الباب الثالث: التداخل بين بناءين مختلفين
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- عبد الرزاق بن فراج الصاعدي
- الكتاب
- تداخل الأصول اللغوية وأثره في بناء المعجم
- المؤلف
- عبد الرزاق بن فراج الصاعدي
- الناشر
- عمادة البحث العلمي، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، المملطة العربية السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1422هـ/2002م
- عدد الأجزاء
- 2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
(كَوْكَبٍ) بحرف علّةٍ زائد.
ونظيره (قَوْقَل) وهو: ذَكَرُ القَطَا؛ فأصله (ق ق ل) و (لَوْلَب) إن كان عربيّاً- وهو: استدارة الماء عند فم الصُّنْبُور؛ فإنّه من (ل ل ب) .
وذهب الأصمعيّ إلى أنّه ثلاثيّ من (وك ب) وقد صُدِّر بكاف زائدة1، وذكر الأزهريّ أنّه من هذا الأصل عند حذَّاق النّحوييّن2.
وكان الصَّغانيّ3يرى ذلك؛ ووزنه حينئذٍ (كَفْعَل) وهذا مردود بأنّ الكاف ليست من حروف الزّيادة، وأمّا قولهم: هِنْدِيٌّ وهِنْدِكِيٌّ فهو من باب: سَبِطٍ وسِبَطْرٍ؛ أي أنّهما أصلان.
وإلى ذلك ذهب أبو حيّان في ردِّه على الصَّغانيّ؛ لحكايته ما نقل عن الأصمعيّ حين قال: "وليت شعري من حذَّاق النّحوييّن الّذين تكون الكاف عندهم من حروف الزّيادة في أوّل الكلمة؟
فأمّا قولهم: هِنْدِيٌّ وهِنْدِكِيٌّ في معنى واحدٍ؛ وهو المنسوب إلى الهند؛ قال الشَّاعر:
وَمَقْرَبَةٌ دُهْمٌ وَكُمْتٌ كَأَنَها ... طَمَاطِمُ يُوفُونَ الوِفَازَ4هَنَادِكُ5
فخرّجه أصحابنا على أنّ الكاف ليست زائدة؛ لأنّه لم يثبت زيادتها
في موضع من المواضع فيحمل عليه؛ وإنّما هو من باب: سَبِطٍ وسِبَطْرٍ"1.
ويجوز أن تكون تلك الكاف سرت لبعض العرب من لغة الحبش؛ فإنّهم يدخلون الكاف - مشوبة بالياء - في النِّسَب 2.
وذهب الرّاغب الأصبهانيّ إلى أنّ أصله (ك ب ب) إذ ذكرها في (كَبَّ) 3وظاهر قياسه أنّ الواو زائدة والكاف الثّانية في (كَوْكَبٍ) بدل من إحدى الباءين، وهذا غريب جدّاً -كما قال السَّمين4.
وذهب الخليل إلى أنّه رباعي من (ك وك ب) 5فوزنه - حينئذٍ (فَعْلَل) لوضعه في الرّباعيّ؛ وهو فهم الأزهريّ6.
ويردّه أنّ الواو لا تكون أصلاً في بنات الأربعة؛ كما تقرّر في الأصول7.
وذهب بعض المستشرقين - ومنهم بروكلمان8وبرجشتراسر9 - إلى أنّه في الأصل (كَبْكَب) (kabkab) كما في الأصول السّاميّة، وأنّه لم يبق على حاله إلاّ في الأمهَرِيَّة؛ فالكوكب فيها: (kabkib) وهو في
الأكَدِيَّةِ: (kakkabu) وفي العبريّةِ: (kokab) وهو أقرب إلى العربيّة- وفي السّريانيّة: (kawkba) وفي الحبشية: (kokab) .
وقارب بعض علماء العربيّة القدامى بين (الكَوْكَبَةِ) و (الكَبْكَبَةِ) في المعنى؛ فقد قال البندنيجيّ: (الكَبْكَبَة: الجماعة من النّاس.
والكَوْكَبَةُ: مثلها) 1فكأنّها عنده من التّرادف.
المجلد الثاني
تابع الباب الثالث
الفصل الثاني:
التداخل بين الثلاثي والخماسي
التداخل بين الثلاثي والخماسي
...
الفصل الثّاني: التّداخل بين الثّلاثيّ والخُماسيّ
لا يكثر التّداخل بين الثّلاثيّ والخماسيّ، كثرته بين الثّلاثيّ والرّباعيّ، كما في الفصل السّابق؛ ولعلّ ذلك يعود إلى أمرين:
الأوّل: قلّة الأصول الخماسيّة في اللّغة العربيّة.
الثّاني: التّباعد بين الأصلين؛ فبينهما الرّباعيّ؛ وهو أولى بالتّداخل من أحدهما، في أكثر الأمثلة؛ ومن ثَمَّ فإنّ التّداخل بين الثلاثيّ والخُمَاسيّ يحتمل - أيضاً - في كثيرٍ من الحالات تداخلاً مع الرّباعيّ.
ويقع ما في هذا الفصل من تداخل في مجموعتين؛ وهما:
1- تداخل أصلين اثنين.
2- تداخل ثلاثة أصولٍ.
المبحث الأوّل: تداخل الأصلين
الأصلان المتداخلان هنا هما الثّلاثيّ والخماسيّ؛ كتداخل (ش م ر) و (ش م ر د ل) في (الشَّمَرْدَل) من الإبل وغيرها؛ وهو: الفتيّ الحسن الخلق، والقويّ السّريع:
فمذهب ابن فارسٍ أنّه ثلاثيّ من (ش م ر) 1 فيكون وزنه - حينئذٍ - (فَعَلْدَلاً) وهو بعيدٌ؛ إذ لا دليل من الاشتقاق عليه؛ ولأنّ الدّال ليست من حروف الزِّيادة.
ومذهب الجمهور2 أنّه خماسيّ من (ش م رد ل) ووزنه عندهم (فَعَلَّل) .
ومن ذلك تداخل الأصلين في (العَرَنْجَج) وهو اسم حِمْيَرَ بن سبأ:
فجعله ابن دريدٍ خماسيّاً على وزن (فَعَلَّل) بقوله (ليس النّون فيه زائدةً؛ وهو من قولهم: اعْرَنْجَجَ الرّجل في أمره، إذا جدَّ فيه؛ كأنّه (افْعَنْلَلَ) 3.
وهو عند الجمهور4 من الثّلاثيّ، وأصله (ع ر ج) على وزن (فَعَنْلَل) ملحقٌ بالخماسيّ بزيادة النّون، وإحدى الجيمَيْن.
أمّا النّون فيه فإنّ هذا موضع زيادتها باطّراد؛ لسكونها، ووقوعها وسطاً بين أربعة أحرفٍ، وليست ممّا يستثنى من ذلك؛ ويدلّ على زيادة الجيم فكّ الإدغام.
ومن ذلك (اليَسْتَعُور) وهو: الباطل، أو شجرٌ تصنع منه المساويك، وقيل: إنّه موضعٌ.
قال عروة بن الورد:
أَطَعْتُ الآمِرِينَ بصَرْمِ سَلْمَى فطَارُوا في عِضَاهِ اليَسْتَعُور1
فيرى الجمهور2 - وعلى رأسهم الخليل3 وسيبويه4 - أنّه خماسيّ من (ي س ت ع ر) على وزن (فَعلَلُول) كعَضْرَفُوطٍ، واحتجّوا بأنّ الحروف الزّوائد لا تلحق بنات الأربعة أوّلاً، إلاّ الميم الّتي في أوّل الاسم الجاري على فعله5.
وذهب ثعلبٌ إلى أنّه ثلاثيّ6 من (س ع ر) وأنّ الياء والنّون فيه
زائدتان، وتابعه ابن دريدٍ، وذكر أنّه ليس في العربيّة على وزن (يَفْتَعُول) غيره1، وإلى هذا أشار ابن خالويه2، وكأنَّه كان يراه، وتابعهم ابن القطّاع3، ورضيّ الدّين الشّاطبيّ في حواشيه على (الصّحاح) 4.
وفي الحقّ أنّ ما ذهبوا إليه ضعيفٌ؛ لأنّ الزّوائد لا تلحق بالرّباعيّ من أوّله على ما تقرّر في العربيّة، ولأنّه ليس من أوزان كلامهم (يَفْتَعُول) ولعلّ هذا ما دفع ابن جنّيّ إلى التّعقيب على رأيهم حين قال: (من قال: إنّ مثال يستعور: (يَفْتَعُول) فلا يدري من صنعة التّصريف شيئاً؟ وإنّما هو فيه هاذٍ) 5.
ومن أمثلة التّداخل في هذا الباب: تداخل الأصلين في (القَلَهْذَم) وهو: القصير، أو الخفيف، أو البحر الكثير الماء.
فذهب ابن فارسٍ إلى أنّه ثلاثيٌّ من (ق ذ م) بزيادة اللاّم والهاء6؛ فوزنه حينئذٍ (فَلَهْعَل) وهو بعيدٌ؛ لاجتماع حرفين يندر زيادتهما حشواً؛ وهما اللام والهاء.
وذهب الجمهور إلى أنّه خماسيّ على زنة (فَعَلَّل) نحو: سَفَرْجَلٍ1.
ويتداخل الأصلان (هـ ق ب) و (هـ ق ب ق ب) في (الهَقَبْقَبِ) : الصُّلب الشّديد؛ وهو يحتمل الأصلين:
فكان ابن سِيدَه يعدّه من الخماسيّ2؛ ووزنه - حينئذٍ (فَعَلَّل) .
وقياسه على مذهب الجمهور أن يكون من الثُّلاثيّ (هـ ق ب) على وزن (فَعَلْعَلَ) كـ (صَمَحْمَح) و (حَبَرْبَر) . وإلى هذا ذهب الصّغانيّ3 والفيروزاباديّ4، وهو الصحيح.
ومن ذلك تداخل الأصلين (ص ل ق) و (ص هـ ص ل ق) في (الصَّهْصَلِقِ) وهو: الشّديد الصّوت، ويكثر نعت المرأة به؛ كقول الرّاجز:
قَدْ شَيَّبَتْ رَأْسِي بِصَوْتِ صَهْصَلِقْ5
وهو يحتمل الأصلين:
فكان الجوهريّ يراه ثلاثياًّ من (ص ل ق) 6 ووزنه - حينئذٍ (فَهْفَعِل) وهو بعيدٌ، ولا دليل على زيادة الهاء، وتكرير الصّاد.
وهو من الخماسيّ؛ قياساً على مذهب الجمهور، ووزنه (فَعْلَلِل) كـ (جَحْمَرِش) . وإلى ذلك ذهب ابن منظورٍ1.
ومن أمثلة التّداخل في هذا النّوع: تداخل الأصلين في (السَّقَنْقُور) وهو: الوَرَلُ المائِيّ، ويقال: إنّه من نسل التِّمساح:
فذهب الصّغانيّ إلى أنّه خماسيّ من (س ق ن ق ر) 2 ووزنه - حينئذٍ (فَعَلُّول) وهو بعيدٌ؛ لأنّ النّون في موضع الزّيادة، والقاف في موضع تكريرٍ، إلاّ أن يكون أعجميّاً؛ فيصحّ ما ذهب إليه أو يكون قريباً. وقياس مذهب الجمهور أنّه ثلاثيّ من (س ق ر) على زنة (فَعَنْعُول) بتكرير العين؛ وهي القاف؛ نحو (عَقَنْقَل) من (ع ق ل) و (عصنصر) من (ع ص ر) .
وممّا يبدو غريباً للوهلة الأولى ما ذهب إليه ابن فارسٍ؛ وهو أنّ أصل (عَلْطَميس) وهي: الجارية التّارّة الحسنة القوام. والنّاقة الشّديدة الضّخمة - ثلاثيٌّ من (ع ي ط) فقدكان يرى أنّ الأصل (عَيْطَمُوسٌ) وأنّ اللاّم بدلٌ من الياء، وكلّ ما زاد على العين والطّاء - في الكلمة - زائدٌ، وأصله (العَيْطَاء) وهي: المرأة الطّويلة، أو الطّويلة العُنُق3.
ووزنه على مذهبه (فَعْلَمِيْس) بزيادة الميم والياء والسّين، أمّا الياء فلا خلاف في زيادتها، ويشهد بزيادة الميم قولهم - بمعناه (العِلْطَوْس) وهي:
المرأة الحسناء1.
ويدلّ على زيادة السّين والميم قوله: (العَيْطَاء) وهي: المرأة الطّويلة العنق في اعتدالٍ2.
ويدلّ على إبدال اللاّم من الياء قولهم في معناه: عَيْطَمُوسٌ3.
ومذهب الجمهور4 أنّه خماسيّ على وزن (فَعْلَلِيل) كدَرْدَبِيس؛ وهو الشّيخ الهَرِم، أو العجوز الفانية.
وفي أبواب الخماسيّ من معاجم التّقليبات قدرٌ صالحٌ ممّا ليس فيه، بل هو من الثلاثيّ.
وليس لي إلاّ التّوقف عن الحكم بأنّه وضع ثَمَّ للتّداخل بين الثّلاثيّ والخماسيّ؛ فلا دليل عليه سوى الباب وحده؛ ولا يخلو ذلك من مزلقةٍ على نحو ما نُبِّه عليه في التّمهيد لهذا البحث.
وفيما يلي أمثلةٌ لبعض ما في أبواب الخماسيّ من معجم (تهذيب اللّغة) للأزهريّ ممّا أصوله ثلاثيّةٌ؛ وليست خماسيّةً:
(عَصَنْصَرٌ) 5 وهو القصير، والأصل (ع ص ر) .
و (القَصَنْصَع) 6 وهو القصير، والأصل (ق ص ع) .
و (العَقَنْقَل) 1 وهو: الحبل العظيم من الرّمل، والأصل (ع ق ل) . و (العَرَكْرَكَة) 2وهي: المرأة المسترخية الشحم، والأصل (ع رك) . و (العَبَنْبَل) 3 وهو: العظيم، والأصل (ع ب ل) . و (الحَبَرْبَرَة) 4 وهي: القَمِئَة المناقرة، والأصل (ح ب ر) . و (الحَوَرْوَرَة) 5 وهي: البيضاء، والأصل (ح ور) . و (الصَّمَحْمَح) 6 وهو: الرّجل الشّديد، والأصل (ص م ح) . و (اسْلَنْقَى) 7 إذا اضطجع على قفاه، والأصل (س ل ق) . و (السَّجَنْجَل) 8 وهي: المِرْآة، والأصل (س ج ل) .
المبحث الثّاني: تداخل ثلاثة أصولٍ
والمراد من هذا: التّداخل الّذي يكون بين خماسيّ وأصلين ثلاثيّين، أو خماسيٍّ وثلاثيٍّ وبينهما رباعيٌّ؛ والأخير هو الكثير فيه.
فمن الأوّل تداخل الأصلين (خ ب ث) و (خ ث ن) مع الخماسيّ (خ ب ع ث ن) في (الخُبَعْثِن) وهو: التّار البدن في كلّ شيءٍ، أو القويّ الشّديد من الرّجال:
فمذهب ابن فارسٍ أنّه ثلاثيٌّ، وأصله (خ ب ث) بزيادة العين والنّون1 فوزنه على قياس ما ذكره (فُبَعْلِن) وهو بعيدٌ؛ لأنّ الباء ليست من حروف الزّيادة.
وهو عند الجوهريّ من (خ ث ن) 2 بزيادة الباء والعين؛ فوزنه - حينئذٍ (فُبَعْعِل) ثمّ يؤول إلى (فُبَعِّل) بزيادة العين الأولى، أمّا الثّانية فعين الميزان المقابلة الثّاء؛ وهو بعيدٌ؛ لأنّ الباء والعين ليسا من حروف الزّيادة.
ومذهب الجمهور في هذه الكلمة أنّها خماسيّةٌ1، بأصالة جميع حروفها، فليس فيها من حروف الزّيادة سوى النّون؛ ولا دليل على زيادتها.
ومن النّوع الثّاني؛ وهو تداخل الثُّلاثيّ والخماسيّ وبينهما الرّباعيّ:
تداخل (خ ر ش) و (ن خ ر ش) و (ن خ ور ش) في قولهم جروٌ (نَخْوَرِشٌ) إذ تحرّك وخَدَشَ، وقد اختلفوا فيه2:
فَذَهَبَ المبرّد إلى أنّه خماسيٌّ على زنة (فَعْلَلِل) كـ (جَحْمَرِشٍ) 3 وهي: العجوز، وتابعه ابن عصفورٍ4؛ وغيرهما ممّن يستدلّون بأنّ القول بزيادة النّون والواو يؤدّي إلى وزنٍ مفقودٍ؛ وهو (نَفْوَعِل) .
وكان ابن عصفورٍ يستدلّ على أصالة الواو في (نَخْوَرشٍ) بأنّ الواو تكون أصليّةً في بنات الخمسة5.
وهو خلاف ما قرّره علماء العربيّة في الأصول، على نحو ما تقدّم6.
بل إنّه خلاف ما قرّره ابن عصفورٍ نفسه عن الواو في موضعٍ آخرَ.
قال: "وإن كان معها ثلاثة أحرفٍ مقطوعٍ بأصالتها فصاعداً قضيت على الواو بالزّيادة؛ لأنّ الواو لا تكون أصلاً في بنات الخمسة، ولا في بنات الأربعة، إلاّ في المضعّف نحو قَوْقَيْتُ وضَوْضَيْتُ، فإنّ الواو فيه أصلٌ"1.
وهذا ما عليه العلماء في الأصول.
ولعلّ ذلك وقع منه - رحمه الله - من قبيل السّهو؛ ألا تراه خالف في الحكم في نحو (نَخْوَرِشٍ) نفسه؛ إذ نصّ في موضعٍ آخر2 على أنّ الواو فيه زائدةٌ؟
وذهب كُراع إلى أنّه ثلاثيٌّ من (خ ر ش) مشتقّاً من الخرش3، وتابعه ابن سِيدَه4 والصَّغانيّ5 وغيرهما؛ وهو عندهم (نَفْوَعِل) وليس في الكلام غيره.
والاشتقاق خير شاهدٍ لهم؛ فالخرش: الخدش في الجسد بالأظافر أو غيرهما.
ويقال: اخْتَرَشَ الجرو: تحرَّك وخَدَشَ، وتَخَارَشَت الكلاب والسَّنانير؛ أي: تَخَادَشَت، ومن ذلك قول الرّاجز:
إنَّ الجِرَاءَ تَخْتَرِشْ ... في بَطْنِ أمِّ الهَمَّرِشْ
فيهنَّ جِرْؤٌ نَخْوَرِشْ6
ويحتمل بين الأصلين؛ الأصل الرّباعيّ؛ وهو (ن خ ر ش) فيكون وزنه على هذا الأصل (فَعْوَلِلاً) .
وما ذكر في ترجيح الأصل الثّلاثيّ على الخماسيّ يصلح لأن يقال هنا.
ومن ذلك تداخل (ف ت ك) و (ف ت ك ر) و (ف ت ك ر ن) في قولهم: (الفُتَكْرِينُ) بتثليث الفاء، والإعراب على النّون، أو إلزامها الفتح - وهي: الدّواهي أو الدّاهية، أو الشّدائد، أو الأمر الشّديد العظيم؛ لأنّه يحتمل الجمع والإفراد: وهو يحتمل الأصول الثّلاثة المذكورة:
فذهب ابن فارسٍ إلى أنّه ثلاثيٌّ من (ف ت ك) بزيادة الرّاء والنّون، واشتقاقه من (الفَتْك) ؛ لأنّ الدّواهي من طبيعتها الفتك بفريستها1.
ووزنه - حينئذٍ (فُعَلْرِيْن) وهو بعيدٌ؛ لأنّ الرّاء ليست من حروف الزّيادة.
ومذهب الجمهور2 أنّه رباعيٌّ من (ف ت ك ر) وكأّنه (فُتَكْرٌ) ثمّ جمع بالواو والنّون في الرّفع، والياء والنّون في النّصب والجرّ، ثمّ أُلْزِم الياء والنّون في جميع الحالات؛ ولم يسمع بالواو.
وقد رواه ابن منظورٍ1 بفتح النّون، ورواه الفيروزاباديّ2 بضمّها؛ فمن جعل النّون للجمع فتحها، ومن تناسى الجمع عامله معاملة المفرد؛ فقال فيه: هذه فُتَكْرِينٌ، ورأيتُ فُتَكْرِيْناً، وفزعتُ من فُتَكْرِيْنٍ.
ووزنه على هذا الأصل الرّباعيّ (فُعَلِّينُ) .
ويجوز أن يكون خماسيّاً بأصالة النّون على لغة الإعراب، ووزنه (فُعَلِّيل) كـ (قُذَعْمِيل) وإلى هذا مال ابن منظورٍ؛ لكي لا يؤدِّي القول بزيادة النّون وضمّ الفاء إلى بناءٍ غير موجودٍ؛ وهو (فُعَلّ) فليس في الكلام؛ نحو: جُعْفَر3.
والرّأي أنّه رباعيٌّ، والأصل فيه كسر الفاء على وزن (فِعَلّ) وهو بناءٌ موجودٌ كـ (فِطَحْلٍ) وسماع الضّمّ والفتح فيه كسماع الفتح في اللاّم الأولى في (جُؤْذَرٍ) ونحوه، على الرّغم من فقد (فُعْلَل) عند البصريّين؛ لأنّ الأصل الضّمّ، وكذلك في (فُتَكْرِين) فالأصل الكسر على وزن البناء الموجود، ولمّا تُنُوسِيَ الجمع وأُعْرِبَ، وكثُر الضّمّ على الفاء التبس بالخماسيّ (فُعَلِّيل) كـ (قُذَعْمِيل) وإن لم يكن منه.
ومن ذلك تداخل (ح د ر) و (ح ن د ور) وبينهما (ح ن د ر) في (حِنْدَورَةٍ) وهي الحَدَقَة:
فكان ابن عصفورٍ يرى أنّها خماسيّةٌ من باب (قِرْطَعْبٍ) على زنة
(فِعْلَلّ) . ونصَّ على أصالة الواو بقوله: (والواو أصلٌ في بنات الخمسة) 1.
وما قيل في الرّدّ عليه في (نَخْوَرِشٍ) من قبل يصلح؛ لأن يقال هنا.
وذهب الجوهريّ إلى أنّها من (ح د ر) 1 وضبطها بضم الحاء والدال: (حُنْدُرة) فيكون وزنها عنده (فُنْعُوْلَةً) . ويجوز أن تكون من الرّباعيّ (ح ن د ر) وإلى هذا مال ابن منظورٍ2.
ولا شكّ في زيادة الواو؛ لأنّها صحبت ثلاثة أصولٍ؛ وليست في أوّل الكلمة، ولقولهم في معناها: (حُنْدُر) بذهاب الواو.
أمّا النّون فالرّاجح أنّها زائدةٌ؛ لقولهم: ناقةٌ حادرة العينين؛ إذا امتلأتا، سمِّيَت حَدْراء لذلك، والحدرة قُرْحةٌ تخرج بباطن جفن العين3.
وبهذا يرجح الأصل الثُّلاثيّ على الخماسيّ والرّباعيّ.
ومنه تداخل الأصلين (ج ن ق) و (م ج ن ق) وبينهما الأصل الرّباعيّ (م ج ن ق) في (المَنْجَنِيقِ) وهي: القذّاف الّتي يرمى بها الحجارة.
قال الشّاعر:
لَقَدْ تَرَكَتْنِي مَنْجَنِيقُ ابْنِ بَحْدَلٍ ... أَحِيْدُ عَنِ العُصْفُورِ حِينَ يَطِيرُ4 1ينظر: الممتع1/100، وفي هامشه أنها (الخمسة) وهو الصواب، وفي المتن (الأربعة) وهوسهو.
وفي أصلها خلافٌ1:
فذهب ابن دريدٍ2 وغيره3 إلى أنّها من (ج ن ق) وتقديرها (مَنْفَعِيل) واستدلّوا بقولهم: (جَنَقْنَاهم بالمَنْجَنيق) وبقول أعرابيٍّ: (كانت بيننا حروب عونٌ تفقأ فيها العيون، مرّةً نُجْنَق، وأخرى نُرشَق) 4 أي: تارةً نرمى بالمنجنيق، وتارةً نرشق بالسِّهام.
قال ابن دريدٍ: (فقوله: نُجْنَقُ دالٌّ على أنّ الميم زائدةٌ؛ ولو كانت أصليَّةً لقال: نُمَجْنَق) 5.
وتحتمل الأصل الخماسيّ؛ إن صحّ أنّها كلمةٌ أعجميَّةٌ معرَّبةٌ6؛ لأنّم وجدوا فيها الجيم والقاف، ولا يجتمعان في كلمةٍ عربيّةٍ، وذكروا أنّ الأصل: (مَنْ جهْ نِيك) وتفسيره: ماأجودني، أو (مَنْجَكْ نِيكْ) 7.
ويرى بعض الباحثين أنّ الصّواب أنّها يونانيّةٌ؛ وأصلها (صورة 14:منكنيكون) ومنها: (صورة15: منكينقا)
بالسّريانيّة1.
وإن صحّ أنّها معرَّبةٌ فهي خماسيَّةٌ؛ وليس في قولهم: جَنَقُونَا، أو نُجْنَقُ، ونحوه دليلٌ؛ لأّنهم (إذا اشتقّوا من الأعجميّ خَلَّطوا فيه؛ لأنّه ليس من كلامهم فاجترؤوا عليه فغيّروه) 2. فيكون وزنها على هذا (فَعْلَلِيلاً) بمنزلة (دَرْدَبِيسٍ) .
وكان سيبويه3 ومن تابعه4 يرون أنّها رباعيّةٌ من (م ج ن ق) ووزنها (فَنْعَلِيل) بمنزلة (عَنْتَرِيسٍ) .
واستدلّوا على أصالة الميم وزيادة النّون ببقاء الأولى وسقوط الثّانية في الجمع؛ إذ قالوا: مَجَانِيق؛ فجرت النّون مجرى الياء في (عَيْضَمُوزٍ) وهي:العجوز الكبيرة، وجمعها: عَضَاميزُ.
ولأنّه (إن جعلت النّون فيه من نفس الحرف فالزّيادة لا تلحق بنات الأربعة أوّلاً؛ إلاّ الأسماء من أفعالها نحو: مُدَحْرِجٍ، وإن كانت النّون زائدةً فلا تزاد الميم معها؛ لأنّه لا يلتقي في الأسماء، ولا في الصّفات الّتي ليست على الأفعال المزيدة في أوّلها حرفان زائدان متواليان، ولو لم يكن في هذا إلاّ أنّ الهمزة الّتي هي نظيرتها لم تقع بعدها الزّيادة لكانت حجّةً) 5.
وإن ثبت أنّها أعجميّةٌ فليس فيما استدلّوا به على زيادة النّون دليلٌ؛ لما تقدّم، وإن كانت عربيّةً فلكلٍّ من الثّلاثيّ والرُّباعيّ دليله.
الفصل الثالث: التداخل بين الرباعي والخماسي
تمهيد الفصل الثالث
...
الفصل الثّالث: التّداخل بين الرُّباعيّ والخُماسيِّ
لا يكثر التّداخل - أيضاً - بين الرّباعيّ والخماسيّ كثرته بين الثّلاثيّ والرّباعيّ؛ وهو في القلّة كتداخل الثّلاثيّ والخماسيّ.
ومردّ ذلك قلّة الأصلين؛ ولا سيّما الخماسيّ. ولعلّ أوّل من فطن إلى ذلك، ونبه عليه ابن جنّيّ؛ حين قال: "وأمّا تزاحم الرّباعيّ مع الخماسيّ فقليلٌ؛ وسبب ذلك قلّة الأصلين جميعاً؛ فلمّا قلاَّ قلّ ما يعرض من هذا الضّرب فيهما"1.
وينتظم التّداخل بين الرّباعيّ والخماسيّ في هذا الفصل مجموعتان؛ هما:
الأولى: ما ثانيه نونٌ.
الثّانية: ما ليس ثانيه نونٌ.
المبحث الأوّل: ما ثانيه نونٌ
إنّ النّون الثّانية - كما تقدّم - لا تزاد في الرّباعيّ إلاّ بثبتٍ، كما لا تزاد في الخماسيّ بغير ذلك؛ على عكس حالها متوسّطةً بين أربعة أحرفٍ.
بيد أنّ زيادتها ليست نادرةً؛ فقد وقع التّداخل بها في الخماسي فمن العلماء من يراها أصلاً؛ فيجعل الكلمة خماسيّةً، ومنهم من يراها زائدةً؛ فتكون الكلمة عنده رباعيّةً.
وفيما يلي بيان هذا من خلال الأمثلة:
يتداخل الأصلان الرّباعيّ والخماسيّ في (الهُنْدَلِع) وهي: بقلةٌ غريبةٌ، قيل: لا تنبت كلّ سنة، وهي تحتمل الأصلين:
فذهب الجمهور1 إلى أنّها رباعيّةٌ من (هـ د ل ع) بزيادة النّون، ووزنها عندهم (فُنْعَلِل) لأنّه لا أصل يقابل النّون فتحمل عليه؛ فهي كنون (كُنْتَأل) وهو: القصير، و (كَنَهْبُل) وهو: ضربٌ من الشّجر؛ وهما زائدتان2.
وذَهَبَ ابن السّرّاج3 إلى أنّها خماسيّةٌ من (هـ ن د ل ع) على
بناء (فُعْلَلِل) وأنّه ممّا فات سيبويه من الأبنية.وما ذهب إليه ضعيفٌ للأوجه التّالية:
الأوّل: أنّه يلزم على تقدير أصالة النّون عدم النّظير.
الثّاني: أنّه حكي (الهِنْدَلِع) بكسر الهاء؛ كما روي عن كُرَاعٍ1؛ فيلزم على القول بأصالة النّون إضافة بناءٍ سادسٍ، وهو (فِعْلَلِل) فيفوت تفضيل الرّباعيّ على الخماسيّ؛ وهو المطلوب2؛ لأنّه -حينئذٍ - أقلّ منه في عدد الأبنية الأصول؛ وهو مخالفٌ لطبيعة الأصول في العربيّة؛ لأنّ الأقلّ في عدد حروفِهِ الأصولِ هو الأكثر في عدد الأبينة؛ لخفّته وكثرة استعماله؛ ألا ترى أنّ أبنية الثّلاثيّ أكثر من أبنية الرّباعيّ؛ فوجب أن تكون أبنية الرّباعيّ أكثر من أبنية الخماسيّ.
الثّالث: أنّه يلزم على قول ابن السّرّاج أصالة نون (كُنْتَأْلٍ) و (كَنَهْبُلٍ) ونحوهما ممّا لم تثبت أصالة النّون فيه3؛ وذلك خرقٌ لا يرقع؛ فتكثر الأصول4.
الرّابع: أنّ الحرف إذا تردّد بين الأصالة والزّيادة فحمله على الزّيادة
أولى؛ لكثرة ذي الزّيادة، وقلّة أبنية الأصول1.
ومن أمثلة التّداخل في هذا الباب: تداخل الأصلين في (القَنْفَرِشٍ) وهي: العجوز الكبيرة في قول الرّاجز:
قَدْ زَوَّجُونِي بعَجُوزٍ قَنْفَرِشٍ2
وهي تحتمل الأصلين:
فذهب ابن دريدٍ إلى أنّها من الرّباعيّ (ق ف ر ش) بزيادة النّون؛ على زنة (فَنْعَلِل) 3.
وذهب الجوهريّ إلى أنّها من الخماسيّ وأصلها (ق ن ف ر ش) 4 بأصالة النّون على زنة (فَعْلَلِل) وهو الرّاجح؛ لأنّ النّون لا تزاد في هذا الموضع إلاّ بثَبَتٍ؛ وليس ثَمَّةَ ما يدلّ على زيادتها، والبناء على أصالتها موجودٌ؛ وهو (فَعْلَلِل) كـ (جَحْمَرِشٍ) .
ويتداخل الأصلان الرّباعيّ والخماسيّ في (خَنْدَرِيسٍ) وهو: التّمر القديم، أو الحِنطة، وقيل: الخمر، وهو يحتمل الأصلين:
فمذهب الجوهريّ5 وغيره6 أنّه رباعيٌّ من (خ د ر س) بزيادة
النّون ووزنه حينئذٍ (فَنْعَلِيل) .
ومذهب الجمهور1 وعلى رأسهم سيبويه2 أنّه خماسيّ من (خ ن د ر س) على وزن (فَعْلَلِيل) بأصالة النّون؛ وهو الرّاجح لوجود البناء؛ كـ (سَلْسَبيلٍ) و (عَلْطَبِيسٍ) وهو الأملي البرّاق؛ ولأنه لا يوجد دليلٌ على زيادة النّون.
ومن ذلك تداخل الأصلين في (حِنْزَقْرٍ) وهو: القصير الدّميم من النّاس، ويحتمل الأصلين:
فيرى الجمهور3 أنّه خماسيّ على وزن (فِعْلَلّ) كـ (قِرْطَعْبٍ) و (جِرْدَحْلٍ) .
وذهب ابن دريدٍ إلى أنّه رباعيٌّ على زنة (فِنْعَلّ) 4 بزيادة النّون.
ومذهب الجمهور أرجح؛ لأنّهم لم يجدوا دليلاً على زيادة النّون؛ الّتي لا تزاد في هذا الموضع إلاّ بثَبَتٍ؛ كما ذكرنا.
ويتداخل الأصلان الرّباعيّ ولخماسيّ في (القِنْصَعْرِ) وهو: الرّجل القصير العنق، والظّهر المُكَتَّل؛ وهو يحتملهما:
فذهب ابن دريدٍ إلى أنّه رباعيٌّ على زنة (فِنْعَلّ) 1 وتردّد فيه الأزهريّ2.
وكان ابن منظورٍ يميل إلى أنّه خماسيٌّ فذكره فيه3؛ ووزنه - حينئذٍ (فِعْلَلّ) وهو الرّاجح على قاعدة النّون ثانيةً.
ومن ذلك تداخل الأصلين الرّباعيّ والخماسيّ في (هَمَّرِشٍ) وهي: العجوز المضطربة الخلق، وقد اختلفوا فيه4:
فذهب سيبويه في أحد قوليه إلى أنّه رباعيٌّ من (هـ م ر ش) على وزن (فَعَّلِل) ونصّ كلامه: (ويكون على مثال (فَعَّلِل) وهو قليلٌ.
قالوا: الهَمَّرِش) 5.
وإلى هذا ذهب كُرَاعٌ فيما حكاه ابن سِيدَه6، وذكر أنّه لا نظيرله البتَّة ونقله ابن السّرّاج7، وكان ابن عصفورٍ يراه، ويحتجّ له بقوله: "فأمّا هَمَّرِش، فينبغي أن يحمَل على أنّ إدغامه من قبيل إدغام المثلين؛ ويكون
وزن الكلمة (فَعَّلِلاً) فتكون ملحقةً بجَحْمَرِشٍ؛ لما ذكرنا من أنّ الأصل في كلّ إدغام يكون في كلمة واحدةٍ - أن يحمَل على أنّه من قبيل إدغام المثلين، إلاّ أن يمنع ذلك مانعٌ؛ فإذا صغّرت هَمَّرِشاً على هذا القول، أو كسّرته، قلت: هُمَيْرِشٌ وهَمَارِشُ؛ فتحذف إحدى الميمين؛ لأنّها زائدةٌ"1.
وذهب سيبويه في قوله الآخر إلى أنّه رباعيٌّ - أيضاً - ولكن على زنة (فَنْعَلِل) فقد كان يقول: "وأمّا الهَمَّرِش فإنّما هي بمنزلة القَهْبَلِس2، فالأولى نونٌ - يعني: إحدى الميمين - نونٌ ملحقةٌ بقَهْبَلِسٍ؛ لأنّك لا تجد في بنات الأربعة على مثال فَعَّلِل"3.
وهذا خلاف ما تقدّم، من أنّه كان يراه على وزن (فَعَّلِل) ولعلّه نسي ما قاله ثَمَّ أو غيّر رأيه فيه، أو كان يرى الوجهين معاً.
وقد أدرك ابن سِيدَه ما وقع لسيبويه؛ فقال: (جعلها سيبويه مرّةً (فَنْعَلِلاً) ومرّةً (فَعَّلِلاً)) 4.
على أنّه ينبغي أن ندرك أنّ الأصل لا يختلف في قولَيْ سيبويه فهو رباعيٌّ على القولين من (هـ م ر ش) والفرق بين الوزنين في الحرف
الزّائد؛ فهو ميمٌ على وزن (فَعَّلِل) ونونٌ على وزن (فَنْعَلِل) ولكنّها قلبت ميماً من أجل الإدغام.
وينبغي أن لا يُقطع - أيضاً - في نسبة تباين الرّأي في هذه الكلمة إلى سيبويه، فليس بعيداً أن يكون من زيادات بعض العلماء في نسخ الكتاب، أو من وهم النسّاخ؛ فإنّ هذه الكلمة كانت ساقطةً من نسخة ابن السّرّاج من الكتاب المنسوخة عن نسخة أبي العبّاس المبرّد؛ ولم تكن مثبتةً - أيضاً - في نسخة ثعلب1.
ومهما يكن من أمرٍ؛ فلم يكن أبو عليٍّ الفارسيّ - فيما نقله ابن سِيدَه2- راضياً عن الوزن الثّاني؛ الّذي جاء في (الكتاب) وهو (فَنْعَلِل) لأنّه لو كان الأمر كذلك لظهرت النّون؛ فإنّ إدغام النّون السّاكنة في الميم من كلمةٍ واحدةٍ؛ لا يجوز.
وكان يستدل بأنهم لم يدغموا النُّون في قولهم: (شَاةٌ زَنْماء) كراهة أن تلتبس بالمضاعف.
على أن ما ذهب إليه أبوعلي لا يؤخذ على إطلاقه؛ ألا تراهم أجازوا إدغام أحد المتقاربين في الآخر، في كلمة واحدة؛ إذا لم يكن ملبساً؟ وذلك في أبنيةٍ محصورةٍ؛ نحو (انفَعَلَ) و (افْتَعَل) و (تَفَعَّلَ) و (تَفَاعَلَ) نحو (امَّحَى) و (اسَّمَعَ) و (ازَّمَّلَ) و (ادَّارَكَ) وكذلك (فَنْعَلِل) فلعلّ منه (هَمَّرِش) .
وذهب الأخفش إلى أنّه خماسيٌّ من (هـ ن م ر ش) بأصالة النّون
وزنه (فَعْلَلِل) كـ (جَحْمَرِش) 1، وقد قلبت النّون ميماً وأدغمت لعدم اللّبس؛ لأنّه لا وجود لبناء (فَعَّلِل) سوى (هَمَّرِش) .
أمّا (هُمَّقِع) وهو: الأحمق فهو رباعيٌّ، وإحدى الميمين زائدةٌ؛ وهو على بناء (فُعَّلِل) لوجوده، نحو (شُمَّخِرٍ) وهو: الرّجل الجسيم المكتبّر، و (دُبَّخِسٍ) وهو الضّخم.
واحتجّ الأخفش - أيضاً - بأنّ (هذه البنية - أعني: (فَعْلَلِلاً) - لم توجد في موضعٍ من المواضع، قد لحقتها زوائد للإلحاق؛ فيعلم بذلك أنّ هَمَّرِشاً في الأصل: هَنْمَرِشٌ؛ إذ لو لم يحمل على ذلك، وجعل من إدغام المثلين لكان أحد المثلين زائداً؛ فيكون ذلك كسراً لما ثبت في هذه البِنية واستقرّ، من أنّها لا تلحقها الزّوائد للإلحاق) 2.
على أنّه يرد عليه أنّهم ألحقوا بها مثالاً واحداً على رأي بعضهم؛ وهو: نَخْوَرِشٌ3.
وكان ابن جنّي يقول بمذهب الأخفش؛ فيرى أنّ الكلمة خماسيّةٌ: قلبت نونها وأدغمت؛ لمّا أُمن اللّبس؛ لعدم وجود (فَعَّلِل) 4.
وينبغي على هذا الخلاف بينهم في أصل (هَمَّرِشٍ) أن يختلف التّصغير والتّكسير؛ فيقال: هُمَيْرِشٌ وهَمَارِشُ على رأي من رآه
رباعيًّا1 ويقال: هُنَيْمِرٌ وهَنَامِرُ على رأي من كان يعدّه خماسيّاً2.
ومن التّداخل بين الرّباعيّ والخماسيّ، ممّا ثانيه نونٌ، تداخل الأصلين في قولهم: (عجوزٌ شَنَهْبَرَةٌ) و (شَهْبَرَةٌ) بمعناه، وقد جاء في الحديث: "لا تتزَوَّجَنَّ شَهْبَرَةً ولا نَهْبَرَةً" 3 وهو يحتمل الأصلين:
فذهب ابن عصفورٍ إلى أنّه خماسيٌّ، وليس من (شَهْبَرَةٍ) فهما أصلان من باب: سَبِطٍ وسِبَطْرٍ؛ لأنّه لا يجوز - عنده - أن يكون (شَنَهْبَرةٌ) رباعيّاً على وزن (فَنَعْلَلَة) لأنّ ذلك بناءٌ غير موجودٍ؛ فيكون موافقاً لمعنى (شَهْبَرةٍ) وليس منه.
وبالقياس على ما ذكرتُهُ من قاعدة سَبِطٍ وسِبَطْرٍ فإنّهما من أصلٍ واحدٍ، لا أصلين، وهو (ش هـ ب ر) فيكون وزن شَنَهْبَرَةٍ (فَنَعْلَلَة) لدلالة الاشتقاق؛ ولأنّ النّون من حروف الزّيادة.
وفقد البناء فيما احتجّ به ابن عصفورٍ دلالةٌ قويّةٌ، إلاّ أنّ الاشتقاق مع كون النّون من حروف الزّيادة - أقوى؛ فيكون من نوادر الأبنية.
ونحو ذلك (خَضْرَفٌ) و (خَنْضَرِفٌ) وهما بمعنى: المرأة الضّخمة اللّحيمة الكبيرة الثّديين، وقيل: المسترخية اللّحم، فقد ذهب ابن عصفورٍ إلى أنّهما أصلان مختلفان، على الرّغم من تقاربهما في اللّفظ واتّفاقهما في
المعنى؛ لأنّ القول بزيادة النّون يؤدّي إلى بناء (فَنْعَلِل) وهو غير موجودٍ؛ كما ذكر؛ فيحملان على باب: سَبِطٍ وسِبَطْرٍ1.
وأرى أنّهما من أصلٍ واحدٍ؛ وهو الرّباعيّ (خ ض ر ف) للعلّة السّابقة.
أمّا قولهم (خِنْثَبَةٌ) و (خِنْثَعْبَةٌ) وهما بمعنى: النّاقة الغريزة اللّبن، فليس أحدهما من الآخر؛ بل هما من بابٍ: سَبِطٍ وسِبَطْرٍ؛ لأنّ العين ليست من حروف الزّيادة.
ويجوز في (خِنْثَعْبَةٍ) أن يكون رباعيّاً أو خماسيّاً؛ فمن رواه بضمّ الخاء جعله رباعياًّ؛ كما فعل سيبويه؛ فهو عنده بمنزلة (كَنَهْبُل) في زيادة النُّون؛ لأنّه ليس في الكلام على مثال (جُرْدَحْلٍ) وإنّما جاء بزيادة النّون2.
ومن رواه بالكسر جعله خماسيّاً، بأصالة النّون كـ (قِرْطَعْبٍ) ومن هؤلاء الفاربيّ3، ونصّ على أنّ وزنها (فِعْلَلَّة) .
والقول بزيادتها هو الرّاجح؛ لدلالة الضّمّ؛ إذ ليس في الكلام (فُعْلَلّ) وبهذا استدلّ أبو عليٍّ الفارسيّ4.
ومن تداخل الأصلين ممّا ثانيه نونٌ ما وقع في (العَنْدَلِيب) 1 وهو: طائرٌ أصغر من العصفور، يصوّت ألواناً، يقال: إنّه البُلْبُل، وهو يحتمل الأصلين:
فذهب سيبويه إلى أنّه خماسيٌّ على زنة (فُعْلَلِيل) كـ (خَنْدَرِيسٍ) 2 وعلى ذلك - أيضاً - ابنُ السَّرَّاج3، وابن سِيدَه4، والزَّمخشريّ5.
وذهب الأزهريّ إلى أنّه رباعيٌّ، من (ع ن د ل) ثُمَّ مُدَّ بياءٍ، وكُسِعَ بلامٍ مكرّرةٍ، فقالوا: (عَنْدَلِيلٌ) فقلبت اللاّم باءً6.
وكان الأزهريّ يستدلّ لمذهبه بظهور اللاّم على أصلها في قول الشّاعر:
والعَنْدَلِيلُ إذا زَقَا فِي جَنَّةٍ ... خَيْرٌ وأَحْسَنُ مِنْ زُقَاءِ الدُّخَّل7
ولكلٍّ من الرّايين ما يؤيّده، والرّاجح أنّه خماسيٌّ؛ فليس في مادّة (عندل) ما يدلّ على معناه، أمّا قولهم: يُعَنْدِلُ البلبل، أي: يصوّت، وعَنْدَلَ الهُدْهُدُ، فليس فيه دليلٌ قاطعٌ؛ أنّه يحتمل أن يكون مشتقّاً من
(العَنْدَلِيب) أو (العَنْدَلِيلِ) على حدٍّ سواءٍ؛ لأنّ الخامس محذوفٌ في قولهم: (يُعَنْدِلُ) و (عَنْدَلَ) على طريقتهم؛ إذا اضطرّوا إلى نحو ذلك من سَفَرْجَلٍ: سَفْرَجَ.
وقولهم: إنّ الباء في (العَنْدَلِيب) مبدلَةٌ من اللاّم ليس عليه دليلٌ قاطعٌ، ولو كان بينهما تبادلٌ لكان الأولى أن تكون الباء هي الأصل؛ واللاّم هي البدل؛ لمشاركة اللاّم الأولى.
المبحث الثّاني: ما ليس ثانيه نوناً
إنّ التّداخل في هذا النّوع أقلّ من التّداخل بين الثّلاثيّ والرّباعيّ للعلّة السّابقة - أيضاً - ومنه تداخل الأصلين الرّباعيّ والخماسيّ في (السّلْسَبِيل) وهو: الماء أو الشّراب اللّذيذ اللّيّن الّذي لا خشونة فيه.
قال عزّ وجلّ: ﴿عَيْناً فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً﴾ 1 فكأنّ العينَ سمِّيت بالصّفة منه، وقد جاء مصروفاً؛ لأنّه رأس آيةٍ2، وفي أصله خلافٌ بين أهل اللّغة.
فمذهب الجمهور3 - وعلى رأسهم سيبويه -4 أنّه خماسيٌّ من (س ل س ب ل) على زنة (فَعْلَلِيل) كـ (دَرْدَبِيسٍ) .
وذهب بعضهم إلى أنّه رباعيٌّ من (س ل ب ل) على وزن
(فَعْفَلِيل) بتكرير السّين، وهي فاء الكلمة، كـ (دَرْدَبيسٍ) على رأي من جعل الدّال الثّانية مكرَّرةً1، وهذا بعيدٌ؛ إذ لا دليل على تكرير الفاء؛ كما تقرّر عند جمهور اللّغويّين، وقد بُسِط القول في مثله في الباب الأوّل.
وذهب الزَّمخشريّ إلى أنّه رباعيٌّ - أيضاً - ولكن من (س ل س ل) بزيادة الباء2، ووزنه - حينئذٍ (فَعْلَبِيل) وهو بعيدٌ؛ لأنّ الباء ليست من حروف الزّيادة.
ويحتمل رأيه شيئاً آخر، نبّه عليه أبو حيّان؛ وهو أنّه أراد أنّ الباء زائدةٌ على بناء (سَلْسَل) و (سَلْسَالٍ) فصارت خماسيّةً من باب الأصلين المتقاربين؛ كما في: سَبِط وسِبَطْرٍ3؛ فإن كان الأمر ذاك فمذهبه كمذهب الجمهور في أنّها خماسيّةٌ، على وزن (فَعْلَلِيل) .
وذهب بعضهم إلى أنّ الكلمة ليست خماسيّةً ولا رباعيّةً؛ بل هي ثلاثيّةٌ إمّا من (س ل س) أو من (س ل ل) أو مركبَّةٌ من (سَأَلَ) و (سَبِيل) .
وكان السّمين الحلبيّ يرى أنّها من (س ل س) 4؛ لأنّه وجدها
بمعناه؛ لقولهم: شرابٌ سَلِسٌ؛ أي: سهلٌ، ليّن الانحدار؛ فيكون وزنها - حينئذٍ (فَعْلَبيلاً) بزيادة الباء واللاّم الأخيرة؛ وهو بعيدٌ؛ لزيادة ما ليس من حروف الزّيادة، وهي الباء.
وجعله الرّاغب من (س ل ل) 1 فيكون وزنها - حينئذٍ (فَعْفَبِيلاً) وهو بعيدٌ من وجهين:
الأوّل: زيادة ما ليس من حروف الزّيادة؛ وهو الباء.
الثّاني: تكرير ما لم يقم الدّليل على تكريره؛ وهو فاء الكلمة.
وقيل: إنّها مركّبةٌ من (سَأَلَ) و (سَبِيل) على طريق التّركيب الإسناديّ في الأعلام كـ (تأََبَّطَ شَرّاً) و (شَابَ قَرْنَاها) فأصلها على هذا الرّأي: (سَلْ سَبيلاً) 2 وسمِّيت الجنّة بذلك؛ لأنّه لا يشرب منها إلاّ من سأل إليها سبيلاً، بالعمل الصّالح.
وقد عزي هذا الرّأي إلى عليّ بن أبي طالبٍ3 - رضي الله عنه - وفي عزوه إليه - رضي الله عنه - بعدٌ، كما أشار إليه بعض العلماء4.
وليس لهذا الرّأي - من حيث الصّناعة - دليلٌ قاطعٌ؛ وهو غير مقبولٍ عند حُذّاق العربيّة، ومنهم الزَّمخشريّ الّذي كان يراه تكلّفاً
وابتداعاً1، وكذا الكِرمانيّ2.
ومن أمثلة التّداخل في هذا النّوع: تداخل (ع ق ر ط) ، و (ع ق ر ط ل) في (العِقِرْطَل) : أنثى الفيل، واللّفظ يحتمل الأصلين:
فذهب الفارسيّ3 وابن مالكٍ4 إلى أنّه رباعيٌّ، واللاّم زائدةٌ.
وإنّما حداهما على ذلك أنّهما روياه بكسر العين والقاف؛ فلم يجدا (فِعِلَّل) فحملاه على (فِعِلَّل) بزيادة اللاّم، وليس بأصالتها.
وذهب ابن سِيدَه5 وابن منظورٍ6 والفيروزاباديّ7 إلى أنّه خماسيٌّ، على زنة (فَعَلَّل) لأنّهم رووه بفتح العين والقاف، فحملوه على (سَفَرْجَل) فإن كان الأصل الفتح فهو خماسيٌّ، وإن كان الكسر فهو رباعيٌّ.
ومن ذلك ما تقارب فيه الأصلان الرّباعيّ والخماسيّ كـ (ضَبَغْطَى) و (ضَبَغْطَرَى) وهما كلمتان يُفزّع بهما الصّبيان، أو فزَّاعة الزّرع الّتي تنصّب للطّير؛ وهما أصلان مختلفان - كما نصّ ابن جنّي8 ـ أوّلهما
رباعيٌّ، وثانيهما خماسيٌّ، وإن تقاربت حروفهما، واتّحد معناهما؛ فليس أحدهما من الآخر؛ لأنّ الرّاء ليست من حروف الزّيادة.
وقد ذكرهما ابن منظورٍ في الأصلين1 على الصّواب.
ونحو ذلك تداخل الأصلين (د ر د ب) و (د ر د ب س) في (دَرْدَبَ) و (دَرْدَبِيس) في قول الشّاعر:
أُمُّ عِيَالٍ فَخْمَةٌ تَعُوس قَدْ ... دَرْدَبَتْ والشَّيْخُ دَرْدَبِيسُ2
وهما بمعنى: الشّيخ الكبير الهمّ والعجوز - أيضاً -. ويحتملان ثلاثة أوجهٍ:
الأوّل: أن يكون الرّباعيّ (دَرْدبَ) هو الأصل؛ فتكون السّين في (دَرْدَبِيس) زائدةً، كزيادتها في (خَلْبَسَ) من (خَلَبَ) .
والثّاني: أن يكون أصلين متقاربين؛ وليس أحدهما من الآخر؛ وإلى هذا مال ابن جنّيّ3.
والثّالث: أن يكون (دَرْدَبيسٌ) هو الأصل، و (دَرْدبَ) فعلٌ مشتقٌّ منه؛ فاضطرّ علىحذف خامسه؛ أنّ الفعل لا يكون على خمسة أصولٍ.
وليس هذا الوجه ببعيدٍ عند ابن جنّي؛ الّذي قال: (ولا أدفع أن يكون استكره نفسه على أن بنى من دردبيس فعلاً فحذف خامسه، كما
أنّه لو بنى من سَفَرْجَلٍ فعلاً عن ضرورةٍ لقال: سَفْرَجَ) 1. وهذا الّذي ذهب إليه ابن جنّي قويٌّ؛ وهو أرجح الأوجه الثّلاثة، ويتلوه الأوّل، ثمّ الثّاني؛ وهو أبعدها؛ لما تقدّم في قاعدة: سَبِطٍ وسِبَطْرٍ.