مقدمة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- عبد الرزاق بن فراج الصاعدي
- الكتاب
- تداخل الأصول اللغوية وأثره في بناء المعجم
- المؤلف
- عبد الرزاق بن فراج الصاعدي
- الناشر
- عمادة البحث العلمي، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، المملطة العربية السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1422هـ/2002م
- عدد الأجزاء
- 2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
...
تداخل الأصول اللغوية وأثره في بناء المعجم
تأليف: د/عبد الرزاق بن فرج الصاعدي
بسم الله الرَّحمن الرَّحيم
المقدّمة
الحمد لله، فاتحة كلّ خير، وتمام كلّ نعمة، أحمده سبحانه وتعالى حمدا طيّبا مباركا فيه، وأصلّي وأسلم على سَيِّدنا محمد، أفصح العرب لسانا، وأبينهم حُجّة، وأقومهم عبارة، وأرشدهم سبيلا، صلى الله عليه، وعلى آله الطاهرين، وصحابته أجمعين.
أمّا بعد، فإنّ مجال العمل المعجميّ يعدّ من أهم مجالات النشاط اللّغويّ وأصعبها؛ ويقتضي مواصفات خاصّة في روّاده؛ في مقدّمتها الدّقة والأناة والصّبر.
ولنا أن ننظر -اليوم- إلى جهود علمائنا القدامى في صناعة المعاجم، وما خلّفوه لنا من تراث معجميّ زاخر لنرى ما عانوه من نَصَبٍ بالغ، وما بذلوه من دقّة متناهية في الجمع والاستيعاب، وفي التّنظيم والتّبويب؛ وما وَفّروه لهذا الأمر المهم من أسباب النّضج والنُّجْح ما كفل له أن يتصدّر قمة نشاطاتهم اللّغوية؛ فصفت لنا بذلك موارد اللّغة وحُفظت أصولها، وما ترمي إليه من صحاح المعاني، ودقائق الدّلالات.
ولمّا كان جمهور المشتغلين بعلوم العربيّة في شتّى فنونها ومناحيها لا يستغنون عن الرّجوع إلى هذا الضّرب من المؤلفات؛ فقد استمرّت جهود العلماء، وتضافرت في هذا المجال، وتعاقبت، وامتازت بالشّمول
والتّنويع؛ فرأينا جوانب شتّى فيه؛ كالبسط والاختصار والتّهذيب والاستدراك والتّحشية والتّعليق والنّقد.
وقد اتصل جهد الخلف بجهود السلف في النشاط المعجمي، الذي لا يزال معدودا في مجالات الدراسات اللغوية الخصيبة في الأصوات والأبنية والتراكيب والدلالات؛ فاستقطب – بأَخَرَةٍ – اهتمامات كثير من الباحثين؛ غير أنه لا يزال في حاجة إلى المزيد من الدراسات.
ومن المعلوم أن الكلمات في اللغة العربية ترتبط بأصولها ومعانيها؛ في نظام بالغ الدقة، يكشف عن جمال هذه اللغة وجلالها.
ومن الثابت عند علماء اللغة العربية أن لكل كلمة وما تفرع عنها أصلا واحدا فحسب، بَيْدَ أنَّ ثَمَّةَ أصولا - يصعب حصرها – تتداخل؛ وأعني بذلك: أن الكلمة الواحدة قد يتوارد عليها أصلان أو أكثر، مما يؤدّي إلى التداخل مع أصلها الحقيقي؛ فيلتبس الأصلان أو الأصول؛ فكلمة (المَدِينة) – مثلا – يتوارد عليها أصلان ثلاثيان؛ فيتداخلان؛ وهما (م د ن) و (د ي ن) ويتداخل في كلمة (الرُّمَّان) أصلان؛ وهما (ر م م) و (ر م ن) أما كلمة (القرآن) فإنها تحتمل ثلاثة أصول: (ق ر أ) و (ق ر ي) و (ق ر ن) وتحتمل كلمة (مَأْجَجٍ) ثلاثة أصول – أيضا -، وهي: (أج ج) و (م ج ج) و (م أج ج) .
ومن أعجب ما وقع فيه التداخل كلمة (كَوْكَب) فإن فيها خمسة أصول متداخلة؛ وهي: (ك ك ب) على مذهب الجمهور، و (وك ب) على مذهب الأصمعي والأزهري، و (ك ب ب) على مذهب الراغب الأصفهاني، و (ك وك ب) على مذهب الخليل وأبي بكر الزبيدي، و (ك ب ك ب) على مذهب بعض الباحثين المعاصرين.
وقد كثر التداخل في أنواع مخصوصة من ألفاظ اللغة، منها: الرباعي المضاعف؛ نحو: سلسل وزلزل ووسوس، فأثر ذلك في بناء معاجم القافية تأثيرا بالغا؛ إذ تابع صناع تلك المعاجم فيه المذهب الكوفي؛ وهو أن مثل تلك الكلمات هو من الثلاثي، وتركوا المذهب المشهور، وهو مذهب البصريين وجمهور النحاة واللغويين؛ وحاصله أن تلك الكلمات رباعية.
وعلى الرغم من ذلك فإن متابعتهم الكوفيين لم تتصف بالاطراد؛ فثَمَّةَ كلمات من ذلك الضرب وضعت عندهم في الرباعي؛ وهو موضعها الصحيح؛ ومما يثير الانتباه أنّ ما جاء في موضعه الصحيح من هذا الضرب كاد يقتصر على باب الهمزة فقط.
أما نحو: سَبِطٍ وسِبَطْرٍ، ودَمِثٍ ودِمَثْرٍ؛ فهو باب من التداخل؛ وتداخل الأصلين منه عند المعجميين دفعهم إلى ترجمة أحدهما في الآخر.
ومما كثر فيه التداخل، واختلفت فيه المعاجم: المهموز والأجوف والناقص وذو النون أو الميم، فكان بعضهم يرى الهمزة أو الميم أو النون من الأصل، وبعضهم يرى ذلك زائداً أو يرى الهمزة منقلبة عن حرف علة، أو العكس؛ فيضعها فريق في باب، ويضعها فريق في باب آخر، بل إنهم كثيرا ما وقعوا في تكرار المهموز في المعتل؛ مما أدى إلى تضخيم البابين.
والحق أن المعتل والمهموز من أكثر الأصول إثارة لحيرة اللغويين والمعجميين، ولا سيما تداخل الواو والياء في المعتل الناقص؛ فأدى ذلك إلى محاولة بعض المعجميين تجاوز هذه العقبة بوضع الواوي واليائي في باب واحد؛ وأول من فعل ذلك: الجوهري في (الصحاح) فغدا صنيعه منهجا يُحتذى.
أما النون فمزلقتها كبيرة، فإن أصالتها تلتبس في أول الكلمة، وفي وسطها، وفي آخرها؛ نحو: نَرْجِسٍ، وذُرْنُوحٍ، وضَيْفَنٍ.
وللميم مزلقة لا تقل عن النون فأصالتها تلتبس في أول الكلمة، وفي وسطها، وفي آخرها – أيضا– نحو: الْمَدِينَةِ، ودُلاَمِصٍ، وحُلْقُومٍ.
وقد تخفى حالة التاء؛ إذا وقعت في أول الكلمة، نحو: تَرْقُوَةٍ، وتَنُّورٍ، وتَأْلَبٍ، وتُرَامِزٍ، وتَوْلَجٍ، وتَنُوخَ.
ومن عجائب تداخل الأصول في: (اللِّسَان) أنّ ابن منظور ذكر (الأَفْكَلَ) وهي: الرعدة – في أصل رباعي، في باب اللام؛ فصل الهمزة، مع نص أكثر العلماء العربية على أن الكلمة ثلاثية الأصول، والهمزة فيها زائدة، وقد قرر ابن منظور نفسه زيادة الهمزة فيها؛ فوزنها عنده: (أَفْعَل) ومع ذلك وضعها في الرباعي، على أصالة الهمزة.
والحق أن لتداخل الأصول أثراً بالغاً في بناء المعجم العربي، ولا سيما معاجم القافية، التي تعتمد على أصل الكلمة أساسا في التبويب والترتيب؛ فإن الكلمة قد تنتقل من باب إلى باب آخر، أو من فصل إلى فصل آخر، فتجيء في غير موضعها الصحيح، أو توضع في موضعين، أو أكثر، مما يؤدي إلى خلل بَيِّن في النظام المعجمي الدقيق، ويسهم في تضخيم بعض الأبواب.
ومن ضرر التداخل في المعاجم أنه يحول بين الباحث فيها عن شيء ومراده فيها، وقد امتد هذا الأثر إلى بعض العلماء في مؤلفاتهم؛ فاستدركوا على بعض المعاجم مواد هي فيها.
ويؤدي التداخل – أيضا – إلى الحكم على الكلمة بأنها من أصل ليست منه، مما ينتج عنه شيء من الاضطراب في بعض الأحكام التصريفية، كحركة عين المضارع في الأجوف، أو الناقص، أو المهموز، وكذا في الجمع والتصغير.
ويقود وضع الكلمة في موضعين أو أكثر إلى اختلاف شرحي الكلمة أو شروحها؛ في المضمون، من حيث الترجمة، أو الضبط، أو الأحكام، أو النقول، أو الشواهد، أو النصوص، ونحو ذلك.
وقد يؤدي تداخل الأصول إلى ظهور أبنية غريبة على العربية، بعيدة عن قياسها، كـ (افْلأَعْلَ) على رأي من يجعل كلمة: (اكْلأَزَّ) من الأصل الثلاثي (ك ز ز) و (فَعْفَبِيلٍ) نحو: (سَلْسَبِيلٍ) على تقدير أنه ثلاثي من (س ل ل) على مذهب الراغب الأصفهاني؛ و (افْعَالَ) نحو: (انبَاقَ) حملا على صنيع الجوهري، في وضعه الكلمة في (ن ب ق) .
وتهدف هذه الدراسة، التي بين أيدينا، إلى تناول أمرين:
أولهما: تداخل الأصول اللغوية؛ وهو جانب صرفيّ محض.
وثانيهما: سَبْرُ الأثر الذي يمكن أن يحدثه هذا التداخل في بناء معاجم القافية.
واتخذتُ من مدرسة القافية ميدانا للدرس والتحليل في الأمرين كليهما، بوصفها المدرسة التي اعتمدت معاجمها أصل الكلمة أساسها الأول في الترتيب؛ فسبقت بذلك غيرها من المدارس المعجمية.
ولذلك اخترت أن يكون عنوان الدراسة: (تداخل الأصول اللغوية، وأثره في بناء المعجم العربي من خلال مدرسة القافية) .
ولقد أقمتها على مواد منتخبة، مما يربي على ألفي مادة، تداخل في كل منها أصلان، أو أكثر، وهذا يعني أن الأصول المتداخلة – فيما وقفت عليه – تزيد على أربعة آلاف أصل.
واقتضت طبيعة الموضوع أن تأتي الدراسة في خمسة أبواب؛ يسبقها تمهيد؛ أتيت فيه على أمور تتصل بالبحث؛ وهي: (الأصول) و (التداخل) و (المعجم) و (القافية) و (سبب اختيارها) .
وجاء الباب الأول بعنوان: (الأصول والزوائد) وبنيته على ثلاثة فصول.
أفردت أولها للأصول في عرف اللغويين، قدامى ومحدثين.
وجعلتُ ثانيها للزوائد بجميع أنواعها، كالزيادات المقيسة، والإلحاق، والزيادات غير المقيسة.
أما ثالثها فهو يبحث في مقاييس التفريق بين الأصول.
ونال (تداخل الأصول) ما يستحق من الدراسة، فجاء في البابين الثاني والثالث، ونحوت فيهما منحى يؤدي إلى حصر ظاهرة التداخل في إطارها العام، بحيث يؤمن أن يند شيء من صورها المختلفة؛ فالتداخل على قسمين:
ما يقع في البناء الواحد.
وما يقع بين بناءين مختلفين غير متاكفئين.
وللأول ثلاث صور:
التداخل بين الثلاثي والثلاثي.
والتداخل بين الرباعي والرباعي.
والتداخل بين الخماسي والخماسي.
وللثاني ثلاث صور ـ أيضاً ـ:
التداخل بين الثلاثي والثلاثي.
والتداخل بين الثلاثي والخماسي.
والتداخل بين الرباعي والخماسي.
وجعلت للقسم الأول بابا مستقلا؛ وهو الباب الثاني؛ وكان الباب الثالث للقسم الثاني من قسمي التداخل.
ولما كان أسباب التداخل وأثره في بناء المعاجم من أهم ما في هذه الدراسة، وهو يُعَدُّ ثمرتها، فقد أفردته في بابين مستقلين: الرابع والخامس، فجاء أولهما – وهو الباب الرابع – بعنوان: (أسباب التداخل وأثره في بناء معاجم القافية) وكان هذا الباب من أوسع أبواب الدراسة، فناسب اتساعه أهميته، وفيه فصلان:
أولهما: أسباب التداخل.
ثانيهما: أثر التداخل في بناء معاجم القافية.
وأما الباب الخامس - وهو الأخير – فقد أفرد لـ (أثر التداخل في النقد المعجمي) وجاء في فصلين:
أولهما: للنقد المعجمي عند القدامى.
ثانيهما: للنقد المعجمي عند المتأخرين.
ثم جاءت الخاتمة، واشتملت على أبرز النتائج، التي توصل إليها البحث، وبعض التوصيات، وتلا ذلك الفهارس العامة.
وقد درست هذه الظاهرة اللغوية دراسة تاريخية مقارنة، مستقرئا آراء القدماء والمحدثين، ومحللا إياها، ومبديا ما أراه حيال بعضها من ملحوظات، متخذا من الدرس الصرفي القديم – لا سيما ما استقر عليه البصريون – أساسا لدراسة الأصول، فاقتضت طبيعة الدراسة الاعتماد فيها على أربعة مناهج معروفة في الدراسات اللغوية الحديثة، وهي:
1- المنهج الوصفي.
2- المنهج التاريخي المقارن.
3- المنهج الاستقرائي.
4- المنهج النقدي.
وحاولت المزج بينها بما يخدم الدراسة.
ثم إني كنت أعلم تماما ما في البحث من مصاعب ومتاعب، وقد حملني على ركوب الصعبة بلا أَحْلاسٍ دوافعُ لم يزل صداها يَرِنُّ في أذني،
وأهدافٌ لمعت لي من بعيد، فشمرت لها عن ساعد الجِدّ، آملا أن أضع صُوًى على بُنَيّاتِ الطريق، وكان من أهم هذه الدوافع والأهداف:
أ - حُبّي الشديد للدرس اللغوي؛ ولا سيما مجالات الصرف العربي، وموضوعات فقه اللغة وعلى رأسها الدراسات المعجمية؛ وقد تيسر لي – بتوفيق الله – في هذه الدراسة الجمع بين الرغبتين.
ب- الوقوف على ظاهرة تداخل الأصول بالدراسة التفصيلية التحليلية؛ أسوة بغيرها من الظواهر اللغوية؛ التي نالت حظها من الدرس؛ وقد تبين لي أن موضوع هذه الدراسة مما لم يطرقه الباحثون قديما وحديثا، خلا ما جاء منه في إشارات متفرقة هنا وهناك، وأهمها ما جاء في (الخصائص) لابن جني، الذي عرض لبعض جوانبه، والإشارات النقدية التي أثارها بعض المعجميين في معاجمهم؛ ولعل إغفال الباحثين المعاصرين هذا الموضوع راجع إلى ما يكتنفه من تشعب وغموض في بعض جوانبه.
ج- الوقوف على أثر (تداخل الأصول) في بناء معجم القافية، وحصر آثاره السلبية، والتنبيه عليها، ومحاولة وضع الحلول الممكنة لتلافي ذلك مستقبلا، فيما يؤلف من معاجم، تتخذ من الأصول أساسا لبنائها، وعلى رأسها المعجم التاريخي، الذي وضعت فكرته في العصر الحديث، وأرسيت قواعده.
د- تَغَيُّرُ معنى الكلمة بسبب التداخل، وما يترتب عليه من عدم إدراك السامع مراد المتكلم، ومن أشهر أمثلته ما جاء في الحديث المرفوع أن قوما من جهينة جاءوا إلى النبي-صلى الله عليه وسلم- بأسير، وهو يُرْعَدُ من البرد، فقال: "أَدْفُوهُ"، فذهبوا به فقتلوه، فَوَدَاهُ النبي ـ صلى الله عليه وسلم- وإنما أراد – عليه السلام: أَدْفِئُوهُ من البرد، وهو من: (د ف أ) وسهّله؛ لأنه ليس من لغته التحقيق؛ فالتبس بأصل آخر؛ وهو (د ف و) ومنه قولك: دَفَوْتُ الجَرِيحَ أَدْفُوهُ دَفْوًا؛ إذا أَجْهَزْتَ عليه.
هـ- إبراز أكبر قدر ممكن، مما جاء من الألفاظ في غير موضعه، في معاجم القافية، أو مما وضع في موضعين أو أكثر، ليكون عونا للقارئ.
و ومما شحذ همتي على المضي في هذا البحث ما قرأته أو سمعته من أن بعض المتختصّصين في غير العربية كان يشكو من إهمال المعاجم بعض الكلمات، ككلمة (امْتَارَ) مثلا، لأنه طلبها في مادة (م ت ر) وفاته أن التاء فيها تاء الافتعال، وأن الكلمة معتلة العين، وهي مثل: (اخْتَارَ) من الخير، فـ (امْتَارَ) من المِيرة، وهي جَلْبُ الطعام، وليست من (م ت ر) .
وقرأت للدكتور محمود الطناحي ما نصّه: (جاءني – ذات يوم – طالب يُعِدّ رسالة (دكتوراه) وسألني – متعجباً -: "كيف لا يذكر ابن منظور في (لسان العرب) شيئا عن معنى كلمة (التراث) ؟ " فقلت له: "وكيف كان
ذلك؟ " قال: "هو على ما وصفت لك، لقد بحثت عن مادة (ت ر ث) في فصل التاء من كتاب الثاء، فلم أجد لها ذكرا!! " فقلت له: "ابحث في مادة (ور ث) وستجد بغيتك " 1.
وإذا كان أصل كلمتي: (امْتَارَ) و (التُّرَاثِ) ظاهرا لأكثر الباحثين، والكشف عنهما في المعجم لا يعد مطلبا عسيرا، فإن الباحث عن كلمة (تُكَلَةٍ) مثلا ليعجب حين يجد ابن منظور يضعها في (ك ل ت) من باب التاء، إلى جانب موضعها الصحيح، وهو (وك ل) . ومثل هذه الدقائق كثير يغري الغاصة على تتبعه وتقميشه.
نعم، ولا أنسى – في ختام هذه الكلمة – أن أتوجه بالشكر لأساتذتي في قسم اللغويات بكلية اللغة العربية بالجامعة الإسلامية، الذين أفدت منهم في هذا البحث، وأخص بالشكر الجزيل، والعرفان بالجميل: أستاذي الفاضل الأستاذ الدكتور محمد يعقوب تركستاني، المشرف على هذا البحث؛ الذي كان لي نعم العون والسند، بتوجيهاته السديدة، ومتابعته الدقيقة، فكان له يَدٌ في إتمام البحث، واستوائه على سوقه، وظهوره بالصورة، التي كنت أطمح إليها، فله مني موفور الشكر، والدعاء الصادق له بالمثوبة من الله عز وجل.
وأستاذي الفاضل الأستاذ الدكتور سليمان بن إبراهيم العايد، الذي أهدى إليّ فكرة هذا البحث، وهوّنه عليّ بعد أن كدتُ أن أنصرف عنه، لوعورة الطريق، وضخامة الجَهد، الذي يتطلبه، فجزاه الله خير الجزاء.
وأستاذي الفاضل الأستاذ الدكتور عبد العزيز محمد فاخر الذي استحسن الموضوع، وحبب إليّ الكتابة فيه، وحثني على إتمامه، فجزاه الله خيرا وأجزل له المثوبة.
كما أشكر: إخواني، وزملائي، وكل من مد لي يد العون، فجزاهم الله عني جميعاً خيراً.
وبعد: فقد أفرغت – في هذا البحث – جَهْدي وطاقتي، غير زاعم بلوغ الغاية؛ ولكنني أرجو المقاربة والسداد، بما أسعفني به جهدي القليل، وفكري الكليل، في التنقيب، والاستقصاء، والاستنباط، والتعليل، ولا أبرئ نفسي – مع هذا – من التقصير، وسوء الفهم، والعثرة، والزلة؛ والمأمول ممن ينظر في عملي أن يصلح ما طغى به القلم، وزاغ عنه البصر، وقصر عنه الفهم، فالإنسان محلُّ النسيان، وعلى الله التكلان، ومنه العون والتوفيق.
والحمد لله، الذي كتب على الإنسان الإحسان في كل شيء، وهو حسبي، ونعم الوكيل.
المدينة المنورة 1414هـ الموافق 1994م
التمهيد
المبحث الأول: الأصول
...
المبحث الأول: الأصول:
الأصول جمع أصل، ولمادة (أص ل) في اللغة عدة معان، يمكن ردها إلى ثلاثة معان مختلفة، وهي:
1- أساسُ الشّيء.
2- نوعٌ من الحيات.
3- ما كان من النهار قبل الغروب 1.
أما الأول: فأصل الشيء: أسفله، وأساس الحائط: أصله، وأصل الشجرة: جذورها، ويقال: استأصل الله بني فلان، إذا لم يدع لهم أصلا.
ثم كثر ذلك حتى قيل، أصل كل شيء، ما يستند وجود ذلك الشيء إليه، فالأب أصل للولد، والنهر أصل للجدول.
وأما الثاني: فالأصلة جنس من الحيات، وهو أخبثها، وقيل: حية عظيمة قصيرة الجسم، تَثِبُ على الفارس فتقتله.
وأما الثالث: فزمان من النهار، يسمى: أصيلا، وهو العشي 2، أو ما بعد العشي 3، والمشهور أنه ما بعد صلاة العصر إلى الغروب 4، قال أبو ذؤيب:
َعَمْرِي لأنتَ البَيْتُ أُكْرِمُ أَهْلَهُ ... وَأَقْعُدُ فِي أَفْيَائِهِ بِالأَصَائِلِ1
ومن العسير إعادة هذه المعاني المتباينة إلى معنى واحد مشترك، وهذا ما يجعلنا نميل إلى أنها لغات.
أما الأصول في اصطلاح اللغويين والصرفيين، فلا تبتعد عن المعنى اللغوي الأول لمادة (أص ل) فالأصل هو الحرف: الذي يلزم في بناء الكلمة 2 لفظا أو تقديرا، قال ابن مالك في تعريفه:
وَالْحَرْفُ إن يَلْزَمْ فَأَصْلُُ والذِّي ... لا يَلْزَمُ الزَّائدُ مَثلُ (تا) احتُذِي3
وقد اعْتُرِضَ عليه بأن هذا التعريف غير جامع للأصول4، لأنه لا يجمع أفراد المعرف كلها، إذ يخرج عن ذلك، نحو: (وَعَدَ) وواوه أصل، وتسقط في بعض تصاريف الكلمة لعلة، كـ (عِدَةٍ) و (يَعِدُ) .
ويمكن دفع هذا الاعتراض بأن المراد باللزوم: لفظاً أو تقديراً، إذ الفاء في: (عِدَةٍ) والعين في: (قُلْ) واللام في (لُغَةٍ) ونحو ذلك أصول على الرغم من سقوطهن في بعض التصاريف، والساقط لعلة تصريفية كالثابت 1. ويتلخص من ذلك أن الأصول هي: الحروف التي تلزم في جميع تصاريف الكلمة، فتكون موجودة تحقيقا أو تقديرا.
فالموجودة تحقيقا كحروف (أَكَلَ) و (دَحْرَجَ) و (سَفَرْجَل) والموجودة تقديرا هي التي تسقط لعلة تصريفية، كفاء (سِمَةٍ) وهي الواو، وعين (بِعْ) وهي الياء، ولام (سُفَيْرِج) و (سَفَارِج) وهي اللام2، والفاء واللام في قولك (قِ نفسك عذاب النار) وهما الواو والياء، ونحو ذلك.
وترد كلمة (جُذُورٍ) مرادفة لـ (أُصُولٍ) في معناها اللغوي3 والاصطلاحي، وبخاصة عند اللغويين المتأخرين4، فيقال جَذْرُ الكلمة، بمعنى: أصلها.
وللكلمة العربية أصل واحد فحسب، فلا يكون لها أصلان فأكثر، ويدل على ذلك دليلان:
أما الأول: فإن الأصل لا يستحق أن يكون أصلا، ويتصف بهذه الصفة إلا إذا تفرّد، فإن الشيء الواحد ليس له إلا أصل واحد.
أما الثاني: فإنك ترى باستقراء ما ظهر اشتقاقه في العربية أن الكلمة الواحدة تعود إلى أصل واحد، فأصل الكتاب (ك ت ب) والاجتهاد (ج هـ د) والتناصح (ن ص ح) وهكذا، وهو أكثر اللغة، ويزيد على تسعة أعشارها، ولا تجد كلمة واحدة من ذلك آلت إلى أصلين.
ومن هنا فينبغي أن يحمل ما قل وخفيت أصوله على ما كثر وظهرت أصوله.
وإذا وُجدت كلمتان متحدتان في المعنى، ومتشابهتان في أكثر الحروف، فلا تخلوان من أحد أمرين:
أولهما: أن تكونا من أصل واحد، وقد طرأ عليهما أو على أحدهما تغيير صوتي أو بنائي، بسبب القلب، أو الإعلال، أو الإبدال، أو الهمز، أو التسهيل، أو نحو ذلك.
وثانيهما: أن تكونا من أصلين مختلفين، وهما من قبيل الترادف، ولا يصح الوجهان معا، بل لا بد أن يكون أحدهما – في نهاية الأمر – هو الصواب، وإن خفي ولم يوصل إليه.
وينبغي التنبيه على التزام الحذر عند الترجيح – مع الاعتراف بصعوبة ذلك – فلا يُقطع به من غير دليل قوي.
وأقل ما تكون عليه أصول الكلمة المتصرفة ثلاثة أحرف؛ حرف يبتدأ به، وحرف يوقف عليه، وحرف يحشى به، وهو الكثير، وهذا مشترك بين الأسماء والأفعال، وأكثر ما تكون عليه الكلمة خمسة أحرف، وهو خاص بالأسماء، وذلك قليل، وأما ما جاء من الكلمات المتصرفة على حرفين أو حرف واحد فمما سقط بعض حروفه، وما جاء على أكثر من خمسة أحرف ففيه زيادة.
وهذا مذهب الجمهور من اللغويين والصرفيين النحاة.1
المبحث الثاني: التَّداخُل
التداخل (تَفَاعُل) من مادة (د خ ل) وهي أصل مطرد؛ وهو الولوج1.ويقال: فلان دخيل في بني فلان: إذا كان من غيرهم2،ودخيل الرجل: الذي يداخله في أموره3، والدخيل ـ أيضاً ـ الضيف والنَّزيل؛ لدخوله على المضيف4.
والجامع بين هذه المعاني المختلفة معنىً عام؛ وهو ولوج شيءٍ في غيره.
والتداخل في الاصطلاح من ذلك المعنى اللغوي العام؛ وهو دخول أصل لغوي (جذر) في أصل آخر؛ مما قد يؤدي إلى صعوبة تمييز الأصل الأول من الثاني، أو الداخل من المدخول عليه.
ومن هنا استخدمت صيغة التفاعل (التَّدَاخُل) لتدل على المشاركة.
ومثال التداخل: (الأَوْتَكُ) 5 وهو نوع من التمر، يتوارد عليه أصلان؛ هما (وت ك) و (أت ك) فيتداخلان.
ومن أوائل من فطن إلى هذا المعنى الاصطلاحي إمام العربية ابن جني؛ وهو أول من استخدم عبارة (تَدَاخُلِ الأُصُولِ) فيما وصل علمي إليه؛ إذ عقد باباً لذلك عنوانه: (باب في تداخل الأصول الثلاثية والرباعية والخماسية) 1 وذكر جملة من أمثلته، وبحث في أصولها، ولكنه بحث التداخل من جانب واحد فحسب.
فتداخل الأصول؛ الذي أعنيه في هذا البحث؛ ذو شقين:
أحدهما: أن يتوارد أصل أو أكثر على كلمة؛ مما يؤدي إلى التداخل مع أصلها الحقيقي؛ فيلتبس الأصلان أو الأصول؛ كـ (المكان) يتوارد عليه أصلان؛ فيتداخلان؛ وهما (م ك ن) و (ك ون) ويتوارد على (الترقوة) ـ وهي القَلْت بين العنق ورأس العضد ـ ثلاثة أصول؛ فتتداخل؛ وهي (ر ق و) و (ر ق ي) و (ت ر ق) وهذا هو الشق الأكبر من (تداخل الأصول) .
أما الشق الثاني من التداخل؛ ـ وهو أقل كثيراً من سابقه ـ فهو ما عناه ابن جني؛ وهو: أن يتشابه الأصلان في الحروف أو في أكثرها مع اتفاقهما في المعنى؛ كـ (رَخْوٍ) و (رِخْوَدٍّ) 2، و (ضَيَّاطٍ)
و (ضَيْطار) 1، و (دَمِثٍ) و (دِمَثْرٍ) 2 فيظن من أنهما أصل واحد؛ وهما أصلان مختلفان؛ على مذهب المحققين من اللغويين. وقد وضّح ابن جني مراده في ذلك بقوله عن التداخل في الثلاثي: "أن تجد الثلاثي على أصلين متقاربين، والمعنى واحد، فههنا يتداخلان، ويوهم كل واحد منهما كثيراً من الناس أنه من أصل صاحبه؛ وهو ـ في الحقيقةـ من أصل غيره".3
وقال عن تداخل الثلاثي بالرباعي: "فأما تداخل الثلاثي والرباعي لتشابههما في أكثر الحروف فكثير؛ منه قولهم: سَبِطٌ وسِبَطْرٌ 4؛ فهذان أصلان لا محالة؛ ألا ترى أن أحداً لا يدعي زيادة الراء) 5.
وقال عن تداخل الرباعي والخماسي: "وأما تزاحم الرباعي مع الخماسي فقليل؛ وسبب ذلك قلة الأصلين جميعاً؛ فلما قلاّ قَلّ ما يعرض من هذا الضرب فيهما"6.
ومما يُلْحظ في بعض نصوص ابن جني أنه يستعمل كلمة (تَزَاحُم) بمعنى (تَدَاخُل) مرادفة لها.
وهذا الشق من التداخل الذي ذكره ابن جني ـ على قلته ـ يمكن إدخاله في الشق الأول؛ فيُنظَرُ إلى التداخل من جهة واحدة؛ فهو يقول: إن (سَبِطا وسِبطراً) يتداخلان؛ وهما أصلان مختلفان؛ فيقال ـ حينئذ ـ إن (سِبَطراً) يتوارد عليه أصلان فيتداخلان؛ وهما: (س ب ط) و (س ب ط ر) وكذلك (رِخْوَدٌّ) يتوارد عليه أصلان فيتداخلان؛ وهما (ر خ د) و (ر خ و) 1 وهكذا يمكن توجيه ما ذكره ابن جني، فالمآل واحد.
نعم؛ وثَمَّةَ كلمات كثيرة تتداخل أصولها عند اللغويين؛ فكلمة (أُفْنُون) وهو الغصن المُلتفّ، والجري المختلط، والكلام المُثبّج ـ يتداخل أصلها بغيره؛ فيتوارد عليها أصلان، هما: (ف ن ن) و (أف ن) فهي (أفْعُول) أو (فُعْلُول) 2 وكلمة (البُرْهَان) ـ بمعنى البيان ـ يتداخل فيها أصلان: (ب ر هـ ن) و (ب ر هـ) .3
وربما تتداخل أصول ثلاثة، فتتوارد على كلمة واحدة، فكلمة الملائكة يتوارد عليها ثلاثة أصول1: (ل أك) و (أل ك) و (م ل ك) . ومثل ذلك (المُعَار) في قول الشاعر: أَعِيرُوا خَيْلَكُمْ ثُمَّ اركِضُوهَا ... أَحَقُّ الخَيْلِ بالرَّكْضِ المُعَارُ2 وهو السمين المُضَمّر، أو المنتوف الذّنَب، فتتوارد عليه ثلاثة أصول؛ هي: (ع ور) 3 و (ع ي ر) 4 و (م ع ر) 5. وربما تتداخل أصول أربعة فتتوارد على كلمة واحدة، فمن ذلك لفظ الجلالة (الله) يتوارد عليه6: (أل هـ) و (ول هـ) و (ل وهـ) و (ل اهـ ا) والأخير من (لاها) بالسريانية أو العبرانية.
وكذلك الذُّرِّيّة يتوارد عليها أصول أربعة؛ وهي (ذ ر أ) و (ذ ر ر) و (ذ ر و) و (ذ ر ى) 1.
وتداخل الأصول يختلف من كلمة إلى أخرى؛ فمنها ما هو شديد الوضوح، ومنها ما هو شديد الخفاء والغموض.
والذي يدل على خفاء بعض الأصول وتداخلها تردد بعض العلماء في أصولها؛ فـ (مَنجَنُون) وهو الدَّولاب (فَعْلَلُول) عند سيبويه، ولكنه ذكر بعد بضعة أسطر أنه (فَنْعَلُول) 2.
وتردد الصّغاني في أصل (الحَدَلَّق) ـ وهو القصير المجتمع ـ حيث نقل عن ابن دريد أنه (فَعَوْلل) 3 فقال الصّغاني: "فإن كانت اللام أصلية فهذا موضِعُ ذِكْرِه4، وإن كانت زائدة فموضع ذكره قبل هذا التركيب بتركيب" 5.
ويدل على ذلك ـ أيضاً ـ كثرة ما يوجد من الهفوات أو السهو فيه لجلِّة العلماء؛ ألا ترى ما حكي عن أبي عبيد القاسم بن سلام من أنه قال في (مَنْدُوحَة) من قولك: ما لي عنه مندوحة؛ أي: متسع: إنها مشتقة من (انداحَ) ؟ 1
قال ابن عصفور:"وذلك فاسد؛ لأن (انداح) : (انفَعَلَ) ونونه زائدة، ومَنْدُوحة: (مَفْعُولة) ونونه أصلية؛ إذ لو كانت زائدة لكانت (مَنفُعْلَة) وهو بناء لم يثبت في كلامهم؛ فهو على هذا مشتق من النَّدْحِ؛ وهو جانب الجبل وطرفه؛ وهو إلى السَّعَة"2.
ومن ذلك أن المازني سأل ابن السكيت في مجلس المتوكل بقوله: "يا أبا يوسف، ما وزن (نَكْتَل) من قوله تعالى: ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ﴾ 3؟ " قال له: " (نَفْعَل) ". قال ابن سيده ـ في تمام الرواية: "وكان هنالك قوم قد علموا هذا المقدار؛ ولم يؤتوا من حظ يعقوب ـ في اللغة ـ المِعشار، ففاضوا ضحكاً، وأداروا من الهزء فَلَكاً، وارتفع المتوكل؛ فخرج السّكّيتي والمازني؛ فقال ابن السكيت: "يا أبا عثمان؛ أسأت عِشْرتي، وأَذْوَيْتَ
مَشْرَتي".1
فقال له المازني: "والله ما سألتك عن هذه حتى تحققت أني لم أجد أدنى محاولاً، ولا أقرب منه متناولاً".2
ولا شك ـ عندي ـ أن ذلك سهو من أبي يوسف؛ كأنه اشتق (نَكْتَل) من (ك ت ل) وهي من (ك ي ل) . وجواب ما سأل عنه أبو عثمان أن يقال: (نَفْتَلْ) مضارع (افْتَعَل) من (اكتال) حُذفت عينه بسبب التقاء الساكنين عند جزم الفعل.
وذهب ثعلب في قولهم: (أُسْكُفُّةُ الباب) إلى أنها من قولهم: اسْتَكَفّ؛ أي: اجتمع.
قال ابن جني: "وهذا أمر ظاهر الشناعة؛ وذلك أن أُسْكُفَّةً: (أُفْعُلّة) والسين فيها فاء، وتركيبه من (س ك ف) وأما اسْتَكفّ، فسينه زائدة؛ لأنه (اسْتَفْعَل) وتركيبه من (ك ف ف) فأين هذان الأصلان حتى يُجمعا، ويدانى من شملهما؟ ولو كانت أُسْكُفَّة من: اسْتَكَفّ لكانت (أسْفُعْلَة) "3 وهذا لا نظير له.
ومن ذلك ما ذكره عبد القاهر الجرجاني، بقوله: "وأما ذكر ابن دريد: المَلَك في تركيب (م ل ك) فلا اعتداد به؛ لأنه قد ذكر ـ أيضاً ـ:
-: لِثَة مع: ثَهْلان ورِعَة مع: عاهر، وغير ذلك؛ مما هو من تصريف الصّبيان".1
هكذا قال الشيخ عبد القاهر، وعندي أن ذلك لم يكن لقلة ما في اليد؛ بل وقع ـ ومثله كثير في الجمهرة ـ لأسبابٍ منها: أن ابن دريد أملى الجمهرة إملاء من حفظه من دون مراجعة؛ فكانت الكلمات تنثال، والأصول تتزاحم؛ فتتداخل، وربما صحّف المستملي، أو حرّف، أو كتب غير ما سمع، فتحمل أبو بكر وِزْرَ ذلك.
على أن أعجب ما وقفت عليه مما يتصل بالتداخل جعْل أبي الحسن كُراع النمل حرف العين من (دعق) في قولهم: (دَعَقَتِ) الدابةُ الطريقَ (دَعْقاً) زائدة2 فيكون الأصل (د ق ق) ؛ وهو مما لا يقول به أحد من المتقدمين؛ لأنه يخالف ما انتهوا إليه في الأصول.
وبالجملة فإن (تداخل الأصول) لا يخرج عن قسمين:
أولها: التداخل في البناء (الأصل) الواحد؛ كتداخل الثلاثي بالثلاثي، والرباعي بالرباعي، والخماسي بالخماسي.
وثانيهما: التداخل بين بناءين (أصلين) مختلفين؛ كتداخل الثلاثي بالرباعي، والثلاثي بالخماسي، والرباعي بالخماسي.
وهذا سبيل حصر الظاهرة في إطارها العام؛ بحيث لا يَتخلّف من جوانبها المختلفة شيء ـ إن شاء الله ـ وهو ما يأتي تفصيله في البابين الثاني والثالث.
وثَمَّةَ نوع من التداخل شاع ذكره عند اللغويين والصرفيين، وأعني به: تداخل اللغات، ويسمى ـ أيضاً ـ تَرَكّب اللغات، وقد عقد له ابن جني باباً1؛ وذكر له أمثلةً منها ما جاء على فَعِلَ يفْعَلُ؛ نحو: نَعِمَ ينعُمُ، وفَعَلَ يَفْعَلُ؛ مما ليس حلقي العين أو اللام؛ نحو: قَلَى يَقْلَى، ورَكَنَ يَرْكَنُ؛ وأخرج ابن جني ذلك من الشذوذ، وعزاه إلى تداخل اللغات وتركبها؛ بقوله: "واعلم أن أكثر ذلك وعامته إنما هو لغات تداخلت فتركّبت".2
ويوضح حال التداخل في ذلك بقوله: "قولهم: قَنَطَ يَقْنَطُ إنما هو لغتان تداخلتا؛ وذلك أن قَنَطَ يَقْنِطُ لغة، وقَنِطَ يَقْنَط أخرى؛ ثم تداخلتا؛ فتركبت لغة ثالثة".3
ولا يخفى أن مثل هذا النوع من التداخل ليس من (تداخل الأصول) في شيء؛ فلا سبيل له إلى هذا البحث؛ الذي يدور على الحروف؛ وهي الأصول وعليها مدار بناء المعجم العربي، أما تداخل اللغات فمداره على الحركات.
وثَمَّةَ علاقة بين تداخل الأصول وتداخل اللغات؛ وهي أن تداخل الأصول قد يؤدي إلى تداخل اللغات؛ لا سيما في الأجوف، أو الناقص، أو مهموز اللام؛ في الثلاثي؛ كما سيأتي بيانه في الباب الرابع ـ إن شاء الله.
المبحث الثالث: المعجم
المعجم اسم مفعول على القياس، أو مصدر بمنزلة الإِعْجَام1 من (أعجم) وتدلّ مادّة عجم على ثلاثة معان؛ كما يقول ابن فارس، وهي:
1- السكوت والخفاء.
2- الصّلابة والشّدّة.
3- العضّ والمذاقة والمضغ.2
فأولها (الرجل الذي لا يُفصح؛ وهو أَعْجَمُ، والمرأة عَجْمَاء: بيِّنة العُجْمَة؛ قال أبو النَّجْم:
أَعْجَمُ في آذَانِها فَصِيحا3
ويُقال عجم الرجل؛ إذا صار أَعْجَمَ، ويُقال للصبيّ ما دام لا يتكلم ولا يفصح: صَبِيّ أَعْجَمُ، ويقال صلاة النهار: عَجْمَاء؛ إنما أراد أنه لا يجهَرُ فيها بالقراءة.4
أما الثّاني، فالعَجَمُ نَوَى التَّمْر والنَّبِق، والعَجَمَات الصخور الصِّلاب.1
أما الثالث، فالعَجْمُ: عَضٌّ شديد بالأضراس دون الثنايا، وعَجَمَه يعجُمُه: عَضَّه؛ ليعلم صلابَتَه من خَوَرِه.2
ولم تكن دلالة (معجم) في الاصطلاح محددة على النحو الذي استقرت عليه عند المعجميين المتأخرين؛ فقد اختلفت توجيهات علماء العربية لمعنى (معجم) فهي ـ عند أكثرهم ـ تدّل على حروف الهجاء.
يقول الخليل: "المعجم حروف الهجاء المُقطّعة؛ لأنها أعجمية. وتعجيم الكتاب: تنقيطُهُ؛ كي تستبين عُجمته".3
وروى الأزهري أن أبا العباس المُبرِّد سئل عن حروف المعجم:لم سُمّيت معجماً؟ فقال: أمّا أبو عمرو الشيباني فيقول: أُعْجِمَتْ: أُبهمت4.
وأمّا الفرّاء فيقول: "هو من أعجمتُ الحروف"5.
وروى الأزهري عن أبي العباس قوله1: "وسمعت أبا الهيثم يقول: مُعْجَم الخطِّ هو الذي أعجمه كاتبه بالنقط.
تقول: أعجمتُ الكتابَ أُعْجِمُهُ إعجاماً".
وقال ابن فارس2: "والذي عندنا -في ذلك- أنه أريد بحروف المعجم حروف الخط المُعْجَم، وهو الخط العربي؛ لأنا لا نعلم خطاً من الخطوط يُعجم هذا الإعجام؛ حتى يدل على المعاني الكثيرة".
ويربط بين المعنى اللغوي والاصطلاحي بقوله: "فأما أنه إعجام الخط بالأشكال فهو عندنا يدخل في باب العضِّ على الشيء؛ لأنه فيه؛ فسمي إعجاماً؛ لأنه تأثير فيه يدل على المعنى"3.
ولعل خير توجيه لذلك ما ذكره ابن جني، وفصله في كتاب (سر الصِّناعة) 4 وحاصله أن المعجم مصدر بمنْزِلة (الإعجام) كما تقول: أدخلته مدخلاً؛ فكأنهم قالوا: هذه حروف الإعجام؛ من باب إضافة المفعول إلى المصدر؛ أي من شأنها أن تُعجم.
ولما كان معنى مادة (عجم) موضوعاً للإبهام والخفاء ونحوه؛ فإن معنى (أعجَمَ) أفاد الوضوح؛ بفضل همزة السلب والنفي؛ كما يقال: أَشْكَيْتَ زيداً: إذا أزلتَ شكواه، وأشكلتَ الكتابَ: أَزَلْتَ عنه إِشكاله.
وقد سبق علماءُ الحديث علماءَ العربية في استخدام كلمة (معجم) أو إطلاقها على بعض مصنفاتهم1 فقد ذكر الإمام البخاري (ت256هـ) باباً بعنوان: (باب تسمية من سمي من أهل بدر على حروف المعجم) .
ومن المصنفات: (معجم الصحابة) لأبي يَعْلى التميمي (ت 307هـ) و (المعجم الكبير) و (المعجم الصغير) وكلاهما للبغوي المعروف بابن بنتِ مَنيع (ت 317هـ) و (معجم الشيوخ) لأبي الحسين عبد الباقي ابن قانع البغدادي (ت 351هـ) و (المعجم الأوسط) و (المعجم الكبير) وهما للطبراني (360هـ) . ونجد من كتب الأدب (معجم الشعراء) للمرزُباني (384هـ) .
وفي البلدان (معجم ما استعجم) للبَكري (ت 487هـ) و (معجم البلدان) لياقوت الحموي (ت626هـ) .
ولم يؤثر عن اللغويين المتقدمين استخدام كلمة (معجم) في تسمية مصنفاتهم، سوى أبي هلال العسكري (ت 395هـ) في معجمه الخاص الصغير، المسمى (المعجم في بقية الأشياء) 1 ولا يعرف –على وجه التحديد- متى أطلق مصطلح (معجم) على المعاجم العربية.
يقول الدكتور حسين نصار: "وليس ببعيد أن يطلق عليها في الوقت السابق نفسه؛ لاشتراكهما مع الكتب السابقة في الترتيب على حروف المعجم؛ فالدلالة الملاحظة في الاسم هي الترتيب لا الجمع"2.
وغير بعيد –عندي- أن يكون السبب في إحجام اللغويين عن إطلاق كلمة (معجم) على معجماتهم هو سبقُ علماء الحديث إلى استخدام التسمية في كتبهم، وارتباطها بأسماء الرجال والطبقات وأنه لذلك استخدمها المرزوباني وياقوت في طبقاتهما.
ولعل اللغويين رأوا أن التسمية اختصت بغيرهم، وبنوع من التصنيف غير ما هم فيه؛ فرغبوا عنها.
وبالجملة؛ فإن الذي استقر عليه مصطلح (معجم) عند اللغويين المتأخرين -ومنهم المعاصرون- أن المعجم: كتاب يضم قدراً من ألفاظ
اللغة مرتبةً على نمطٍ معين، ومشروحةً شرحاً يزيل إبهامها، ومضافاُ إليها ما يناسبها من المعلومات1.
أما نشأة المعجم العربي فكانت إبّان تدوين ألفاظ العربية؛ في النصف الثاني من القرن الأول الهجري.
ثم مرَّ المعجم بمراحل متدرجة؛ حتى نضج واكتمل؛ وهي خمس مراحل تُسْلِمُ كلُّ مرحلة منها إلى ما يليها، مع وجود شيء من التداخل بينها:
المرحلة الأولى: مرحلة التفسير الشفوي:
تُؤرَّخُ هذه المرحلة ببدء نزول القرآن الكريم، الذي يعد الأساس لأكثر علوم العربية، ومنها علم المعاجم العربية.
لقد أثار القرآن الكريم كوامن الفكر العربي، وأيقظ النشاط فيه، ولما كانت الكتابة غير شائعة بين العرب، اعتمدوا – في نشاطهم الجديد - على المشافهة والحفظ في الصدور.
وتتمثّل نواة المعجم العربي في تفسير الرسول -صلى الله عليه وسلم- وصحابته الكرام –رضوان الله عليهم- القرآنَ الكريم، ثم الحديث النبوي الشريف.
وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يفسر غريب القرآن لصحابته؛ لا سيما ما لم يكن مألوفاً من الألفاظ أو المعاني؛ كسؤال عديّ
ابن حاتم -رضي الله عنه- رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- عن معنى (الخيطِ الأبيض والخيط الأسود) في قوله عز وجل وجل: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ 1وغير ذلك كثير.
وقد أثر عن بعض الصحابة تفسيرهم غريب القرآن، وكان لعلي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قدمٌ راسخةٌ في ذلك2.
على أن ابن عباس -رضي الله عنهما- (ت 15هـ) يُعَدُّ الأساس- في تلك المرحلة- لنشأة المعجم العربي؛ فقد اختصَّ بتفسير غريب القرآن؛ حتى سمي بـ (ترجمان القرآن) 3 وتُعَدُّ سؤالات نافع بن الأزرق؛ التي أجاب عنها ابن عَبَّاس؛ مستدلاً بشعر العرب نواةَ المعجم العربي وطليعته.
ولابن عباس -رضي الله عنهما- من الآثار4 التي وصل علمنا إليها ونُسِبَت إليه؛ مما يمكن إدراجه ضمن الرسائل المعجمية الصغيرة
الخاصة: (لغات القرآن) و (غريب القرآن) 1 وكلاهما –إن صَحّت نسبته إلى ابن عباس- روي عنه رواية 2.
المرحلة الثانية: مرحلة الجمع العامّ:
وهو جمع اللغة بشكل غير منظّم، أو جمعها في سياقاتها المختلفة.
وتؤرخ هذه المرحلة بأواخر القرن الأول وأوائل القرن الثاني، وفيها ظهر الاعتماد على الكتابة، إلى جانب المشافهة القائمة على الحفظ.
وعُرِفَتْ -في هذه المرحلة- رواية اللغة، ومن أشهر رواتها: أبو البَيْدَاء الرِّياحيّ، وأبو الدُّقيش، وأبو عُمَر بن كِرْكِرَة، وأبو خَيْرَة العَدَوي، وكان الراوية يشافه الأعرابَ في البادية؛ فيدوّن ما سَمِعَ من لغةٍ عامةٍ؛ لا ينتظمها ترتيبٌ سوى ترتيب السماع.
المرحلة الثالثة: مرحلة تأليف الرسائل الخاصّة:
وفي هذه المرحلة بدأ تجريد اللغة من سياقاتها المختلفة، وتدوينها وَفْقَ نُظُمٍ معينة؛ في إطار المعاني والموضوعات؛ فظهرت رسائلُ صغيرة في النبات، والحشرات، واللِّبا واللَّبن، والطير، والنحل والعسل، وغير ذلك.
وممن ألَّف في هذا الفن: أبو زيد الأنصاري (ت 215هـ) والأصمعيّ (ت 215هـ) وابن الأعرابي (ت 231هـ) والنَّضر بن شُمَيل (ت 241هـ) . المرحلة الرابعة: مرحلة معاجم المعاني والموضوعات العامّة: وقامت هذه المرحلة على ما أُلِّف في المرحلة السابقة من رسائل لغوية، فقد عَكَفَ بعض العلماء على جميع تلك الرسائل؛ وتصنيفها في معاجم مُطوّلة؛ بحسب المعاني والموضوعات؛ كما فعل أبو عبيد القاسم بن سلاَّم (ت 224هـ) في (الغريب المصَنَّف) وابن السِّكِّيت (ت 244هـ) في (الألفاظ) وكُراعٌ (ت 310هـ) في (المُنتخب) . واستمرت هذه المرحلة مواكبة للمرحلة التالية، فألَّف فيها علماءُ في القرن الخامس؛ كالثعالبي (ت429هـ) في (فقه اللغة) وابن سيدةَ (ت458هـ) في (المخصص) .
المرحلة الخامسة: مرحلة معاجم الألفاظ:
وهي مرحلة المعاجم المجنسة المطولة، وتُعدُّ امتداداً طبعياً لما قبلها؛ فقد نهض جماعة من العلماء بعبءِ تصنيف ما وقفوا عليه من رسائلَ لغوية، ومعاجم مطولة في المعاني والموضوعات؛ ليسهل على القارئ الرجوع لمبتغاه فيها.
على أنّ ما يعكِّرُ صفو هذا التسلسل المطّرد أن رائد المعجم العربي –بعامة- ومعاجم الألفاظ -بخاصّة- الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت 175هـ) قد سبق مرحلته؛ بل سبق المرحلة التي قبلها.
ويمكن توجيه ذلك بأن عمل الخليل كان طَفْرَةً في التفكير المعجمي؛1 سبقت زمنها؛ بدليل الفجوة الزَّمنية بينه وبين صُنَّاع معاجم الألفاظ؛ كابن دُريد (ت 321هـ) في (جمهرة اللغة) والقالي (ت 358هـ) في (البارع) والأزهري (ت 370هـ) في (تهذيب اللغة) والصاحب بن عباد (ت 385هـ) في (المحيط) والجوهري (ت 393هـ) في (الصحاح) وابن فارس (ت 395هـ) في (مجمل اللغة) و (مقاييس اللغة) وابن سيدة (ت 458هت) في (المُحكم) . وهي طَفْرَة تناسب عقلية الخليل وخَيَاله الخَصب.