الباب الرابع: أسباب التداخل وأثره في بناء معاجم القافية
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- عبد الرزاق بن فراج الصاعدي
- الكتاب
- تداخل الأصول اللغوية وأثره في بناء المعجم
- المؤلف
- عبد الرزاق بن فراج الصاعدي
- الناشر
- عمادة البحث العلمي، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، المملطة العربية السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1422هـ/2002م
- عدد الأجزاء
- 2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
الفصل الأول: أسباب التداخل
...
الفصل الأوّل: أسباب التّداخل
ثَمَّةَ أسبابٌ تؤدّي - في النّهاية - إلى تداخل الأصول في معاجم القافية، ومن أبرزها:
أ- اتّحاد المعنى (تقارب الأصلين والمعنى واحدٌ) .
ب- القلب المكانيّ.
ج- الإبدال.
د- الهمز والتّخفيف.
هـ- التّعريب.
والحذف والتعويض.
ز-الإلحاق.
ح-النّحت.
ط-الضّرورة الشِّعريّة.
ي-تصريف الحروف وما أشبهها.
ك-الإدغام.
ل-الجمع.
م-توهّم أصالة الحرف.
ن-اختلاف الحركات.
س-التّصحيف والتّحريف.
ع-متابعة مدرسة التّقليبات.
وفيما يلي إفراد كلّ منها بشيءٍ من التّفصيل.
أ- اتّحاد المعنى (تقارب الأصلين والمعنى واحدٌ) .
يؤدّي اتّحاد المعنى بين الكلمتين إلى تداخل الأصول، ولا يؤخذ ذلك على إطلاقه؛ فهو مشروطٌ بأن تتّفق الكلمتان في أكثر الحروف؛ وهو ما يعرف اصطلاحاً بباب (سَبِطٍ وسِبَطْرٍ) .
ومنه أن تجد الثلاثيّ على أصلين متقاربين والمعنى واحدٌ؛ فيظنّ أنّهما من أصلٍ واحدٍ؛ وليسا أصلين، كقولهم: شيءٌ رِخوٌ، ورِخْوَدٌّ، بمعنى: ليّنٍ، وهما - كما ترى - شديدا التّداخل في الأصول.
وقد حكى الأزهريّ عن أبي الهيثم1 أنّه يرى أنّ (الرِّخْوَدَّ) و (الرِّخْوَ) أصلٌ واحدٌ؛ وهو (ر خ و) وذكر أنّ الرِّخْوَدَّ: هو الرِّخْوُ: زيدتْ فيه دالٌ، وشدِّدت؛ كما يقال: فَعْمٌ وفَعْمَلٌ2 وهو: الممتلئ.
وعلى مذهب أبي الهيثم هذا يكون وزن (الرِّخْوَدِّ) (فِعْلَدّ) وليس الأمر كذلك.
قال ابن جنّي: "وإنّما تركيب: رِخْوٍ من (رخ و) وتركيب: رِخْوَدٍّ من (ر خ د) وواو رِخْوَدٍّ زائدة"3.
وهو على وزن (فِعْوَلّ) مثل (عِلْوَدٍّ) وهو: الغليظ الرّقبة، و (عِسْوَدٍّ) وهو القويّ الشّديد.
أمّا (رِخْوٌ) فهو (فِعْلٌ) .
ويقوّي هذا أنّ الدّال في (رِخْوَدٍّ) ليست من حروف الزّيادة؛ فلا يقال: إنّ الأصل: (رِخْوٌ) ثمّ زيدت الدّال؛ كما قال أبو الهيثم.
والّذي أدّى إلى تداخل الأصلين في (رِخْوٍ) و (رِخْوَدٍّ) أنّ الفاء والعين فيهما متّفقتان؛ مع اتّحاد المعنى؛ وذلك أنّ الرِّخو: الضّعيف، والرِّخْوَدّ: المتثنّي، ويقال: امرأةٌ رِخْوَدَّةٌ، وجمعها: رَخَاوِيد.
قال أبو صخرٍ الهُذليّ:
عَرَفْتُ من هِنْدَ أطلالاً بذي التُّودِ ... قفراً وَجَارَاتِهَا البِيضِ الرَّخَاوِيدِ1
ومنه تداخل الأصلين (ض ي ط) و (ض ط ر) في قولهم: (ضَيَّاطٌ) و (ضَيْطَارٌ) لاتّحاد معناهما؛ وهو التّبختر والتمايل في المِشْية2، ولاتّفاقهما في أكثر الحروف.
والصّحيح أنّ (ضَيَّاطاً) من تركيب (ض ط ر) و (ضَيْطَاراً) من (ض ط ر) ووزن الثّاني منهما (فَيْعَال) أمّا الأوّل فيحتمل ثلاثة أوجهٍ؛ وهي: (فَعَّال) كخَيَّاطٍ، و (فَيْعَال) كخَيْتَامٍ، و (فَوْعَال) كتَوْرَابٍ، فيكون أصله على هذا الأخير (ضَوْيَاطاً) ثمّ قلبت الواو السّاكنة ياءً، وأدغمت؛
فقالوا: ضَيَّاطٌ1.
ومنه تقارب (فُؤَادٍ) و (فَادٍ) في قول القُطاميّ:
كَنِيَّةِ القَوْمِ مِنْ ذِي الغَيْضَةِ احْتَمَلُوا ... مُسْتَحْقِبِينَ فُؤَاداً مَالَهُ فَادِ2
فـ (فُؤَادٌ) من (ف أد) و (فادٍ) من (ف د ي) .
ومنه (الثّرى) وهو: التّراب النّديّ و (الثَّرَاء) وهو: كثرة المال؛ وهما أصلٌ واحدٌ عند ابن فارسٍ؛ وهو: الكثرة وخلاف اليُبْس3.
وعليه الجوهريّ؛ إذ ذكرهما في (ث ر و) 4، وتابعه فيه ابن منظورٍ5.
وليس (الثّرى) من لفظ (الثّرَاء) فهما أصلان؛ أوّلهما من تركيب (ث ر ي) لقولهم: الْتَقَى الثَّريان؛ وذاك أن يجيء المطر؛ فيرسخ في الأرض حتّى يلتقي هو وندى الأرض.
والثّاني: وهو: الثَّرَاء - من تركيب (ث ر و) لأنّه من: الثّروة، وهي: كثرة الشّيء؛ ومنه قولهم: ثَرَوْنَا بني فلانٍ نَثْرُوهم ثَرْوَةً؛ إذا كنّا أكثر منهم، ومنه كثرة المال، وهذا رأي ابن جنّي6؛ وهو الرّاجح؛
لدلالة الاشتقاق.
وقد تسمّح فيهما الفرّاء؛ فعدّهما من المقصور والممدود؛ على الرّغم من اختلاف الأصلين1.
وأدّى اتّحاد المعنى في (الفَيْشَة) و (الفَيْشَلَةِ) وهما بمعنى: الحشفة في العضوّ المذكّر - إلى تداخل الأصلين: (ف ي ش) و (ف ش ل) في حين أنّه يجوز فيهما وجهان:
الأوّل: أن يكونا أصلين مختلفين، من باب (سَبِطٍ وسِبَطْرٍ) وهو رأي جماعة من العلماء؛ كالجرميّ2، وابن جنّي3، والجوهريّ4، وابن منظورٍ5، والفيروزاباديّ6؛ وهم يذهبون إلى أنّ اللاّم في (الفّيْشَلَة) أصليّةٌ وليست زائدةً؛ ولا يستدلّون بسقوطها في قولهم: (فَيْشَةٌ) فهذه عندهم من أصلٍ مستقلٍّ؛ وهو (ف ي ش) وإنّما دعاهم إلى هذا أنّهم وجدوا الياء في (الفَيْشَلَة) أقرب إلى الزّيادة من اللاّم؛ لكثرة زيادة الياء ثانيةً7 فوزنها عندهم (فَيْعَلَة) .
الثّاني: أن تكون اللاّم في (الفَيْشَلَة) زائدةً؛ لقولهم: (الفَيْشَة) 1. وعلى هذا فوزنها (فَعْلَلَة) واللاّم الثّانية زائدةٌ.
وهذا الرّأي هو الرّاجح عندي؛ إذ اللاّم من حروف الزّيادة، ودلالة الاشتقاق قويّةٌ، وهي من أقوى المقاييس الّتي تُمَيَّز بها الأصول.
ويبدو أنّ الزّبيديّ كان يجيز الأصلين؛ فذكر (الفَيْشَلَة) في (ف ي ش) و (ف ش ل) 2.
وأمّا إذا اختلف المعنى في الكلمتين؛ فينبغي أن يفصل بين الأصلين؛ كـ (المَهَانَة) فهي (مَفْعَلَة) من: الهوان، والميم فيها زائدةٌ، أمّا (المَهَانَة) من: الحقارة فهي عند الجمهور من (م هـ ن) 3، ووزنها حينئذٍ (فَعَالَة) .
وكذلك (مَقِيلٌ) فهو من (ق ي ل) إن كان بمعنى اسم الزّمان أو المكان؛ من: قال يَقِيلُ في القيلولة؛ وهي الظّهيرة؛ فوزنه (مَفْعِل) ؛ لأنّ عين المضارع مكسورةٌ4.
ويكون من (م ق ل) إن كان بمعنى: النّظر أو الغَمْس؛ فوزنه (فَعِيل) بمعنى اسم المفعول5.
ب- القلب المكانيّ:
القلب في اللّغة: تحويل الشّيء عن وجهه، ومنه: قلب الشّيء، وقَلَّبه: حَوَّله ظهراً لبطنٍ، وَقَلَبَ رَدَاءَه: حَوَّله1.
والقلب المكانيّ في اصطلاح اللّغويّين: هو حلول حرفٍ مكان حرفٍ في الكلمة المفردة بالتّقديم والتّأخير: مع حفظ معناها2.نحو: اضْمَحَلَّ وامْضَحَلَّ، وعميق ومَعِيقٍ؛ وسحابٍ مُكْفَهِرٍّ ومُكْرَهِفٍّ، وقَافَ الأثرَ وقَفَاه3.
وهو سماعيٌّ؛ يحفظ ولا يقاس عليه؛ كما قال ابن عصفورٍ4 وهو رأي الجمهور.
ولم يكن القلب المكانيّ محلّ اتّفاق عند العلماء؛ فقد اختلفوا فيه؛ وتفاوتت أدلّتهم في معرفة الأصل من المقلوب، ولاتكاد تخرج آراؤهم في القلب عن ثلاثةٍ:
1- قبول القلب بشكلٍ مطلقٍ.
2- إنكاره.
3- قبوله مقيّداً بوجود الدّليل.
أمّا الأوّل فهو مذهب كثيرٍ من أهل اللّغة؛ إذ تلقّوا القلب المكانيّ بالقبول، وكانوا يرون أنّ لكلّ مثالٍ أصلاً وفرعاً؛ ووافقهم على ذلك
النّحويّون من الكوفيّين1.
وقد أفرد له بعض اللّغويّين - من المدرستين - أبواباً في مؤلّفاتهم؛ جمعوا فيها كثيراً من أمثلته، ومن هؤلاء: أبو عبيدٍ القاسم بن سلاَّم2، وابن قتيبة3، وكُراعٌ4، وابن دريدٍ5، وابن فارسٍ6، وابن سِيدَه7، والسّيوطيّ8.
وكان بعض المتأخّرين من المعاصرين يرون ما يراه جمهور أهل اللّغة من المتقدّمين، وعندهم أنّ مثل هذه الكلمة إذا وقعت في اللّغة الواحدة كالعربيّة؛ فإنّه يجب أن ينظر إليها على أنّ بعضها أصلٌ والآخر مقلوبٌ عنه، ولا معنى للتّفريق بينها9، كما فعل البصريّون - كما سيأتي - فالتّقديم والتّأخير من سمات اللّغة.
أمّا الرّأي الثّاني في القلب فقد تزعّمه ابن درستويه؛ إذ كان ينكر القلب، ويُخرّج ما جاء منه على أنّه من أصولٍ مستقلّةٍ؛ وإن تشابهت في
المعنى؛ فهو عنده من لغات القبائل، ويرى أنّ لكلّ قولٍ مناسبةً، ولكلّ لفظٍ معناه الخاصّ، الّذي ينفرد به عن غيره في العربيّة؛ كالتّرادف والأضداد1.
أمّا الثّالث فهو موقف أكثر البصريّين؛ وقد توسّطوا فيه، وأساس مذهبهم هذا "أنّ كلّ لفظين وجد فيهما تقديمٌ وتأخيرٌ؛ فأمكن أن يكونا جميعاً أصلين ليس أحدهما مقلوباً عن صاحبه؛ فهو القياس الّذي لا يجوز غيره"2.
وقد كان البصريّون يستدلّون على القلب بأمورٍ، منها:
1- أن يقلّ أحد اللّفظين في التّصرّف عن الآخر؛ فيكون الأكثر تصرّفاً هو الأصل، والآخر هو المقلوب؛ كقولهم: أَنَى الشّيء يَأْنِي، وآنَ يَئِين؛ إذا حان وأدرك منتهاه؛ فالأصل: أَنَى، وآنَ مقلوبٌ عنه، والدّليل على هذا ورود مصدر (أَنَى) وهو: الإِنَى والأَنَى3، وليس لـ (آنَ) مصدرٌ.
أمّا إذا تساويا في التّصرّف؛ نحو: جَذَبَ وجَبَذَ؛ فلا يكون أحدهما مقلوباً عن الآخر؛ لقولهم: جَذَبَ يجْذِبُ جذباً، فهو جاذبٌ، والمفعول مجذوبٌ، وجَبَذَ يَجْبِذُ جبذاً، فهو جابذٌ، والمفعول مجبوذٌ4.
وكذلك لا يدّعون في: وَأَدَ ابنته، إذا دفنها؛ وهي حيّةٌ - أنّه مقلوبٌ؛ من: آدَ، بمعناه؛ لأنّ كلاًّ منهما كامل التّصرّف في الماضي، والمضارع، والآمر، والمصدر، واسم الفاعل، واسم المفعول؛ وليس فيه شيءٌ من مسوّغات القلب1.
ولكن ثمَّة ما يدعو للحذر من أخذ هذا المقياس على إطلاقه؛ وهو أنّ اللّغة لم تصل إلينا كاملةً؛ كما قال أبو عمرو بن العلاء2، وابن فارسٍ3، ويزاد على هذا أنّ أصحاب المعاجم لم يلتزموا ذكر كلّ ماجاء على القياس من تصريفات الكلمة؛ فهم كثيراً ما يتركون بعض التّصاريف؛ كالمصادر، والجموع، وأسماء الفاعلين، أو المفعولن؛ لمجيئهما على القياس.
2- أن يُصحّح اللّفظ مع وجود موجب الإعلال؛ كقولهم: أَيِسَ ويَئِسَ، فإنّ الأوّل مقلوبٌ عن الثّاني؛ إذ فيه موجب الإعلال؛ وهو تحرّك الياء وانفتاح ما قبلها، وترك الإعلال دليلٌ على أنّه مقلوبٌ عن: يَئِسَ4.
3- أن يترتّب على عدم القلب اجتماع همزتين في الطّرف في اسم الفاعل من الأجوف المهموز؛ نحو: (جاء) من (ج ي أ) وقياسه قبل
القلب؛ جايئ؛ على وزن (فاعِل) ثمّ يهمز، فيقال: جائئ؛ فتجتمع همزتان في الطّرف؛ فلذا قلب الخليل في (جايئ) خوفاً من اجتماع همزتين فقال: (جائي) بزنة (فَالِع) ثمّ أُعِلّ إعلال قاضٍ؛ فيقال: جاءٍ.
وكذلك في جمعه على (فَوَاعِل) نحو (جَوَاءٍ) وفي الجمع الأقصى لمفردٍ لامه همزةٌ مسبوقةٌ بحرف مدّ؛ كما في: خطايا، جمع: خطيئةٍ؛ وهو مذهب الخليل1، فيكون وزن: جاءٍ وجواءٍ، وخطايا عنده: (فَالٍ) و (فوالٍ) و (فَعَالَى) وهي عند سيبويه (فَاعٍ) و (فَوَاعٍ) و (فَعَائل) 2.
وثَمَّة ما يعرف به القلب غير ما تقدّم؛ كمنع الصّرف بغير علّةٍ؛ لو لم يُقَلْ بالقلب؛ كمنع الصّرف في: أشياء؛ فإنّها (لَفْعَاء) عند البصريّين، وأصلها: شَيْئاء؛ وهي (أفْعَال) عند الكسائيّ، و (أَفْعَاء) عند الفرّاء والأخفش.
وممّا حمل البصريّين على أن يقولوا بالقلب فيها أنّهم ألفوها ممنوعةً من الصّرف، ولم يقولوا بمذهب الكسائيّ لكي لا تمنع الكلمة منالصّرف بغير علّةٍ، واستدلّوا - أيضاً - بأمورٍ منها قول العرب في جمعها: أشَايَا وأَشَاوَى، وأَشْيَاوَات، وقولهم في التّصغير: أُشَيَّاء؛ وأمّا مذهبا الفرَاء والأخفش فقد ضُعِّفَا3.
نعم؛ ويؤدّي القلب المكانيّ - كما أشرت - إلى تداخل الأصول،
ويلتبس الأصل بالفرع، ويجعل الفرع أصلاً والأصل فرعاً في مثل (الهَذْمَلَة) وهي: ضربٌ من المشي عند الجوهريّ، وقد ذكرها في (هـ ذ م ل) فأنكر عليه الصّغانيّ ذلك، وقال: "وقد انقلب عليه اللّفظ، والصّواب: الهَذْلَمَة، وموضع ذكرها حرف الميم"1.
وذكر الجوهريّ (البّازِي) في (ب ز و) 2 على الصّواب؛ لأنّه مقلوبٌ، ووزن (البَازِ) : (فَلَع) 3 على القلب؛ بدليل تكسيره على: أبوازٍ؛ وهو (أَفْلاع) وقد ذكره ابن منظورٍ في (ب وز) 4 على لفظه.
وربّما جعلا جميعاً أصلين؛ على نحو ما ذهب إليه ابن درستويه، أو حملا على الأصلين.
ويظهر هذا جليّاً في بعض معاجم القافية؛ بوضع الكلمة ومقلوبها في الموضعين الأصل والفرع في كثيرٍ ممّا جاء مقلوباً؛ فيعطى كلٌّ منهما شرحاً وافياً، وكأنّه أصلٌ مستقلٌّ برأسه.
فممّا جاء في الأصلين في المعجم الواحد: (لاثٍ) وهو الشّيء الملتفّ بعضه على بعضٍ، ومنه: شَجَرٌ لاثٍ.
وقد ذكره ابن منظورٍ في (ل وث) 5 و (ل ث و) 6 وذكر - أيضاً
- قولهم: قَفَا الأثرَ وقَافَه في الأصلين1.
وذكر الزّبيديّ قولهم: يومٌ حَمْتٌ ومَحْتٌ؛ أي: شديد الحرّ - في الأصلين2.
وممّا تداخلت فيه الأصول بسبب القلب: (الأَفْعَى) وهي: الحيَّة و (الأُفْعُوَان) وهو: ذكر الأفاعي؛ فإنّهما يحتملان أصلين: الأوّل (ف ع و) ووزنهما - عندئذٍ (أَفْعَل) و (أُفْعُلاَن) وهو مذهب أكثر العلماء، ويقوّيه: تَفَعَّى الرّجل في الشّرّ، وأَفْعَى؛ إذا صار ذا شرٍّ بعد خيرٍ، ويقال: أرضٌ مُفْعَاةٌ؛ أي: كثيرة الأفاعي3.
وأصل مُفْعَاةٍ: مَفْعَوَةٌ؛ فقلبت الواو ألفاً لتحرّكها وانفتاح ما قبلها.
وذهب بعضهم إلى أنّ (الأّفْعَى) و (الأُفْعُوَان) من (ف وع) واشتقاقها من: فَوْعَة السّمّ؛ وهي: حرارته؛ وقد حدث فيهما قلبٌ بتقديم اللاّم على العين؛ فوزنها - حينئذٍ (أَفْلَع) و (أُفْلُعَان) 4. ويتداخل الأصلان (م ي د) و (م د ي) في (المَيْدَان) وهو: المِضْمار؛ الّذي تجري فيه الخيل؛ وقد اختلفوا في وزنه؛ فقيل: إنّه (فَعْلاَن) من: مَادَ يَمِيدُ؛ إذا تَلَوَّى واضطربَ، ومعناه أنّ الخيل تجول فيه، وتنثني متعطّفةً،
وتضطرب في جولانها.
وقيل: إنّه (فَلْعَان) على القلب؛ من (المَدَى) وهو الغاية؛ لأنّ الخيل تنتهي فيه إلى غاياتها من الجري والجولان، وأصله: مَدْيَان؛ قُلِبَ بتقديم الياء، وهي لامه، وأخِّرت الدّال؛ وهي عينه؛ فصار: مَيْدَاناً؛ كما قيل في جمع بازٍ: بِيْزان، والأصل: بِزْيان، وباز: (فَلَع) وبِيزَان (فِلْعَان) وأصل (الباز) قبل القلب: (البَازِي) 1.
ويتداخل بسبب القلب (ح ت و) و (ح وت) في (المُحْتَات) : الموثّق الخلق؛ وهو يحتمل الأصلين:
فقد يجوز أن يكون مقلوباً على وزن (مُفْتَلِعٍ) فقدّمت اللاّم؛ وهي حرف العلّة، وأخِّرت العين؛ وهي التّاء. واشتقّه ابن الأعرابيّ على هذا الأصل من: حَتَوْتُ الكساء2.
ويجوز أخذه على ظاهره؛ فيكون وزنه (مُفْتَعِلاً) من (ح وت) وأصله (مُحْتَوَت) فقلبت الواو ألفاً لتحرّكها وانفتاح ما قبلها؛ كما في مُختارٍ ومُنقادٍ.
ويؤدّي القلب - أيضاً - إلى تداخل الأصلين (وج هـ) و (ج وهـ) في (الجَاه) وهو: المنزلة والقدر عند السّلطان، ومنه ما رواه ابنُ جنّي عن الفرّاء أنّه سمع أعرابيّةً من غَطَفَان، وقد زجرها ابنها؛ فقال لها الفرّاء:
رُدِّي عليه، فقالت: أخاف أن يجُوهَني بأكثر من هذا1.
وهو يحتمل الأصلين:
فقد يجوز أن يكون من: (وج هـ) فيكون اشتقاق (الجَاه) من (الوَجْه) وقولها: أخاف أن يجوهني بأكثر من هذا: أي: يواجهني، من الوجه - أيضاً - وعلى هذا فأصل (الجَاه) قبل القلب: (الوجه) فأعلّ بالقلب المكانيّ، ثمّ حرِّكت عينه؛ فصار إلى: (جَوَهٍ) ثمّ قلبت الواو ألفاً لتحرّكها وانفتاح ما قبلها؛ فقالوا: (الجَاه) . ويدلّ على هذا ما حكاه أبو زيد أنّهم يقولون: قد وَجُهَ الرَّجل وَجَاهة عند السلطان، وهو وجيه، ولم يقولوا: جَوِيه2.
وذكر الجوهري في (ج وهـ) على ظاهر اللّفظ، وذكر أنّهم يقولون: جَاهَه بالمكروه جوهاً؛ أي: جَبَهَه3، ولعلّ قول الأعرابيّة: (يجوهني) يكون من هذا.
وذكره ابن منظورٍ - أيضاً - في هذا الأصل؛ لكنّه نقل عنهم تنبيههم على القلب4.
ويتداخل في قوله عزّ وجلّ: {فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ
يَتَسَنَّهْ} 1 ثلاثة أصولٍ؛ لأسبابٍ منها: القلب؛ وهي: (س ن هـ) و (أس ن) و (س ن ن) وبيانها كما يلي:
ذهب الفرّاء إلى أنّ الهاء أصلٌ؛ فيكون أصل (يَتَسَنَّة) (س ن هـ) ووزنه على هذا الأصل (يَتَفَعَّل) وهو مشتقٌّ من لفظ (السَّنَة) على لغة من يقول: إنّ لامها هاءٌ، وأصل (سَنَةٍ) على هذا (سَنَهَةٌ) ومعنى: لم يتَسَنَّه: لم يتغيّر بمرور السِّنين2.
ويبدو أنّ أبا حيّان كان يرى هذا؛ إذ ذكره في هذا الأصل3.
ويؤيّد هذا ألأصل قولهم: بعتُهُ مُسانهةً، وقولهم في التّصغير: سُنَيْهَةٌ، وفي الجمع: سَنَهَاتٌ، ومن هذا قولهم: سَانَهْتُ وأَسْنَهْتُ عند بني فلانٍ؛ أي: قضيت سنةً، ومن ذلك قول الشّاعر:
وَلَيْسَتْ بِسَنْهَاء ولا رُجَّبِيَّةٍ ... ولكِنْ عَرَايَا في السِّنِينِ الجَوَائِخِ4
وأجاز بعضهم أن يكون أصله (أس ن) واشتقاقه من: أَسِنَ الماء؛ أي: تغيّر؛ وعلى الرّغم من قربه في المعنى فقد ردّه بعض النّحاة5؛ لبعده
في الاشتقاق من حيث الصّناعة؛ إذ لو كان مشتقّاً من: أَسِنَ الماء - لكان قياسه حين يبنى منه (تَفَعَّلَ) أن يقال: تَاَسَّنَ؛ لا تَسَنَّهَ.
على أنّ له وجهاً في القياس؛ وهو أن يكون قد حدث فيه قلبٌ، بأن أخّرت فاؤه - وهي الهمزة - إلى موضع لامه؛ فصار: (يَتَسَنَّأ) بالهمزة آخراً، ثمّ أبدلت الهمزة ألفاً؛ كقولهم في قَرَأَ: قَرَا، ثمّ حذفت للجزم - كما قال السّمين1.
وذهب المبرّد إلى أنّ الهاء للسّكت، واللاّم محذوفةٌ للجازم2؛ فيكون وزنه: (يَتَفَعَّه) (وإثباتها وصلاً من قبيل إجراء الوصل مُجرى الوقف، وأصل الكلمة مشتقٌّ من السّنة، ولامها واوٌ، فأصله: يَتَسنَّى، ثمّ حذفت اللاّم للجزم، وقبل ذلك كان: يَتَسَنّو؛ تحرّكت الواو وانفتح ما قبلها؛ فقلبت ألفاً) 2 فقالوا: يَتَسَنّى.
ويجوز أن يكون من (س ن ن) واشتقاقه من: (السَّنِّ) أو من (مَسْنُونٍ) وهو: المتغيّر؛ وعليه قوله عزّ وجلّ: ﴿مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ﴾ 3. وأصله: يستسَنَّنُ؛ بثلاث نوناتٍ؛ على وزن (يَتَفَعَّل) فاستثقل توالي الأمثال؛ فأبدلت الأخيرة ياءً؛ فقالوا: يَتَسَنَّى؛ على حدّ قولهم: تَظَنَّى، من تَظَنَّنَ، وقولك: قَصّيت أظفاري؛ أي: قصَّصْتُها.
ثمّ أبدلت في (يَتَسَنَّى)
ألفاً؛ لتحرّكها وانفتاح ما قبلها، ثمّ حذفت الأف للجزم1.
ج- الإبدال.
الإبدال - في اللّغة - من البدل؛ وهو: العِوَض والخَلَف، والتّبديل والإبدال: تغيّر الشّيء عن حاله، وجعل شيءٍ مكان غيره2.
والإبدال - في الاصطلاح اللّغويّ: إقامة حرفٍ مكان حرفٍ في موضعه، أو: هو اتّفاق كلمتين في معنييهما وحروفهما عدا حرفاً واحداً3، كالسِّراط والصِّراط، والتَّولَج والدّولَج، ونبيثة البئر ونبيذتها؛ وهو: ترابها.
والإبدال على نوعين: صرفيٌّ، ولغويٌّ:
الإبدال الصّرفيّ: هو ما يبدل من غيره إبدالاً قياسيّاً مضطرّاً إليه في التّصريف أو مستحبّاً؛ بحيث يؤدّي تركه - أحياناً - إلى الخطأ4.
وهو على قسمين:
أحدهما: إبدال حرفٍ من غيره؛ لأجل الإدغام عند التقاء
صوتين متجانسين أو متقاربين؛ كإدغام لام التّعريف بعد إبدالها في بعض الحروف، كالسّماء والشّمس والدّواء، وكإدغام الباء في الميم في: اكتب محمداً.
وغيره من المسائل؛ الّتي تبحث في باب الإدغام 1.
والآخر: الإبدال لغير الإدغام؛ وهو يقع في الغالب في حروف مخصوصةٍ؛ وهي تسعةٌ؛ يجمعها قولك: (هَدَأْتُ مُوطِياً) 2 ولم يقتصر بعضهم على هذه التّسعة، بل ذكر غيرها؛ ممّا يعدّ من حروف الإبدال الصّرفيّ اللاّزم3؛ بل هي من الإبدال اللّغويّ غير اللاّزم.
ومن الإبدال الصّرفيّ إبدال الواو تاءً في (الافتعال) نحو (الاتّعاظ) و (الاتّعاد) في (الاوتِعَاظ) و (الاوْتِعَاد) وإبدال التّاء طاءً؛ نحو (اصْطَبَرَ) و (اصْطَنَعَ) في (اصْتَبَرَ) و (اصْتَنَعَ) وكذلك قلب الواو أو الياء همزةً، نحو (سَمَاءٍ) و (قَضَاءٍ) في (سَمَاوٍ) و (قَضَايٍ) .
ب- أمّا الإبدال اللّغويّ فهو إبدال حرفٍ من حرفٍ في موضعه من
غير اضطرارٍ إليه في التّصريف؛ لعلاقة صوتيّةٍ بين الحرفين1؛ وقد توسّعوا في حروفه؛ فأجاز بعضهم وقوعه في جميع حروف الهِجاء2.
وقد كثرت ألفاظ الإبدال - بعمومه - ولا سيّما الإبدال اللّغويّ؛ وهو في ذلك بخلاف القلب، ولعلّ ذلك ما دفعهم إلى إفراد الإبدال بمؤلفاتٍ مستقلّةٍ جمعت ألفاظه، ولمّتْ شتاتها، ومنها كتاب (الإبدال) لأبي الطّيّب اللّغوي؛ الّذي يعدّ من أوسعها وأغزرها مادّةً.
والإبدال اللّغويّ أعمّ من الإبدال الصّرفيّ، وعلاقة أحدهما بالآخر - عند كثيرٍ من العلماء ولا سيّما المتأخّرين - علاقة الكلّ بالجزء، وإطلاقه - وبخاصّةٍ في المعاجم - يشمل النّوعين.
ولا بدّ - للوقوف على أثر الإبدال في تداخل الأصول - من بيان الأصل من الفرع في الصّورتين اللّفظيتين؛ على الرّغم ممّا في ذلك من صعوبة؛ إذ لا يعدّ تحديد الأصل من الصّورتين في الإبدال اللّغويّ من الأمور اليسيرة، ويكاد يكون متعذِّراً في بعض الألفاظ؛ وهو بخلاف الإبدال الصّرفيّ؛ الّذي تناوله العلماء على أساس أنّ اللّفظ المبدل له أصلٌ معروفٌ، وقد أبدل لعلّةٍ تصريفيّةٍ.
ويقودنا البحث عن الأصل إلى تقسيم اللّغويّ إلى ثلاثة أنواعٍ:
1- ما نطق به في بيئتين (قبيلتين) مختلفتين:
إنّ كثيراً ممّا جاء من الإبدال هو من هذا النّوع؛ وكان أبو الطيّب
اللّغويّ يرى أنّ الإبدال لا يكون في القبيلة الواحدة؛ بحيث يتعمّد العربيّ إبدال حرفٍ من حرفٍ؛ وإنّما هي لغاتٌ مختلفةٌ لمعانٍ متّفقةٍ.
قال: "والدّليل على ذلك أنّ قبيلةً لا تتكلّم بكلمةٍ طوراً مهموزةً، وطوراً غير مهموزةٍ، ولا بالصّاد مرّة، وبالسّين أخرى؛ وكذلك إبدال لام التّعريف ميماً؛ والهمزة المصدّرة عيناً؛ كقولهم في نحو أَنْ: عَنْ؛ لا تشترك العرب في شيءٍ من ذلك؛ إنّما يقول هذا قومٌ، وذلك آخرون"1.
على أنّ ابن جنّي لا يعدّ الكلمتين من الإبدال؛ إذا كانتا من بيئين (قبيلتين) مختلفتين؛ بل هما لغتان؛ فمن ذلك أنّ قريشاً تقول: كُشِطتْ، وتقول قيسٌ: قشطت فقال: "وليستِ القاف في هذا بدلاً من الكاف؛ لأنّهما لغتان لأقوام مختلفين"2.
وعندي أنّ كلا المذهبين صحيحٌ؛ فمن نظر إلى اللّغة الأمّ؛ ولم يشترط في صحّة الإبدال أن يكون من قبيلةٍ واحدةٍ، فذلك عنده من الإبدال، ومن اشترط ذلك فهو عنده من اللّغات؛ وليس من الإبدال.
على أنّ الّذي يعنينا - هنا - هو تحديد الأصل من الفرع؛ فعلى مذهب أبي الطّيّب تكون إحدى الصّورتين أصلاً، والأخرى هي الفرع.
ويحتمل أن يكون أحدهما أصلاً والآخر فرعاً؛ إذا نظر إلى اللّغة الأمّ، وبحث عن الأصل الأوّل.
ومن هذا النّوع ما تفرّدت بعض القبائل بصورةٍ منه، وعلى خلافها
عامّة العرب؛ وهو أن يؤثّر عن قبيلة إبدالها صوتاً معيَّناً من صوتٍ آخر، في بعض الكلمات، كإبدال الصّاد أو السّين تاءً عند طيّئ، فقد ذكر الأصمعيّ أنّهم يُسمّون اللّصوص: اللّصوت، ويسمّون اللّصّ: لِصْتاً1؛
وهم الّذين يقولون للطّسّ: طسْتٌ، وذكر أنّه مخالفٌ لأكثر العرب1.
ولعلّ أوضح ما يكون ذلك في الظّواهر اللّغويّة الملقّبة المنسوبة لبعض القبائل، الّتي ربّما اشتركت في بعضها أكثر من قبيلةٍ، ومن هذه اللّغات:
(الاستِنْطَاء) في هذيلٍ والأزد، وهو جعل العين السّاكنة نوناً، نحو: (أَنْطَى) بدلاً من أعطى2.
و (العَجْعَجَة) في قُضاعة، وهي إبدال الياء المشدّدة جيماً، قال الرّاجز:
خَالِي عُوَيْفٌ وأَبُو عَلِجّ ... المُطْعِمَانِ اللَّحْمَ بِالعَشِجّ
وبِالغَدَاةِ فِلَقَ البَرْنِجّ ... تُقْلَعُ بِالوُدِّ وبِالصَّيْصِجّ3
أراد: بالعشيّ والبرنيّ وبالصّيصيّ.
و (العَنْعَنَة) في تميمٍ، وهي قلب الهمزة في أوّل الكلمة عيناً، فيقولون: (عِنَّكَ) و (عَسْلَمَ) و (عُذُنٌ) في: إنّك وأَسْلَم وأُذُنٌ4.
و (الفَحْفَحَة) في هذيلٍ، وهي إبدال الحاء عيناً، كقولهم: (عَتَّى) في
حَتَّى1.
و (الوَتْمُ) في اليمن؛ كقولهم: النّات والأَكْيَات؛ يريدون: النّاس والأكياس2.
2- ما نطق به في البيئة (القبيلة) الواحدة:
وما جاء من هذا في الإبدال قليلٌ، وما تقدّم في نصّ أبي الطّيّب ينفي وقوعه، وقد رفض بعض الباحثين المعاصرين في زماننا أن يقع الإبدال في البيئة الواحدة، وعزا بعض ما جاء من ذلك إلى أزمانٍ مختلفةٍ فيها3.
3- ما جاء بالصّورتين على التّساوي في الاستعمال:
وهذا النّوع كثيرٌ، وأكثره غير مُعزَوٍّ إلى بيئةٍ معيّنةٍ؛ وهو يحتمل أمرين:
الأوّل: أن يكون منه أصلٌ وفرعٌ.
الثّاني: أن يكون كلٌّ من اللّفظين المتقاربين أصلاً مستقلاًّ برأسه؛ من قبيل التّرادف؛ فيحمل على لغات القبائل.
وأكثر ما جاء من تداخل الأصول بسبب الإبدال إنّما هو من هذا
النّوع، وضابطه عند ابن جنّي أنّه متى "أمكن أن يكون الحرفان جميعاً أصلين؛ كلّ واحدٍ منهما قائمٌ برأسه؛ لم يَسُغ العدول عن الحكم بذلك.
فإن دلّ دالٌّ أو دعت ضرورةٌ إلى القول بإبدال أحدهما من صاحبه عمل بموجب الدّلالة، وصِيرَ إلى مقتضى الصَّنعة"1 على وفاق ما ذهب إليه في القلب المكانيّ؛ فالقاعدة الّتي يعرف بها ابن جنّي الإبدال هي كثرة الاستعمال أو التّصرّف؛ فاللّفظ الأكثر استعمالاً أو تصرّفاً هو المبدل منه؛ وهو الأصل، والأقلّ استعمالاً أو تصرّفاً هو البدل؛ وهو الفرع.
فإذا تساويا في ذلك فهما جميعاً أصلان.
فقولهم (ما قام زيدٌ بَنْ عمرٌو) مبدلٌ من قولهم: بل عمرٌو؛ لأنّ (بل) أكثر استعمالاً من (بَنْ) 2.
وجعل ابن جنّي (جُعْسُوساً) وهو: القصير اللّئيم - أصلاً، و (جُعْشُوشاً) هو الفرع، واستدلّ بزيادة الأوّل في التّصرّف؛ لقولهم في الجمع (جَعَاسِيسُ النّاس) ولا يقال بالشّين3.
وأمّا قولهم: سُكّرٌ طَبَرْزَنٌ وطَبَرْزَلٌ فهما أصلان عند ابن جنّي؛ لتساويهما في الاستعمال4، وكذلك قولهم: هَتَلَت السّماء، وهَتنت، وهما أصلان؛ لتساويهما في التّصرّف؛ فهم يقولون:هتنت السّماء تَهْتِنُ تَهْتَاناً،
وهَتَلَت تَهْتِلُ تَهْتَالاً؛ وهي سحائب هُتَّنٌ وهُتَّلٌ1، وكأنّها عنده من اللّغات.
وفي الاستعانة بالدّرس الصّوتيّ ما عين على تمييز الإبدال من التّرادف، ومعرفة الأصل من الفرع في الإبدال؛ وثَمّة أمرٌ نادى كثيرٌ من علماء اللّغة المتأخّرين2، في هذا المجال، وخلاصته أنّه إن كان الحرفان في الصّورتين المتشابهتين من الحروف الّتي بينها علاقةٌ صوتيّة، كالتّجانس أو التّجاور أو التّقارب في المخارج والصّفات؛ فهو من الإبدال.
والأصوات المتجانسة الّتي يسوغ الإبدال بينها هي:
التّاء والذّال والظّاء.
والدّال والتّاء والطّاء.
والزّاي والسّين والصّاد.
والشّين والجيم والياء.
والحاء والعين.
والأصوات المتجاورة الّتي يسوغ الإبدال بينها هي:
الثّاء والفاء.
والذّال والفاء.
والذّال والزّاي.
والقاف والكاف.
أمّا الأصوات المتقاربة الّتي يمكن وقوع الإبدال بينها فهي:
السّين والشِّين1.
وإذا جاءت الصّورتان على خلاف هذا ممّا تباعد فيه الصّوتان يترجّح - عندئذٍ - أنّهما أصلان من باب التّرادف، كـ (الهُرْب) و (الثُرْب) وهما: الشّحم الرّقيق؛ الّذي يغشى الكرش؛ فهما أصلان لبعد العلاقة الصّوتيّة بين الهاء والثّاء، وكذلك (الزّحلُوفَة) و (الزُّحْلُوقَة) لبعد القاف من الفاء، وكذلك (انْدَاحَ) بطنه و (انْدَالَ) لأنّ الحاء ليست أخت اللاّم، ولا قريبةً منها2؛ فيكون هذا من لغات القبائل.
وثمَّةَ كلماتٌ تداخلت أصولها؛ وكان للإبدال دورٌ رئيسٌ في ذلك؛ كتداخل (ص د ى) و (ص د د) في (تَصْدِيَة) في قوله عزّ وجلَّ: ﴿وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ البَيْتِ إلاَّ مُكَاءً وتَصْدِيَة﴾ 3 وقد اختلفوا فيه:
فقد يجوز أن تكون من (ص د د) وأصله (تَصْدِدَةٌ) من قولهم: صَدَّدَ يُصَدِّدُ؛ إذا صفَّقَ وصَاحَ وعَجَّ؛ فقلبتِ الدَّالُ الأخيرة ياءً لكثرة الدّالات؛ فقالوا: صَدَّى تَصْدِيَةً؛ على حدِّ قولهم: قَصّيتُ أظفاري،
وأصله: قَصَّصْتُها1.
وعلى هذا فإنّ المصدر في الأصل: تَصْدِيٌّ؛ على وزن (تَفْعِيلٌ) وهو قبل الإبدال: تصديدٌ؛ مثل: كلّم تكليماً؛ فحذفت الياء، وعُوّض منها تاء في آخر المصدر.
ويجوز أن يكون الأصل (ص د ي) فقد قيل: إنّ التّصدية من الصّدى؛ وهو: الصّوت: الّذي يردّه عليك الجبل2؛ ومن هنا قيل للتّصفيق: تَصدِيةٌ؛ لأنّ اليدين تتصافقان؛ فيقابل صفق هذه صفق الأخرى، وصدى هذه صدى الأخرى3
ومن ذلك تداخل (ل ب ب) و (ل ب ي) في قول القائل: (لَبَّيْكَ ولَبَّيْهِ) أي: لزوماً لطاعتك، أو أنا مقيمٌ عليها، ومنه قول الشّاعر:
دَعَوْتُ لِمَا نَابَنِي مِسْوَراً ... فَلَبَّى فَلبَّيْ يَدَيْ مِسْوَرِ4
وهو يحتمل الأصلين:
فقد ذهب الجمهور إلى أنّه من (ل ب ب) واشتقاقه من: لَبَّ بالمكان وألبَّ أقام به ولزمه، وأَلَبَّ على الأمر: لزمه، فلم يفارقه؛ ومنه قولهم: دارُ فلانٍ تُلِبُّ داري؛ أي تحاذيها، وأصل (لَبَّى) على هذا الاشتقاق؛ لَبَّبَ: فأبدلت الباء ياءً لأجل التّضعيف؛ على حدّ قولهم:
قصّيتُ أظفاري1.
وحمله يونس على ظاهره؛ فذهب إلى أنّ أصل (لَبَّيْكَ) (لَبَّى) وأنّ الألف انقلبت ياءً لمّا اتّصلت بالضّمير؛ كما انقلبت الألف في (عَلَيكَ) 2، ونظير هذا (كلا وكلتا) في قلب ألفيهما ياءً متى اتّصلت بضميرٍ؛ وكانت في موضعٍ أو جرٍّ.
وأدّى الإبدال إلى تداخل (أهـ ل) و (أول) في (آل) وهو اسمٌ ثلاثيٌّ على وزن (فعل) ويحتمل الأصلين: وقد اختلفوا فيه3:
ذهب الكسائيّ إلى أنّ أصله (أول) واشتقاقه من: آلَ يؤول؛ بمعنى: رجع؛ لأنّ الإنسان يرجع إلى آله؛ وهو قبل الإبدال (أوّل) فأبدلت الواو ألفاً لتحرّكها وانفتاح ما قبلها؛ وقياس تصغيره على الأصل (أُوَيلٌ) نحو: مالٍ ومُوَيلٍ، وبابٍ وبُوَيْبٍ3، وعزا بعضهم هذا الرّأي إلى يونس4 - أيضاً -.
وذهب الجمهور إلى أنّ أصله (أهلٌ) فأبدلت الهاء همزةً؛ لقربها منها؛
فقيل: (أَأْلٌ) فلمّا توالت همزتان أبدلت الثّانية ألفاً؛ كما قالوا: آدم وآخراً؛ فقالوا: (أَأْل) ورسمه (آلٌ) .
وكان أبو جعفر النّحّاس يرى أنّ الهاء أبدلت ألفاً ابتداءً؛ من غير أن تبدل همزة قبل إبدالها ألفاً1، ولا يجوز هذا عند ابن جنّي؛ لأنّ الهاء لم تقلب ألفاً في غير هذا الموضع؛ فيقاس عليه؛ وإنّما تقلب الهاء همزةً في ماءٍ، وأصله (مَوَهٌ) .
فعلى هذا أبدلت الهاء همزةً، ثمّ أبدلت الهمزة ألفاً؛ ولأنّ الألف - أيضاً - لو كانت منقلبةً عن الهاء ابتداءً لجاز أن يستعمل (آلٌ) في كلّ موضعٍ فيه (أهلٌ) كإبدالهم الهمزة من الواو في قولهم: وجوه القوم، وأُجُوهم، ووِسادةٌ وإسادةٌ؛ فأوقعوا البدل في جميع مواقعها قبل البدل؛ فلو كانت ألف (آلٍ) بدلاً من هاء (أهل) لقيل: انصرف إلى آلِكَ، كما يقال: انصرف إلى أهلك، ولقيل: آلك واللّيل في قولهم: أهلك واللّيل، وغير ذلك، ممّا يطول ذكره2.
على أنّ الأصل على رأي النّحّاس وابن جنّي واحدٌ؛ وهو (أهـ ل) ويدلّ على قربه، وأنّ الألف ليست منقلبةً عن واوٍ؛ كما ذهب الكسائيّ- قولهم في التّصغير: (أُهَيْل) ولو كانت منقلبةً عن واوٍ لقالوا: (أُوَيْلٌ) 3.
ومن التّداخل بسبب الإبدال ما وقع بين (ت خ ذ) و (أخ ذ) و (وخ ذ) في (اتّخذ) ومنه قوله عزّ وجلّ ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ﴾ 1 وقد اختلفوا فيه:
فذهب جماعةٌ من العلماء إلى أنّه (افْتَعَلَ) من (أَخَذَ) وأصله (اأْتَخَذَ) وتكتب (ائْتَخَذَ) فأبدلت الهمزة الثّانية ياءً؛ لاجتماع همزتين؛ الأولى مكسورةٌ، والثّانية ساكنةٌ؛ فأصبحت على تقدير (ايْتَخَذَ) على حدّ قولهم: (ايْتَزَرَ) من (ائْتَزَرَ) و (إيْمَانٌ) وأصله (إِئْمَانٌ) ثمّ أبدلت الياء تاءً، وأدغمت في تاء (الافتعال) فقالوا: (اتَّخَذَ) فلمّا كثر استعماله على بناء (الافتعال) توهّموا أنّ التّاء أصليّةٌ؛ فبنوا منه (فَعِلَ يفْعَل) فقالوا: تَخِذَ يَتْخَذُ، كما قالوا: تَقِيَ من اتَّقَى2.
ونظيره في إبدال الياء تاءً وإدغامها قولهم: اتّسَروا الجزور؛ أي: اجْتَزَروها، واقتسموا أعضاءها؛ وإنّما هو من (اليَسْر) وأصله: ايْتَسَرُوا.
وذهب الفارسيّ وابن جنّي إلى أنّه (افتعل) من: تَخِذَ يَتْخَذُ، وأنّه لا إبدال فيه؛ فتاؤه أصليّةٌ؛ وهي بمنزلة: (اتّبعتُ) من (تَبِعَ) 3.
وقد جاء الفعل على أصله في قوله عزّ وجلّ: {قَالَ لَوْ شِئْتَ
لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً} 1 وفي قول الشّاعر:
وَقَدْ تَخِذَتْ رِجْلِي إِلَى جَنْبِ غَرْزِهَا نَسِيفاً كَأُفْحُوصِ القَطَاةِ المُطَرِّقِ2
قال الفارسيّ فيما كانت فاؤه همزةً؛ نحو: أَكَلَ وأَمَرَ: "فإذا بُنِيَ منه (افْتَعَلَ) قلتَ: ايْتَكَلَ وايْتَمَرَ؛ ولا تدغم الياء في التّاء كما أدغمت في: اتّعد واتّسَرَ؛ لأنّ الياء ليست بلازمةٍ. وقد حكى بعض البغداديّين فيه الإدغام؛ وهو - عندي - على قياس قول أصحابنا - خطأٌ"3.
وذهب بعضهم إلى أنّ أصل أَخَذَ: وَخَذَ، و (افْتَعَلَ) منه: اوْتَخَذَ؛ فأبدلت الواو تاءً على القياس؛ كقولهم: اتّصَلَ، من: وَصَلَ4.
د- الهمز والتّخفيف:
ويسمّى الهمزُ - أيضاً - نبراً5، ويسمّى التّخفيف تسهيلاً؛ وهما
قريبان من الإبدال؛ لأنّهما تغيير الهمزة بحرفٍ معتلٍّ يوافق حركتها، أو همز الحرف المعتلّ.
وقد عُدَّ الهمز من الظّواهر المستقلّة؛ لمّا كثرا في كلام العرب، حتى أفردت لهما مباحث خاصّةٌ، وألّفت فيهما مؤلّفاتٌ مستقلّةٌ.
ويمكن أن يعدّ الهمز والتّخفيف من الأسباب المؤدّية إلى تداخل الأصول اللّغويّة؛ بدلالة ماجاء في بابي الهمزة والمعتلّ (الواو الياء) من معاجم القافية؛ فكثيرٌ من الكلمات المهموزة أعيدت في باب المعتلّ؛ وكأنّها من الأصلين؛ لأنّها تحتملهما؛ لمّا جاءت تارةً مهموزةً، وتارةً مخفّفةً.
ومن طريف ما روي من تداخل الأصول بسبب الهمز والتّخفيف ما جاء في الحديث المرفوع أنّ قوماً من جهينة جاؤوا إلى النّبي - صلى الله عليه وسلم - بأسيرٍ؛ وهو يُرْعَدُ من البرد، فقال: "أَدْفُوه"؛ فذهبوا به فقتلوه؛ فوداه1 النّبي صلى الله عليه وسلم2 وإنّما أراد - عليه السّلام - أَدْفِئُوهُ من البرد؛ وهو من (د ف أ) وسَهَّلَه؛ لأنّه ليس من لغته التّحقيق؛ فالتبس بأصلٍ آخر؛ وهو (د ف و) ومنه قولهم: دَفَوْتُ الجريح أدْفُوه دَفواً؛ إذا أجهزتَ عليه3.
وقد يؤدّي الهمز أو التّخفيف إلى تداخل أصلين؛ أحدهما غير
مهموزٍ ولا معتلٍّ كتداخل (د ر ر) في قولهم: (كَوْكَبٌ دُرّيءٌ) بالهمز، و (دُرِّيٌّ) بالتّخفيف، وربّما بفتح الدَّال وكسرها - أيضاً - فيقال: دَرِّيٌّ ودِرِّيٌّ؛ وهو يحتمل الأصلين:
ذهب سيبويه - في أحد قوليه - إلى أنّه من (د ر أ) على وزن (فُعِّيل) 1 وهو صفةٌ من (الدَّرْءِ) بمعنى الدَّفْعِ2، ومنه قوله عزّ وجلّ: ﴿قُلْ فَادْرَأُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ﴾ 3 أي: ادفعوه، وقد وُصِفَ الكوكب بهذا لاندفاعه في مُضِيِّه من المشرق إلى المغرب، ويقال: درأ الكوكب دُرُوءاً؛ إذا اندفع وانقضّ لرجم الشّياطين.
ومنه قولهم: دَرَأَ فلانٌ علينا؛ أي: هَجَمَ؛ قال أوس بن حجر:
فَانْقَضَّ كالدُّرِّيءِ يتبعه ... نَقْعٌ يثوب تخاله طُنُباً4
وقال السّيرافيّ من هذا المعنى: "وهو مشتق من دَرَأَ يَدْرَأُ؛ كأنّ ضوءه يدفع بعضه بعضاً من لمعانة" 5 ولأبي علي الفارسي - في تفسير اشتقاقه - رأيٌ قريبٌ من رأي السّيرافيّ؛ فـ (دُرِّيٌّ) عنده من هذا الاشتقاق و"كأنّه دفع الخفاء والغموض عن نفسه؛ لشدّة وضوحه للحسّ، وظهوره لفرط ضيائه ونوره؛ فهو خلاف السُّها وما أشبهه، من الكواكب
الغامضة غير النَّيِّرة"1.
وله وجهٌ آخر في الاشتقاق؛ وهو أن يكون من قولهم: دَرَأْتِ النَّارُ، إذا أضاءت2، والجامع بين هذا الاشتقاق وصفة الكوكب: الإضاءة.
وعلى هذا الأصل - أعني (د ر أ) يكون من قال: دُرِّيّ، بغير همزٍ قد خفّف الهمزة، وجعلها ياءً؛ فأدغمت ياءُ (فَعِيل) فيها.
وذهب أبو عبيدٍ إلى أنّ أصل (دُرِّيّ) (د ر ر) وهو منسوبٌ إلى الدُّرِّ، شبّه به لصفائه وإضاءته، ووزنه (فُعْلِيّ) 3 وهو موافقٌ للرّأي الآخر لسيبويه، إذ جعل جمعه (دَرَارِي) على وزن (فَعَالِي) مثل: بَخَاتِي وقَمَارِي4؛ فيكون وزن (دُرِّيّ) (فُعْلِيّ) كما ذكر أبو عبيدٍ، وقد نبّه عليه أبو عليٍّ5.
وأَدَّى التّخْفِيف إلى تداخل (ل ب ب) و (ل ب أ) في (تُلَبِّي) من قول الشّاعر:
رَدَدْنَ حُصَيْناً مِنْ عَدِيٍّ وَرَهْطِهِ ... وَتَيْمٌ تُلَبِّي فِي العُرُوجِ وَتَحْلُبُ6
فهو يحتمل الأصلين:
ذهب الأحمر1 إلى أنّ أصله (ل ب ب) واشتقاقه من قولهم: لَبّ بالمكان، وألبَّ؛ إذا أقام به، ومعنى قوله:
وَتَيْمٌ تُلَبِّي في العُرُوجِ وَتَحْلُبُ
أي: تلازمها وتقيم فيها2، وأصله (تُلَبِّبُ) فأبدلت الباء الأخيرة ياءً.
وذهب أبو الهيثم إلى أنّه من (اللّبَأ) أي: تَحْلُبُ اللّبأ، وتشربه، وقد تُرِكَ همزة تخفيفاً.
قال أبو منصورٍ: "والذي قاله أبو الهيثم أصوب؛ لقوله بعده: وتحلب"3.
ومن ذلك - أيضاً - تداخل الأصلين (ق ر أ) و (ق ر ن) في (القرآن) الكريم؛ وقد كان عبد الله بن كثيرٍ يسهّل همز (القرآن) ويلقي حركتها على الرّاء4.
ويحتمل (القرآن) عند تخفيف همزته (فُعْلانًا) و (فُعَالاً) وقد اختلفوا فيه:
ذهب الجمهور إلى أنّه من (ق ر أ) واشتقاقه من: قرأت الشّيء قرآناً، أي: جمعته وضممت بعضه إلى بعضٍ، ومنه قولهم: ما قرأتِ النّاقة سلًى قطُّ، أي: ما ضمّته إليها أو حملته، وسمّي قرآناً؛ لأنّه يجمع السُوَر، فيضمّ بعضها إلى بعضٍ، ويجوز أن يكون مشتقّاً من: القراءة التّلاوة1.
ويجوز - أيضاً - أن يكون مشتقّاً من: القَرْءِ؛ وهو اسمٌ للوقت؛ كأنّه نزل في أوقاتٍ مختلفةٍ2.
ووزن (القرآن) على هذا الأصل (فُعْلان) ووزنه - عند التّخفيف - بحذف الهمزة: (فُعَان) ؛ لأنّ الهمزة لام الكلمة؛ وهي محذوفةٌ.
وذهب بعضهم إلى أنّ (القُرَانَ) من (ق ر ن) واشتقاقه من قولك: قَرَنْتُ الشّيء بالشّيء؛ فوزنه على هذا الرّأي (فُعَال) 3.
ويضعف هذا الرّأي أنّ (فُعَالاً) غير مقيسٍ في المصادر، إلاّ في الدّاء والصّوت لفعل لازمٍ، وإن كان اسماً فقياسه كسر القاف.
وفيه ردٌّ على ابن قِسْطَنْطينَ4 الّذي كان يرى أنّ (القُرَان اسمٌ، وليس بمهموزٍ؛ ولم
يؤخذ من قَرَأْتُ؛ ولو أُخِذَ من: قرأتُ، لكان ما قُرئَ: قرآناً؛ ولكنّه اسمٌ للقُرَان؛ مثل: التّوراة والإنجيل) 1، وكان يهمز: قرأتُ؛ فيقرأ: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾ 2وعنه أخذه الإمام الشّافعيّ3.
وما ذهب إليه ابن قِسْطِنْطِين غير قويّ؛ لأنّ أكثر القرّاء على همزه؛ فهو ممّا أصله الهمز، وسهِّلَ على لغة الحجازيّين، والاشتقاق يؤيّد الهمزة، ويضعّف هذا الرّأي - أيضاً - أنّ وزن القرآن عند الهمز إذا كان مشتقّاً من (ق ر ن) : (فُعْأال) وهو في الرّسم: (فُعْآل) ولا نظير له فيما أعلم.
هـ- التّعريب:
يطلق القدامى على ضربٍ من الألفاظ الّتي دخلت في العربيّة من غيرها من اللّغات مصطلحاتٍ؛ وهي: (المُعَرَّب) و (الدّخيل) و (الأعجميّ) وكثيرون منهم لا يكادون يفرّقون بينها؛ فالمُعرّب عندهم "ما استعملته العرب من الألفاظ الموضوعة لمعانٍ في غير لغاتها"4.
وقد صرّح السّيوطيّ بأنّ الدّخيل يرادف المُعَرَّب؛ فقال: "ويطلق على المعرّب: دخيلٌ، وكثيرٌ ما يقع ذلك في كتاب العين والجمهرة
وغيرهما"1.
وكذلك الأعجميّ عندهم بهذا المعنى.
وقد جمع ابن منظورٍ المصطلحات الثّلاثة في نصٍّ واحدٍ إذ قال: "البُخْتُ والبُخْتِيَّة: دخيلٌ في العربيّة، أعجميّ، معرّبٌ"2.
واستمرّ عدم التّفريق بينها عند بعض المتاخّرين؛ كجرجي زيدان3 ومحمّد المبارك4، وصُبْحِي الصّالح5.
وفرّق كثيرٌ من المتأخّرين المعاصرين بين مصطلحيْ: المعرّب والدّخيل؛ وأهملوا مصطلح الأعجميّ؛ الّذي لا يرد لديهم - في الغالب - إلاّ عفواً أو في ترديد أقوال القدامى. غير أنّهم اختلفوا في مفهومهما؛ فالمعرّب عند أكثرهم - وكما يراه مجمع اللّغة العربيّة بالقاهرة - هو: "اللّفظ الأجنبيّ الّذي غيّره العرب بالنّقص أو الزّيادة أو القلب"6.
أمّا الدّخيل فهو: "اللّفظ الأجنبيّ الّذي دخل العربيّة دون تغييرٍ"7.
وربّما اختلف مفهومهما عند بعضهم، فالمعرّب: هو: ما نطق به الجاهليّون ومن يحتجّ بلغتهم من الكلام الأعجميّ، أمّا الدّخيل فهو: ما دخل العربيّة بعد عصور الاحتجاج1.
ويرى بعضهم أنّ للدّخيل مدلولاً عامّاً يشتمل على المعرَّب والمولّد والمحدث2.
وبهذا يكون للدّخيل مفهومان:
مفهومٌ ضيّقٌ، وهو: ما دخل في العربيّة دون تغييرٍ عند أكثرهم، أو دخلها بعد عصور الاحتجاج عند بعضهم.
ومفهومٌ واسعٌ؛ وهو: ما دخل العربيّة مطلقاً؛ فيشمل المعرّب والدّخيل بمعناه الضّيّق، ويشمل - أيضاً - عند بعضهم - المولّد والعامّيّ والمحدث.
والتّعريف الأوّل لكلٍّ من المعرّب والدّخيل - عند جمهور المتأخّرين - هو الأقرب عندي؛ وهو ما عليه مجمع اللّغة العربيّة بالقاهرة.
ويعدّ المعرّب والدّخيل من الأسباب المهمّة لتداخل الأصول، ويظهر جليّاً في معاجم القافية، وهو مردودٌ إلى اختلاف نظرة اللّغويّين إلى أصول المعرّب والدّخيل؛ ففي حين رأى كثيرٌ منهم أنّه ينبغي ألاّ يعرض لأصول المعرَّب واشتقاقه على قياس العربيّة، لأنّه لا أصل له فيها - رأى بعضهم عكس ذلك؛ فتكلّفوا لكثيرٍ من المعرّب أو الدّخيل أصولاً؛ فتعدّدت