تداخل الأصول اللغوية وأثره في بناء المعجمصفحات 209-251

الباب الأول: الأصول والزوائد

صفحات 209-251
عن هذه الطبعة
عَلَم
عبد الرزاق بن فراج الصاعدي
الكتاب
تداخل الأصول اللغوية وأثره في بناء المعجم
المؤلف
عبد الرزاق بن فراج الصاعدي
الناشر
عمادة البحث العلمي، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، المملطة العربية السعودية
الطبعة
الأولى، 1422هـ/2002م
عدد الأجزاء
2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

فإن كان بعدها حرفان؛ نحو (المَجْدِ) حُكِم على الميم بالأصالة؛ إذْ لا بدّ من الفاء والعين واللاّم.
وإن كان بعدها أكثر من حرفين فلا يخلو أن يقع بعدها ثلاثةٌ مقطوعٌ بأصالتها، أواثنان مقطوع بأصالتهما، وما عداهما مقطوع بزيادته، أو محتملٌ للأصالة والزِّيادة.
فإن كان بعدها ثلاثةٌ مقطوعٌ بأصالتها حُكِمَ على الميم بالزِّيادة؛ لأنّ كلّ ما ورد من ذلك ممَّا يعرف له اشتقاقٌ جاءت الميم فيه زائدةً؛ وهذا موضع اطِّرادها زائدةً؛ كوقوعها في المصدر الميميّ: (مَفْعَل) كـ (مَطْلَع) و (مَفْعِل) كـ (مَوْعِد) واسمِ الزّمان (مَفْعَل) كـ (مَسْعَى) و (مَصِيفٍ) و (مُفْتَعَل) كـ (مُسْتَقَرٍ) ونحوه؛ ممَّا زاد على الثلاثة، واسمِ المكانِ (مَفْعَل) كـ (مأوَىَ) و (مَصْرِفٍ) و (مُفَعَّل) كـ (مُصَلَّى) ونحوه؛ ممَّا زاد على الثلاثة.؛ و (مَفْعَلَة) للمكان الَّذي تكثر فيه الأعيان؛ كـ (مأسَدَةٍ) و (مَسْبَعَةٍ) واسمِ الفاعل ممَّا زاد على الثلاثة (مُنْفَعِل) كـ (مُنْفَطِرِ) و (مُفْتَعِل) نحو (مُجْتَهِدٍ) و (مُسْتَفْعِل) نحو (مُسْتَخْرِجٍ) ، ونحو ذلك من صيغ ما زاد على الثلاثة؛ وهي كثيرة، واسمِ المفعول (مَفْعُول) نحو (مَكْتُوب) و (مُفَعَّل) نحو (مُرَكَّبٍ) ونحوه من أوزان ما زاد على الثلاثة وهي كثيرة، واسمِ الآلة (مِفْعَل) كـ (مِثْقَبٍ) و (مِفْعَال) كـ (مِفتَاح) و (مِفْعَلَة) كـ (مِسْطَرَةٍ) وفي نحو (مُفْعَل) كـ (مُصْحَفٍ) و (مُفْعُل) كـ (مُنْخُلٍ) و (مِفْعِل) كـ (مِنْتِنٍ) و (مُفْعُول) كـ (مُعْلُوقٍ) و (مَفْعَلٍّ) كـ (مَكْوِرٍّ) ونحو ذلك.

وإن كان بعد الميم أكثر من ثلاثة أصول في غير المشتقّ –حُكم على الميم بالأصالة؛ لأنّ الزِّيادة لا تلحق بنات الأربعة أو الخمسة من أوّلها؛ نحو (مَنْجَنُونٍ) و (مَنْجَنِيقٍ) و (مَرْدَقُوشٍ) وهو الزّعفران، ولعدم الاشتقاق فيه على الزِّيادة، ولكونه أعْجَمِيًّا1.
وإن كان بعدها حرفان مقطوع بأصالتهما، وما عداهما مقطوع بزيادته؛ نحو (ماسِحٍ) و (مَالِكٍ) حُكِمَ على الميم بالأصالة.
وإن كان ما عدا الأصلين محتملَ الأصالة والزِّيادة –حُكم على الميم بالزِّيادة؛ كما هو الحال في الألف؛ في هذا الموضع، لأنّ كلّ ما عرف له اشتقاق من ذلك وُجدتِ الميمُ في أكثره زائدةً، فحمل ما لم يعرف له اشتقاق على ما عرف اشتقاقه؛ وذلك نحو (المَذْرَى) وهو جانب الألية.
هذه حال الميم أوَّلاً؛ وهو الموضع الوحيد؛ الَّذي تطرد زيادتها فيه.
سادساً- النُّونُ: تُزادُ النّون باطِّرادٍ أوّلاً وحشواً وآخراً، وفيما يلي بيان ذلك: أ- زيادتُها أوَّلاً: تزاد النون أوَّلاً باطّراد في أول الفعل المضارع المسند للمتكلم المَشَارَكِ أو المعظّم نفسه؛ نحو (نكتب) و (نتكلَّم) .

ب- زيادتُها حشواً: إذا وقعت النّون حشواً؛ فإنَّها تطرد في مواضع كثيرة في الأفعال والأسماء؛ ومن الصِّيغ الَّتي تطّرد فيها1: 1- (انفَعَلَ) وما تصرّف منه؛ كـ (انفَطَرَ انْفِطَاراً؛ فهو مُنْفَطِرٌ) . 2- (افْعَنلَلَ) وما تصرَّف منه؛ كـ (احْرَنْجَمَ احرنْجَاماً؛ فهو مُحْرَنجِمٌ) . 3- النون الثالثة السَّاكنة غير المدغمة في مثلها؛ في كلمة على خمسة أحرفٍ؛ نحو (فَعَنعَل) كـ (عَقَنقَلٍ) و (فَعَنلَل) كـ (جَحَنفَلٍ) ونحوهما؛ فالأولى من (ع ق ل) والثانية من (ج ح ف ل) . وهي مطَّردة في هذا الموضع؛ لأنَّ كلّ ما ورد منه ممَّا عرف اشتقاقه وُجدتِ النّون فيه زائدة؛ فحمل ما ليس له اشتقاق ولا تصريف؛ نحو (عَبَنقَسٍ) وهو السيء الخُلُق- على ذلك،؛ فحكم على نونه بالزِّيادة2.
أمّا النون المضعّفة في نحو (عَجَنَّسٍ) فأصلٌ عند سيبويه3 ومن تبعه4 ووزنُهُ (فَعَلَّل) "لأنَّها إذ ذاك تشَبَّثُ بالحركة، والنَّون إذا تحرّكت كانت من الفم، وضعُفتِ الغنَّة فيها؛ ولذلك لم تزد ثالثةً ساكنةً قبل حرف الحلق؛ لأنَّها إذ ذلك تكون من الفم وتضعف فيها الغنَّة؛ فلا تشبه

حرف العلّة. ولو ورد في الكلام مثل (جَحَنْعَل) مثلاً- لجُعلت النّون فيه أصليّةً كما جُعلت في (عَجَنَّسٍ) كذلك؛ لمفارقتها إذ ذاك الغُنّة؛ الَّتي أشبهت بها حرف العلّة"1.
وجعلها بعضهم زائدةً؛ قياساً على القاعدة في هذا الموضع؛ فيكون وزنها حينئذٍ (فعَنْللا) . وذهب أبو حَيَّان2 إلى أنّ النُّونين زائدتان؛ فوزنُ الكلمة عنده (فَعَنَّل) وعند سيبويه (فَعَلَّل) . ج- زيادتُها آخِراً: تُزاد النُّون آخراً باطِّرادٍ في بعض الصِّيغ والمواضع؛ على النحو التالي: 1- نون التثنية؛ نحو (كِتَابَانِ) . 2- نون الجمع؛ سواء كان جمعَ سلامة نحو (مُسْلِمِينَ) أو جمعَ تكسيرٍ على صيغة (فَعْلان) أو (فِعْلان) كـ (قُضْبان) و (غِرْبان) لعدم وجود (فُعْلال) في أبنية الجموع 3. 3- نون الرّفع اللاّحقةُ بالأفعال الخمسة؛ نحو (تَفْعَلونَ) و (يَفْعَلون) و (تَفْعَلانِ) و (يَفْعَلان) و (تَفْعَلِينَ) . 4- نون التّوكيد الشديدةُ أو الخفيفةُ؛ كقوله عزَّ وجلّ: {لَيُسْجَنَنَّ

وَلِيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ} 1. 5- نون التَّنوين؛ نحو رجلٍ وقومٍ.
6- النُّون الواقعة في بعض المصادر على صيغة (فَعَلان) كـ (الغَلَيانِ) و (فِعْلان) كـ (الحِرْمَان) و (فُعْلان) كـ (الغُفْران) . وتكثر آخراً بما يقرب من الاطِّراد؛ إذا كان قبلها ألف؛ نحو (عُثْمان) و (سَلْمَان) و (غَطَفَان) و (ظَمَآن) . ويشترط في ذلك شرطان؛ أحدهما: أن تُسبَقَ الألفُ بأكثر من أصلين؛ إذ لو كان قبلها حرفان فحسب لوجب الحكم بأصالة النّون؛ نحو (سِنَانٍ) و (عِنَانٍ) لأنَّه لا بدّ من الفاء والعين واللام.
والآخر: ألاَّ تكون الكلمة من باب (جَنجَانٍ) 2 فإنّ النّون فيه أصليّة؛ إذ لو كانت نونه زائدةً لأدّى ذلك إلى أن تكون الكلمة ثلاثيّةً من باب (سَلِسٍ) و (قَلِقٍ) أعني: ممَّا فاؤه ولامه من جنسٍ واحدٍ؛ وذلك قليل.
وعدّ النّون أصليّةً يجعل الكلمة من باب الرّباعيّ المضاعف؛ نحو (زَلْزَلَ) و (كَبْكَبَ) وهو بابٌ واسعٌ.
وزاد بعضهم شرطاً ثالثاً3، وهو ألاَّ يكون ما قبل الألف مضاعفاً فيما كان قبل الألف ثلاثة حروفٍ؛ نحو (رُمَّانٍ) لاحتمال أن تكون

النّون زائدةً؛ فتكون الكلمة من (ر م م) ووزنها (فُعْلاَن) أو أصليّةً؛ فتكون الكلمة من (ر م ن) فيكون وزنها (فُعَّالا) . ورجّح ابنُ عُصفُورٍ1 أن تكون النّون زائدةً؛ لكثرة زيادتها في هذا الموضع؛ حتَّى يأتي دليل على أصالتها.
سابعاً- الهاءُ: تطّرد زيادة الهاء في ثلاثة مواضع: أحدها: في فعل الأمر الوارد على حرفٍ لبيان الحركة؛ نحو (فِهْ) و (عِهْ) أو حرفين؛ نحو (ارْمِه) و (اغْزهِ) 2. وثانيها: في الوقف على ما الاستفهاميّة، إن جُرّتْ بحرفٍ؛ نحو (لِمَهْ) . وثالثها: في النُّدْبَةِ والاستغَاثَةِ عند الوقف؛ نحو (وا زيداه) و (وا مَنْ حَفَرَ بِئرَ زَمْزَمَاه) و (وا مُعْتَصِمَاه) . ثامناً- الواوُ: تُعدُّ الواو والياء والألف أُمَّاتِ الزَّوائد في العربيّة، فلا تكاد تخلو كلمة مزيدة من أحدهنّ3.
والواو لا تُزاد أوَّلاً؛ إذ لو زيدت أوَّلاً لم تكن إلاَّ متحرّكةً؛ لأنَّه لا يبتدأ بساكن، وحينئذٍ فإمَّا أن تكون مفتوحةً أو مضمومةً أو مكسورةً.

فإن كانت مضمومة ساغ قلبها همزةً، واطَّردَ 1 ذلك فيها؛ كقولهم: (أُقِّتَتْ) في (وُقِّتَتْ) و (أُجُوهٌ) في (وُجُوهٍ) . وكذلك إن كانت مكسورة؛ كـ (وِسَادةٍ) و (إِسَادةٍ) و (وِشَاحٍ) و (إِشَاحٍ) إلاَّ أنّ القلب في المضمومة أكثر. وإن كانت مفتوحةً وجب ضمُّها في بعض الحالات؛ كالتّصغير في الأسماء، والبناء للمجهول في الأفعال؛ فيتطرّق إليها الهمز. قال ابن يعيش: "فلمَّا كان زيادتها أوَّلاً تؤدّي إلى قلبها همزةً، وقلبها همزةً ربّما أوقعَ لَبْساً، وأحدثَ شكّاً في أنّ الهمزة أصلٌ، أو منقلبةٌ؛ مع أنّ زيادة الحرف إنّما المطلوب منه نفسه، فإذا لم يَسْلم لفظه لم يحصل الغرض"2.
ومن هنا لم تُزَد الواو أوَّلاً.
وتطّرد زيادتها في حشو الكلمة إذا توفَّر فيها شرطان3: الأول: أن تصحب أكثر من أصلين؛ فإن صحبت أصلين فحسب فهي أصل، مثل: (هَوَى) و (القَوْمِ) . الثّاني: ألاَّ تكون الكلمة الَّتي فيها الواو من باب (سِمْسِمٍ) أي: من باب مضاعف الرّباعيّ؛ فهي - حينئذٍ -أصلٌ؛ نحو (وَزْوَزَ) بمعنى وَثَبَ، و (الوَكْوَاكِ) وهو الجَبَانُ، و (ضَوْضَيْتُ) لقلّة (فَعْوَلَ)

و (فَعْوَالٍ) و (فَعْلَيْتُ) فحُمل على أوسع البابين؛ وهو الرّباعيّ المضاعف.
فكثرَ زيادتُها –مستوفاةً للشّرطين- في المواضع التّالية: 1- أن تكون ثانيةً؛ نحو (عَوْسَجٍ) وهو شجر له شوك، و (نَوْفَل) و (كَوْثَرٍ) . 2- أن تكون ثالثةً؛ نحو (عَجُوزٍ) و (جَدْوَلٍ) . 3- أن تكون رابعةً؛ نحو (عُنفُوَانٍ) و (اغْدَوْدَنَ) الشَّعْرُ، وتطّرد -أيضاً- في هذا الموضع في اسم المفعول من الثُّلاثيّ؛ نحو (مَكْتُوبٍ) و (مَعْلُومٍ) . 4- أن تكون خامسة؛ نحو (عَضْرَفُوطٍ) وهو ذَكَرُ العِضَاءِ من الزَّواحف، و (قَلَنْسُوَةٍ) وهي ما يلبس على الرّأس.
5- أن تكون سادسة في نحو (أَرْبُعَاوَى) وهو قِعْدة المتَرَبِّع.
وهذا الموضع أقلُّ ممَّا سبق.
تاسعاً- الألفُ: لا تكون الألف أصلاً - البتَّة - في الأسماء أو الأفعال؛ فهي إمّا زائدةٌ، وإمّا منقلِبةٌ عن واوٍ أو ياءٍ، ويقال - حينئذٍ - أنَّها أصلٌ 1 مجازاً؛ أي: منقلبة عن أصلٍ، وعلى هذا يجري استعمالها في هذا البحث.
ولا تُزاد الألف أوّلاً، البتَّة؛ لسكونها.
وتُزاد حشواً وآخِراً بشرطين2:

الأوَّل: أن تصحَبَ أكثرَ من أصلين؛ نحو (سَاجِدٍ) و (مُقَاتِلٍ) فإن صحبت أصلين؛ نحو (دارٍ) و (قَالَ) و (فَتَى) فهي أصل، أي: منقلِبةٌ عن أصل.
الثَّاني: ألاَّ تكون الكلمة من مضاعف الرّباعيّ؛ نحو (عَاعَى) لحكاية زجر الضأن؛ فالكلمة -حينئذٍ- رباعيّةٌ، والألفان منقلِبان عن أصلٍ؛ وهو الواو؛ فأصلها (عَوْعَوَ) ثم (عَوْعَى) فصارت (عَاعَى) لغير موجبٍ.
وتكثر زيادة الألف –مستوفاةً للشّروط- في المواضع التالية: 1- أن تكون ثانيةً؛ في نحو (كَاتِبٍ) و (سَامَحَ) . 2- أو ثالثةً؛ في نحو (كِتَابٍ) و (غَزَالٍ) . 3- أو رابعةً،؛ في نحو (جِلْبَابٍ) و (صَحْرَاءَ) . 4- أو خامسة؛ في نحو (انْطِلاَقٍ) و (احْتِكَامٍ) . 5- أو سادسةً؛ في نحو (اغْرَنْدَى) بمعنى علاه بالشتم والضّرب، أو تسلّط عليه.
6- أو سابعةً؛ في نحو (أَرْبُعَاوَى) . وتقع زائدةً –أيضاً- لبعض المعاني أو الأغراض، فيما يلي 1: 1- أن تكون علامةَ تأنيثٍ؛ كـ (حُبْلَى) و (قَرْقَرَى) للضّحك.
2- أو علامةً للاثنين؛ كما في قولهم: (الرَّجُلانِ) و (المرْأتانِ) .

3- أو علامةً للوقف؛ في غير المُنَوَّن المنصوب؛ كقولهم في الوقف على (حَيَّهَلَ) : (حَيَّهَلا) ومعناه: أَقْبِلْ.
4- أو للفصل بين نوني التّوكيد، ونون ضمير الجمع المؤنّث في نحو (اضْرِبْنَانِّ زيداً) . 5- أو دالَّةً على النُّدبةِ في المنادى؛ نحو (يا زَيْدَاه) و (يا عُمَرَاه) . 6- أو إطلاقاً للقوافي؛ كقول امرئ القيس: أَلِمَّا عَلى الرَّبْعِ القَدِيمِ بعَسْعسَا ... كَأَنِّي أُنَادِيْ، أو أُكَلِّمُ أَخْرَسَا 1 7- أو لتكثير أحرف الكلمة؛ كألف (كُمَّثْرَى) و (بَاقِلَّى) بدليل (كُمَثَّرَاة) و (باقِلاَّة) إذا لا يجتمع في اللفظ علامتا تأنيث.
8- أو للإلحاق؛ كألف (مِعْزَى) و (أرْطَى) فهما للإلحاق بـ (ضِفْدَعٍ) و (جَعْفَرٍ) . 9- أو للجمعِ؛ مثل (مَسَاجِدَ) و (جِبَالٍ) و (فُرْسَانٍ) .

عاشراً- الياءُ: تُزاد الياء إذا استوفت ثلاثة شروط؛ وهي1: الأوَّل: أن تصْحَبَ أكثر من أصلين؛ فإن كانت مع أصلين؛ نحو (سَيْفٍ) و (ظَبْيٍ) و (هَدْيٍ) فهي أصلٌ.
الثَّاني: ألاَّ تكون الكلمة، الَّتي فيها الياء، من مضاعف الرّباعيّ؛ نحو (يُؤْيُؤْ) لطائر ذي مخلبٍ، و (صِيصِيَةٍ) وهو الحِصْنُ؛ فأنَّها أصليّةٌ، والعلة ما قيل في مثلها من الواو.
الثَّالث: ألاَّ تتصدَّر قبل أربعة أحرفٍ في غير مضارعٍ؛ فإن تصدّرت قبل أربعة أصولٍ؛ نحو (يَسْتَعُورٍ) اسم موضعٍ؛ فهي أصلٌ، ووزنها (فَعْلَلُول) 2. وتكثر زيادتها -مستوفاةً للشّروط- في مواضع؛ منها 3: 1- في أوّل الكلمة؛ نحو (اليَلْمَعِ) وهو السّراب، و (اليَرْبُوعِ) وهو دُويّبة صغيرة كالفأر، و (يَثْرِبَ) اسم مدينة الرّسول - صلى الله عليه وسلم - أو في أوّل المضارع؛ سواء كان بعدها ثلاثة أصول أو أكثر؛ نحو (يَكْتُبُ) و (يُدَحْرِجُ) .

2- في ثاني الكلمة؛ نحو (زَيْنَبَ) و (جَيْأَلَ) وهو من أسماء الضَّبُع، و (القَيْصُومِ) وهو ضرب من النّبات.
3- في ثالث الكلمة؛ نحو (الجَمِيْلِ) و (الطَّرِيْمِ) وهو الطّويل.
4- في رابع الكلمة،؛ نحو (الحِلْتِيتِ) و (العِفْرِيْتِ) و (الصِّنْدِيدِ) وهو الشّريف، و (الشِّمْلِيلِ) وهو الخفيف من الإبل.
5- في خامس الكلمة؛ نحو (الخَنشَلِيلِ) وهو الماضي من الرّجال في أموره، و (الخَنفَقِيقُ) وهي الدّاهية.

أغراض الزِّيادةِ: يمكن ردّ الأغراض؛ الَّتي تؤدّيها حروف الزّيادة العشرة، وبعضُ الزّوائد من غير العشرة؛ كتضعيف حرف ليس من الزّوائد إلى سبعةٍ؛ على النحو التالي 1: 1- الدِّلالة على المعنى؛ وهو أقوى الزّوائد؛ كحروف المضارعة، وزوائد (أَفْعَلَ) و (فَعَّلَ) و (انْفَعَلَ) و (افْتَعَلَ) و (تَفَاعَلَ) و (اسْتَفْعَلَ) و (فَاعَلَ) و (فَاعلٍ) و (مَفْعولٍ) . 2- مَدُّ الصّوت؛ نحو واوِ (عجوزٍ) وألفِ (رسالةٍ) وياءِ (قَضِيبٍ) . 3- إلحاقُ بناءٍ ببناءٍ آخر؛ كإلحاق (جَوْرَبٍ) بـ جَعْفَرٍ، و (شَرْيَفَ) بـ دَحْرَجَ.
4- إمكان النّطق؛ كهمزة الوصل في (اسْمٍ) و (اسْتَخْرَجَ) و (انْفَطَرَ) . 5- بيان الحركة أو الحرف؛ في قولهم: (سلطانية) و (يا زيداه) . 6- التَّعويض؛ كتاء التأنيث في (عِدَةٍ) فأنَّها عوض عن الفاء، وتاءِ (اسْتِبانةٍ) وهي عوض عن عين الكلمة، وكالتاء الأخيرة في (تَسْميةٍ) فهي عوض عن لام الكلمة على مذهب البصرييّين؛ وهي الواو، وكتاءِ (زَنَادِقَةٍ) فَإِنَّها عوض عن ياءِ زناديق؛ ولذلك لا يجتمعان.

7- تكثير البناء؛ كألف (قَبَعْثَرَى) ونون (كَنَهْبُلٍ) ضرب من النّبات.
8- الوقف على الكلمة الَّتي بقي منها حرف أو حرفين، مثل: قِهْ، وارْمِهْ.

المَبْحَثُ الثَّانِي: الإِلْحَاقُ

الإلحاق في اللُّغة: الإدراك، والمُلحقُ: الدَّعِيُّ المُلْصَقُ بغير أبيه1.
وهو في اصطلاح اللُّغويّين: "أن يزاد على الحروف الأصليّة؛ في الاسم، أو الفعل، حرفٌ أو حرفان، زيادةً غير مطّردةٍ في إفادة معنىً؛ ليصير المزيد بتلك الزّيادة مثل كلمة أخرى أكبر منها؛ في عدد حروفها، وحركاتها، وسكناتها على الترتيب، وفي تصاريفها من الماضي، والمضارع، والأمر، والمصدر، وغيرها إن كان المُلحق به فعلاً، ومن التّثنية والجمع وغيرها إن كان الملحق به اسماً"2.
ومثال الملحق من الأفعال: (جَلْبَبَ جَلْبَبَةً) و (سَيْطَرَ سَيْطَرَةً) و (هَرْوَلَ هَرْوَلَةً) . ومثاله من الأسماء: (الجَدْوَلُ) و (الكَوْكَبُ) و (الإنقَحْلُ) . ويميَّزُ الملحق من الأصليّ بعلاماتٍ؛ منها: أ- ألاَّ تطّرد الزّيادة فيه؛ لإفادة معنى زائد على معنى الملحق به؛ نحو: (جَحَنفَلٍ) و (جَحْفَلَةٍ) و (ضَرْبَبَ) و (ضَرَبَ) . وقد يتغيّر معنى الأصل الملحق به بزيادة الإلحاق؛ كما في (جَلْبَبَ) و (جَلَبَ) و (حَوْقَلَ) و (حَقَلَ) فإنّ معنى المزيد يخالف معنى الأصل

في كلٍّ منهما.
بل ربّما كان الأصل بلا معنىً فيصبح بزيادة الإلحاق ذا معنىً؛ وذلك نحو (كَّوْكَبٍ) فأنَّه لا معنى لـ (ك ك ب) 1. ب- ألاَّ يدغم المتماثلان مع موجب الإدغام؛ نحو: (قَرْدَدٍ) و (قُعْدُدٍ) و (اقْعَنْسَسَ) وذلك للحفاظ على الوزن الملحق به؛ بخلاف نحو (مَشَدٍّ) و (أَعَدَّ) و (اخْضَرَّ) لأنّ الزّيادة فيها لمعنىً؛ فلم يراعَ الغرض اللّفظيّ2.
ج- موافقةُ الكلمة المزيدةِ فيها لوزنٍ من الأوزان الأصليّة في الحركات والسّكنات على ترتيبها 3. د- مجيء مصدر الملحق على قياس ما ألحق به؛ فمصدر الملحق بالرّباعيّ على قياس (الفَعْلَلَةِ) في مصدر الرّباعيّ؛ نحو (بَيْطَرَ بَيْطَرَةً) و (جَهْوَرَ جَهْوَرَةً) 4. وقبل أن نأتي على أوزان الملحق نعرض لجملة من الأمور؛ منها: أنّ الأصل ألاّ يلحق إلاَّ بالبناء المجرّد؛ لأنّ ما فيه زيادة فرع، ولا يلحق بالفرع، ولكن جاء الإلحاق ببعض الفروع أو المزيدات، وأجيز

ذلك.
ونصَّ عليه ابنُ النَّاظم1، والمراديّ2، ومثَّلا له بـ (اقْعَنسَسَ) فأنَّه ملحق بـ (احْرَنْجَمَ) وهو مزيد. وقد جاز ذلك؛ لأنَّ أصول الملحق؛ وهو (اقْعَنسَسَ) ثلاثيّة، وأصول الملحق به - وهو: احرنجَمَ -رباعيّة؛ فكأنَّه ألحق ثلاثياً برياعيٍّ3.
وإن كانا - أي: الملحق والملحق به - يعودان إلى أصل واحد؛ فلا يجوز إلحاق (اعْثُوْجَجَ) بـ (اغْدَوْدَنَ) لأنّ (اعْثُوْجَجَ) ثلاثيّ؛ وهو من (ع ث ج) وكذلك (اغْدَوْدَنَ) فهو من (غ د ن) . ومن الأمور الَّتي نعرض لها: أنّ الزّائد للإلحاق لا يكون أوّلاً؛ كهمزة (أَفْعَل) و (أَفْعُل) و (افْعَل) و (أفعِل) و (إِفْعَل) وتاءِ (تَفْعِل) وميمِ (مِفْعَل) 4 "فإذا انضمّ إلى الزّيادة أوّلاً زيادةٌ أخرى، صارت للإلحاق، وذلك نحو: أَّلَندَدٍ5، وأَلَنجَجٍ6؛ الهمزة والنّون للإلحاق، وكذلك: يَلَندَدٌ، ويَلَنجَجٌ، فإن زالت النّون لم تكن الهمزة ولا الياء وحدهما للإلحاق؛ وذلك نحو: أَلَدَّ، ويَّلَجَّ؛ وعلّة ذلك أنّ الزّيادة، في أوّل الكلمة، إنّما بابُها معنى المضارعة، وحرف المضارعة إنّما يكون مفرداً أبداً؛ فإذا

انضمّ إليه غيره خرج بمُضَامَّتِه إيَّاه عن أن يكون للمضارعة، فإذا خرج عنها، وفارق الدِّلالة على المعنى، جُعِلَ للإلحاق؛ لأنَّه قد أُمِن بما انضمّ إليه أن يصلح للمعنى"1.
ومنها أنّ الإلحاق ليس له حروف مخصوصةٌ؛ فحروف الزّيادة حروف الإلحاق؛ لأنّ الإلحاق نوعٌ من الزّيادة، وكما وقعت الزّيادة بجميع الحروف - تقريباً - في حال الزّيادة بالتّضعيف؛ فإنّ الإلحاق كذلك - أيضاً - في حال تكرير الحرف؛ نحو (جَلْبَبَ) و (قَرْدَد) . ومنها أنّه لا يلحق بالثُّلاثيّ؛ لأنَّه أقلّ الأصول، إلاّ ما ذُكِرَ على سبيل النُّدْرَةِ؛ فقد قيل: إنّ تاءَ (بِنْتٍ) للإلحاق بـ (جِذْعٍ) وتاءَ (أُخْتٍ) للإلحاق بـ (قُفْلٍ) 2. ومنها أنّ الإلحاقَ سَماعيّ، لا يكاد يطّرد إلاّ في بناءين: أحدهما: إلحاق الثُّلاثيّ بالرّباعيّ، بتضعيف اللاّم؛ نحو (قَرْدَدٍ) و (جَلْبَبَ) وعلى هذا اقتصر المازنيّ في المطّرد؛ بقوله: "فأمّا المطّرد الَّذي لا ينكسر فأن يكون موضعُ اللاّم من الثّلاثة مكرّراً للإلحاق، مثل: مَهْدَدٍ، ومَرْدَدٍ، وسُرْدُدٍ، وعُنْدُدٍ، والأفعال: جَلْبَبَ يُجَلْبِبُ"3.
وثانيهما: ما ذكره ابنُ جِنّي عن شيخه أبي عليّ؛ وهو بناء

(فَعَنلَى) من الثُّلاثيّ؛ كقولهم: رجلٌ ضَرَنبَى1.
ومعنى ذلك "أنّك لو احتجتَ في شعرٍ أو سجعٍ أن تشتقّ من: ضَرَبَ اسماً أو فعلاً أو غير ذلك، لجاز، وكنت تقول: ضَرْبَبَ زيدٌ عَمْراً، وأنت تريد ضَرَبَ، وكنتَ تقول: هذا ضَرْبَبٌ قد أقبلَ ... وكذلك تقول: رجلٌ ضَرَنبَى، ونحوه. وليس لك أن تقول: ضَوْرَبَ زيدٌ عَمْراً، ولا: هذا رجلٌ ضَوْرَبٌ، أو ضَيْرَبٌ؛ لأنّ هذا الإلحاق لم يطّرد اطّراد الأوّل"2.
وفيما يلي أذكر أهمّ ما وقفتُ عليه من أوزان المُلحق3:

أوّلاً: أوزانُ الثُّلاثيّ المُلْحَقِ أ- المُلْحَقُ بالرُّبَاعِيِّ: 1- ما أُلْحِقَ بـ (فَعْلَ) : ويُعَدّ هذا الوزن أكثرَ أوزان الرّباعيّ إلحاقاً به؛ لأنَّه يقع للأسماء والأفعال؛ نحو (جَعْفَرٍ) و (دَحْرَجَ) فممَّا ألحق به: (فَعْلَل) نحو (جَلْبَبَ) في الأفعال، و (قَرْدَدٍ) في الأسماء.
و (فَوْعَل) نحو (جَوْرَبَ) في الأفعال، و (كَوْكَبٍ) في الأسماء.
و (فَيْعَل) نحو (سَيْطَرَ) في الأفعال، و (فَيْصَلٍ) في الأسماء.
و (فَعْوَل) نحو (هَرْوَلَ) في الأفعال، و (جَرْوَلٍ) في الأسماء.
و (فَعْيَل) نحو (شَرْيَفَ) . و (فَعْنَل) نحو (قَلْنَسَه) إذا ألبسه القلنسوة.
و (فَعْلَى) نحو (سَلْقَى) في قولهم: سَلْقَاهُ على ظَهْرِه، أي: مَدَّه.
و (فَنْعَل) نحو (سَنْبَلَ) الرّجلُ الثّوبَ، بمعنى: أَسْبَلَه، و (عَنْسَلٍ) في الأسماء.
و (فَعْلَن) نحو (رَعْشَنٍ) وهو المرتعش.
و (سَفْعَل) نحو (سَنْبَسَ) بمعنى: نَبَسَ، إذا أسرعَ.
و (فَعْلَس) نحو (خَلْبَسَ) بمعنى: خَلَبَه؛ أي: فَتَنَه.
2- ما أُلْحِقَ بـ (فُعْلُل) نحو (جُؤْذُر) : (فُعْلُل) نحو (قُعْدُد) . و (فُعْلُم) نحو (زُرْقُم) .

3- ما أُلْحِقَ بـ (فِعلِل) نحو (زِبْرِج) : (فِعْلِم) نحو (دِلْقِم) وهي الهَرِمَةُ من النُّوق.
4- ما أُلحقَ بـ (فِعْلَلٍ) نحو (ضِفْدَعٍ) : (فِعْوَل) نحو (خِرْوَعٍ) وهو نوع من النّبات.
و (فِعْلَى) نحو (مِعْزَى) . 5- ما أُلحقَ بـ (فُعْلَل) نحو (جُؤْذَرٍ) وهو ما أثبته الكوفيّون: (فُعْلَل) نحو (سُؤْدَدٍ) . ب- الملحقُ بالخُماسيِّ: (فَعَلْعَل) نحو (صَمَحْمَحٍ) أُلحق بـ (فَعَلّلِ) كـ (سَفَرْجَلٍ) . (فَعَوْعَل) نحو (عَثَوْثَلٍ) وهو الكثير اللّحم ألحق –أيضاً- بـ (فَعَلّلٍ) . (فَعَلَّى) نحو (حَبَنطًى) وهو –أيضاً- ملحق بـ (فَعَلَّل) . (إِفْعَلّ) نحو (إِرْدَبٍّ) ألحقَ بـ (فِعْلَلٍّ) كـ (جِرْدَحْلٍ) . (إِنْفَعَل) نحو (إِنْقَحْلٍ) أحلقَ –أيضاً- بـ (فِعْلَلٍّ) . (نَفْوَعِل) نحو (نَخْوَرِشٍ) للجَرْوِ إذا تحرّك فَخَدَشَ؛ وهو ملحق بـ (فَعْلَلِلٍ) نحو (جَحْمَرِشٍ) . (فعنعل) نحو: (عَقَنْقَل) و (عَصَنْصَر) ألحق بـ (فَعَلَّل) .

ج- الملحق بمزيد الرُّباعيءّ 1- (فَعَوْلَل) نحو (جَبَوْنَنٍ) –اسم وادٍ- ألحق بـ (فَعَوْلَلٍ) كـ (حَبَوكَرٍ) وهو الدّاهية.
2- (فُعْلُول) نحو (بُهْلُول) ألحق بـ (فُعْلُول) كـ (عُصْفُور) . 3- (فُعْلال) نحو (قُرْطاطٍ) وهو الدّاهية، وغيرها – ألحق بـ (فُعْلالٍ) كـ (قُرْطَاسٍ) . 4- (فَعَلُول) نحو (حَلَكُوكٍ) شديد السواد- ألحق بـ (فَعَلُول) كـ (قَرَبُوسٍ) . 5- (فِعْيَوْل) نحو (عِذْيَوْطٍ) وهو من يُحْدِثُ عند الجماع؛ ألحق بـ (فِعْلَول) كـ (فِرْدَوْسٍ) . 6- (افْعَنلأَ) نحو (احْبَنْطَأَ) ألحق بـ (افْعَنْلَلَ) كـ (احْرَنْجَمَ) . 7- (افْعَنلَى) نحو (اسْلَنْقَى) ألحق بـ (افْعَنْلَلَ) كـ (احْرَنْجَمَ) . 8- (افْعَنلَل) نحو (اقعَنسَسَ) ألحق بـ (افْعَنْلَلَ) كـ (احْرَنْجَمَ) . 9- (افْوَعَلَّ) نحو (اكْوَهَدَّ) الفَرَخُ إذا ارتعدَ؛ ملحق بـ (افْعَلَلَّ) كـ (اسْبَطَرَّ) . 10- (أُفْعُول) نحو (أُمْلُودٍ) وهو النّاعم؛ ألحق بـ (فُعْلُولٍ) كـ (عُسْلُوجٍ) وهو الغضُّ النَّاعم.
11- (إفْعِيل) نحو (إِمْلِيدٍ) وهو النَّاعم –أيضاً- ألحق بـ (فِعْلِيلٍ) كـ (قِطْمِيرٍ) . 12- (إفْعَوْل) نحو (إدْرَوْنٍ) وهو أصل الشّيء، ألحق بـ (فِعْلَولٍ)

كـ (فِرْدَوْسٍ) . 13- (فُوَاعِل) نحو (دُوَاسِرٍ) ألحق بـ (فُعَالِلٍ) كـ (جُخَادِبٍ) وهو الضَّخمُ الغليظ من الرِّجال.
14- (تَمَفْعَلَ) نحو (تَمَسْكَنَ) ألحق بـ (تَفَعْلَلَ) كـ (تَدَحْرَجَ) . ثانياً: أوزان الرُّباعيّ الملحق بالخماسيّ: أ- الملحق بالخماسيّ المجرَّدِ: الملحق بـ (سَفَرْجَل) : 1- (فَعَلَّل) نحو (سَبَهْلَلٍ) وهو الفارغ.
2- (فَعَنْلَل) نحو (غَضَنْفَرٍ) وهو الأسد.
3- (فَعَيْلَل) نحو (سَمَيْدَعٍ) وهو الكريم.
4- (فَعَوْلَل) نحو (فَدَوْكَسٍ) وهو الأسد.
الملحق بـ (جِرْدَحْلٍ) : 1- (فِعْلَلّ) نحو (عِرْبَدّ) وهو الشديد من كُلِّ شيء، و (قِرْشَبّ) وهو المُسِنّ.
2- (فِعْلَوْل) نحو (فِرْدَوْسٍ) .

ب- الملحقُ بمزيد الخماسيِّ: 1- (فَيْعَلُول) نحو (خَيْسَفُوجٍ) وهو حَبُّ القطن؛ أُلحق بـ (فَعْلَلُول) نحو (عَضْرَفُوطٍ) وهي دويَّبة ناعمة بيضاء.
2- (فَعْلَلُوت) نحو (عَنْكَبُوتٍ) على تقدير أصالة النُّون؛ وهو ملحق بـ (فَعْلَلُول) كـ (عَضْرَفُوطٍ) . 3- (فُعَلّيل) نحو (قُشَعْرِيرَة) ألحق بـ (فُعَلّيل) كـ (خَزَعْبِيل) وهو الباطل.

المَبْحَثُ الثَّالِثُ: الزِّيادَاتُ غَيرُ المَقِيسَةِ

تناولنا في المبحث الأوَّل من هذا الفصل الزِّياداتِ المنضبِطَةَ أو المقيسة. ونتناول في هذا المبحث الزِّياداتِ غير المنضبطةِ أو غير المقيسةِ: أوَّلاً- الهَمْزَةُ: لا تطَّرد زيادة الهمزة البتَّةَ إذا وقعت حشواً؛ وهي أصل حتَّى يقوم دليل على زيادتها1.
فالأصل نحو قولك: (بَلأَزَ) الرَّجلُ؛ إذا فرَّ وأسرعَ، و (بَرَائِلُ) الدِّيك؛ وهي: ما يُنفش من ريشه عند المقاتلة، و (السَّأْسَم) وهو: نوعٌ من الشَّجرِ، و (ازْبَأَرَّ) الرَّجلُ؛ إذا اقشعرَّ، ونحو ذلك كثير.
وما زيد فيه الهمزة حشواً أحرفٌ محفوظةٌ؛ نحو (شَمْأَلٍ) و (شَأَمْلٍ) لقولهم: شَمَلَتِ الرِّيحُ، ولو كانت أصليَّةً لقالوا: شَمْأَلَتْ، وشَأْمَلَتْ.
و (جُرَائِضٌ) وهو الأسد؛ لقولهم: جِرْوَاضٌ.
و (حُطَائِطٌ) لأنَّه الصَّغير المحطوط عن قدره المعتاد، و (قُدَائِم) لأنَّه في معنى القديم.
وأمَّا الهمزة في أوَّل الكلمة فتطَّرد زيادتها كما مرَّ، إلاَّ في همزة الوصل في الأسماء، فإنَّها لم تطَّرد إلاَّ في مصدر الخماسيِّ والسُّداسيِّ مثل: الانطلاق، والاستخراج، ولم يحفظ منها غير ذلك إلاَّ عشر كلماتٍ؛ هُنَّ: ابنٌ، وابنَةٌ، وامرؤٌ، وامرأةٌ، واثنانِ، واثنتانِ، واسمٌ، واسْتٌ، وابْنُمٌ، وايمَنٌ

في القسم1.
وكذلك الهمزة في آخر الكلمة لا تطَّرد زيادتها إذا لم تسبق بألفٍ زائدةٍ وقبلها ثلاثة أصول فأكثرُ، كما تقدَّم؛ فالهمزة في (تَكَرْفَأَ) السَّحابُ، بمعنى: تَرَاكَبَ.
وممَّا جاءت فيه زائدة في هذا الموضع (ضَهْيَأةٌ) في قولهم: امرأةٌ ضَهْيَأةٌ؛ وهي الَّتي لا ينبت ثديها؛ فوزنها (فَعْلأَةٌ) 2 لقولهم في معناها: ضَهْيَاءُ.
وأجاز الزَّجَّاج3 أن تكون الهمزة أصلاً؛ فوزنها –حينئذٍ- (فَعْيَلة) وقد ردَّه ابنُ جِنِّي4، والجُرْجَانِيُّ5.
وذهب الزَّجَّاج6 إلى أنَّ الهمزة الأخيرة في (الغِرْقِئِ) وهو القشرة الرَّقيقة الملتزقة ببياض البَيْضِ- زائدةٌ.
ورُدَّ عليه بأنها أصلٌ؛ لأنَّها ليست بأوَّلَ فيُقضى عليها بالزِّيادةِ، ولا يوجد فيها معنى (غَرِقَ) 7.

ثانياً- التَّاءُ: تقدَّمَ في المبحث الأوَّل1 المواضع الَّتي تطَّرد زيادة التَّاء فيها أوّلاً وحشواً وآخراً، وما عدا ذلك فالتَّاء أصلٌ، أو زائدة بغير اطِّراد، فحينئذٍ تحتاج إلى دليل على زيادتها. فمن زيادتها غير مُطَّردةٍ في أوَّلِ الكلمة قولهم: (تِجْفَافٌ) فحكم على التَّاء بالزِّيادةِ؛ لأنَّها من تركيب (جَفَّ) فوزنها (تِفْعَال) . وحُكمَ على تاءِ (تَنْضُبٍ) بالزِّيادة؛ لعدم وجود مثل (جَعْفَرٍ) . وتاءُ (تَنْبِيتٍ) زائدة؛ لأنَّه من النَّبْتِ، ومثالُ (تَفْعِيلٍ) لا يكون في غير المصادر2.
وتقلُّ زيادة التَّاء حشواً في غير الافتعال إلى حدِّ النُّدرةِ "ولذا أنكرها بعض العلماء، وحَكمَ عليها في: يَسْتَعُورٍ، وفي: كِلْتَا، بالأصالة، وهي في الثَّاني بدلٌ من أصلٍ"3.
وتندُرُ زيادتها - أيضاً في آخر الكلمة، في غير ما تقدَّم؛ كزيادتها في (السَّنبَتَةِ) وهي الحِقْبَةُ؛ فوزنها (فَعْلَتَة) لأنَّهم قالوا في معناها: مَرَّتْ عليه سَنْبَةٌ من الدَّهرِ، على وزن: تَمْرَةٍ 4.

ثالثاً- السِّينُ: تقدَّم أنَّ السِّينَ لا تقاس زيادتها إلاَّ في صيغة (الاسْتِفْعَالِ) وما تصرَّف منها.
ولا تطَّرد في غير ذلك؛ كمجيئها زائدة في (سَنبَسَ) على رأي من جعلها (سَفْعَلَ) من (النَّبْسِ) 1. ومنه قولهم: (أسْطَاعَ يُسْطِيعُ) على مذهب سيبويه2 فتقديره (أَسْفَعَلَ) 3 من: أَطَاعَ يُطِيعُ، وقد زيدت السِّين عوضاً من حركة عين الفعل؛ لأنَّ أصل: أَطَاعَ: أَطْوَعَ؛ فنُقِلت فتحةُ الواو إلى ما قبلها؛ فصار (أَطْوَعَ) فقُلِبت الواو ألفاً؛ لتحرُّكها في الأصل، وانفتاح ما قبلها4.
واعترض المبرِّد 5 على ذلك بأنَّ التَّعويض يكون للشَّيء المفقود، فأمَّا إذا كان موجوداً في اللَّفظ فلا، وحركة العين الَّتي كانت في الواو موجودةٌ في الطَّاء؛ فلا وجه للتَّعويض؛ لأنَّ الحركة لم تذهب من الكلمة. وليس الأمر كما ظنَّ المبرِّد؛ لأنَّ مراد سيبويه أنَّ التَّعويض وقع لذهاب الحركة من نفس العين؛ لا من ذهابها أصلاً6.
وما ذهب إليه سيبويه صحيحٌ؛ لأنَّهم لمَّا نقلوا حركة العين إلى الفاء

السَّاكنة، وقلبوا العين ألفاً – لحقَ الكلمةَ توهينٌ وتغييرٌ، وصار الحرف معرَّضاً للحذف إذا سُكِّن ما بعده، في قولهم: أَطِعْ؛ فعُوِّضَ السِّين من هذا القدر من التَّوهينِ؛ وهو تعويض جوازٍ لا وجوب1؛ فلا يعترض - حينئذٍ - بنحو: أَقَامَ وأَقِمْ. وقال الفرَّاءُ: "توهَّموا أنَّ قولهم: أَسْطَعْتُ (أَفْعَلْتُ) لأنَّه بوزنه"2.
وحمل ابنُ جِنِّي3 وابنُ عُصْفُورٍ4 كلامه على أنَّ مراده أنَّ أصله: (اسْتَطَعْتُ) فلمَّا حذفت التَّاء بقي على وزن (إسْفَلْتُ) 5 فَشُبِّهَ بـ (إفْعَلْتُ) ففُتحتْ همزته وقُطعتْ، فكأنَّه (أَفْعَلْتُ) . قال ابنُ جِنِّي: "وهذا غير مرضيٍّ عندنا من قوله؛ وذلك أنَّه قد اطَّرد عنهم إسْطَعْتُ بكسر الهمزة، وكونِها همزة وصلٍ؛ فهذا يدلّ على أنَّهم إذا أرادوا اسْتَفْعَلْتُ وحذفوا التَّاء؛ وهم يريدونها، بَقَّوا الهمزة موصولةً

مكسورةً بحالها قبل حذف التَّاء"1.
ويقوِّي مذهب سيبويه قولهم: (أَهْرَقْتُ) فالهاء –على رأي من جعله من (ر ي ق) بمثابة السِّين في (أسْطَعْتُ) . ومن الزِّيادات غير المطَّردة في آخر الكلمة قولهم: (خَلْبَسَ قلبَهُ) أي: فَتَنَه، وذهب به؛ فالسِّين زائدةٌ، ووزنه (فَعْلَسَ) من (خَلَبَ) 2. رابعاً- اللاَّمُ: تقدَّم أنَّ الزِّيادة تطَّرد في اسم الإشارة، نحو (ذلك) وما أشبهه، ولا تطَّرد فيما عداه.
ومن زيادتها غير المطَّردة (زَيْدَلٌ) و (الفَحْجَلُ) وهو الَّذي في رجليه اعوجاج، ووزنهما (فَعْلل) بزيادة اللاَّم الثَّانية، ويدلّ على ذلك أنَّها من (زَيدٍ) و (الفَحْجِ) 3. واختلفوا في (الهَيْقَلِ) وهو الظَّلِيمُ، و (الطَّيْسَلِ) وهو الكثير من كلِّ شيءٍ، و (الفَيْشَلَةِ) وهي رأس الذَّكَرِ؛ فقال بعضهم: إنَّ اللاَّمَ أصلٌ في كلِّ ذلك، والياء زائدةٌ.
وقال بعضهم: إنَّ الياء أصلٌ، واللاَّمُ هي الزَّائدةُ 4.

خامساً- الميمُ: لا تطَّرد زيادة الميم في الأفعال، وقد زيدت فيها شذوذاً؛ كقولهم: (تَمَسْكَنَ) الرَّجلُ، وهو من: المَسْكَنَةِ، و (تَمَدْرَعَ) وهو من: المِدْرَعَةِ، و (تَمَنْدَلَ) وهو من: المِنْدِيلِ، و (تَمَنْطَقَ) وهو من: المِنطَقَةِ، وكلُّ ذلك (تَمَفْعَلَ) 1. وحُكيَ2 أيضاً: (مَرْحَبَكَ) اللهُ؛ وهو من: الرَّحْبِ، و (مَسْهَلَكَ) وهو من: السَّهْلِ، والميم فيهما زائدة.
ولا تطَّرد –أيضاً- في حشو الكلمة؛ إذ لا ترد في ذلك الموضع إلاَّ في كلماتٍ محصورة؛ مثل قولهم: دِرْعٌ (دُلامِصٌ) بمعنى: برَّاقٍ، ومثله (دُمَالِصٌ) ووزنهما (فُعَامِل) و (فُمَاعِل) وهو مذهب الخليل3، و (قُمَارِصٌ) بمعنى: قارِصٍ 4. وذهب الأصمعيُّ5 إلى أنَّ ميم (هِرْمَاسٍ) وهو الأسد زائدة؛ لأنَّه من (الهَرْسِ) وهي أصليَّةٌ عند ابنِ عُصفُور6، وليست من (الهَرْسِ) بل مرتَجَلةٌ ارتِجَالاً.

وزيدت الميم آخراً في عدد من الكلمات غيرِ قليلٍ1؛ نحو (زُرْقُمٍ) و (دِلْقِمٍ) و (دِرْدِمٍ) و (سُتْهُمٍ) وغيرها، غير أنَّ تلك الزِّيادة لم تصل إلى حدِّ الاطِّراد؛ فزيادتها في ذلك الموضع شاذَّةٌ عند العلماء2.
سادساً- النُّونُ: زيدت النُّون أوَّلاً بغير اطِّراد في بعض الكلمات المعدودة، منها قولهم: (نِفْرِجُ) القلبِ، و (نِفْرِجَةٌ) إذا كان جباناً غير ذي جَلاَدةٍ وحزمٍ؛ في قول الشاعر: نَفْرِجَةُ القَلْبِ قَلِيلُ النَيْلِ ... يُلْقَىَ عليه النَّيْدُلاَنُ3باللَّيْلِ4 وهو من: الفَرْجِ، لقولهم: رجلٌ أفْرَجُ، وفُرُجٌ؛ وهو الَّذي لا يكتم سِرًّا، قال ابن جِنِّي: "هو في معنى نِفْرِجَةٍ، ومثاله: نِفْعِلَة"5.
ومن ذلك زيادتها في (نَفَاطِير) وهي بَثْرٌ تخرج في وجه الغلام والجارية، و (نَخَارِيب) وهي خروق كبيوت الزَّنانير، واحدها (نُخْرُوبٌ) .

ولا تطِّرد ثانية في غير (انْفَعَل) فإن دلَّ دليل على زيادتها في نحو (جُنْدَبٍ) و (عُنصَرٍ) و (قُنبَرٍ) فهي زائدة؛ لأنَّ بناء (فُعْلَل) لم يثبت عند البصريِّين؛ فحكموا على النُّون بالزِّيادة. ولا تطَّرد ثالثةً متحرِّكةً؛ فهي أصلٌ، وشذَّ من ذلك (فِرْنَاسٌ) وهو من أسماء الأسد، و (ذُرْنُوحٌ) وهي دويبَّة صغيرة، والنُّون فيهما زائدةٌ؛ عند بعض العلماء1.
سابعاً- الهَاءُ: زيدت الهاء بغير اطِّراد في أوَّل الكلمة في مواضع؛ منها: (هِجْرَعٌ) و (هِبْلَعٌ) لأنَّهما من (الجَرْعِ) و (البَلْعِ) وفي (هِرْكَوْلَةٍ) وهي المرأة الجسيمة؛ وهو من (الرَّكْلِ) 2. وزيدت حشواً –بغير اطِّراد- في قولهم: أُمَّهَةٌ –بمعنى الأُمِّ- وأُمَّهَاتٌ، ووزنهما (فُعْلَهَةٌ) و (فُعْلَهَاتٌ) ويدلُّ على زيادة الهاءِ، قولهم: (أُمّ بَيِّنَةُ الأُمُومَةِ) . وأجاز بعضهم3 أن تكون (أُمَّهَةٌ) (فُعَّلَةٌ) بأصالة الهاء –بمنزلة (أُبَّهَةٍ) و (تُرَّهَةٍ) .

ثامناً- الوَاوُ: الواو والياء والألف أمَّاتُ الزَّوائد؛ كما سبق بيانه في المبحث السَّابق1؛ فليس غريباً أن يكثر اطِّرادها في الزِّيادةِ، ويندر زيادتها بغير اطِّراد، وقد اختلفوا في واو (سُرَاوِع) وهو موضعٌ بالحجاز، في قول الشَّاعر: عَفَا سَرِفٌ من أَهْلِهِ فَسُرَاوِعُ ... فَوَادِي قُدَيدٍ، فالتّلاعُ الدوافِعُ2 وقد ذهب أبو حَيّان3 إلى أنَّها زائدة؛ فوزنها (فُعَاوِل) وتابعه السُّيوطيُّ4.
وذهب ابنُ عُصفور5 إلى أصالة الواو، وأنَّ وزنها (فُعَالِل) . ولكلٍّ من المذهبين ما يؤيِّده؛ فمن ذهب إلى زيادة الواو استند إلى أنَّ الواو لا تكون أصلاً في بنات الأربعة.
ومن ذهب إلى أصالتها استدلَّ بعدم النَّظير في (فُعَاوِل) ووجود (فُعَالِل) فجعل الواو فيه كالواو في (وَرَنتَلٍ) وهو الشَّرُّ والأمر العظيم؛ فالواو فيه أصليَّةٌ؛ على الرغم من أنها في الرّباعيّ.

تاسعاً- الألف: تكاد الألف تكون مقيسة في كل ما زيدت فيه، غير أنّها قد تقلّ زيادتها في بعض المواضع،كأن تكون سابعة -مثلاً- في نحو: أُربَعَاوَى.
عاشراً- الياء: لا تطّرد زيادة الياء أوّلاً؛ إذا كان بعدها أربعةُ أصولٍ؛ فقد ذهبَ ابنُ دريد1 إلى أنّ الياء في (يَسْتَعُور) وهو شجر تصنع منه المساويك، زائدة؛ وهي - عنده - على وزن (يَفْتَعُول) . وما ذهب إليه ابن دريد مخالف لمذهب الجمهور، ومن هنا قال ابن خالويه: "ليس أحد يقول: يَسْتَعُور (يَفْتَعُول) إلاّ ابن دريد؛ لأنّه عند النّحويين ليس في كلام العرب، وإنّما هو عندهم (فَعْلَلُول) مِثل: عَضْرَفُوط"2.

الفَصْلُ الثَّالثُ: مقاييس التَّفريقِ بينَ الأُصُولِ

تتفاوت الأصول في تداخلها بين الوضوح والغموض؛ وثَمَّة كلماتٌ تعمِقُ وتَدِقُّ؛ فتخفى أصولها - أوَّلَ وهلةٍ - على المختصِّين، وعلى أكثر العلماء دُربةً ودرايةً بأصول العربيَّة. ومن هنا نشأت الحاجة في وقتٍ مبكِّرٍ إلى وضع مقاييسَ للتَّفريق بين الأصول؛ فجاءت في إشارات متفرِّقة في كتاب سيبويه، ومن جاء بعده، ثمَّ جُمعتْ على أيدي بعض العلماء، بعد القرن الرَّابع؛ فأوجزوها في سبعة أدلَّةٍ أو ثمانية1.
وفيما يلي بيان لأهم الأدلَّة أو المقاييس، وتفصيلٌ لما استُنبط، أو جُمع ممَّا تناثر من كلام الأئمّة المتقدِّمين.
أوَّلاً- الاشتِقَاقُ: يُعدُّ الاشتقاق من أهمِّ المقاييس أو الأدلَّة الّتي تُمَيَّزُ بها الأصول؛ بعضُها من بعضٍ، إن لم يكن أهمَّها على الإطلاق.
والّذي أثبته الجمهور هو الاشتقاق الأصغر؛ وهو شقُّ كلمة من كلمةٍ، مع الحفاظ على أصلَي اللّفظ والمعنى، وترتيب الحروفِ؛ كَضَرَبَ يَضْرِبُ فهو ضَارِبٌ لا مَضْرُوبٌ من (الضَّرْبِ) ودَحْرَجَ يُدَحْرِجُ فهو مُدَحْرِجٌ لا مُدَحْرَجٌ من (الدَّحْرَجَةِ) . وكان سيبويه يأنس بالاشتقاق، وكثيراً ما يعوِّل عليه في التَّعرِّف على الأصول، وتمييزها من الزَّوائد؛ كقوله: "وممَّا جعلتُه زائداً بثبتٍ:

العَنسَلُ؛ لأنَّهم يريدون العُسُولَ. والعَنبَسُ؛ لأنَّهم يريدون العُبُوسَ. ونونُ عَفَرْنَى؛ لأنَّها من العَفْر؛ يقال للأسد عَفَرْنَى. ونونُ بُلَهْنِيَةٍ؛ لأنَّ الحرف من الثلاثة، كما تقول: عَيْشٌ أبْلَهُ. ونونُ فِرْسِنٍ؛ لأنَّها من فَرَسْتُ. ونونُ خَنفَقِيقٍ؛ لأنَّ الخَنْفَقِيقَ الخفيفةُ من النِّساءِ الجريئَةُ؛ وإنَّما جُعلت من خَفَقَ يَخْفِقُ كما تَخْفِقُ الرِّيحُ"1.
وكان ابنُ مالكٍ لا يقدِّم على الاشتقاق شيئاً، ويقول: "الاشتقاق إذا ظُفِرَ به رُجِّحَ على غيره من الأدلَّةِ"2.
ومن ثَمَّ استدلَّ على أصالة نونِ (رُمَّانٍ) ؛ لثبوتها في قولهم: (أرضٌ مَرْمَنَةٌ) للبُقْعَةِ؛ الّتي يكثر فيها الرُّمَّان؛ فهي عنده من (ر م ن) ولا يَعبأ بمذهب سيبويه3 فيها؛ إذ جعلها من (ر م م) بزيادة النُّون؛ حملاً على الأكثر. وقال ابن مالك معقِّباَ على مذهب سيبويه: "ولو كان الأمر كما قال، لقيل: مَرَمَّةٌ لا: مَرْمَنَةٌ"4.
ويستدلُّ بالاشتقاق - أيضا ً- على زيادة همزة (الثُّدَّاء) وهو نبتٌ في البادية، يقال له (المُصَاصُ) و (المُصَّاخُ) 5 بقولهم: أَثْدَتِ الأرضُ وثَدِيَتْ؛ إذا أنبتت الثُّداءَ.
ومنه قضاؤهم على نونِ (رَعْشَنٍ) بالزِّيادة؛ لقولهم: رَعْشَاءُ في

معناه؛ فوزنه (فَعْلَن) 1. واستدلُّوا على أنَّ (العُنْظُوانَ) وهو شَجَرٌ - من (ع ظ ي) وليس من (ع ظ ن) أو (ع ن ظ) أو (ع ن ظ ن) بقولهم: عَظِيَ البعيرُ عَظاً، فهو عَظٍ؛ إذا تأذَّى من أكل (العُنْظُوان) 2. وقضوا على ميم (الشَّدْقَمِ) بالزِّيادة، وأنَّه من (ش د ق) لا (ش د ق م) لأنَّه بمنزلة (الأشدَقِ) وهو العظيم الشِّدْقِ 3. وممَّا يدلَّ على أنّ أصل (التَّألَبِ) وهو الحمار (أل ب) وليس (ت أل ب) أو (ت ل ب) قولهم: أَلَبَ الحمارُ أَتُنَهُ يَألِبُهَا؛ إذا طردها4.
على أنَّه ينبغي أن يحذر كلَّ الحذر من التَّسليم المطلق للاشتقاق في تمييز الأصول؛ فثَمَّةَ ما يعكِّرُ صفوَه؛ وهو توهُّمُ أصالة الحرف الزَّائد؛ كما سبق به البيان في أنَّهم يقولون: تَمَسْكَنَ وتَمَدْرَعَ وتَمَنْدَلَ ونحو ذلك، والميم فيها زائدة، وقد توهَّموا أصالتها؛ فبنوا عليها الأفعال.
ومن هنا ندرك أنَّ استدلال ابن مالك على أصالة النُّون في (الرُّمَّانِ) بقولهم: أرضٌ (مَرْمَنَةٌ) واحتجاجه به على سيبويه –لا يخلو من مطعن.
وثمَّة نوع من الاشتقاق من الممكن أن يُؤنس به؛ وهو الاشتقاق الأكبر؛ الّذي أثبته ابن جِنِّي 5، وكان أبو عليٍّ الفارسيُّ يأنس به في بعض الأصول؛ وهو عَقْدُ تقليبات الكلمة على معنى واحدٍ؛ نحو: (جَبَرَ)

فكيف قلَّبتَها دلَّت على القوَّة والشِّدَّة.
وجعل عبد الله العلايليِّ هذا النَّوع من الاشتقاق وسيلة لمعرفة الأصول؛ فـ (المَحَارَةُ) وهي الصَدَفَةُ - من (م ح ر) وليست من (ح ور) كما فعل الجوهريُّ1؛ لأنَّ تقليباتها السِّتَّةَ تدلُّ على معنى واحدٍ؛ وهو "التَّخصيص في كيس الحمل الجَنِينَيِّ على فصائل النَّوع تخصيصاً ملاحَظاً فيه أدقُّ الميزات"2 ويظهر ذلك المعنى بوضوح في تقليبين؛ وهما (ر ح م) ومنه: الرَّحمُ، و (م ح ر) ومنه: المَحَارَةُ.
غير أنَّ هذا النَّوع من الاشتقاق لا يمكن التَّعويل عليه (لعدم اطِّراده) 3 ولو اطَّرد لعُدَّ من أعظم المقاييس للتَّفريق بين الأصول المتداخلة؛ لا سيَّما الواويَّةُ واليائِيَّةُ. ثانياً- التَّصريفُ: يستدلُّ بسقوط الحرف من فرعٍ على زيادته؛ كسقوط ألف (كتاب) في جمعه على (كُتُبٍ) ويعرف هذا بالتَّصريف؛ وهو يشمل الجمع والتَّصغير وغيرهما. والتَّصريف يشبه الاشتقاق إلى حدٍّ بعيد، وربَّما يعدَّان شيئاً واحداً، ومن يفرِّقُ بينهما يجعل الاشتقاق استدلالاً بالأصل، ويجعل التَّصريف استدلالاً بالفرع، وإلى هذا ذهب المراديّ4.
فمن ذلك استدلالهم على أصل (ضِبْعَانٍ) من قولهم في الجمع:

الضِّباعُ؛ وأنَّه دليل على زيادة النُّون1، واستدلالهم على زيادة النّون في (سِرْحان) من جمعهم إياّه على (سَرَاحٍ) 2 وأنَّ قولهم في (إنسَانٍ) : (أَنَاسِي) دليل على زيادة نونه الأخيرة.
ومن التَّصريف (التَّصغيرُ) وهو ما يستدلُّ به على الزَّائد؛ كقولهم: عُفَيْجِجٌ وعُفَيْجِيجٌ، في تصغير (عَفَنجَجٍ) 3 فدلَّ سقوط النُّون على زيادتها.
ومنه قولهم في تصغير (ذَرَحْرَحٍ) : (ذُرَيرِحٌ) 4 فدلَّ على أنَّ أصل ذَرَحْرَحٍ (ذ ر ح) . ودلَّ قولهم في تصغير مَرْمَرِيسٌ: (مُرَيرِيسٌ) على أنَّه من (م ر س) "لأنَّ الياء تصير رابعةً؛ فصارت الميم أوْلَى بالحذف من الرَّاء؛ لأنَّ الميم إذا حذفت تبيَّن - في التَّحقير - أنَّ أصله من الثَّلاثة؛ كأنَّك حقَّرتَ: مَرَّاساً، ولو قلتَ: مُرَيميسٌ؛ لصارت كأنَّها من باب سُرْحُوبٍ وسِردَاحٍ وقِنْدِيلٍ"5 أي: صار رباعياً.
ثالثاً- انعدامُ النَّظيرِ: إذا لزم عدم النَّظير في أوزان أصول العربيّة بتقدير أصالة الحرف في كلمة حكم عليه بالزِّيادة؛ وهو من أقوى الأدلة.
فقد قضوا بزيادة تاءِ (تَتْفُلٍ) وهو ولد الثَّعلب؛ لأنّها لو جعلت أصلاً لكان وزنه (فَعلُل) وهو

جارٍ التحميل