تداخل الأصول اللغوية وأثره في بناء المعجمصفحات 951-993

الباب الخامس: أثر التداخل في النقد المعجمي

صفحات 951-993
عن هذه الطبعة
عَلَم
عبد الرزاق بن فراج الصاعدي
الكتاب
تداخل الأصول اللغوية وأثره في بناء المعجم
المؤلف
عبد الرزاق بن فراج الصاعدي
الناشر
عمادة البحث العلمي، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، المملطة العربية السعودية
الطبعة
الأولى، 1422هـ/2002م
عدد الأجزاء
2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

الجوهريّ في ذلك الموضع المنتقد فيه، ويتلوه بالنّقول عن بعض العلماء؛ ذاكراً رأيه في أثناء ذلك، أو في نهايته1.
الثّاني: أن يذكر انتقاد المجد بنصّه، ثمّ يعلّق عليه بما يراه في المسألة؛ مستدلاًّ ببعض النّقول من المظان، ومستأنساً بآراء العلماء قبله مصدّراً ذلك بقوله: قلتُ2.
وكان التّادلي يعتمد - في طريقته في الاستدلال - على مقاييس العربيّة في الأصول؛ ومن أبرزها خصائص بعض الحروف في الزّيادة، وكثيراً ما كان يشير إلى أنّ الزّائد هو الَّذي يضيف معنًى جديداً للكلمة3.
ومنها الاستعانة بالمعنى؛ الَّذي يدلّ عليه الأصل.
وكان ينتصر للجوهريّ كثيراً بحمل ما يراه الفيروزآباديّ على المجانسة؛ كحديثه في (اذْلَعَبَّ) و (تَنُوخ) و (الَّذي) 4. ولم يكن التّادلي يعتدّ كثيراً في تمييز الأصول بعدم النّظير، وكان يقول: "إنّ الجزئيّة النّادرة لا تقدح في اطّراد الكليّة، وذلك كورود الحِبُكِ في إهمال: فِعُل…والدُّئِل في قلّة: فُعِل"5.

ومن أهمّ مصادره الَّتي أكثر من الأخذ عنها (مختصر العين) للزُّبَيدي، و (المجمل) لابن فارس، و (التّنبيه والإيضاح) لابن برّي، و (المغرب) للمطرِّزي، و (ضياء الحلوم في مختصر شمس العلوم) لعليّ بن نشوان الحميريّ؛ ولم يكد يذكر موضعاً دون أن يرد اسم أحد هذه الكتب الأربعة، ويليها في كثرة الأخذ عنه (المجرّد) لكُراع، و (المصباح) للفيّوميّ، و (تهذيب الأسماء واللّغات) للنّووي.
ويبدو أنّ التّادلي لم يطّلع على كثير من أمَّات المصادر.
ومن بينها الكتب المتاخّرة؛ الَّتي عنيت بالنّقد المعجميّ في (الصِّحاح) و (القاموس) كـ (نُفوذُ السَّهم) و (الدُّرّ اللَّقيط) و (إضاءة الرّاموس) . ج- نقداته في الميزان: جمع التّادلي ما وجّهه الفيروزآباديّ من وهمٍ لصاحب الصِّحاح؛ بهدف التّصنيف في تخطئة صاحب (القاموس) والانتصار للجوهريّ، وقد ظهر ذلك جلياً في عنوان الكتاب؛ فهو (تثقيف الرماح لردّ توهيم المجد الصّحاح) ولا أثر فيه للموازنة أو المحاكمة.
ثمّ إنّ المؤلّف أراد أن يهيّئ القارئ لقبول ما هدف إليه؛ فأخذ يحشد له آراء العلماء في فضل الجوهريّ وعمله، وأنّه أنحى اللّغويين، وخطيب المنبر الصّرفي، وأنّ معجمه الصّحاح أعظم معاجم اللّغة قاطبة وأشهرها، وأنّه في كتب اللّغة بمنزلة صحيح البخاري في كتب الحديث1، وأراد أن يردّ كلّ ما وجّه إليه من نقدٍ؛ فلا نعجب أن نجد التّادليّ يقول صراحةً: إنّه يقبل كلّ ما قاله وإن

تفرّد به1.
ولسنا في حاجة إلى القول: إنّ الجوهريّ - كغيره من اللّغويّين - غير مبرّء من السّهو أو الخطأ، وإنّ في معجمه غير قليل من الخطأ؛ ممَّا نصّ عليه القدامى وأبانوه، ولكنّنا نقول: إنّ هذا المنهج اضطرّ التَّادليَّ إلى أن يهمل بعض الانتقادات؛ ممَّا لم يجد له ردّاً على الفيروزآباديّ. لقد اتّهم المؤلّف صاحب (القاموس) بالتّجنّي والهوى وسوء الفهم، ووصفَ النّسخة الَّتي عثر عليها من الصِّحاح، واعتمدها في ردّه بأنّها كانت مصحّفة محرّفةً من نسخ العجمِ، كما وصفه بسوء وضع الألفاظ؛ نتيجةً للخلط بين المهموز والمعتلّ، والواويّ واليائيّ، ونحو ذلك2.
وعلى الرّغمِ من هذا كلّه لا يخلو التَّادلي من صفة الإنصاف في نقده، فلا ينسب في كلّ ما قال إلى التّحامل، ففي كتابه جهد ظاهر في النّقد المعجميّ، وُفِّق في بعضه، وخانه التّوفيق في بعضه الآخر.
وممّا كان الصّواب حليفه فيه: ردّه على صاحب (القاموس) لانتقاده الجوهريّ في (اللِّدَةِ) بمعنى التِّرب؛ إذ جعلها الجوهريّ في مادّة (ول د) 3 ويرى المجد أنّ هذا وهمٌ، وأنّ مكانها الصحيح (ل د ي) 4 فقال التَّادلي: (عبارة الجوهريّ في فصل الواو من باب الدّال: ولِدَة

الرّجلِ: تِرْبُهُ؛ والهاء عوض من الواو الذَّاهبة من أوّله؛ لأنّه من الولادة، وهما لدان، والجمع لِدَاتٌ ولِدُون.
وقال ابن فارس: واللِّدة نقصانه [الواو] لأنّ أصله [ولِدَةٌ] 1. وقال الزُّبيديّ: والولَدُ: الصَّبيّ، واللِّدَة: التِّرْبُ، والوليدة الأمة.
وقال صاحب (الضِّياء) 2: "وممّا ذهبت واوه فعُوِّض هاء اللِّجَةُ بمعنى الوُلُوج، ولِدَةُ الإنسان: من يولد معه في وقتٍ واحد، والجمع لِدَاتٌ. قلتُ: لا وجه لذكر اللِّدَة مع لدى. تأمّل ذلك"3.
والحقّ أنّ التَّادلي كان مصيباً في اعتراضه على المجد، وانتصاره للجوهريّ؛ لأمور منها: الأوّل: أنّ أكثر العلماء على ما ذهب إليه الجوهريّ؛ وهو أنّ المحذوف من اللِّدَةِ الواوُ من موضع الفاء، وليس اللاّم؛ ومن هؤلاء: الخليل4، والزّمخشريّ5، والصَّغَانيّ6، وابن منظور7، والزَّبيديّ8.
الثّاني: عودة المحذوف إلى مكانه؛ وهو الفاء؛ في بعض تصانيف

الكلمة؛ كالتّصغير؛ فقد حكى الصَّغانِيّ في روايته عن ابن السِّكّيت أنّ "من قال في جمع لِدَةٍ: لِدَاتٌ، قال في التّصغير: وُلَيدَاتٌ؛ ردّاً إلى الأصل، ومن قال: لِدُون قال: وُلَيْدُون. ومن العرب من يقول في تصغير لِدَات: لُدَيَّاتٌ على الغلط؛ يتوهّم أنّ نقصان: لِدَةٍ، من آخرها، ومن قال هذا قال في تصغير لِدُون: لُدَيُّون"1.
وكان الفيروزآباديّ ذكر (اللِّدَة) في (ول د) على الصّواب؛ خلافاً لما ذكره في (ل د ي) واستدلّ بالتّصغير2 - أيضاً. ولو تنبّه التَّادلي إلى هذا التّعارض في القاموس لكفاه. الثّالث: أنّ سبيل العرب إذا حذفوا في أول الكلمة عوّضوا في آخرها؛ مثل: عِدَةٍ، وزِنَةٍ؛ وإذا حذفوا من آخرها عوّضوا في أوّلها؛ مثل: ابنٍ، واسمٍ3.
ولمّا كان التّعويض في كلمة (لِدَةٍ) في آخرها دلّ على أنّ المحذوف كان من أوّلها.
على أنّ هذه القاعدة ليست مطّردةً؛ فثَمَّةَ كلمات عُوِّضَ في آخرها، وكان المحذوف من آخرها –أيضاً؛ مثل: العِضَةِ، والشَّفَةِ.
وممّا تحامل فيه التَّادلي على صاحب (القاموس) ما في ثانيه نون ساكنة من رباعيٍّ أو خماسيٍّ؛ فقد اعتاد الجوهريّ أن يضع نحو: الخِنْصَرِ

والعَنْبَسِ والحِنْزَقْرِ - في أصول ثلاثيَّةٍ؛ جاعلاً النّون زائدة؛ وكان الفيروزآباديّ ينتقد الجوهريّ في تلك الأصول؛ ممَّا صحّ أنّه رباعيّ بأصالة النّون؛ ومثال ذلك ما قاله التَّادليّ في (القَنْبَر) 1 و (القِنَّسْرِ) 2 و (الهِنبرِ) 3 و (القُنْزَعَةِ) 4 وغيرها؛ فإنّه لم يعدم حجّة يردّ بها على الفيروزآباديّ؛ وهي –هنا كما يقول - أنّ (قاعدة الجوهريّ في النّون السّاكنة إن صحبت أكثر من أصلين ذكرها من مادّة الأصول [هكذا] أصليّة كانت؛ كجَنْدَلٍ في (ج د ل) وجُنْدُبٍ في (ج د ب) أو زائدة؛ كحَنْظَلٍ في (ح ظ ل) …وسَنْبَلَ الزَّرعُ في (س ب ل)) 5. والحق أنّه لا عبرة بهذه القاعدة؛ إذ خالفت مقاييس اللّغة؛ فالعبرة بالقواعد المقرّرة عند جمهور العلماء، وقاعدتهم في النّون الثّانية السّاكنة في الرُّباعيّ أو الخماسيّ أنّها أصليّة حتّى يقوم دليل على زيادتها؛ لأنّك لا تجد أُمَّات الزّوائد في هذا الموضع - كما قال سيبويه6.
فكان يجدر بصاحب (الوشاح) إن أراد الإنصاف - أن يحكم بين الرّجلين وفق القواعد المقرّرة عند جمهور العلماء؛ لا وفق ما يراه أحدهما؛

على أنّ ما استنبطه التدليُّ لا يخلو من نظر؛ لأن الجوهريّ لم يخالف في هذه القاعدة، ألا ترى أنّه جعل هذه النّون أصلاً في اثنين وثلاثين جَذراً رباعيّاً1، وجعلها أصلاً في خمسة جذور خماسيّة2؟ وهذا ينقض ما احتجّ به التَّادلي. ومن ذلك أنّ التَّادلي قد يردّ على المجد؛ منتصراً للجوهريّ في بعض الأصول الرباعيّة أو الخماسية؛ مثل: المُعَلْهَجِ؛ وهو: الأحمق اللّئيم، و (الطِّلَحْفِ) وهو: الشَّديد، و (الحُنْتَال) البُدِّ؛ فلا يخلو ردُّه من غرابة؛ وهو أنّه يرى أنّ بعض المعجميّين لا يعتدّون فيما زاد على الثّلاثيّ إلاّ بالحرف الأخير؛ فها هو يقول في ردّه على المجد في المُعَلْهَجِ: "وابن فارسٍ ذكره في باب ما زاد على ثلاثة أحرف، وذلك لا يقتضي زيادة الهاء فيه ولا أصالتها؛ لما سبق أنّهم لا يعتبرون فيما زاد على الثّلاثيّ إلاّ أصالة الحرف الأخير، ولهذا ذكروا: الهِبْلَعَ، والهِجْرَعَ في الرُّباعيّ مع الاتفاق على زيادتهما؛ لأنّهما من البَلْعِ، والجَرْعِ"3.
ولا ينفكّ يردّد هذه الفكرة؛ فقد قال في موضع آخر في ردّه على المجد في كلمة حُنْتَال: "والذي أوهم المجد كون مثل هذه الأوزان يذكرونها في باب الرُّباعيّ والخماسيّ؛ وقد تقدَّم أنّ العبرة عندهم في ذلك أصالة

الحرف الأخير لا غير"1.
ولا بدّ في الرّد على التَّادليّ في هذه المسألة من شيء من البسط؛ فأقول: إنّ أوّل ما يلحظ في كلامه التّعميم، والجمع بين نظامين مختلفين في مدرستي التقليبات والصدور (الأبتثية) ؛ ولا بدّ - هنا - من التّفريق؛ فأمّا التّقليبات فإنّ ما ذكره لا ينطبق عليها، ويكفي - هنا - أن أقول: إنّ ما ذكره التَّادليّ من أنّهم يضعون الكلمة في باب الرُّباعيّ أو الخماسيّ؛ ناظرين إلى أصالة حرفها الأخير فحسب كلام لا يقبله نظام هذه المدرسة؛ القائم على التّقليب؛ الَّذي لا يعتدّ بحرف أوّل أو آخر؛ فالحرف يدور؛ فما كان أوّلاً يعود آخراً، وما كان آخراً يعود أوّلاً.
ثمّ إنّ نظرة سريعة تلقى على ما جاء في الرُّباعيّ وحده تكفي لنفي ما ذكره التَّادليّ؛ أليس من طريقتهم أنّهم يضعون نحو: (زُرْقُمٍ) و (سُتْهُمٍ) و (شَدْقَمٍ) في باب الرُّباعيّ، مع نصِّهم على أنّ الحرف الأخير في هذه الكلمات زائد؟ أمّا المدرسة الهجائيّة العاديّة فإنّ التّادليّ أشار فيها إلى معجمين: (المجمل) لابن فارس، و (المغرِب) للمطرِّزيّ؛ ولا يستطيع أحد أن يقول: إنّ ابن فارس وضع كلماته الرباعيّة أو الخماسيّة؛ ناظراً إلى أصالة الحرف الأخير فحسب؛ بل إنّ صنيعه كان عكس ذلك تماماً؛ إذ كان يعتدّ بالحرف الأوّل فحسب، وهو حرف الباب.
بقي عمل المطرِّزيّ في (المغرِب) ويظهر أنّه هو أساس هذه الفكرة؛ الَّتي اقتبسها التَّادليّ وعمّمها، وقد نصَّ التّادلي عليه صراحةً في

بعض المواضع؛ فقال: "وقد صرّح المطرِّزيّ بهذا الصّنيع من كونهم يعتبرون في الرُّباعيّ والخماسيّ أصالة الحرف الأخير؛ قال في خطبة المغرب 1: فقدّمتُ ما فاؤه همزةً، ثمّ ما فاؤه باءٌ حتّى أتيت على الحروف كلِّها، وراعيت بعد الفاء العين ثُمَّ اللاّم، ولم أراعِ فيما عدى الثّلاثيّ بعد الحرفين إلاّ الحرف الأخير الأصلي"2.
ولا شكّ أنّ هذا الَّذي ذهب إليه المطرِّزي يؤدّي إلى اختلال التّرتيب؛ لأنّه يهمل بعض الحروف الأصول، ولا يعتدّ بها؛ فلا سبيل محكماً فيه إلى ترتيب الكلمات الرّباعيّة والخماسيّة، الَّتي تساوت في الحرفين الأولين والحرف الأخير؛ مثل (ق س ط ل) و (ق س ط ب ل) وكذلك (خ ز ع ل) و (خ ز ع ب ل) . فمن غير المقبول - إذن - أن يردَّ التّادلي على الفيروزآباديّ، وينتصر للجوهريّ؛ مستدلاًّ بمنهجٍ غير منهجهما؛ لا يعتدّ بكلّ أصول الكلمة.
وثَمَّةَ مواضع مختلفة في (الوشاح) لم يخل ردُّ مؤلّفه فيها من تحاملٍ أو تعنّتٍ؛ ولعلّ من أبرزها أنّه وجد المجد ينتقد الجوهريّ لأنّه جعل (الهَمَلَّعَ) وهو: السَّريع من الإبل - في الثّلاثيّ (هـ ل ع) 3 ونصَّ المجد

على أنّه رباعيّ 1؛ فقال التَّادليّ: (بل هو خماسيٌّ؛ إذا نظرت إلى أصول البنية؛ كما تقول في زَكَّى: رباعيّ؛ وهو ثلاثيّ في الرّسم؛ والجوهريّ قال: وأظنّ اللاّم زائدة ولم يجزم) 2 فقول التَّادليِّ: (بل هو خماسيٌّ …) لا داعي له في نقد الأصول البتَّة، وهو من المسلّمات؛ الَّتي لا تخفى على المبتدئين في علوم اللُّغة. وقد ذهب التَّادلي إلى أبعد من ذلك؛ حين زعم أنّ الفيروزآباديّ لا يعرف مواضع الزّيادة3.
وثَمَّةَ مواضع كان ردّ التّادلي فيها مبنياً على خطأ صريح، أو كان استنتاجه فيها غير صائب؛ كردّه في أصل (الدَّيْدَبُون) 4 وأصلِ (الشَّاصِلَّى) 5. وعلى الرّغمِ من هذه الهفوات فإنّ التّادليّ في (الوشاح) أبان عن دراية واسعة باللُّغة، وقدرةٍ طيّبةٍ في العرضِ والرَّدِ والاستدلال؛ ممَّا بوّأه مكانة مرموقة في النّقد المعجمي.
وبعد؛ فلعلّ فيما سقناه، في هذا الفصل، ما يكفي للإبانة عن أثر تداخل الأصول في النّقد المعجمي، وإسهامه في إثراء حركة التأليف

المعجمي؛ المتمثّلة في الرّدود والانتصارات والموازنات والتّعليقات والتّنبيهات ونحوها.
وقد تأكّد - في خلال هذا الفصل - كثرة التَّداخل في البناء الواحد، ولاسيَّما الثّلاثيّ، وشيوعه بين الثّلاثيّ والرّباعي، وقلته بين الرُّباعيّ والرّباعي، وندرته بين الخماسيّ والخماسي.
وبحساب متوسّط النِّسَب في الكتب السّتّة السّابقة نصل إلى النّتائج التّالية: ... ابن بري ... الصَّغانِيّ ... الصّفدي ... الفيروزآباديّ ... داود زاده ... التَّادلي ... المتوسط التَّداخل في البناء الواحد ... 82.85% ... 47.5% ... 70.85% ... 61.94% ... 68% ... 60.24% ... 66.896% التَّداخل في البناءين ... 17.14% ... 52.5% ... 19.14% ... 38.05% ... 32% ... 39.75% ... 33.096%

النقد المعجمي عند المتأخرين

تمهيد الفصل الثاني

... الفصل الثاني: النقد المعجمي عند المتأخرين تمهيد استمرت حَرَكة النَّقد المعجميّ نشطة قويّة في العصر الحديث؛ بل ظَهَرت دراسات عامّةٌ تبحث في خصائص المعاجم العَرَبية وفي عيوبها، أو في خصائص شيءٍ منها وما فيه من نقائض.
وظهرت معاجم هَدَفَ أصحابها منها إلى سدِّ مواطِنِ النَّقصِ في المعاجم القديمة، وإضافة ما جدَّ من ألفاظٍ، وما تطوَّر من معانٍ؛ ممَّا تتطلبه مستجدَّات العصر؛ ووضْعِها في قالب معيّنٍ من الترتيب، سَهْلِ المَأخَذ، مُفْصِحٍ عن سِرِّ العربيَّة في الوَضْع؛ كما ظهر هذا الأخير جلياً عند الشِّدْياقِ في معجمه (سِرِّ اللَّيال في القلب والإبدال) . ولم يكن ما بدا جديداً في أمر الترتيب سوى استلهام لما جاء عند بعض المعجَمِيِّين القُدامى في مدرسة الصدور المدرسة العاديَّة؛ التي تراعي الحرف الأوَّل في أصل الكلمة؛ ثمَّ الذي يليه، وهكذا بقيَّة الحروف.
على أنَّ المتأخرين تميَّزوا بالدقة والبراعة فيما يتصل بالترتيب الدَّاخليِّ لكل مادَّة؛ وقدموا الأفعال على الأسماء، والمجرَّد على المزيد، والمعنى الحسِّيِّ على المعنى المجازيِّ، والفعل اللاَّزم على المتعدي1 ودخلت في تضاعيف هذا التنظيم دواعي الاختصار واستخدام الرُّموز، وتوظيف الرسُّوم والصُّوَرِ في إيضاح المعنى.

وإنَّما ظَهَرَ التَّجديد ضمن الإطار الشَّكليِّ؛ فكان جانب المضمون أقلَّ خظًّا؛ فقلّت عنايتهم فيما ألَّفوه من معاجم بأصل المعنى؛ ولم يُراعوا التَّدَرُّج التَّاريخيَّ للدِّلالة1.
وكان من أهمِّ ما أخذوه في دراساتهم النَّقديَّة المختلفة: 1- صعوبة التَّرتيب والتبويب في بعض المعاجم.
2- الحشو والاستطراد.
3- إهمال التَّرتيب الدَّاخليِّ للمادة الواحدة، وتكرار الصِّيغ فيها.
4- التَّصحيف والتَّحريف.
5- قُصور التَّعريف2.
وثمَّة مؤلفات عُني أصحابها بالاستدراك على المعاجم العربيَّة القديمة أو بتصحيحها؛ ومنها: المأنوس من لغة القاموس، للشيخ محمد رضا الشبيبي؛ واختار فيه ألفاظاً معيَّنة من القاموس، وترك غيرها؛ فهو أقرب إلى كتب الاختيار؛ والجانب النَّقديُّ فيه قليل3.

2- تصحيح أغلاط لسان العرب وتاج العروس، للأب أنستاس الكَرْمِليّ؛ وهو كتاب مفقود نُهبَ -كما قيل- من خزانة الأب في أثناء الحرب العالمية الأولى1.
3- تصحيح القاموس المحيط، لأحمد تيمور، ونبَّه فيه على ما وقع من الأغلاط في القاموس. 4- نقد أساس البلاغة، لحسين محفوظ. 5- تحقيقات معجميَّة، لمَرْمَرْجِي الدُّومنكيّ؛ وهي أربع مقالات نشرها الدُّومنكيّ في مجلة المجمع العِلميِّ العربيِّ بدمشق2.
وممَّا يلفت النَّظر - ابتداءً - ضعف عناية المتأخرين بنقد تداخل الأصول وانصرافهم عنه إلى أشياء أخرى في المعاجم ليست أكثر أهمِّيَّةً منه؛ فشغلوا بها عنه، أو عَرَضَ له بعضهم فأوجَزَ غاية الإيجاز؛ كما فعلَ العطَّار3 والدُّكتور أحمد مختار عُمر4.

وقد رأيت أن أبسط الكلام عن هذا كلَّه في خلال ثلاثة مباحث تُلِمُّ بجُلِّ ما ذكرُوه، أحدُها خاصٌ بالنَّقد المُعجميِّ عند الشِّدياق في (الجاسوس) . والثاني: خاصٌ بالنقد المُعجَميِّ عند الدكتور حُسين نَصَّار في كتاب (المعجم العربيِّ) . ويعرض الثَّالث لبعض ما تفرَّق من النقد المُعجميِّ عند المتأخرين في كتبهم العامَّة، وأبحاثهم المتنوِّعة:

المبحث الأوَّل: الشِّدياق في (الجاسوس على القاموس)

يُعدُّ أحمد فارس الشِّدياق من روّاد المعجم العربيِّ في العصر الحديث، ويُعدُّ كتابه (الجاسوس) أوسَعَ دراسة منظمة في النَّقد المعجمي قديماً وحديثاً، كان أُسُّهُ (القاموس المحيط) الذي غدا من أشهر المعاجم في العصور المتأخرة، وأكثرها تداولاً بين أبناء العربيَّة؛ فاتخذه الشِّدياق مثالاً لما في المعاجم العربيَّة من عيوب أو نقص، واتَّخذ من نقده وسيلة للإبانة عن حاجة العربية إلى معجم جديد منقَّح، سَهل التَّرتيب، مُبين عن سرِّ الوضع في اللغة.
ولم يكن اهتمام الشِّدياق في كتابه مقصوراً على نقده (القاموس) بل تعدَّاه لجملة من النَّقدات المتفرقة الموج‍َّهة لـ (التهذيب) و (الصحاح) و (اللسان) وغيرها؛ فجاء كتابه ذخيرة غنية بالمعلومات عن (القاموس) وغيره، ومرجعاً لا غنى عنه في النقد المعجميِّ.
ويُمكن تلخيص الدَّوافع التي حملت الشِّدياق على تأليف (الجاسوس) في اثنين: الأول: غَيْرَتُهُ على اللغة العربية، وحث أهلها على حُبِّها، والتمسك بها، والرَّدِّ على من يقول: إنَّ العربيَّة لم تعد قادرة على استيعاب ما استجد في هذا العصِّر1.

الثاني: حِرْصُهُ على إحياء النِّشاط المُعجميِّ، وتنقية المعاجم العربيِّة مما يَشُوبها1؛ فرأى أن يتَّخِذ من نقد (القاموس) مثالاً لذلك؛ لبيان ما فيه من إيجاز مُخِلٍّ، وإيهام مضلِّ، وخلل في ترتيب المشتقات، وتصحيف وتحريف، والنَّاس راضون عنه راوون منه، وأراد أن يُبيِّنَ لَهم من الأسباب ما يَحُضُّ أهلَ العَرَبيَّة في زمانه على تأليف مُعجم سَهل التَّرتيب، واضح التَّعاريف، نقيٍّ من التَّصحيف والتحريف2.
لقد استطاع الشِّدياق أن يقدِّم دراسة منظّمة في أبواب خالف فيها القُدامى الَّذين اتَّخذوا من التَّرتيب المعجميِّ للألفاظ منهجاً في العرض؛ فجاءت نقداتهم مبثوثة في ثنايا كلامهم؛ لا يحكمها نظام سوى ترتيب المادَّة؛ فجعل كتابه في أربعة وعشرين باباً، أتى فيها على جُلِّ ما يمكن أن يُوجَّه للقاموس أو غيره من نقد؛ كإبهام تعاريفه والتباسها بغيرها، وقُصور عبارته وغموضها وعجمتها وتناقضها، وما في ذلك من الإبهام في المصادر والمشتقَّات والعطف والجمع، وعدم خُضوعها لقواعد اللُّغة.
كما تناول - بالنَّقد - ذُهول الفَيْروزاباديِّ عن معاني بعض الألفاظ؛ الَّتي وضعت لها في الأصل، وتعريفَهُ اللَّفظ بالمعنى المجهول؛ دون المعنى المعلوم الشَّايع، وتقييدَهُ المطلق، وتشتيته المشتقات وتكرارها، ووقوعه في الحشو والفضول، وخلطَه الفصيحَ بالضعيف، والرَّاجح بالمرجوح، وخروجه عن اللَّغة، ووقوعه في التَّصحيف والتَّحريف، وغير

ذلك.
وقد صَدَّرَ ذلك كله بمقدمة طويلة أتى فيها على مسائل متفرِّقة، وذَيَّلَ كتابه بخاتمة خَصَّها بصيغة افْتَعَلَ بين التعدِّي واللُّزوم.
وكان نصيب تداخل الأصول وافراً في (الجاسوس) إذ أفاض في الحديث عنه في بعض الأبواب؛ وهي كما يلي: النَّقد التاسع؛ وهو مخصَّص لما أهمل المجدُ الإشارة إليه، أو أخطأ موضع إيراده.
النَّقد السادس عشر؛ وهو مُفرد لما لم يُخطّئ المَجْدُ به الجَوْهَرِيَّ، مع مُخالفته له، وفيما خطَّأه به، ثم تابعه عليه.
النَّقد الحادي والعشرون؛ وهو مخصّص لما ذكر في موضعين غير مُنَبِّهٍ عليه.
كما نثر كثيراً من مسائل التَّداخل في مقدِّمته الطَّويلة، فتفوق بذلك في نقد الأصول؛ إذ تجاوز مَن سَبَقَهُ في غَزَارة مادَّته، ويؤكد هذا تحليل ما في كتابه، وإحصاء ما جاء فيه من نقْدٍ للتَّداخل؛ حيث حوَى كتابه نحو مائتي مادَّة1 خلا ما أثاره من قضايا حول التَّداخل في مقدمته الطويلة.
ونستطيع أن نُبرزَ الجانب النَّقدي للأصول، في المسائل التَّالية:

أ- قضايا التَّداخل في المقدمة: عَرَض الشِّدياق - في مقدمة كتابه - لبعض ما يتَّصل بالتَّداخل من قضايا؛ كخصائص بعض الحُروف في التَّداخل، والاشتقاق، والمُعرَّب، وترتيب الرُّباعي المُضاعف، والتَّرتيب المعجميِّ.
فمن الحروف الَّتي قد تُؤدي إلى التَّداخل الهمزة؛ وقد أدرك الشِّدياق دورها في هذا الشأن، ونشوزها على أقلام المؤلفين؛ فذكر أن أكثر ما يَزلق فيه صُنَّاع المعاجم من حيث إيراد الألفاظ هو ما كان فيه الهمزة، ومزلقتها أن بعضهم يَعُدُّها أصلية؛ ويَعُدُّها بعضهم الآخر زائدة أو منقلبة عن حرف علَّة؛ فنشأ بينهم خلاف فيها؛ وذكر أنَّ صاحب (القاموس) أفاد من هذا الخلاف؛ فأخذ بقول بعضهم لتخطئة الجَوْهَريَّ، وأنَّه أظهر التَّعنُّت في أوَّل كتابه.
وقد استَدَلَّ الشِّدياق على رأيه بعدَّة مواضع انتقد فيها المَجدُ الجَوهريَّ؛ كانتقاده إيَّاه في مادة (أب أ) إذ ذكرَ فيها الأَبَاءة؛ القَصَبَة، وقرَّرَ أنَّ هذا موضعها الصَّحيح لا المعتلّ؛ كما توهَّمَه الجَوهريُّ وغيره1؛ ونقل الشِّدياق خلافهم في أصلها بما يرجِّح مذهب الجَوهريِّ؛ مستدلاً بأقوال المُحَشِّي2 وابن بَرِّي، ونصِّهم على أنَّ اختلاف العُلماء في أصل هذه الكلمة، وأنَّ القول بأنَّها مهموزة كان مذهب سيبويه وابن جِنِّي؛

حملاً على الظَّاهرحتَّى يقوم دليلٌ على الياء أو الواو، ولكنَّهما لم يذكرا ذلك على طريقة الجزْم؛ إذ في كلامهما ما يدلُّ على الاحتمال؛ وهو لا يُدفع به اتِّفاق الجُمهور على كونه معتلاً؛ وهو اختيار أكثر أئمة اللُّغة من المتقدّمين والمتأخّرين، ومنهم الخليل، والجَوهريُّ، وذكرهم إيَّاه في الباب المعتلِّ هو الراجح1.
ومما استدلَّ به على مزلقة الهمزة خلافهم في همزة (القِندَأْوِ) إذ ذهب بعضهم إلى أنَّها أصليَّةٌ؛ فتكون الكلمة من (ق د أ) ووزنها (فِنْعَلْو) وذهب بعضهم إلى أنَّها زائدةٌ وأنَّ أصل الكلمة (ق ن د) فيكون وزنها (فِعْلأو) 2. ومن تلك الحُرُوف النُّون؛ والشِّدياق يرى أن مزلَقَتها أعمُّ وأطمُّ؛ لأنَّها تلتبس في أوائل الألفاظ وأواسطها وأواخرها؛ ومثَّل للأوَّل بـ (النَّرجِس) أَشار إلى خلافهم في نُونه، ومثَّلَ للثَّاني بألفاظ منه: (الحِنزاب) وهو: الدِّيكُ، و (العُنْصُر) و (الغُرْنُوقُ) و (النَّخَارِيبُ) ولا يخفى أنَّ النُّونَ -في هذا الأخير- ليست وَسَطاً؛ وهو سَهْوٌ منه.
ومَثَّلَ للثَّالث بـ (التُّرجمان) وانتقد صاحب (القاموس) لتحميره إيَّاه، مع أنَّ الجَوهريَّ ذكره، ولكن في الثُّلاثيِّ (ر ج م) ومنه: حَوْمانَةُ الدَّرَّاج، والرُّبَّان،

والدُّكَّان؛ والنُّون في ذلك كلِّه تحتمل أن تكون أصليَّةً، وأن تكون زائدةً1.
وأراد الشِّدياق - في مقدمته- أن يُنَبِّه صُنَّاع المعاجم على مزْلَقَةِ تلك الحروف، ويَحُثَّ على التزام الحَذَرِ الشَّديد عند مُصادفتهم ما يقع فيه مثل تلك الحروف، وأن لا يَأخذوا برأيٍ فيها دُون آخر؛ ومن غير تدقيق وتمحيص، وعرْضٍ على مقاييس اللُّغة. والغريب أنَّه - مع دقّته وحرصه على الجمع والاستيعاب - لم يُنَبِّه على مَزْلَقة الميم؛ وهي كالنون في الالتباس، وأمرُها مشهورٌ؛ إذ تُشكل أوَّلاً، نحو: مكانٍ، ومدينةٍ، ومَذبحٍ، ووَسطاً نحو دُلامِصٍ، وهِرْماسٍ، وطِرِمَّاحٍ، وآخراً؛ نحو زُرْقُمٍ، وشَجْعَمٍ، وخَلْجَمٍ. ومن القضايا الَّتي عَرَضَ لها - في مقدمته - اختلافهم في الاشتقاق؛ وهو أَدْعَى لِشَحذِ الذِّهن، وإِعمال الفكرِ، وإِظهار البَرَاعة؛ ومثَّلَ له بخلافهم العَريض في أصل لَفْظ الجَلاَلة، و (القرآن) و (إلياس) ونَقَلَ عنهم قدراً صالحاً من الآراء والتَّوجيهات2.
ويَلْحَقُ بهذا اختلافهم في اشتقاق المُعَرَّب والأعجميِّ؛ فقد أشار إلى التَّداخل في بعض الكلمات المعرَّبة كـ (الإستَبرَق) و (الفَيْلسوفِ) و (الأرْجوان) .

وقال: "وفي الواقع فإنَّ اعتبار زيادة الحروف في الألفاظ العَجَميَّة أمرٌ غريب؛ لأنَّ شأن المزيد أن يُستغنى عنه بالأصل؛ الَّذي زيد عليه، وهُنا ليس كذلك؛ إذ لا شيءَ من الهمزة والألف والنُّون في: أرجوانٍ -زائد، ومن ثمَّ يتعيَّن إيراده في (أر ج) كما أشار إليه المُحشِّي1 حيث قال في: ما تريد: إن كانت هذه الكلمة عجميَّة؛ فالصَّوابُ أن تُعدَّ حروفها كلُّها أصولا؛ فتُذكر في فصل الميم"2.
وما ذهب إليه الشِّدياق في جعل حروف المعرَّب أو الأعجميِّ جميعها أصولاً هو القول الرَّاجح؛ كما تقم في الباب الرَّابع3.
وممَّا أثاره - في المقدمة - حديثه عن الخلاف الواقع بين المُعْجَمِييِّن في ترتيبهم الثُّلاثيِّ والرُّباعيِّ المُتَّحدين في الحروف الأوَّل والثّاني والرَّابع؛ نحو (خ ر ص) و (خ ر ب ص) و (خ ل ص) و (خ ل ب ص) و (س ر ق) و (س ر د ق) فذكر أنّ الجوهريَّ كان يُقدم الثُّلاثيَّ في ذلك كلِّه، وخالفه الفيروزاباديُّ؛ فعكس ذلك بتقديمه الرُّباعيَّ على الثُّلاثيِّ، ولم يخطِّئه.
وحاول الشِّدياق أن يلتمس حُجَّة كلِّ منهما؛ فذكر أنَّ حُجَّة الجوهريِّ مَبنية على أنَّ الثلاثيَّ مقدم على الرُّباعيِّ في الطَّبعِ؛ فينبغي أن يُقدم عليه في الوضع.
أمَّا المَجْدُ فكانت حُجَّته أنَّه لا يُوصل إلى الحرف الأخير إلاَّ بعد ما يتقدمه من الحروف.
غير أنَّ صَنيع المجدِ في هذا كان

ينقصه الاطِّراد؛ إذ تابع الجوهريَّ في إيراد (ح ص م) قبل (ح ص ر م) و (خ ض م) قبل (خ ض ر م) و (س ر م) قبل (س ر ج م) فانتقده الشِّدياق فيه، وذكر أنَّ هذا دأبه؛ إذ لا يستقرُّ على طريقة واحدةٍ1.
ويبدو أن الشِّدياق كان متردداً في ترجيح إحدي الطَّريقتين؛ إذ التزم الصَّمتَ في هذا الشأن.
والرَّاجح تقديم الرُّباعي إن كان حرفه الثَّالث أسبق في الهجاء من الحرف الثَّالث في الثلاثيِّ، وتأخيره إن كان حرفه تالياً في الهجاء لما يُقابله في الثُّلاثيِّ؛ فمثال الأوَّل (خ ل س) و (خ ل ب س) فحقُّ الرّباعي -هنا- التَّقديم، ومثال الثَّاني (ز ح ف) و (ز ح ق ف) فحقُّ الرُّباعيِّ -هنا- أن يُؤخر عن الثُّلاثيِّ.
والعِلَّةُ في هذا أنَّ المُعجم مبنيٌ على الحروف ومواضعها في التَّرتيب الهجائيِّ؛ وليس على الأبنية.
وألحق الشِّدياق بذلك اختلاف المعجميِّين في موضع المضاعف، وأشار إلى الخلاف المشهور فيه بين البَصريِّين والكوُفيِّين2؛ وانتقد الفيروزابادي فيه، ووصف طريقته بالتخليط؛ فإنَّه يُورده، تارة في الثلاثيِّ على مذهب الكُوفيِّين؛ كما في كلمة (شلشل) وتارة في الرُّباعيِّ، كما في كلمة (سلسل) مع أنَّ المسافة بينهما قريبةٌ3.
والحق أنَّ الفيروزابادي لم ينفرد بهذا التخليط، الَّذي أشار إليه الشِّدياق؛ فقد اشتركت فيه أكثر معاجم القافية؛ كما تقدَّم4.

ومن القضايا المهمّة الَّتي عرض لها الشّدياق في مقدمته - ممَّا له صلة بتداخل الأصول حديثه عن الترتيب المعجمي، وانتقاده بعض المدارس، وقد بدأ حديثه بالكلام عن مدرسة التقليبات، وأشار إلى أهم المعاجم الَّتي اتبعتها، وانتهى إلى أنّ هذه المعاجم اتبعت نظاماً عسيراً زاده صعوبة التزامها الترتيب الصّوتي غير المشهور. غير أنّه أوهم مرتاد هذا النوع من المعاجم؛ حين قال: إنّ البحث عن الألفاظ فيها "صعب جداً؛ لأنّك إذا أردت أن تبحث مثلاً عن لفظة: رَقَبَ، لم تدر هل هي الأصل؛ فتبحث عنها في الرّاء، أو مقلوبة عن: قَرَبَ؛ فتبحث عنها في القاف، أو عن: بَرَقَ؛ وما بين هذه الحروف مسافة بعيدة"1.
وهذا القول عجيب من الشدياق ومخالف لواقع تلك المعاجم؛ فإنّ القارئ لا يحتاج إلى هذه الاحتمالات الَّتي ذكرها؛ فحسبه - في هذه المعاجم - أن يعرف أسبق حروف الكلمة في الترتيب الصّوتي؛ بغضّ النّظر عن كونه فاء الكلمة أو عينها أو لامها؛ فـ (رَقَبَ) مثلاً تعود إلى كتاب القاف؛ لأنّه أسبق الحروف الثلاثة، ولمّا كانت الرّاء أسبق من الباء فالكلمة بجميع تقليباتها في باب القاف والرّاء والباء؛ أي في (ق ر ب) . وتحدّث الشِّدياق عن ترتيب الجوهريّ ومن تابعه؛ وهو ما يعرف بمدرسة القافية؛ فشرح طريقتها، وفضّلها على نظام التقليبات، ثمّ شرع في

الكلام عن النّظام الثالث؛ وهو الَّذي اشتهر على يد الزمخشري في (الأساس) الَّذي يتخذ من الحرف الأوّل؛ والذي يليه إلى آخر الكلمة أساساً للتّرتيب؛ وهو ما يعرف - حديثاً - بالمدرسة الهجائيّة العاديّة وأسميه مدرسة الصدور؛ وقد ارتضى الشّدياق هذا المنهج، وفضّله على نظام القافية؛ لأنّ في هذا الأخير - أعني: نظام القافية - فصلاً لتناسب معاني الكلمة، ومواراةً لأسرار وضعها ومبانيها، وفيه إجحاف - كما يقول - بأحرف الكلمة؛ لأنّنا نرى أنّ كثيراً ممَّا ورد في باب الهمزة؛ وهي أول المعجم؛ يعاد في باب المعتلّ؛ وهو آخر المعجم؛ نحو: برأ الله الخلق وبراهم، وحضأ النّار وحضَاهَا؛ أي: أوقدها، بينما تقترب المسافة بينهما في النظام الآخر؛ الَّذي اتّبعه الزّمخشري1.
كما أنّ الألفاظ؛ الَّتي تأتي من الثنائي المضاعف، تعاد - أحياناً - في نحو: أَلَّ وأَلَبَ، ورّبّ ورَبَىَ، ودَحَّ ودَحَا، وذكر أنّ أمثال ذلك لا يعدّ ولا يحصى؛ بينما تكون متقاربة في النّظام الهجائي العادي؛ وبهذا يفضل هذا النّظام على ما سواه؛ لأنّ فيه تظهر حكمة وضع اللّغة2 ولعلّ هذا ما دفع الشِّدياق إلى بناء معجمه (سرّ اللّيال) على هذا النّظام؛ فتكشّف له كثير من الأفكار، الَّتي نادى بها، ولا سيّما ثنائيّة اللغ ب- نقده ما جاء في غير موضعه: يؤدي تداخل الأصول إلى وضع الكلمة في غير موضعها الصحيح؛

لأنّ تغيير حرف واحد في الكلمة يعني تغييراً لموقعها في المعجم؛ وقد أدرك الشّدياق أهمية ذلك، وكان يعدّه خللاً بيّناً في التّرتيب 1 فعقد له باباً خاصاً؛ وهو النّقد التّاسع، خلا ما ذكره مفرّقاً في مقدّمته؛ وهو كثير.
فمنه انتقاده المجد في (ع ل ل) 2 لأنّه أورد فيه قولهم: هو من عِلِّيَّةِ قومه، وعُلِّيَّتهم، وعِلْيَتِهم، وعِلِّيِّهم، وعُلِّيِّهم؛ وهو وصف له بالعلوّ والرِّفعة؛ فلا يخفى أنّ مكانه –على هذا المعنى - المعتلّ 3 كما فعل الجوهريّ4.
ومن ذلك أنّه أخذ عليه ذكره (الأليّ) وهو الكثير الأيمان - في (أل ي) وحقّه أن يذكر في (أل و) فإنّه ذكر فيه آلى بمعنى: أقسم، وليس في اليائي ما يناسب هذا المعنى5.
وأخذ الشِّدياق على المجد الاضطراب فيما ثماثل فاؤه وعينه؛ نحو: كَوْكَبٍ، وشَوْشَبٍ، قال: (ويلحق بذلك تخليطه فيما جاء على وزن (فَوْفَل) [هكذا] فإنّه أورد اللَّوْلَبَ في آخر مادّة (ل ب ب) ثمّ أورد المُلَوْلَب - بفتح لاميه للمرود - بعد مادة (ل وب) وأورد الكَوْكَبَ في مادّة على حدتها قبل (ك ل ب) وكان قياسه أن يوردها في آخر مادة (ك

ب ب) كما أورد اللَّوْلَبَ في آخر مادّة (ل ب ب) وأورد الشَّوْشَبَ - للعقرب - في (ش ب ب) … وأورد السَّاسَمَ - للأبنوس أو لشجر يشبهه - في مادّة على حدتها قبل (س ر ط م) فلم يعتبر أنّ أصلها (س س م) إذ لو اعتبر ذلك لأخّرها عنها؛ لأنّ الس‍ّين بعد الرّاء1.
والحقّ أنّ ما ذكره الشِّدياق - هنا - موضع اضطربت فيه أكثر المعاجم، وموضع هذا النّوع الجذر الثّلاثيّ؛ فيكون الحرف الثاني المعتلّ زائداً؛ على أنّ جعل الشّدياق الكَوْكَبَ ونحوه على وزن (فَوْفَل) غير مستقيم؛ لأنّ فيه إهمال العين؛ فتكون الكلمة ثنائيّة، أو ثلاثية محذوفة العين؛ ولا دليل على ذلك، والرّاجح أنّ وزنها (فَوْعل) وهو ما يقتضيه سياق نقده؛ وهو ما عليه علماء العربيّة - أيضاً - على أنّه يمكن حمل كلام الشِّدياق على أنّه أراد ب - (فَوْفَل) الكلمة؛ وهي ثمر لنوع من النّخيل؛ وليس المراد الوزن؛ كقولنا: شَوْشَبٌ على وزن كَوْكَبٍ أي: نظيرها.
وكان الشِّدياق يستعين كثيراً بالنّظائر في نقده صاحبَ (القاموس) أي: أنّه إذا وجده يضع الكلمة في أصل، وضع هو نظيرتها في أصل مغاير، فمن هذا قوله: (ذَكَرَ: قُوْسْ قُوْسْ في (ق س س) وحقّه أن يذكره في (ق وس) كما ذكر: أَوْسْ أَوْسْ في (أوس) 2. وقوله: "ذكر سَمَجُون - مُحرّكة - وسَمْجُون: من علماء الأندلس؛ في باب النُّون، وحقّه أن [يذكرهما] في الجيم والحاء، كما ذكر

سَيحُون في الحاء، وابنَ سبعونَ في العين"1.
وهكذا يستمرّ الشدياق في نقده الفيروزآباديّ فيما أورده في غير موضعه؛ غير أنّه لم يبيّن لنا الضَّرر المترتب على ذلك، أو ينبّه عليه.
ج- نقده ما جاء في موضعين: تقدَّم أنّ من أهمّ نتائج التَّداخل أن توضع الكلمة الواحدة في موضعين أو أكثر.
وفي (القاموس) شيء غير قليل منه، وقد تنبّه له الشِّدياق؛ فعقد له باباً؛ وهو النّقد الحادي والعشرون، وجمع فيه قدراً صالحاً من الشّواهد؛ وأكثرها ممَّا جاء في موضعين، وقليل منها ما جاء في أكثر من موضعين.
وله في ذلك كله ثلاث طرق: إحداهنّ: أن يكتفي بالتّنبيه على التَّداخل بدون مناقشة أو تفصيل، كقوله: "ذكر الإرث في مادّته 2 وفي (ور ث) والإرَة للنّار في (وأ ر) و (أر ى) "3. وقوله: "ذَكَرَ السّيفنة في (س ي ف) و (س ف ن) وفِرْزَان الشَّطرنج في (ف ر ز) و (ف ر ز ن) " 4. وثانيتهنّ: أن لا يكتفي بالتّنبيه على التَّداخل؛ بل يتعدّاه إلى التّفصيل والمناقشة؛ مستأنساً في ذلك بآراء بعض العلماء - فتجيء نقداته بذلك

أكثر فائدةً؛ كنقده الفيروزآباديّ في تداخل كلمة الأوّل: ضدّ الآخر؛ فإنّه أوردها في موضعين: (وأ ل) و (وو ل) 1 ففصّل الشّدياق ما فيها من تداخل، وذكر أقوال النحاة، واختلافهم فيها، واستأنس بنصوص من (الصحاح) و (التكملة) و (سفر السعادة) و (المصباح) و (الكلّيات) وغيرها2.
وقريب من هذا ما أورده في كلامه عن التَّداخل في كلمة (اسْتِ الدَّهرِ) 3 و (الدُّكّان) 4 و (اللِّدَة) 5. وثالثتهنّ: أن يورد التَّداخل، وينبّه على اختلاف الرواية في الموضعين، وقد تقدَّم - في الباب الرّابع - أن اختلاف الشّرح في الموضعين يعدّ من أعظم النتائج، وأشدّها ضرراً على القارئ؛ وقد فطن الشِّدياق لذلك؛ فألمح إليه حيناً، وصرّح به حيناً آخر؛ كقوله - بعد أن ذكر أنّ المجد أورد (الشَّنفَرَى) في موضعين: (ش ف ر) و (ش ن ف ر) : (وقال في الأوّل: إنّه: فَنعَلَى) 6 فهذا تلميح باختلاف الشّرح.
ومن تصريحه به قوله: "ذَكَرَ الخِبَاءَ في المهموز والمعتلّ، وخالف في

التّعريف؛ فإنّه قال في الأوّل: الخِبَاءُ من الأبنية معروف، أو هي يائيّة، ثمّ قال في الثّاني: الخِبَاء من الأبنية يكون من وبر أو صوف؛ ولا يكون من شعر"1.
ولم يقتصر نقد الشِّدياق في هذا الباب على ما جاء في موضعين؛ بل تعدّاه إلى ما جاء في ثلاثة مواضع فذكر منها بضع كلمات منها (الألوكَةُ) وهي الرسالة؛ فقد أوردها صاحب القاموس في ثلاثة مواضع؛ وهي: (أل ك) و (ل أك) و (م ل ك) 2. ومنها (اللاّت) اسم صنم، وأخذ عليه الشِّدياق فيها ذكره إيّاها في ثلاثة مواضع؛ وهي: (ل ت ت) و (ل وهـ -) و (ل وي) 3. والحقّ أنّ الشِّدياق كان دقيقاً في أكثر نقداته؛ وكان همّه البحث عن الصّواب؛ وهو يكون تارةً إلى جانب الجوهريّ، وتارة إلى جانب الفيروزآباديّ؛ وقد خالفهما إذا ثبت له بُعدهما عن الصّواب؛ فقد كان بعيداً عن الهوى، قريباً من الإنصاف.
ولسنا في حاجة إلى إيراد أمثلة على ذلك؛ فالكتاب مليء به.
بيد أنّه يؤخذ على الشِّدياق بعض أمور؛ منها: أنه قد ينتقد صاحب (القاموس) على شيء ثم يعود فينتقده على نقيضه؛ كاعتراضه عليه لإيراده الكلمة في الموضعين؛ وهو اعتراض في محله؛ يقتضيه النهج المعجمي

في الترتيب، ولكنّه يأتي –بعد ذلك - بعكسه؛ فينصّ على أنّه كان عليه أن يورد الكلمة في موضعين، كما فعل حين انتقده في كلمة (العِفْرِيت) الَّتي ذكرها في (ع ف ر) بأنّ عليه أن يذكرها في (ع ف ر ت) أيضاً؛ لقولهم: تَعَفْرَتَ؛ وإلاّ فيكون في الكلام (تَفَعْلَتَ) 1. وهذا الَّذي ارتآه الشِّدياق غير سديد من وجهين: الأوّل: أن في مطالبته بإعادة الكلمة في التّاء مخالفةً للمنهج المعجمي الصحيح؛ الَّذي سار عليه هو، وانتقد المجد على وفقه، وعقد له باباً.
الثاني: أنه ليس في قولهم: (تَعَفْرَتَ) دلالة قاطعة على أصالة التاء؛ لأنّ هذا محمول على توهّم أصالة الحرف الزّائد؛ وهو التّاء؛ على حدِّ قولهم: تَمَسْكَنَ وتَمَدْرَعَ؛ وليس في الكلام (تَمَفْعَل) . وممّا يؤخذ على الشِّدياق أنّه قد يختار أصلاً مرجوحاً يفتقد الدليل، ويترك أصلاً راجحاً؛ كانتقاده المجد لوضعه كلمة (اتْمَأَلَّ) بمعنى: طال واشتدّ - بين مادّتي (ت ل ل) و (ت م ل) أي في مادّة (ت م أل) 2 فقرّر الشِّدياق أنّ الصّواب أن تذكر هذه الكلمة في (م أل) كما ذكرت (اتْمَهَلَّ) في (م ? - ل) 3. والصّواب خلاف هذا لأمرين: الأوّل: أنّ (اتْمَأَلَّ) على وزن (افْعَأَلَّ) والهمزة فيه زائدة؛ وهو في الأصل؛ اتْمَالَّ؛ مثل: احْمَارَّ واصْفَار‍َّ، وله نظائر كثيرة لا تكاد تحصى؛

وقد تقدَّم بيان التَّداخل في هذا البناء، وأنّ الهمزة فيه جاءت فراراً من التقاء الساكنين، ولا سيّما في الشعر1؛ فيكون الأصل (ت م ل) ويليه في الاحتمال الأصل الرُّباعيّ (ت م أل) كما فعل صاحب القاموس؛ وهو موافق لرأي بعض العلماء في قولهم بأصالة الهمزة في هذا البناء؛ فيكون الوزن (افْعَلَلَّ) . الثّاني: أنّ جعله (اتْمَألَّ) من (م أل) يقتضي أن يكون وزنه (اتْفَعَلّ) وليس له نظير في أبنية العربية. والغريب أنّ الشِّدياق استدلّ على تخطئة الصّواب بالخطأ؛ وهو ذكر المجد (اتْمَهَلّ) في (م ? - ل) والصّواب أن يعكس ذلك؛ فيستدل على موضع (اتْمَهَلّ) ب - (اتْمَأَلَّ) لأنّه أقوى منه؛ وليس فيه ما يعارض أبنية العرب. وممّا يؤخذ على الشّدياق ما أورده - في أثناء حديثه عن التَّداخل في كلمة (الأُثْفِيَّة) في قوله: غير أنّ وزن الأُثْفِيَّة من (أث ف) : (فُعْلُولَةٌ) وجمعها على (فَعَالِيل) ومن (ث ف ي) : (أُفْعُولة) وجمعها على (أَفَاعِيل) . قال في اللّسان2: "رأيت حاشية بخطّ بعض الأفاضل، قال أبو القاسم الزمخشري: الأُثفِيَّة ذات وجهين: تكون: فُعْلُولة وأفْعُولة"2.
فلا يخفى أنّ في قوله إنّ الأثفِيَّة إن أخذت من (أث ف) يكون وزنها (فُعْلُولة) - نظراً؛ وقد كرّر هذا الوزن مرّتين، وصوابه (فُعْلُوَّة) كما

ذكره الزمخشري في معجمه 1 على تقدير الأصل، قبل القلب؛ وهو (أُثْفُوَّة) ثمّ قلبت الواو تخفيفاً؛ وكسرت الفاء، فقالوا: (أُثْفِيَّة) أو (فُعْلِيَّة) كما في (العين) 2 وهو وزنها بعد القلب، وفي (اللّسان) نقلاً عن بعض الأفاضل عن الزمخشري أنّ وزنها (فُعْلُوية) ولا أدري كيف يجوز هذا؟ إلاّ أن يكون القلب بدأ في الواو الأخيرة؛ فقالوا: (أُثْفُويَة) ثمّ قلبوا الواو الأولى - أيضاً - فقالوا: (أُثْفِيَّة) فيكون (فُعْلُويَة) وزن (أُثْفُويَة) وليس ببعيد أن يكون هذا الوزن محرّفاً؛ لأنه يخالف ما في الأصل المنقول عنه؛ وهو (الأساس) للزّمخشري.
أمّا قول الشِّدياق إنّه (فُعْلُولة) فلا تقبله أقيسة العربية؛ لأنّه يجعل من حرف العلّة المشدّد أصلاً؛ فتكون الكلمة رباعية من: (أث ف ي) أو (أث ف و) وهو غير مألوف؛ لأنّ الواو أو الياء لا تكونان أصلاً في بنات الأربعة، وأحسب أنه محرف من (فُعْلُوية) .

المبحث الثاني: حُسين نصّار في (المعجم العربي)

أخرج الدكتور حسين نصار سنة 1376هـ - كتاباً بعنوان (المعجم العربي، نشأته وتطوّره) 1 وهو يعدّ من أوائل البحوث؛ الَّتي عنيت بتاريخ المعجم العربي، ومن أغزرها مادّة، ووصف فيه مؤلّفه أكثر المعاجم العربيّة وأتى على مناهجها، والرّوابط العامّة الَّتي تربط بينها، وصنّفها في مدارس مختلفة؛ فجاء مرجعاً لا غنى لباحث في المعجم العربي عنه.
وقد خصّص فيه فصلاً لعيوب المعاجم القديمة2 أتى فيه على جملة منها؛ فكان خلل الترتيب من أهمّها، وعرض فيه لتداخل الأصول؛ وإن لم يسمّه باسمه، وهو يعدّه من أهمّ مواطن الشّكوى فيما يتّصل بالترتيب، ويراه وراء الاضطراب الشّديد؛ الَّذي اعترض أصحاب المعاجم في وضع كثير من المفردات 3. وكان يعزو ذلك إلى سبب عام؛ وهو مراعاتهم لبعض الأحكام الصّرفيّة؛ كالاشتقاق، وأصالة بعض الحروف، وزيادتها "فقد أرغمهم هذا على تكرير كثير من الألفاظ؛ الَّتي اختلف الصّرفيّون في أصلها؛ الَّذي

اشتقّت منه، وادّعى كلّ منهم لها أصلاً، وغلّطَ بعضهم بعضاً، و [أرغمهم] على إيراد بعض الألفاظ في مواضع لا تخطر على بال الباحث…وعلى أن يختلف موضع كثير من الألفاظ عند أحدهم عنه عند الآخر"1.
والحقّ أنّه ليس ثَمَّةَ إرغام على تكرير كثير من الألفاظ؛ لاختلاف الصّرفيّين فيها، وإنّما هو محض التزام من بعض المعجميّين، أو اختيار منهم، وهو مخالف للمنهج الصحيح في بناء المعجم، كما تقدَّم بيانه في الباب الرّابع؛ فلا يحسن بنا أن نحمّل التَّداخل فوق ما يحتمله.
وعرض الدكتور نصار - فيما أتى عليه من الأحكام الصّرفيّة - لأشياء يمكن تفصيلها على النّحو التّالي: أ- الرُّباعيّ المضاعف؛ الَّذي عدّه الكوفيّون مشتقّاً من الثّلاثيّ، وعدّه البصريّون مادّة أصليّة، فاضطربت المعاجم بسبب اختلاف الفريقين، فمنهم من جعله في الثّلاثيّ، ومنهم من وضعه في الرُّباعيّ 2. ب- المهموز، وذو النُّون، والمعتلّ الواوي واليائي، فقد اختلفوا في أصالة الهمزة في كثير من الكلمات؛ كالأباءة، والأشاءَة، والحِنْطَأو، والغِرْقِئ، ففي حين يراها أصلية – يراها فريق آخر زائدة، أو منقلبة عن حرف علّة.

واختلفوا في النُّون؛ وهي من المزالق الصّرفيّة عند التأصيل؛ فإنّها تلتبس في أوائل الألفاظ وأواسطها وأواخرها، كما في نونات النَّرجس، والحِنْزاب، والحَوْمَانَةِ.
وكان المعتلّ من الأمور الَّتي لم يخل موقفهم منها من الحيرة؛ فتخلّص كثير منهم من مزلقتها بجمع الواوي واليائي معاً 1. ج- المعَرَّب؛ وهو من الألفاظ؛ الَّتي وضعت بعيدة عن مواضعها، كالإستبرق في (ب ر ق) والأسْفَيْدَاج في (س ف د ج) والدكتور نصّار يوافق أكثر المعجميّين في أنّ النّظرة إلى المعرَّب بمنظار الزّائد والأصلي أمر غريب؛ لأنّ شأن المزيد أن يستغنى عنه، بالأصلي، وليس المعرّب كذلك؛ إذ لا شيء من الهمزة والألف والنّون في (أُرْجُوان) مثلاً - زائد. وهو يدعو - في هذا إلى أن يحذو صنّاع المعاجم حذو أصحاب كتب المعرَّب حين تجنّبوا تجريد المعرّب من أيّ زائد2.
والدكتور نصّار محقّ في أكثر ما قاله - هنا - على الرّغمِ من الاقتضاب الشّديد فيما جاء به من أفكار وذكره من أمثلة.
غير أنّه من البيّن أنّ جلّ ما ذكره في التَّداخل إنّما هو تلخيص أمين لما جاء في مقدّمة (الجاسوس) للشِّدياق؛ وهو لم يخفِ عنّا ذلك؛ فقد ذكر بين يدي هذا الفصل أنّ كتاب (الجاسوس) مع مقدمة (البستان) لبُطرس البستاني هما

عمدته في النّقد المعجمي. د- الاشتقاق؛ وله فيه آراء اجتهادية جريئة لعلّه لم يسبق إليها، وخرج منها بنتائج جانبه التّوفيق في بعضها. إنّ الاشتقاق معدود عند الدّكتور حسين نصّار من أهمّ المشكلات؛ الَّتي تعتري المعجم العربي فيما يتّصل بالتداخل؛ كوضعهم التُّراث في (ور ث) والتَّخمَةَ في (وخ م) والدَّوْلَجَ في (ول ج) وهو يعيب على علماء العربيّة –قديمهم ومتأخريهم - التّمسّك بأنّ العربيّة لغة اشتقاقية [!] فيلزم على ذلك وضع الألفاظ في موادّ تقوم على الحروف الأصول وحدها، واستبعاد الحروف الزّوائد؛ المحصورة في قولهم: (سألتمونيها) وهو لا يعترف بما توصّل إليه علماء العربيّة في حروف الزّيادة العشرة. ويقول إنّ "البحث المقارن بين اللّغات السّاميّة جميعاً يهزأ من هذا الحصر، ويرى أنّ من الممكن زيادة غيرها من الحروف، وقد حدث ذلك فعلاً في العربيّة وأخواتها"1.
ثمّ يعترض على ما بناه علماء العربيّة في حروف الزّيادة؛ مستنداً إلى آراء خاصّة لبعضهم فيها؛ كابن فارس.
فيقول: "فهذا هو أحمد بن فارس من القدماء ذهب إلى أنّ الألفاظ العربيّة الرباعية والخماسيّ‍ة ألّفت بطرق ثلاث؛ النّ‍حت، وزيادة بعض الحروف، والوضع؛ ويهمّنا الطّريق الثّاني فنحن إذا اتّبعنا دراساته تتبّعاً

واعياً خرجنا بأنّ الحروف التّالية كانت من حروف الزّيادة عند العرب: ب ج ح خ د ذ ر ز ش ص ط ع ف ق ك، مع غضِّ النّظر عن حروف سألتمونيها؛ الَّتي لا نزاع في زيادتها؛ فلا يتبقّى - إذن - من حروف العربية غير: ص ظ غ"1.
ويقول: "ولم ينفرد ابن فارس وحده بهذه الآراء؛ فقد وجدت جذورها عند من قبله حتّى نادى الخليل نفسه - وهو أعظم علماء النّحت واللغة العربيّة - بزيادة العين في بعض الألفاظ؛ وإذن فذلك الحصر منهار"2.
ثمّ يحاول الدّكتور نصّار قطع الطّريق على من أراد أن يحتجّ بأنّ زيادة حروف (سألتمونيها) مطّردة، وأنّ غيرها ليس مطّرداً في الزّيادة؛ فيقول: "فإذا كان الأمر كذلك أصبحت المهمّة يسيرة فالزّيادات المطّردة يجب أن ينبّه عليها في مقدمة المعاجم؛ وخاصّة الصّغيرة والوسيطة، ولا تذكر البتة في المفردات.
أماّ غيرها فيؤتى بها فيها في موضعها اللاّئق بها باعتبار جميع حروفها؛ فلا داعي لشغل فراغ كبير بأسماء الفاعلين والمفعولين والتّفضيل والمرة والمكان والزمان وما أشبهها؛ إذا اطّردت في

صيغتها وفي معانيها. أمّا إذا كانت شاذّة في صيغتها، أو تحمّلت في تطوّرها معنى جديداً غير الأصل في مادّتها؛ فلا بدّ من ذكرها في موضعها؛ الَّذي تؤهّله لها حروفها كلّها، وفي هذا الحالة لا يكون لوضعها مع المادّة الأصلية داعٍ؛ لأنّها شاذّة إمّا في الصّيغة وإمّا في المعنى"1.
ومفهوم الشّذوذ واسع عند الدّكتور نصّار؛ فهو لا يقتصر على الصّيغ المعروفة الخارجة عن قياسها في الإعلال مثلاً؛ كاسْتَحْوَذَ؛ فأدخل فيه أمثال: اصْطَبَرَ وازْدَجَرَ، وانتهى فيهما إلى أنّه لا داعي لجعلهما من صيغة (افْتَعَلَ) ومكانهما حيث تؤهّلهما حروفهما كلّها؛ لشذوذهما في الصّورة؛ وكذا الحال في مثيلاتهما2.
ولا شكّ في أنّ ثَمَّةَ أموراً في كلام الدّكتور نصّار في الاشتقاق لا يمكن التسليم له بها، وتقتضي مناقشته فيها، ومنها: الأوّل: أنّ القول بأن من المشكلات المعجميّة عدّ الأقدمين العربيّة لغة اشتقاقية تحتّم وضع الألفاظ في موادّ تقوم على الحروف الأصول وحدها –قول يجافي الواقع؛ فلا أحد ينكر أنّ العربيّة لغة اشتقاقية، بل إنّ الاشتقاق من أبرز خصائصها.
ثمّ إنّ في كلامه عن هذا الأمر دعوة خفيّة لترك الأصول عند بناء المعاجم العربيّة، ووضع الكلمة في المعجم بحسب نطقها بغير تجريد من

الزّوائد؛ وهو ما يناسب اللّغات الإلصاقيّة؛ كالتركيّة، والمجريّة.
أمّا العربيّة فإنّ في الأخذ بذلك تشتيتاً لموادّ تعود إلى أصل واحد.
الثّاني: أنّ قوله: إنّ البحث المقارن بين اللّغات السّاميّة يهزأ بحصر علماء العربيّة حروف الزّيادة، وقوله: إنّ في أقوال بعض علماء العربية ما يهدم نظريّة الحصر هذه، واستدلاله بصنيع ابن فارس في (المقاييس) إنّ ذلك كلّه لدعوى يعوزها الدّليل القاطع والحجّة القويّة؛ فأين هذا البحث المقارن بين السّاميات؛ الَّذي أبطل حصر حروف الزّيادة في العربيّة؟ فإن كان يلمح إلى مذهب أهل الثّنائيّة، واتّكائهم في بعض ما ذهبوا إليه على موازنات ساميّة فإنّه قد رَجَحَ –بعد البحث والتّقصّي فيما تقدَّم - ضعف بنيان هذه النّظريّة، وقد أبطلها كثير من المعاصرين؛ لمّا وجدوها قائمة في عمومها على الافتراض، ومائلة في تطبيقها إلى التّعسّف.
أمّا الاستدلال على بطلان حصر حروف الزّيادة بمذهب ابن فارس، فهو من باب نقض القاعدة الرّاسخة برأي فرديٍّ اجتهاديّ مخالف؛ فإنّ ما عدّه بعضهم زائداً من غير تلك الحروف العشرة، ثبتت أصالته عند جمهور اللّغويين والصّرفيّين والنّحاة المتقدّمين والمتأخرين؛ وهم السّواد الأعظم من علماء العربيّة؛ وقد استنبطوا قواعدهم من الكثير المستفيض من كلام العرب؛ الَّذي أدّاهم إلى نوط القواعد به.
ولا شكّ أنّ في قبول تلك الآراء الفرديّة المخالفة فتحاً لباب واسع من أبواب تداخل الأصول من الخير أن يبقى مغلقاً.
الثّالث: أنّ في دعوة الدّكتور نصّار لذكر الصّيغ المخالفة للقياس في المواضع؛ الَّتي تؤهّلها لها حروفها كلّها؛ دون نظر لأصلي أو زائد أو مقلوب أو مبدل - خرقاً لاطّراد المنهج العامّ في بناء المعاجم، لا يحسن

جارٍ التحميل