويّين، في أصول العربيّة، على المذهب البصريِّ1.
وثَمَّةَ طائفةٌ غيرُ قليلةٍ من المحدّثين المعنيّين بأصول العربيّة، نحتْ منحى مختلفاً في الأصول؛ بقصد إعادة درس اللُّغة باسم التّجديد والتّطوير، والاستفادة من معطيات علم اللُّغة الحديثِ؛ فتوصّلت إلى نتائج جديدة، تخالف ما استقرَّ عليه علماء العربيّة القُدامى؛ ممَّا بهر بعض طلبة العلم، وجعلهم ينظرون إلى مفهوم علماء العربيّة في الأصول على أنَّه طَورٌ تجاوزه الزَّمن، وأصبح جزءاً من التّاريخ اللّغويّ.
ومن النّظريّات الحديثة في أصول اللُّغة ما يُعدّ صدًى لنظريّة (دارْوِن) 2 في نشوء الكائنات الحيّة وتطوّرها وارتقائها.

وقد كان لتلك النّظريّة أثر كبير في توجيه بعض العلوم الإنسانيّة، ومن بينها علم اللُّغة1، الَّذي ازدهر - في أوَّل أمره - في الغرب؛ حيث ظهرت الموازنات للُّغات الهَندو - أوربيّة، وأدّت إلى استخلاص قوانين تَحْكم التّطوّرَ اللّغويّ لتلك اللُّغات غير العربيّة. ومن أوائل من نادى بفكرة التّطوّر اللّغويّ (فرانزبوب) أحد العلماء الألمان؛ فقد كان يرى أن اللُّغة العربيّة نشأت أُحاديَّة المَقطع. ثم توالت الدِّراسات في الغرب. ومع انفتاح الوطن العربيّ على الشرق والغرب اطّلع كثير من أبناء العربيّة على تلك القوانين؛ فوجدت قبولاً عند طائفة منهم؛ فأرادتْ دراسةَ اللُّغة العربيّة، والوقوفَ على تطوّرها، والإفادة من معطيات علم اللُّغة الحديث؛ بالقدر الَّذي يتلاءم مع طبيعة العربيّة؛ فظهرت بعض الدّراسات الخاصّة بالعربيّة أفادت من قوانين التّطوّر اللّغويّ في تفسير أصول العربيّة2.
وبالجملة؛ فهم يذهبون إلى أنّ أصول العربيّة تدرّجت من الأقلِّ إلى الأكثر؛ أي أنّ الثُّنائيّ أصل الثُّلاثيّ، والثُّلاثيّ أصل الرّباعيّ، والرّباعيّ أصل الخماسيّ؛ وهو ما يعني أنّ الثُّلاثيّ والرّباعيّ والخماسيّ ليست أصولاً مجرّدة، بل مزيدة.
وثَمَّةَ من يعكس ذلك؛ أخذاً بمبدأ التّخفيف؛ فيُرجّح "أنَّ

الكلمات بدأت طويلةً في أصل بنائها، ثم أسهمت طائفة من العوامل المختلفة في تقصيرها؛ فكان في معظم اللُّغات ألفاظ كثيرة الحروف؛ في أقدم نصوصها، وأشدّها إيغالاً في الماضي السّحيق، ثم تطوّرت اللُّغات، وكان من أماراتِ تطوّرها ميلها نحو التقصير من بنية كلماتها، وتيسير أصواتها، وتجريدها من تنافر الحروف"1.
وفيما يلي عرض لمذاهبهم في تطوّر الأصول: أوَّلاً- الأصول الأحادية: أصحاب نظريّة التَّطوّر يردّون الكلام كلَّه إلى المقطع الأُحاديِّ؛ وهو الثُّنائيّ، ومنهم من يرى أنَّ الثُّنائيّ يُردّ بدروه إلى الأحادي. ومن هؤلاء عبد الله العلايليّ؛ وهو من أشدّ المتحمّسين لنظريّة التَّطوّر في العربيّة؛ فهو يقول: "وبناءً على يقيننا في هذه النظريّة؛ الَّتي تمثّل معقول العرب، لا يوجد مزيدات نشأت من اختزالٍ وما أشبهه؛ وإنما بصورة مطّردة: السُّداسيّ يرجع إلى الخماسيّ؛ وهذا إلى الرّباعيّ؛ وهذا إلى الثُّلاثيّ؛ وهذا إلى الثُّنائيّ؛ وهذا إلى الأُحادي"2.
ثم يُعرّف الأُحادي بقوله: "وهو مجموعة حروف الهجاء؛ الَّتي هي في ظنّنا لغة الإنسان الأوَّل، المتباعد في القدم"3.

ويُغرب العلايليّ في فكرته ويتعسّف؛ حين يضع جدولاً لحروف الهجاء؛ يحدّد فيه معنى كلّ حرف، ويعدّه نواة للّغة في دورها القديم.
وأكتفي بذكر الحروف العشرة الأُوَلِ في أبجديّته ومعانيها؛ وهي على النحو التالي1: 1- الهمزة: تدلُّ على الجوفيّة، وعلى ما هو وعاء للمعنى، وتدلُّ على الصّفة تصير طبعاً.
2- الباء: تدلُّ على بلوغ المعنى في الشيء بلوغاً تامّاً، وتدلُّ على القوام الصّلب.
3- التّاء: تدلُّ على الاضطراب في الطبيعة، أو الملابس للطبيعة في غير ما يكون شديداً.
4- الثّاء: تدلُّ على التّعلق بالشيء تعلقاً له علامته الظاهرة في الحِسِّ أو في المعنى.
5- الجيم: تدلُّ على العِظَمِ مطلقاً.
6- الحاء: تدلُّ على التَّماسك البالغ، وبالأخصِّ في الخفيّات، وتدلُّ على المائيَّة.
7- الخاء: تدلُّ على المطاوعة والانتشار، وعلى التَّلاشي مطلقاً.
8- الدَّال: تدلُّ على التَّصلُّب، وعلى التَّغيُّر المتَوَزِّع.
9- الذَّال: تدلُّ على التَّفرُّد.
10- الرَّاء: تدلُّ على الملكة، وتدلُّ على شيوع الوصف.

وعلى هذا النَّحو يستمرُّ موضِّحاً معاني كلِّ حرف، حتَّى يأتي عليها جميعاً؛ بطريقة واضحة التَّكلُّفِ.
وهو يضرب في (مِيتَافِيزِيقِيَا) 1 التَّاريخِ، وهذا المنحى يخرجه "من دائرة البحثِ العلمي المبني على الحقائق إلى دائرة الخرافة المبنيَّة على الأوهام"2 كما يقول محمَّد الأنطاكيُّ. ومن ثمَّ فإنَّ الكلمات عند العلايليِّ من اليسير تحليلها إلى معانيها الأوَّلية بردِّها إلى أصولها الأُحاديَّة؛ المتمثِّلة في حروفها؛ إذ هي مجتمعة في كلمة تدلُّ على مجموع معاني تلك الحروف؛ فلذلك فإنَّ (عَبَى) تُحلَّل إلى حروفها؛ فالعين تدلُّ على الحيوان الزَّئيريِّ، والباء تدلُّ على البيت "وكأنَّ المعنى الأوَّل: حيوان البيت القويِّ؛ الَّذي هو كناية عن الرَّجل، ثم اشتقَّ منه بعد أطوار من التَّرقِّي اللُّغويِّ اسمٌ لِلباس الرَّجل الخاصِّ به (العَبَايَة) ثمَّ غلب الأصل في معنى الفرع المشتقِّ، وأميت معنى الأصل بالنِّسيان، أو بعدم الاحتياج؛ حتَّى صار في معنى الفرع حقيقة وضعيَّة"3.
وممَّا يشاكل ذلك أنَّ بعضهم يرى أنَّ الحروف تدلُّ على معانيها، مهما يكن موقعها من الثُّلاثيّ، فالغين في (غَرَفَ) تدلُّ على الغموض؛ وهي بذلك تناسب المرحلة الأولى من مراحل (الغرْفِ) وهو تغييب الغارف يده في المغروف منه.
أمَّا الرَّاء فتدلُّ على الحركة؛ وهي تناسب المرحلة الثَّانية من الحدث؛ وهو تحريك الغارف مِغرفته في المغروف منه

قبل رفعها، وتدلُّ الفاء -أخيراً- على الظُّهور والانفتاح والفصل؛ وهو ما يناسب المرحلة الثَّالثة من (الغرْفِ) عندما تظهر المِغرفة بعد استتارها1.
على أنَّ خصيصة الحرف الدِّلاليَّة لم تغب عن علمائنا القدامى، وعلى رأسهم ابن جني الَّذي عقد بابين لذلك؛ أحدهما (تصاقب الألفاظ لتصاقب المعاني) 2 وثانيهما (إمساس الألفاظ أشباه المعاني) 3 غير أنَّه لم يزعم قط أنَّ الأُحاديَّ أصل من الأصول؛ بل لم يتعدّ بما نقص عن الثُّلاثيّ في الأصول.
وممن أشاد بنظريَّة أحاديَّة الأصول الدُّكتور توفيق شاهين4؛ فمال إليها ودافع عنها بحرارة، واتَّهم منتقديها بعدم تقديم بديل لها! وقال عن الأحاديَّة أنَّها "ولا شكَّ -كانت مرحلة، ثم تخطّتها البشريَّة؛ عندما سنحت لها فرصة تطوّر، وظرف رقيٍّ"5.
وفي نظري أنَّ هذه النَّظريَّة غير مقبولة في أصول اللُّغة العربيّة؛ لأنَّها لا تستند إلى حقائق لغويَّة ثابتة، ولا يخلو الخوض فيها إلى العودة إلى ما وراء التَّاريخ، وارتكاب التَّعسُّف والشَّطط، والرَّجم بالغيب.

ثانياً- الأصُولُ الثُّنائيّة: تُعدّ الثُّنائيّة حجرَ الزَّاوية في نظريَّة التَّطوّر عند المتأخِّرين.
وينتهي أكثرهم بالأصول إلى بابها؛ ولا يجرؤ على إعادة الثُّنائيّة إلى الأحاديَّة، كما فعل العلايليُّ.
ولهذه النَّظريَّة أنصار في الشَّرق والغرب؛ فهم يقولون: إنَّ الثُّلاثيّ إنما تولَّد عن الثُّنائيّ؛ عن طريق التَّصدير أو الحشو أو الكَسْع (التَّذْيِيلِ) . فثلاثيٌّ كـ (ثَرَمَ) هو ثنائيٌّ عندهم؛ أصله: الرَّاء والميم، ثم صُدّر بحرف هو: الثَّاء.
ومثله (جَرَمَ) و (حَزَمَ) و (شَرَمَ) و (صَرَمَ) و (عَرَمَ) . وثلاثيٌّ كـ (رَتَمَ) وهو ثنائيٌّ في الأصل، أصوله: الرَّاء والميم، ثم زيدت فيه - عن طريق الحشو - الثَّاء، ومثله (رَثَمَ) و (رَجَمَ) و (رَدَمَ) و (رَسَمَ) و (رَشَمَ) و (رَخَمَ) و (رَغَمَ) و (رَقَمَ) و (رَكَمَ) . وأما (نَبَأ) ونحوه فثلاثيٌّ مزيد بالهمزة في آخره؛ وهو ما يُسمَّى الكَسْعَ أو التَّذييل، وأصوله في الثُّنائيّة النُّون والباء.
ومثله (نَبَتَ) و (نَبَثَ) و (نَبَجَ) و (نَبَحَ) و (نَبَذَ) و (نَبَرَ) و (نَبَذَ) و (نَبَسَ) و (نَبَشَ) 1. ويتَّضح ممَّا تقدم أنَّهم يرون أنَّ الألفاظ المتقاربة لفظاً ومعنىً هي تنوُّعاتُ لفظٍ واحد2.كما يتَّضح أنَّهم يَتَّفقون في عموم الثُّنائيّة ويختلفون في بعض التَّفاصيل.

وفيما يلي عرض لأشهر القائلين بالثُّنائيّة، ورأي كلَّ منهم، مع التَّركيز على ما تفرَّد به: إنَّ من أقدم القائلين بالثُّنائيّة أحمد فارس الشِّدْياق؛ الَّذي هداه قصده - كما يقول1 - إلى التَّوصل إلى معرفة معاني الألفاظ إلى أنَّ الفعل المضاعف أصل للمفكوك المشترك معه في الحرفين الأوَّلين؛ كـ (صَرَّ) و (صَرَأَ) و (أَلَّ) و (أَلَبَ) و (سَلَّ) و (سَلَبَ) و (كَفَّ) و (كَفَتَ) و (سَلَّ) و (سَلَتَ) و (دَحّ) و (دَحَجَ) و (نَبَّ) و (نَبَحَ) و (لَبَّ) و (لَبَدَ) و (غَمَّ) و (غَمَرَ) و (كَنَّ) و (كَنَزَ) و (قَشَّ) و (قَشَطَ) و (رَجَّ) و (رَجَفَ) و (زَلَّ) و (زَلَقَ) وغير ذلك.
ثم ذكر خمسة أسباب2 جعلته يعدّ المضاعف أصلاً: أوَّلها: أنَّه رأى أنَّ معظم اللُّغة مأخوذ من حكاية صوت أو صفته؛ وهو ما يأتي من المضعّف؛ نحو (دَبَّ) و (دَقَّ) و (هَزَّ) و (سَفَّ) وغيره.
ثانيها: أنَّ اللُّغة كغيرها من الصنائع والموضوعات البشريَّة لا يحدث شيء منها تاماً كاملاً من أوَّل وهلة، ولكن على التَّدريج؛ فالأحرى - إذن - أن يُقال: إنّ الفعل السالم جاء آخر الأفعال.
أما الأجوف فإنَّه - غالباً - يأتي على عقب المضاعف؛ كـ (طَبَّ) و (طَابَ) و (ضَرَّ) و (ضَارَ) . وأما الناقص فإنَّه صدى غيره من الأفعال!

ثالثها: أنَّه رأى أنَّ حكم المزيد على المضاعف لا يكاد يختلف؛ فقلَّما يوجد في المضاعف معنىً إلاَّ وفي المزيد مثله أو ما يقاربه. رابعها: أنَّ زيادة حرف على المضاعف أليق بحكمة الواضع في التفنّن في نقصه؛ إذ لو جعلتَ السالم أصلاً لزم منه العدول من الكمال إلى النُّقصان. والاختصار في الأفعال ليس من مذهب العرب؛ كما يدلُّ على ذلك الأفعال المزيدة. زد على ذلك أنَّهم يشبعون الفتحة في آخر الفعل؛ فيتولد منها ألف كما في (سَلَقَ) و (سَلْقَى) . خامسها: وجود أفعال مجهولة الأصل، وأصلها من المضاعف معلوم نحو (امْتَخَرَ) العظم، أي: استخرج مخّه؛ فلا بدّ أن يكون من (امْتَخَّ) إذ لم يجئ (المُخْرُ) . ومن دعاة الثُّنائيّة المتحمِّسين لها (جُرْجي زَيْدان) الَّذي كان يقول: "إن الألفاظ المانعة الدَّالة على معنىً في نفسها يُردُّ معظمها - بالاستقراء - إلى أصول ثنائية (أحاديَّة المقطع) تُحاكي أصواتاً طبيعيَّة ... واللُّغويون يردّون كلاًّ من الاسم والفعل إلى أصول معظمها ثلاثيَّة، وبعضها رباعيَّة، ولا يرون هذه الأصول قابلة للرَّد إلى أقلَّ من ذلك، وعندي أنَّها قابلة ولو بعد العناء"1.
ومثّل لذلك بـ (قَطَفَ) و (قَطَبَ) و (قَطَعَ) و (قَطَمَ) و (قَطَلَ) وذكر أنَّها جميعاً من أصل ثُنائي واحد؛ وهو (قَطَّ) لأنَّها تتضمن معناه.

ويجانس ذلك (قَصَمَ) و (قَصَلَ) و (قَصَبَ) و (قَصَرَ) و (قَصَفَ) فجعلها جميعاً من (قَصَّ) . أما (جَزَأَ) و (جَزَعَ) و (جَزَرَ) و (جَزَحَ) و (جَزَلَ) و (جَزَمَ) فهي من (الجَزِّ) وهو القطع1.
وقد جعل زيدان نظريَّة الثُّنائيّة (قاعِدَةً) أدار كتابه عليها، وذكرها في مقدمته، وأعادها غير مرَّة في ثنايا كتابه 2. ولم يذهب (جِزِينيوس) مذهب زيدان في ردّه كلَّ الأصول إلى الثُّنائيّة؛ بل كان يرى أنَّ ثلاثيَّة الأصول تطّرد بدقَّة في اللُّغات السَّاميَّة ومنها العربيّة، ويَستثني من ذلك عدداً غير قليل من الأصول الثُّلاثيّة يمكن ردّه إلى الثُّنائيّة، وهو يسمّيها جذوراً تفرَّعت منها جذوع ثلاثيَّة وفوق الثُّلاثيّة 3. ومال إلى ذلك (جُون مَكدونالد) إذ أخذ بفكرة الثُّنائيّة مع رفض تعميمها 4. وممَّن مالوا إلى الثُّنائيّة (أحمد رضا) ؛ فقد عدّها مرحلة من مراحل النشوء اللَّغوي، عاشتها اللُّغات؛ ومنها العربيّة5.
ومنهم (رشيد عطيّة) الَّذي كان يرى أنَّ اللُّغة العربيّة مؤلَّفة من

أصول قليلة أحاديَّة المقطع، ثنائيّة الأحرف في الأغلب1.
ومنهم العلايليُّ الَّذي انفرد برأي خاصٍّ في الثُّنائيّة؛ وهو أنَّ الزِّيادة في الثُّلاثيّ لا تكون إلاَّ في وسطه2، فلا تكون تصديراً، ولا تذييلاً (كَسْعاً) في غير ما يكون حلقياً من المواد؛ لأن هذه الأخيرة منقلبة عن أصوات هوائيَّة تصحب الحرف، ولم تستقر على الوجه الحرفي بالمعنى الدقيق إلا بعد بلوغات لغويَّة عديدة ... فمثلاً (عصفور) ترجع إلى (صفر) ، وهذه ترجع إلى (صرّ) 3. ويَستثني من ذلك ما فيه نون؛ فالأكثر –عنده- زيادتها حيث وقعت "لأنَّها تنوين بالغ فقط [!] فمثلاً: (نَهْرٌ) ترجع إلى المعلِّ (رَوَىَ) [!] الَّذي منه الرّيُّ "4. ولا أدري كيف أعاد (نهر) إلى روى؟! ولم يعدّ العلايليُّ الحروف الحلقيَّة أصليَّة في مباحث التأصيل؛ لأنَّها - في رأيه - منقلبة عن أصوات هوائيَّة تصحب الحرفَ "ولم تستقرَّ - على الوجه الحرفيِّ بالمعنى الدَّقيق - إلاَّ بعد بلوغات لغويَّة عديدة"5.
هذا رأيه في نشوء الثُّلاثيّ عن الثُّنائيّ بزيادة الحرف في وسطه؛ وهي مرحلة أولى، ثم تتولَّد الموادُّ السِّتُّ بالتَّقليب، وهو ما يسمِّيه

اللُّغويُّون (الاشتقاق الأكبر) ويسميه العلايليُّ (قاعدةَ الدَّوائرِ) 1. ومثال ما ذكره (زَفَنَ) فتسير قاعدته في الدَّوائر والتّقليبات على النَّحو التَّالي2: 1- أقْدم الموادَّ ما وافق ترتيب الجدول، الَّذي صنعه؛ وهو (زَفَنَ) . 2- توليد الدَّائرة الأولى: زَفَنَ، فَنَزَ، نَزَفَ.
3- توليد الدائرة الثانية: زَنَفَ، نَفَزَ، فَزَنَ.
وذكر أنَّ باستطاعته تحديد معنى ما لم يُذكر من تلك التّقْليبات في المعاجم؛ كمادتي (فَنَزَ) من الدَّائرة الأولى، و (فَزَنَ) من الدَّائرة الثَّانية؛ عن طريق "تطبيق القاعدة في تعيين الخصوص؛ وذلك بالبحث عن موقعها الدَّائري من وجه، وعن اجتماع الحروف من وجه آخر"3.
واستمرَّ في شرح مراده حتَّى وصل إلى معنى الكلمتين كما يزعم؛ اعتماداً على المنطق، وعلى ما قاله ابن جنّي في الاشتقاق الأكبر 4. ومن القائلين بالثُّنائيّة (الأب أَنَسْتَاس ماري الكَرْمِلي) ؛ وكان من أشدّ المنادين بها، فقد قال فيها: "على أنَّنا اتبعنا الرأي الأوَّل [نظريَّة الثُّنائيّة] منذ أن أولعنا بهذه اللُّغة المبينة الرَّائعة؛ فأخذنا بنشره، وتفصيل دقائقه منذ سنة (1881م) وأوضحنا كثيراً من مناحيه؛ في الصُّحف

والمجلاَّت ... حتَّى أنَّه لم يخف على أحد؛ بل عُرفنا به لدى الجميع، والنَّاس لنا بين مادحٍ وقادحٍ ... "1. وقد أقام الكرمليُّ حجَّته على أنَّ اللُّغة العربيّة وُضعت في أوَّل أمرها على هجاء واحد متحرِّكٍ فساكنٍ، محاكاة لأصوات الطَّبيعة، ثم زيد فيها حرف أو أكثر تصديراً أو حشواً أو تذييلاً. ويُعدّ تلميذه (مَرْمَرْجِي الدُّومنكيُّ) من أبرز روّاد الثُّنائيّة؛ إن لم يكن أبرزهم على الإطلاق، ومن أشدّهم تحمّساً لتلك النّظريّة، وقد كرّس وقته وجهده للدِّفاع عنها؛ من خلال كتابه (هل العربيّة منطقيّةٌ) و (مُعْجَمِيَّات عربيّة ساميَّة) ومقالاته المتعدّدة الَّتي كان ينشرها في بعض الدَّوريَّات العربيّة. وقد ساعد الدُّومنكيُّ على التعمُّقِ في تلك النظريَّة إلمامه بعدد من اللُّغات السَّاميَّة؛ كالسُّريانيّة، والعبْريَّة، والآراميّة، إلى جانب العربيَّة؛ فقد كان يعقد موازناتٍ بين العربيّة وتلك اللُّغات ملتمساً بعض ما يعدُّه دليلاً لمذهبه. وكان مَرْمَرْجي يرى أنَّ اللُّغة غير منطقيَّةٍ؛ إن عُولجت وَفق نظرة القدماء؛ باعتمادهم الثُّلاثيّ وتكون منطقيَّة إذا دُرست من خلال جذور الثُّنائيَّة2.
وكان يرى أنَّ "طريقة الاشتقاق والتَّوسُّع في السَّاميَّات قائمةٌ على

الارتقاء من الأقلِّ والأنقص إلى الأكثر والأكمل؛ أي: حسب السُّنَّة الطَّبيعيّة؛ سُنَّة الرُّقيِّ"1.
ولخَّص الدُّومنكيُّ بعض مبادئ الثُّنائيَّةِ، وذكر أنَّ من نتائجها أنَّ المثال والأجوف والنَّاقص مزيدات، أو توسُّعاتٌ في الرِّسِّ الثُّنائيِّ؛ الَّذي تجري فيه أوّل صور التّوسُّع؛ بتكرار الثُّنائيِّ منه أو بتشديده. ومن أمثلة ذلك - عنده (وَثَبَ) فهي مزيدة؛ وهي من الثُّنائيّ (ثَبَّ) وأنّ (قامَ) هي من الثُّنائيّ (قَمَّ) أشبعت حركة حرفه الأوَّل2.
وكان يحاول جاهداً إقناع القارئ بأنَّ (قَامَ) ونحوه: ثنائيٌّ، ويستدلُّ على زيادة الحرف الأوسط والألف المنقلبة عن الواو؛ وهي عين الكلمة عند الجُمهور أو الألف المشبعة عنده، بإسناد الفعل إلى الضَّمائر في التَّصريف؛ نحو (قُمْ) تُ، و (قُمْ) تَ، و (قُمْ) تِ، و (قُمْ) تُمْ، و (قُمْ) نَا، فما يبقى من الكلمة - حينئذٍ - هو رِسُّها.
والحقُّ أنَّه لا دليل فيما ذكره على الثُّنائيّة؛ لأنَّ حذف الحرف الأوسط في الكلمة إنَّما وقع لعلَّةٍ صوتيَّةٍ؛ وهي - عند الجُمهور من القدامى والمُحْدَثِينَ - اجتماع السَّاكنين في الكلمة؛ وهما الألف المنقلبة عن الواو، والميم السَّاكنة؛ للإسناد إلى الضَّمائر المتحرِّكة؛ لأنَّ من قوانين العربيّة ألاَّ يجتمع ساكنان إلاَّ في نحو: شابَّة ودابَّة.
وفَسَّرَ الدُّومنكيُّ كيف يردُّ الثُّلاثيُّ النَّاقص نحو (رَمَى) إلى الثُّنائيِّ

بأنَّ حرف العلَّة ما هو إلاَّ إشباع الفتحة السَّابقة في (رَمَ) 1. وثَمَّةَ رأيٌ آخر للدُّومنكيِّ في الثُّنائيَّة؛ وهو أنَّ الثُّلاثيَّ قد يكون غير ناشيء عن ثنائيٍّ واحدٍ فحسب؛ بل عن ثنائيَّين أو ثلاثة، ومثَّل له بكلمة (عَلِمَ) فذهب إلى أنَّها من: (عَلْ) و (لَمْ) وأنَّ (نَهْر) من: (نَهْ) و (نَرْ) و (هَرْ) !! ولا يخفى ما في ذلك من تكلُّفٍ. ومن المنادين بالثُّنائيَّة الدُّكتور أمين فاخر؛ في كتابه (ثُنَائِيَّة الألفَاظِ في المَعَاجِمِ وعلاقَتُهَا بالأصُولِ الثُّلاثِيَّةِ) وقد ذكر أنَّه ينبغي أن يكون أصل الكلمات الثُّلاثيَّة، الَّتي ظهرت فيها العلاقة واضحةًَ بينها وبين الأصل الثُّنائيِّ القريب منها في اللَّفظ والمعنى - من ذلك الأصل الثُّنائيِّ، وأنَّه يقال فيما لم تظهر فيه العلاقة أنَّه ممَّا وُضعَ وضعاً، وعلى علماء اللُّغة أن يُنقِّبوا فيه للكشف عن خفاياه2.
وقد أتى الدُّكتور فاخر على طائفة من الألفاظ؛ تجاوزت المائتين؛ حاول فيها الكشف عن العلاقة المعنويّة بين الأصول الثُّنائيّة المضعّفة والأصول الثُّلاثيّة.
ومنهم الدُّكتور توفيق شاهين - أيضاً - إذ انتصر للثُّنائيّة؛ في كتابه (أصول اللُّغة العربيّة بين الثُّنائيّة والثُّلاثيّةِ) وحاول أن يبطل رأي القائلين بالثُّلاثيّة.

جارٍ التحميل