الباب الثاني: التداخل في البناء الواحد (الثلاثي، الرباعي، الخماسي)
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- عبد الرزاق بن فراج الصاعدي
- الكتاب
- تداخل الأصول اللغوية وأثره في بناء المعجم
- المؤلف
- عبد الرزاق بن فراج الصاعدي
- الناشر
- عمادة البحث العلمي، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، المملطة العربية السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1422هـ/2002م
- عدد الأجزاء
- 2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
النّاس.
وهذا ذكره أصحاب الغريب في (س ي أ) 1 وكذا في (اللّسان) 2.
ويجوز أن يكون من (س وأ) على أن يكون اشتقاقه من (السُّوءِ) و (المَسَاءَ ةِ) 3. وهذا أقرب؛ فليس في معاني مادّة (س ي أ) ما يجعله منها؛ وإنَّما ذُكر ثَمَّ أخذاً بظاهر اللّفظ.
ومن أمثلة هذا الباب تداخل (ص وأ) و (ص ي أ) في (الصَّاءَ ةِ) وهو ما يخرج من رحم الشاة بعد الولادة من القذى؛ وهو يحتمل الأصلين:
فقد ذكره الجوهريُّ4 في (ص وأ) وتابعه الصَّغانيُّ في (العُبَابِ) 5 وذكره في (التَّكملة) 6 في (ص ي أ) وهو خلاف ما ذهب إليه في (العُبَابِ) وذكره ابن منظور7في اليائيِّ.
وذكره الفيروزآباديُّ في الأصلين1، وتابعه الزَّبِيديُّ2.
وحمله على الأصل الواويِّ أولى؛ لأنَّ الواو أغلب على العين من الياء؛ كما تقدَّم3.
ومن هذا النّوع تداخل (ف وج) و (ف ي ج) في (أفَاجَ) في قول الرَّاجز:
أُهدِي خَلِيلِي نَعْجَةً هِمْلاَجَا ... مَا يَجِدُ الرَّاعِي بِهَا لَمَاجَا
لا تَسْبِقُ الشَّيْخَ إذا أَفَاجَا4
والإفاجة: الإسراع والعَدو؛ وهو يحتمل الأصلين:
فقد ذكرها أكثر المعجمييّن في (ف وج) 5.
وخالفهم ابن فارس بقوله6: "وأمَّا أفاجَ الرَّجل؛ إذا أسرع؛ فهو من ذوات الياء؛ والفَيْجُ منه".
ولعلَّ هذا ما دفع ابنَ منظور إلى ذكرها في الموضعين 1.
وأراه من (ف ي ج) كما قال ابن فارس؛ وقد ذكر ابن دُريد2 أنَّ (الفَّيْج) معرَّبٌ؛ وهو: رسول السّلطان يسعى على رجليه.
قال الجَواليقيُّ: "وليس بعربيٍّ صحيح؛ وهو فارسيٌّ"3 وهو عند الفَيُّوميِّ4 -أيضاً- معرٍّبٌ، وكذا في القاموس5.
وقد رجّح ذلك الدّكتور ف. عبد الرحيم بقوله: "هو فارسيٌّ؛ وأصله: بيك؛ كما قال صاحب القاموس؛ وهو بالباء الفارسيّة والكاف، أو الكاف الفارسيّة، وأصل معناه الرَّاجل، ويطلق –أيضاً- على الرّسول؛ لأنّه يسعى على رجليه، ومنه (صورة12) بالسُّريانيّة، ومعناه: جُنديٌّ راجلٌ "6.
فلعلّ الإفاجة من هذا؛ فيكون أصلها يائيّاً، ولا يمتنع أن تكون الإفاجة من (ف وج) وهو أصل عربيٌّ؛ وافقَ الأصلَ الأعجميَّ في معناه وقاربه في لفظه؛ فتداخلا.
ومن ذلك تداخل (س ود) و (س ي د) في (السِّيْدِ) وهو الذّئب؛ يقال: سِيْدُ رَمْلٍ، والجمع: السِّيدان، والأنثى: سِيدَة، وربّما سمّي به الأسد.
وممّن رأى أنَّه من (س ود) الجوهريُّ1، والفيروزآباديّ2، والزَّبِيديّ3 الّذي ذكر أنَّه قول أكثر أئمة التَّصريف.
وحمله على (س ي د) جماعة من العلماء؛ على رأسهم سيبويه4، إذ ذكر في باب تحقير ما ثانيه ياء ألفاظاً من الأسماء، منها: (بَيْت) و (شَيْخ) و (سِيْد) 5.
ومنهم ابن فارس6 وابن جنّي7 الّذي ذكره في باب ما يحمل على الظَّاهر؛ وإن أمكن أن يكون المراد غيره، واستدلّ فيه برأي سيبويه؛ لأنَّ عين الفعل لا تمتنع أن تكون ياءً.
وقد أطال ابن جنّي الحديثَ في هذه المسألة وقلّب الرّأي في شتّى جوانبها، ولم يكد يترك لمعترضٍ حجَّةً يمكن أن يحتجّ بها على بطلان الياء إلاَّ ردَّ عليها.
فمن ذلك انَّه توهّم اعتراضاً بأنَّه لا يُعرف في كلام العرب تركيب (س ي د) فهلاَّ حُملت الكلمة على (س ود) وهو موجود؟ فردَّ بأنَّ ذلك لا يمنع حملها على (س ي د) وإن انفردت في بابها، واستدلَّ بأنَّ سيبويه أثبت بعض النَّوادر؛ كإثباته في الكلام: فَعُلْتَ تَفْعَلُ؛ وهو: كُدْتَ تَكَادُ1؛ ولم يذكر له نظيراً، وإثباته بـ (إِنْقَحْلٍ) بابَ (إنفَعْلٍ) وإن لم يُحكَ غيره2، وإثباته بـ (سُخَاخِين) - وهو الحار (فُعَاعيلاً) ولا يعلم غيره3.
وتوهّم أنَّ معترضاً قال: إنَّ كثرة وقوع عين الفعل واواً تقود إلى الحكم بأنَّه من (س ود) فردَّ بأنَّه إنَّما يحكم بذلك مع عدم الظَّاهر، فأمَّا هذا والظَّاهر معنا فلا يليق بنا العدول عنه، أمّا إذا جانبنا الظَّاهر احتجنا إلى العدول والحكم بالأليق والحملِ على الأكثر؛ وذاك إن كانت العين ألفاً مجهولةً، فحينئذٍ تحمل على أوسع البابين.
وبكلام ابن جنّي احتجَّ ابنُ سِيده1 لوضعها في اليائيِّ.
وأرى أنَّ ما احتجّا به من اليسير إضعافه، فأمَّا الظّاهر الّذي احتجّا به وأدارا القول عليه، فإنَّه لا يسلَّم به؛ فأيُّ ظاهر والسِّين مكسورة؟ فالياء في (السِّيْدِ) بمنزلة الياء في (القِيْلِ) من: القول، و (العِيْدِ) من: العَوْدَةِ.
نعم يسلَّم بالظَّاهر لو كانت السِّين مفتوحة؛ وهو ما لم يرد فيها - فيما أعلم.
أمَّا سيبويه فإنَّه أثبت ما أثبت من الآحاد والمفاريد؛ خلافاً لنهجه العامِّ، والنَّهجِ المأخوذ به في تقعيد الأبنية عند علماء العربيّة.
ولو أُخذ بهذا المنهج لما قيل: (ليس في كلام العرب) من الأبنية إلاّ كذا، ولبطل الاستدلال بعدم النّظير.
ومهما يكن من أمرٍ؛ فإنَّ اختلافهم في أصل (السِّيْدِ) دليل واضح على خفاء أصله، ممَّا مكّن التَّداخل فيه.
ومن هذا النّوع تداخل (ش وش) و (ش ي ش) في (التَّشْوِيشِ) وهو: التَّخليط من قولهم: تَشَوَّشَ عليه الأمرُ؛ إذا اختلط؛ فإن كان عربياً فصيحاً 2 فإنَّه يحتمل الأصلين:
فقد ذهب الجوهريُّ1 إلى أنَّ أصله (ش ي ش) .
وهو - عند الجمهور- من الأصل الواويِّ، ومنهم الصَّغانيُّ2 الّذي ردَّ على الجوهريِّ فيه، ونصَّ على أنَّ التّشويش من (ش وش) وكذلك ابن منظور3.
ومنهم الفيروزآباديُّ4، والفَيُّوميُّ5، والزَّبِيديُّ6.
وأرى أنَّ الكلمة واويّة؛ كما ذهب الجمهور؛ وليس للجوهريِّ دليل لوضعها في (ش ي ش) ولو كانت من ذلك لقالوا: تَشَيَّشَ؛ مثل تَخَيَّرَ.
ومن هذا النّوع تداخل (ت وهـ) و (ت ي هـ) في (التُّوْهِ) من قولهم: وَقَعَ في التُّوْهِ؛ أي: الهلاكِ؛ وهو يحتمل الأصلين:
فكان الخليل وسيبويه يحملانه على (ت وهـ) .
قال ابن جنّي: "التُّوه لا يجوز عند الخليل وسيبويه، إلاَّ من الواو دون الياء؛ لأنَّهم لو بَنَيَا مثل: بُرُدٍ من:بِعْتُ -لقالا: بِيْعٌ، وهما يُجيزان في
: دِيكٍ، وفَيْلٍ أن يكونا (فِعْلاً) و (فُعْلاً) ويجريان الواحد في هذا المعنى مُجرى الجميع؛ نحو: بِيْضٍ في جمع: أَبْيَضَ؛ وإنَّما هي فُعْل"1.
ويمكن أن يكون (التُّوه) عند الأخفش من الأصلين الواوي واليائي؛ لأنَّه كان يقول: إنَّه لو بَنَى مثل (بُرُدٍ) من بِعْتُ لقال: بُوعٌ؛ وهو خلاف مذهب الخليل وسيبويه، وكان يبدل من الضَّمَّة كسرة في الجمع؛ نحو: بِيضٍ، أمَّا في المفرد فلا2.
وقد ذكره ابن منظور في الأصلين؛ لقولهم: (التُّوهُ) و (التِّيهُ) وذكر ابن سِيده تَاهَ يَتُوهُ ويَتِيهُ تَوْهاً في (ت وهـ) وقال: "إنَّما ذكرت -هنا- يَتِيهُ، وإن كانت يائيّة اللَّفظ؛ لأنَّ يائها واو؛ بدليل قولهم: ما أَتْوَهَهُ، في ما أتْيَهَهُ"3.
ويتداخل (ص وخ) و (ص ي خ) في قولهم: أَصَاخَ له؛ أي: استمع وأنصتَ لصوتٍ، ومنه حديث ساعة الجمعة: "ما من دابَّة إلاَّ وهي مُصِيخَةٌ"4 أي: مستمعة مُنصِتةٌ؛ وهو محتمل الأصلين:
ذهب الجوهريُّ 5 إلى أنَّه من (ص وخ) وتابعه أبو بكر
الرَّازي1.
وذهب الجمهور إلى انَّه من (ص ي خ) ومنهم ابن فارس 2، وأبو موسى3، وابن سِيده4، والزَّمخشري5، وابن الأثير6، وابن منظور7.
ويحتمل كلام الفيروزآبادي 8 والزَّبِيديِّ 9 الأصلين بلا تحديد.
وفي الحقِّ فإنَّه يحتمل الأصلين؛ وإن ذهب الجمهور إلى أنَّه من (ص ي خ) وليس في قولهم: أَصَاخَ يُصِيخُ دليل؛ لأنَّ البناء -هنا - يطلب الياءَ؛ سواء كان المعتلّ واوياً أو يائيّاً؛ لأنَّ الواو تقلب في (يُفْعِل) من (أَفْعَلَ) الأجوف ياءً لمكان الكسرة؛ فيجوز أن يكون في الأصل (يُصْوِخُ)
ثمَّ نقلت الكسرة وسُكِّنت الواو فيكون تقديره (يُصْوِخُ) فقلبت الواو ياءً، لسكونها وانكسار ما قبلها؛ فقالوا: (يُصِيخُ) ومثله (مُصِيخٌ) كما تقول: أَعَادَ يُعِيدُ؛ وهو من العَوْدَةِ.
ولم يذكروا - فيما تحت يدي من مصادر - أنَّ العرب قالت: الصَّيخُ؛ ليكون دليلاً على الياء؛ لأنَّ الفعل استعمل مزيداً بالهمزة.
ثانِياً- التَّداخل بين الأجوف والنَّاقِصِ:
وهو نوع من أنواع التَّداخل في الأجوف؛ غير أنَّه أقلُّ وقوعاً من سابقه.
فمنه تداخل الأصلين (م ي د) و (م د ي) في (المِيدَاءِ) في قولهم: مِيدَاءُ الطَّريق، وقولهم: ما أدري ما مِيدَاء هذا الأمر؛ يعني: قدره وغايته.
وقد اختلفوا في أصله:
فجعله بعضهم من (م ي د) على زنة (فِعْلاء) كابن سِيده1 والصَّغانيّ؛ إذا ذكره في (ميد) بقوله: "وإن كان بناء مستقلاًّ؛ فهو (فِعْلاَل) [هكذا] وهذا موضعه"2 يعني (م ي د) وقد سها - رحمه الله - في وزنه، وكذا نقله الزَّبِيديُّ 3؛ دون أن ينبِّه عليه أو يصلحه، وصواب ما ذكر الصّغانيّ أن يكون (فِعْلاء) لأنَّه من (ميد) ولا يكون على
(فِعْلاَل) إلاَّ أن يكون الأصل (م ي د أ) ولم يُرد الصّغانيّ ذلك، ومقاييس اللّغة تأباه؛ لأنَّ الياء لا تكون أصلاً في بنات الأربعة في غير المضاعف.
وذكره - أيضا ً - في (م ي د) ابنُ منظور1، والفيروزآباديّ2، والزَّبِيديّ3، وكأنَّهم متردِّدون في أصله؛ لأنَّهم أعادوه في (م د ي) . وذهب بعضهم إلى أنَّه من (م د ي) على وزن (فِيعَال) ومن أوائل من رأى ذلك الأزهريّ؛ فقد قال: "وهو (فِيعَال) من المَدَى؛ كأنّه مصدر: مَادَى مِيْدَاءً؛ على لغة من يقول: فَاعَلْتُ فِيْعَالاً "4.
وهو عند ابن الأعرابي (مِفْعَالاً) من: المَدَى؛ وهو الغاية5؛ ولعلّه يكون سهواً منه - رحمه الله - لأنَّ (مِفْعَالاً) لا يستقيم إن أراد اشتقاق (المِيدَاءِ) من (المَدَى) لأنَّ الميم زائدة في الوزن؛ وهي أصلية في المدى. وقد تعقّبه الأزهري بقوله: (قوله: المِيدَاء (مِفْعَال) في المَدَى غلطٌ؛ لأنَّ الميم أصليّة؛ وهو (فِيعَال) من المَدَى"6.
وذهب ابن السِّكِّيت7 مذهب ابن الأعرابيّ في وزنه، ولو كان
كما ذكر لكان موضعه (يدا) كما نبّه عليه شيخ الزَّبِيديّ ابن الطّيب الفاسيّ1.
وأجاز الصّغانيّ أن يكون (المِيدَاء) (مِفْعَالاً) ولكن على سبيل الاعتقاب من: (أدَّاهُ كذا إلى كذا) فيكون أصله (أد ى) قال: "إن كان مِيْدَاءُ الطّريق سُمِعَ على طريق الاعتقاب لِمِئْتَائِهِ فهو مهموز (مِفْعَال) من: أدَّاه كذا إلى كذا، وموضعه أبواب المعتلّ؛ كموضع المِئْتَاءِ"2.
ومن التَّداخل بين الأجوف والنّاقص ما يظهر بين كلمتي (التَّسْوِيفِ) و (السَّوَافِي) في قول الشَّاعر:
هِيَ الدُّنْيَا وقَدْ نَعِمُوا بِأُخْرَى وَتَسْوِيفُ العِدَاتِ مِنَ السَّوَافِي3.
التَّسويف: المطل، والسَّوافي جمع: سَافِي؛ وهي: الرِّيح الّتي تصفي التُّراب وتَذْروه.
قال ابن جنّيّ: "فظاهر هذا يكاد لا يشكّ أكثر النّاس أنَّه مُجَنَّسٌ؛ وليس هو كذلك؛ وذلك أنّ تركيب تسويفٍ من (س وف) وتركيب السّوافي من (س ف ي) لكن لمّا وجد في كلّ واحدٍ من الكلمتين سينٌ وفاءٌ وواوٌ جرى في بادي السّمع مجرى الجنس الواحد "4 فتداخلا.
ومن ذلك تداخل (ث وب) و (ث ب و) في (الثُّبَة) وهو: وسط
الحوض؛ وقد ذهبوا في أصله مذهبين:
فمنهم من رأى أنَّه من (ث وب) وأقدم من وقفت له على نصٍّ في ذلك أبو إسحاق الزّجّاج؛ إذ قال: "وَثُبَةُ الحَوْضِ - وسطه حيث يثوب الماء إليه - تُصَغَّر: ثُوَيْبَةٌ؛ لأنّه محذوفةٌ منه عين الفعل"1.
وفرّق بين (ثُبَةٍ) بمعنى: وسط الحوض، و (ثُبَةٍ) بمعنى: الجماعة؛ فالأخيرة عنده ناقصةٌ؛ أي: أنّ المحذوف منها اللاَّم، وتصغيرها عنده: ثُبَيَّةٌ، واشتقاقها من: ثَبَيْتُ على الرَّجل؛ إذا أثنيتَ عليه في حياته؛ أي: أنَّك جمعت محاسنه.
ووافقه الجوهريّ بقوله: "الثُّبَةُ – أيضاً – وسط الحوض؛ الّذي يثوب إليه الماء، والهاء – هاهنا – عِوضٌ من الواو الذَّاهبة من وسطه؛ لأنَّ أصله ثُوبٌ؛ كما قالوا: أقام إقامةً، وأصله إقواماً؛ فعوَّضوا الهاء من الواو الذَّاهبة من عين الفعل"2.
ووافقه في التَّفريق بين الكلمتين في أصلَيْهما -أيضاً - حين قال: "والثُّبَةُ: الجماعة؛ وأصلها ثُبَيٌ"3.
وجمهور العلماء لا يفرِّقون بينهما في الاشتقاق؛ فهما من أصلٍ واحدٍ، والجامع بينهما التّجمّع الموجود في الجماعة، وفي وسط الحوض؛
لاجتماع الماء فيه1.
واشتقّها بعضهم2 من (ثَابَ) بمعنى: عَادَ ورجع؛ وكأّن أصلها: ثَوبةٌ، ثُمَّ حُذِفَت الواو لمّا ضُمّتِ الثّاء. وذهب أكثر العلماء إلى أنّ (الثُّبَة) بمعنى: الجماعة، أو وسط الحوض من (ث ب و) وأنّ المحذوف منها لام الكلمة. ولعلّ أوّل من أشار إلى ذلك هو سيبويه؛إذ قسّم بنات الحرفين من مثيلاتها عند جمعه بالألف والتّاء قسمين:
أحدهما: ردّوا إليه لامه المحذوفة؛ مثل: سَمَوات وعِضَوَات.
وثانيهما: مالم تردّ له اللاّم المحذوفة، ومنه (ثُبَاتٌ) جمع: ثُبَةٍ3.
ومن هؤلاء أبو عليّ الفارسيّ، وقد قاسه على الأكثر؛ وهو حذف اللاّم، وأشار إلى أنّ الحذف يقلّ في العين، ويندر في الفاء4.
ولا يَرِدُ على أبي عليّ -فيما قال- نحو: (عِدَة) و (صِلَةٍ) وهما ممّا حذفت فاؤه؛ لأنّهما من مصادر بنات الواو؛ وأوّلهما مكسورٌ؛ وليس (ثُبَة) من ذلك.
ويُعدّ ابن جنّيّ5 من أشدّ الراغبين في إثبات أنّ المحذوف منها اللاّم، وليس العين، وممّا استدلّ به قول الرّاجز:
هَلْ يَصْلُحُ السَّيْفُ بِغَيْرِ غِمْدِ ... فَثَبِّ مَا سَلَّفْتَهُ مِنْ شُكْدِ1
فمضارع قوله: (فَثَبِّ) يُثَبِّي، ومعناه: يجمّع، وهو يدلّ على أنّ اللاّم معتلّةٌ، وأنّ الثّاء والباء فاءٌ وعينٌ.
وأراد أن يثبت أنّ لامها المعتلّة واوٌ، وليست ياءً؛ فحملها على الأكثر في الحذف؛ للدّخول في أوسع البابين- بقوله: "الّذي ينبغي أن يقضى به في ذلك أن تكون من الواو، وأن يكون أصلها: ثُبْوَةٌ؛ وذلك أنّ أكثر ما حذفت لامه إنّما هو من الواو؛ نحو: أبٍ، وأخٍ، وغدٍ، وهنٍ، وحمٍ، وسَنَةٍ -فيمن قال: سنوات - وعِضَةٍ - فيمن قال: عِضَوَات ... فهذا أكثر ممّا حذفت لامه ياءً؛ فعليه ينبغي أن يكون العمل ... فقد ثبت أنّ أصل ثُبَةٍ: ثُبْوَةٌ "2.
ومنهم ابن يعيش3 وقد استدلّ بما استدلّ به أبو عليّ وابن جنّي، وتابعهم ابن عصفورٍ4.
ومن نتائج التّداخل في هذه الكلمة أنّها وضعت في بعض المعاجم كـ (الصّحاح) 5 و (اللّسان) 6 في الموضعين (ث وب) و (ث ب و) .
ثالثاً- التَّداخل بين الأجوف واللَّفيف:
وهذا النّوع الثّالث من التّداخل في الأجوف، وهو تداخلٌ بين الأجوف واللّفيف؛ وهو أكثر وقوعاً من النّوع السّابق. فمنه تداخل (م وس) و (وس ي) في (موسى) آلة الحلاقة؛ وقد اختلفوا فيه اختلافاً بيّناً:
فمنهم من ذهب إلى أنّ أصلها (م وس) ووزنها (فُعْلَى) ومن هؤلاء: صاحب (العين) إذا قال: "المَوسُ: تأسيسُ اسم المُوسى، وبعضهم ينوّن مُوسًى؛ لما يلحق به"1.
وإلى هذا ذهب الكسائيّ2 والفرّاء3، الّذي ذكر أنّها تؤنّث، ولا تنصرف في كلّ حالٍ؛ لكونها كالبُشرى.
وتابعهم الفيّوميّ؛ وروى قولهم: "مَاسَ رأسَه مَوْساً – من باب قال: حَلَقَه، والمُوسى: آلة الحديد "4.
ويؤيّد ذلك ما ذكره ابن فارسٍ بقوله: "والمَوس: حَلْقُ الرّأس"5، وهذا يؤيّد أصالة الميم في (الموسى) وأنّ أصلها (م وس) على وزن
(فُعْلَى) .
وذكر الرّضيّ أنّ الفرّاء اشتقّها من (المَيْس) وهو التَّبَخْتُر؛ لأنّ المُزيَّن يتبختر؛ قال: وهو اشتقاقٌ بعيدٌ1.
وقد قلبت الياء واواً؛لانضمام ما قبلها.
ويرد على أصحاب هذا الرّاي أنّ (مُوسًى) مصروفةٌ في التّنكير.
قال الجرجانيّ: "وأمّا ما ذهب إليه بعض أهل اللّغة من أنّه (فُعْلى) من مَأَسْتُ رأسه؛ فيجب له أن يدّعي منع صرفه؛ لأنّ مثال (فُعْلى) لا يكون ألفه لغير التّأنيث، وأصحابنا قد أثبتوا فيه الصّرف"2.
على أنّ ما ذهب إليه الجرجانيّ من الممكن دفعه؛ فقد ذكروا أنّها تجرى ولا تجرى3: أي: تصرف ولا تصرف، وأنّها تذكّر وتؤنّث.
فمن أجراها قال في التّصغير: هذه مُوَيْسِية صغيرةٌ، وقال في جمعها: المواسي؛ لأنّها (مُفْعَل) عنده.
ومن لم يجرها قال في التّصغير: هذه مُوَيْسَى صغيرةٌ، وقال في جمعها: المُوْسَيَات، على حدّ قولهم: (الحُبْلَيَات) ؛ لأنّ (مُوْسَى) عنده (فُعْلَى) كحُبْلَى4.
ويرى الأُمَويّ أنّ (المُوسَى) مذكّرٌ لا غير1، وحكى أبو عبيدٍ أنّ الأمويّ انفرد بذلك2.
وشاهد التّذكير قول الرّاجز:
مُوْسَى الصَّنَّاعِ مُرْهَفٌ شَبَاتُهُ3 ...
وشاهد التّأنيث قول الشّاعر:
وَإِنْ كَانَتِ المُوْسَى جَرَتْ فَوْقَ فَعْلِهَا ... فَمَا خُتِنَتْ إِلاَّ وَمَصَّانُ قَاعِدُ4
وذهب أكثر العلماء إلى أنّ (موسى الحلاّقة) من (وس ى) ووزنها (مُفْعَل) واشتقاقها - عندهم -من: أَوْسَيْتُ رأسه؛ إذا حَلَقْتَه.
وعلى رأس هؤلاء: سيبويه5، وأبو زيدٍ الأنصاريّ؛ فيما حكى عنه الجرميّ بقوله: "سمعت أبا زيدٍ يروي عن العرب: هذه موسًى خَذِمَةٌ؛ وهي (مُفْعَل) ولو كانت الميم أصليّةً لم ينصرف؛ لأنّ (فُعْلَى) في جميع
الكلام غير مصروفةٍ في معرفةٍ ولا نكرةٍ، ونحو: حُبْلَى وأُنْثَى؛ قال: فصرف العرب يدلّ على أنّ الميم زائدة ٌ"1.
وبنحو ذلك استدلّ ابن السّرّاج2.
وممّن ذهب - أيضاً - إلى أنّها (مُفْعَل) ابن جنّي3، وابن القطّاع4، والرّضيّ5، وابن عقيلٍ6.
والمذهبان متساويان؛ فالاشتقاق يسعفهما جميعاً؛ فكما جاء في اللّغة أنّ المَوْس: حلق الرّأس، ومنه قالوا: مَاسَ رأسه؛ أي: حلقه فإنّ في اللّغة - أيضاً - أنّ الوَسْيَ: الحلق، ومنه: أَوْسَيْت الشّيء: حلقه بالموسى.
وحججهم الصّرفيّة تكاد تكون متوازنةً؛ فقد ذكروا أنّها ممّا يذكّر ويؤنّث، وينصرف ولا ينصرف.
وعلى الرّغم من ذلك فثمّة ما يرجّح به أحد الأصلين؛ وهو (مُفْعَل) وذلك بالدّخول في أوسع البابين؛ وهو ما فطن إليه ابن جنّي؛ فترك أدلّتهم جانباً؛ لأنّ لكلّ دليلٍ ما يقابله؛ فقال: "اعلمْ أنّك إذا حَصَّلتَ حرفين
أصلين في أوّلهما ميمٌ أو همزةٌ، وفي آخرهما ألفٌ – فاقض بزيادة الميم والهمزة؛ وذلك أنّا اعتبرنا اللّغة؛ فوجدنا أكثرها على ذلك؛ إلاَّ أن تجد ثبتاً تترك هذه القضيّة إليه؛ وذلك نحو موسى، وأروَى وأفعى، ومثالهما (مُفْعَل) و (أَفْعَل) وذلك أنّ (مُفْعَلاً) في الكلام أكثر من (فُعْلَى) و (أَفْعَل) أكثر من (فَعْلَى) ألا ترى أنّ زيادة الميم - أوَّلاً - أكثر من زيادة الألف رابعةً"1.
وقد انفرد ابن خالويه بأصل آخر غير (م وس) و (وس ى) وهو (أس و) إذ اشتقّه من؛ الأسوة بقوله: "ويكون (مُفْعَلاً) من الأسوة؛ وهذا حرفٌ غريبٌ؛ ما استخرجه أحدٌ _ علمته _ غيري، فاعرفه؛ فإنّه حسنٌ"2.
والأسوة الّتي اشتقّ منها ابن خالويه هي: القدوة، والقوم أسوةٌ في هذا الأمر؛ أي: حالهم فيه واحدةٌ، وكأنّه لَمَحَ في (المُوسَى) أنّها تساوي بين الشّعر؛ فأخذه من هذا؛ وهو أضعف ممّا تقدّم.
أمّا (موسى) علَمٌ؛ وهو: موسى بن عمران - عليه السّلام - فينبغي أن تكون ميمه أصليّةً؛ لأنّه معرّبٌ، واشتقاق اسمه من الماء والشّجر؛ فـ (مو) : الماء، و (سا) : الشّجر سمِّي به لحال التّابوت
والماء1.
ويجوز أن يكون من القبطيّة، كما قال الدّكتور ف. عبد الرّحيم؛ وهو مركّبٌ من (mo) بمعنى الماء، و (USE) بمعنى أنقذ، أو (mes) أو (mesu) بمعنى الطّفل والابن2.
ومن التّداخل بين الأجوف واللّفيف (المِينَاء) وهو الموضع الّذي ترفأ فيه السّفن؛ أي تجمع وتربط؛ وهو من (ون ي) فهو (مِفْعَال) من الوَني وهو: الفتور؛ لأنّ الرِّيح يقلّ فيه هبوبها.
غير أنّ ابن الأثير3 ذكره في (م ي ن) فكأنّه عنده (فِعْلاء) وأشار إلى أنّه قد يُقصر؛ فتكون الميم زائدةً، وتابعه في ذلك ابن منظورٍ4.
وغير بعيدٍ أنّه (مِفْعَال) من (ون ي) لدلالة الاشتقاق، وقَصْرُه يُقرّبه - أيضاً - لأنّ (مِفْعَل) اسم مكان، و (الميناء) كذلك؛ فهو اسمٌ لمكانٍ تُرفأ فيه السُّفُن.
ومن الأمثلة: تداخل (ل وهـ) أو (ل وت) و (ل وي) في (اللاَّت) في قوله – عزّ وجلّ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى﴾ 5 وهي صنمٌ لثقيفٍ، كانوا يعبدونه في الجاهليّة، والألف واللاّم فيها زائدةٌ؛ وهي
معرفةٌ بغيرها؛ لأنّها عَلَمٌ، ودليل زيادتها لزومها إيّاها؛ كلزوم لام (الّذي) و (الآن) وبابهما1.
وقيل: إنّها صفةٌ غالبةٌ؛ مثل الحارث والعبّاس؛ فلا تكون اللاّم - حينئذٍ - زائدةً زيادة لازمة2.
وللعلماء في أصلها ثلاثة مذاهب:
أوّلها: أن تكون من (ل وي) يقال: لويتُ على الشّيء؛ إذا أقمت عليه؛ ويدلّ على ذلك قوله -عزّ وجلّ -: ﴿يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ 3، وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ 4؛ فكأنّها سمّيت بذلك لإقامتهم على عبادتها، وصبرِهِم عليها5.
ومنه قول الشّاعر:
عَمَّرْتُكِ اللهَ الجَلِيلَ فإِنَّنِي ... أَلْوِي عَلَيْكِ لَوَ انَّ لُبَّكِ يَهْتَدِي6
وذاك أنّ الأصنام يُعكف عليها، ويُصبر للعبادة.
ويجوز أن يكون اشتقاقها في هذا الأصل من (ل وى) بمعنى:
طاف؛ فتكون بمعنى: يَلْتَوُون عليها؛ أي: يطوفون1.
والأصل في (اللاّت) على هذا الأصل (لَوَيَةٌ) ثمّ حذفت اللاّم؛ وهي الياء؛ فتحرّكت الواو، وانفتح ما قبلها؛ فصار إلى (لاتٍ) كما صار (شَوْهَةٌ) بعد حذف اللاّم إلى (شَاةٍ) 2.
وعينها - عند ابن جنّي - ساكنةٌ ووزنها قبل الحذف (فَعْلَةٌ) بسكون العين، وكان الأصل (لَوْيَة) فحذفت الياء؛ فبقيت (لَوْةٌ) فانفتحت الواو لمجاورتها التّاء؛ فانقلبت ألفاً؛ فصارت إلى (لات) كما تقدّم، والتّاء للتّانيث، ووزنها بعد الحذف (فَعَة) 3.
وثانيها أنّ منهم من يرى أنّ أصلها (ل وهـ) مشتقّ من (لاَهَة) وهي الحيَّة؛ كأنّ الصّنم سمِّي بها، ثمّ حذف منه الهاء؛ كما قالوا: شاةٌ، وأصلها: شَاهَةٌ 4.
وقد كان الكسائيّ5 يقف عليها بالهاء "لأنّها هاءٌ؛ فصارت تاءً في الوصل "5.
ومن هنا وضعها الجوهريّ في (ل وهـ) 1 وتابعه في ذلك ابن منظورٍ2.
وثالثها أنّه قيل: إنّ أصل (اللاّت) (ل ي ت) واشتقاقها من (اللّيت) من: لاَتَه يَلِيتُهُ؛ إذا نَقَصَه حقَّه، أو صرفه عن الشّيء؛ فالتّاء على هذا أصلٌ3.
ويشيع التّداخل بين الأجوف واللّفيف في بنائين؛ هما (فَعْلاَن) و (فَعَّال) ممّا آخره نونٌ مسبوقةٌ بألفٍ قبلها حرفان؛ ثانيهما معتلٌّ مضعّفٌ؛ نحو (غَيَّان) و (حَيَّان) و (طَيَّان) و (جَيَّان) و (صَوَّان) ونحو ذلك، ومَرَدُّه أنّ التّركيب من هذه الأحرف يحتمل البنائين جميعاً.
فـ (غَيَّان) اسم قبيلةٍ – يحتمل الأصلين (غ وي) و (غ ي ن) :
الأقربُ أن يكون (فَعْلان) من (غ وي) ويؤيّده ما جاء في الحديث الشّريف: " أن قوماً من العرب أتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال لهم: "من أنتم" فقالوا: نحن بنو (غَيَّان) فقال لهم: بل أنتم بنو رَشْدان"3.
قال ابن جنّي: "أفلا تراه – عليه السّلام- كيف تَكَرَّهَ لهم هذا الاسم؛ لأنّه جعله من الغيّ"1 فحكم بذلك بزيادة النّون؛ فهو بمنزلة ما لا تضعيف فيه؛ نحو: مَرْجَان وسَعْدان.
ويمكن أن يكون على (فَعَّال) مشتقاًّ من (غ ي ن) يقال: غانت السّماء غَيْناً، وغَيَّنَتْ: إذا طَبَّقَها الغَيْمُ، والغين: السّحاب المطبِق2، من قول الشّاعر:
كَأَنِّي بَيْنَ خَافِيَتَيْ عُقَابٍ ... تُرِيدُ حَمَامَةً فِي يَوْمِ غَيْنِ3
وهذا مقبولٌ على مذهب السّيرافيّ4 في أنّ النّون إذا وقعت آخراً بعد ألفٍ زائدةٍ؛ لا يخلو جعلها أصليّةً أن يؤدّي إلى بناءٍ موجودٍ، أو إلى بناء غير موجودٍ؛ فإن أدّى إلى بناءٍ غير موجودٍ قُضِيَ عليها بالزّيادة؛ نحو (كَرَوَان) لعدم (فَعَلاَل) وإن أدّى ذلك إلى بناءٍ موجودٍ جاز أن يحكم عليها بالأصالة؛ نحو (دِهْقَان) لوجود (فِعْلاَل) .
وكذلك في (غَيَّان) فإنّ القول بأصالة النّون يؤدّي إلى بناءٍ موجودٍ؛ وهو (فَعَّال) فتُحمل عليه.
والمذهب الأوّل في جعل (غَيَّان) (فَعْلاَن) من (الغَيّ) أقوى لقرب الاشتقاق؛ ولأنّ (فَعْلان) أكثر في كلام العرب من (فَعَّال) فحملها على
الأكثر أولى للدّخول في أوسع البابين.
ومن ذلك تداخل (ح ي ن) و (ح وي) أو (ح ي ي) في (حَيَّان) اسم رجلٍ؛ وهو يحتملها:
فيجوز أن يكون على (فَعْلاَن) من: الحياة، أو من: حَوَيْتُ، وأصله على هذا (حَوْيَان) اجتمعت فيه الواو والياء، وكانت أولاهما ساكنةً، وهي الواو فقلبت ياءً، وأدغمت الياءان؛ كقولهم في طَوْيَان: طَيَّان1.
ويجوز أن يكون أصله (ح ي ن) على زنة (فَعَّال) 2بأصالة النّون، واشتقاقه - حينئذٍ -من (الحَيْن) وهو الدّهر أو الهلاك.
ويجوز أن يكون (فَوْعَالاً) أو (فَيْعَالاً) 3 من (الحَيْن) أيضاً.
والأصل الأوّل – أعْنِي (ح وي) أقرب؛ لترك صرفه، فلو كانت النّون أصليّةً لصُرِفَ.
ومن هذا النّوع (جَيَّان) عَلَمٌ لرجلٍ، فإنّ أصله يجوز أن يكون (ج ي ن) أو (ج وي) .
فمن اشتقّه من (ج ي ن) فهو عنده (فَعَّال) وقد ذكره الصَّغَاني4 في (ج ي ن) وكذا فعل الفيروزاباديّ5.
يجوز أن يكون أعجميّاً؛ فـ (جَيَّان) أيضاً قريةٌ من قرى أصفهان، وبلدٌ بالأندلس1؛ فإن صحّ هذا فالنّون أصليّةٌ.
ويجوز أن يكون (فَعْلاَن) من (ج وي) وقد أجاز هذا الصّغَانيّ2.
ومنه (طَيَّان) عَلَمٌ لرجلٍ؛ فإنّه يحتمل أن يكون من (ط ي ن) أو من (ط وي) :
فإن كان من (ط ي ن) فاشتقاقه من (الطِّين) 1، فهو - حينئذٍ (فَعَّال) بمعنى: صانع الطِّين، وحرفته: الطِّيانة؛ كأنّه على معنى النَّسب.
ويجوز أن يكون أصله (ط وي) واشتقاقه من الطّوى؛ وهو الجوع4، فهو - حينئذٍ (فَعْلاَن) وأصله (طَوْيَان) قلبت الواو ياءً وأدغمت في الياء الّتي بعدها.
ومن ذلك (الصَّوَّان) وهو ضربٌ من الحجارة يُقدح بها؛ فإنّ أصله يحتمل أن يكون (ص ون) أو (ص وو) :
فيجوز أن يكون من (ص ون) ووزنه (فَعَّال) وأكثر العلماء على هذا، ومنهم: الأزهريّ5، وابن فارسٍ6، والجوهريّ7، وابن 1ينظر: التّكملة (جين) 6/213. 2ينظر: التكلمة (جين) 6/213.
منظورٍ1، والفيروزاباديّ2، والزّبيديّ3.
بيد أنّ حمله على هذا الأصل غير قويّ؛ لأنّه ليس في تركيب (ص ون) ما يمكن أن يشتقّ منه (الصَّوّان) وقد أومأ إلى ذلك ابن فارسٍ4، وخرّجه على أنّه شاذّ عن باب (ص ون) .
ويجوز أن يكون من (ص وو) واشتقاقه من (الصُّوَّة) وهي حَجَرٌ يكون علامةً في الطّريق، والجمع: صُوًى، وصَوَّان؛ فيكون - حينئذٍ -على (فَعْلاَن) .
وهذا مقبولٌ لولا اختلاف حركة الصّاد؛ فهي في (الصُّوَّة) مضمومةٌ، وفي (الصَّوَّةِ) مفتوحةٌ.
ولعلّ هذا ما دعا الجماعة إلى وضعه في (ص ون) وإن كان اختلاف الحركتين – هنا – غير مانعٍ لاتّفاق البناءين في الأصل.
وممّا يقوّي أن يكون من هذا الأصل أنّ (فَعْلاَناً) أكثر من (فَعَّال) .
وقد أجاز الفيّوميّ الوجهين؛ بدون ترجيحٍ؛ بقوله: (وهو (فَعَّال) من وجهٍ، و (فَعْلاَن) من وجهٍ) 4.
ج- التَّداخل في النّاقص:
هذا هو النّوع الثّالث من المعتلاَّت؛ وهو النّاقص؛ والقسمة الجامعة فيه على النّحو التّالي:
1- التّداخل بين النّاقص والنّاقص.
2- التّاداخل بين النّاقص واللّفيف.
أمّا التّداخل بين النّاقص والمثال، والنّاقص والأجوف، فقد تقدّما1.
أوّلاً- التّداخل بين النّاقص والنّاقص:
ويكثر هذا النّوع من التّداخل لأسبابٍ؛ من أهمّها2:
1- طبيعة الصّوتين: الواو والياء، وقدتقدّمت الإشارة إلى ذلك3.
2- المعاقبة بين الحرفين.
3- اللّغات.
4- اختلاف الرّواية.
وتجدر الإشارة - هنا - إلى أنّ القطع بالأصل في تداخل النّاقص والنّاقص أمرٌ في غاية الصّعوبة، والأغلب فيه الاعتماد على التّرجيح؛ ولاسيّما فيما ورد بالمعاقبة، أو ما جاء فيه لغتان.
ولعلّ ذلك ما حمل بعض المعجّمين على أن يقولوا في بعض الكلمات النّاقصة: إنّها بالواو والياء؛ دون ترجيحٍ؛ على الرّغم من أنّ الكلمة الواحدة ليس لها إلاّ أصلٌ واحدٌ؛ ألا ترى إلى قول ابن سيده: "كَرَا الأرض كرْواً: حَفَرَها؛ وقد تَقَدَّم ذلك في الياء؛ لأنّ هذه الكلمة يائيّةٌ وواويّةٌ "1، وقال مثل ذلك في غير موضعٍ1.
ومثل ذلك كثير في (اللّسان) 2.
وثَمَّة مقياسٌ بين الأصول يصلح لهذا النّوع من التّداخل؛ وهو حمل ما جُهل أصله؛ ولم يظهر في الاشتقاق ممّا انقلب عن حرف علّةٍ - كالألف والهمزة المتطرّقة - على الأكثر؛ وهو الياء؛ كما تقدّم3.
وفيما يلي بيان التّداخل في هذا النّوع؛ من خلال بعض الأمثلة:
فمن ذلك تداخل الأصلين (ط غ و) و (ط غ ي) في قوله عزّ وجلَّ: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾ 4، وهو مصدر الثّلاثيّ (طَغَى) ومعناه: جاوز القَدْرَ وارتفع وغلا في الكفر، وللعلماء في أصله قولان:
الأوّل على أنّه من (ط غ ي) قال الزّجّاج: "أي بطغيانها، وأصل 1المحكم 7/99.
طغواها: طغياها، و (فَعْلَى) إذا كانت من ذوات الياء أبدلت في الاسم واواً؛ ليفصل بين الاسم والصّفة.
تقول: هي التّقوى، وإنّما هي من: اتّقَيْتُ1، وهي: البقوى، وإنّما هي من: بَقِيتُ (هكذا) وقالوا: امرأةٌ خَزْيا؛ لأنّها صفةٌ "2.
وقد عَدَلَ بطَغْوَى من الطُّغيان لمشاكلة رؤوس الآيات، وهي الفواصل، وممّن كان يرى ذلك: الفرّاء3 وابن خالويه4.
وأمّا قلب الياء واواً فقد جاء للفصل بين الاسم والصّفة في (فَعْلَى) كما قالوا: التّقوى والبقوى والشّروى5.
والقول الثّاني على أنّه من (ط غ و) وقد نقل ذلك أبو عليّ بقوله: "وحكى أبو الحسن: طَغَا يطغو؛ فهي على هذا تكون كالدّعوى من دَعَوْتُ "6.
وحكاها العكبريّ حين قال: "ومن قال: طَغَوتُ كانت الواو أصلاً
عنده"1.
وأوردوا على هذا الأصل: طَغَوتُ أطغو، ومنه (الطُّغْوَان) والطّغْوَى2، بغير قلبٍ؛ على الأصل.
وقد ذكره ابن سِيده في الموضعين3، وذكره الرّاغب4 في اليائيّ، وذكره السّمين5 في الواويّ.
ومن أمثلة هذا الباب تداخل (ر ع ي) و (ر ع و) في (الرّعْوَى) من قولهم: (ارْعَوَى) ارْعِوَاءً؛ أي: كفَّ عن الجهل أو القبيح؛ وهو حسن الرّعوة والرّعوى.
و (ارْعَوَى) من الأبينة الّتي تحتمل أكثر من وزنٍ، لتداخل الأصول فيها:
قال الخيّاط6: (أقمت سنين أسأل عن وزن: ارْعَوَى؛ فلم أجد
من يعرفه) 1 وذكر أنّ وزنه له فرعٌ وأصلٌ؛ فأصله (افعلّ) مثل: احمرّ؛ كأنّه (ارْعَوَّى) فعدلوا عن ذلك؛ لأنّ الواو المشدّدة لم تقع آخر الماضي، ولا المضارع، وتقديره قبل القلب (ارْعَوَوَ) فانقلبت الواو الأخيرة؛ لأنّها خامسةٌ، ثمّ انقلبت ألفا؛ ً لتحرّكها وانفتاح ما قبلها.
أمّا فرعه، أعني (ارْعَوَى) فيحتمل وزنين:
(افْعَلَلَ) ، وهو الأقيس.
و (افْعَلَى) .
وقد اختلفوا في أصله؛ لاختلافهم في اللاّم:
فمنهم من جعله من (ر ع و) ومن هؤلاء: أبو عليّ الفارسيّ، إذ ذهب إلى أنّ الواو فيها أصلٌ غير منقلبةٍ؛ لقولهم: ارْعَوَيْتُ2.
وجعله الفيروزاباديّ3 من هذا الأصل.
ومنهم في جعله من (ر ع ي) كالأزهريّ4، وابن منظورٍ5.
ووضعه بعضهم في الموضعين؛ كابن فارسٍ؛ إذ جعله من اليائيّ في
(المقاييس) 1، ومن الواويّ في (المُجْمَل) 2، وهو دليلٌ على خفاء الأصلين.
وحمله على اليائيّ أولى لما تقدّم من أنّها غالبةٌ على اللاّم.
ومن التّداخل بين النّاقص والنّاقص أنّ (سُدًى) في قوله - عزّ وجلّ: ﴿أَيَحْسَبُ الْأِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً﴾ 3، أي: مهملاً غير مأمورٍ، وهي صفةٌ مشبّهةٌ؛ على وزن (فُعَل) في موضع نصبٍ على الحاليّة – تحتمل الأصلين (س د و) و (س د ي) وقد اختلفوا فيه:
فمنهم من ذهب إلى أنّه (س د و) قال ابن فارسٍ: "السّين والدّال والواو أصلٌ واحدٌ؛ يدلّ على إهمالٍ وذهابٍ على وجهٍ "4.
وممّن عدّها من هذا الأصل: الأزهريّ5، والجوهريّ6، وابن منظورٍ7، والعكبريّ الّذي كان يقول: إنّ الألف في سُدًى مبدَلَةٌ من واوٍ8.
وفريقٌ كان يرى أنّ الأصل (س د ي) ومنهم: السّمين1؛ إذ جعلها في اليائيّ.
وليس في قولهم: أَسْدَيْتها؛ أي: أهملتها ما يقطع بالياء، لاحتمال أن تكون منقلبةً عن الواو؛ كقولهم: أَرْبَيْت الشّيْء؛ وهو من: رَبَا يربو؛ إذا زاد ونما؛ لأنّ الواو تُقْلَب ياءً؛ إذا تطرّفت رابعةً فصاعداً.
ويتداخل (أض و) و (أض ي) في (الأَضَاة) وهي: الغَدِير.
وللعلماء في أصلها رأيان:
الأوّل أنّه (أض و) وذكر ابن سِيدَه أنّ هذا رأي الجمهور؛ بدليل قولهم في الجمع: (أَضَوَاتٌ) 2.
الثّاني على أنّه من (أض ي) وقد حكى ابن سِيدَه - كما نقل ابن منظورٍ - أنّ سيبويه حمله على الياء، وأنكره ابن سِيده بقوله: "ولا وجه له عندي البتّة 3؛ لقولهم: أَضَوَات، وعدم ما يستدلّ به على أنّه من الياء"4.
وأجاز ابن سِيدَه في توجيهه أن يكون (أَضَاةٌ) (فَلْعَة) من قولهم:3
آضَ يئيضُ، على القلب؛ قال: "لأنّ بعض الغدير يرجع إلى بعضٍ؛ ولا سيّما إذا صفّقته الرّيح "1.
ومن ذلك تداخل الأصلين (أل و) و (أل ي) في قوله عزّ وجل: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى﴾ 1.
وقد اختلفوا في معناه: فمنهم من يرى أنّه بمعنى: ولا يَحْلِف، ومنهم من يرى أنّه بمعنى: ولا يُقَصِّر في الجَهد، قال الفرّاء: هو من الحَلْف2، وكذلك عند أبي عُبيدة3، والزَّجَّاج4، والعُكبريّ5.
ووزنه عندهم قبل الحذف (يَفْتَعِل) من أَلَيتُ، أي: حَلَفْتُ، فأصله حينئذٍ (أل ي) وهو بعد الحذف (يَفْتَع) ، قال الرَّاغب: "وردّ هذا بعضهم بأنّ (افْتَعَلَ) قلّما يبنى من (أَفْعَلَ) إنّما يبنى من (فَعَلَ) وذلك مثل: كَسَبْتُ واكْتَسَبْتُ، وصَنَعْتُ واصْطَنَعْتُ، ورأيت وارْتَأَيْتُ "6.
وما ذكره محمول على أنّه مأخوذٌ من (آلَيْتُ) (أفْعَلْتُ) ولا مانع 1اللسان (أضو) 14/38.
من أخذه من (أَلَيتُ) (فَعَلْتُ) وقد نصّ بعضهم على أنّه من هذا1.
وهو - وإن كان بمعنى الحلف - يحتمل الأصلين: (أل ي) لقولهم: أَلَيْتُ وآليْتُ؛ كما تقدّم، و (أل و) لقولهم: (الأَلْوَةُ، والإِلْوَةُ، والأُلْوَة: اليمين) 2.
وذهب بعضهم إلى أنّ (لا يأتلِ) بمعنى: لا يُقَصِّر في الجَهد؛ من قولهم: ما أَلَوْتُ جَهْداً، إذا لم تدّخر منه شيئاً3، وقد أشار إلى هذا أبو عبيدة بقوله: "وله موضعٌ آخر من أَلَوتُ بالواو"4، ورجّح السّمين هذا من وجهٍ بقوله: "وقد يترجّح ما قال أبو عبيدة من حيث الصّناعة؛ وذلك بأنّ يَأْتَلي (يَفْتَعِل) و (افْتَعَلَ) قليلٌ من (أَفْعَلَ) وإنّما يكثر من (فَعَلَ) نحو: كتب واكْتَتَبَ، وصَنَعَ واصْطَنَعَ؛ فأخذه من: أَلَوْتُ، موافقٌ للقياس "5.
وإن صحّ أنّه من (أَلَوْتُ جَهْداً) فهو من (أل و) فيكون الأصل في (يَأْتَلي) : (يَأْتَلِوُ) تطرّفت الواو لاماً بعد كسرٍ؛ فقلبت ياءً، فصار (يَاْتَلِيُ) فاستثقلت الضّمّة على الياء فحذفت، ثمّ حذفت الياءُ للجزم6.
ويُرجّح المعنى الأوّل قراءة من قرأ ﴿ولا يَتَأَلّ﴾ 1 لأنّ معناه: "لا يحلفوا على أن لا يُحسنوا إلى المستحقّين للإحسان "2 ووزنها (يَتَفَعَّل) كما قال ابن جني3، وينبغي أن يُنَبَّه على أن وزنها (يَتَفَعَّلُ) قبل الحذف، أمّابعد الحذف فوزنها (يَتَفَعَّ) .
ويجوز أن يحمل (لا يَتَأَلَّ) على (يَتَفَعَّل) من (أل ل) على أن يكون قبل الجزم (يَتَأَلَّلُ) ؛ فيكون من باب قَصَّيتُ أظفاري وتَقَضَّى، من قولهم: قصّصت وتقضَّض، والمعنى يجيز هذا الأصل؛ لأنّه قيل: إنّ (الإلّ) العهد4 فيكون موافقاً للمعنى الأوّل للآية.
وبالجملة؛ فإنّ التَّداخل في قوله عزّ وجلّ: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ﴾ شديدٌ؛ فإن كان بمعنى (لا يَحْلِفُوا) فإنّه يحتمل الأصلين، وإن كان بمعنى (لا يقصّروا) فإنّه من (أل و) والآية الكريمة تحتمل المعنيين؛ كما ورد في كتب التّفسير5.
ويتداخل (د م و) و (د م ي) في الدّم؛ وقد حذفت لامه؛ وهو
حرف علّةٍ؛ لثقل الحركة على حرف العلّة فيه؛ فحذفت طلباً للخفّة، وقد اختلفوا في لامه على فريقين1:
فريقٌ يرى أنّ لامه المحذوفة واوٌ؛ فأصله (د م و) وهم الأكثرون عند الأنباريّ2.
والدّم عند هؤلاء أصله: (دَمْوٌ) بالتّحريك؛ وإنّما قالوا: دَمِيَ يَدْمَى؛ لحال الكسرة التي قبل الياء؛ كما قالوا: رَضِيَ يَرْضَى؛ وهو من الرّضوان3.
ويرى الفريق الآخر أنّ أصله (د م ي) فالمحذوف ياءٌ لا واوٌ، وأصله (دَمَيٌ) وذكر الزّجّاج4 أنّ هذا هو قول أكثر النّحويّين؛ وهو نقيض ما حكم به الأنباريّ؛ وهو الأعرف عند ابن الشّجريّ5.
ودليل هذا الفريق قولهم: دَمِيَتْ يده6، وقول الشّاعر:
فَلَوْ أَنَّا عَلَى حَجَرٍ ذُبِحْنَا جَرَى الدَّمَيَانِ بِالخَبَرِ اليَقِينِ7
وحكى الجوهريّ1 أنّ سيبويه كان يرى أنّه (دَمْيٌ) بسكون العين، ويستدلّ بجمعه على: دماءٍ ودُمْيٍ، مثل ظَبْيٍ وظِبَاءٍ وظُبْيٍ، ودَلْوٍ ودِلاَءٍ ودُلْيٍ، ولو كان مثل: عَصًا وقَفًا، لما جمع على ذلك.
غير أنّ ما في (الكتاب) يختلف قليلاً عمّا ذكره الجوهريّ؛ ولم أجد فيه دليلا ً على أنّ المحذوف (ياءٌ) فليس فيه أنّ (دَمًا) بالياء؛ كما نقل الأزهريّ؛ وكلام سيبويه ثَمَّ يدور على تكسير ما جاء على حرفين؛ ممّا أصله ساكن العين على (فَعْلٍ) ، ومن أمثلته (ظَبْيٌ) و (دَلْوٌ) والأوّل يائيٌّ والثّاني واويٌّ.
ولعلّه في موضعٍ من (الكتاب) لم أهتد إليه؛ والّذي تبيّنته فيه أنّ سيبويه كأنّه متردّدٌ بين الواو والياء في أصل (دَمٍ) إذ قال: في كلامه في التّصغير: "هذا باب ما ذهبت لامه، فمن ذلك دمٌ، تقول: دُمَيٌّ؛ يدلّك: دماءٌ؛ على أنّه من الياء أو من الواو "2.
وليس في قولهم في تثنيته: (دَمَيَانِ) دليلٌ عند بعض العلماء؛ ومنهم ابن يعيش3 الّذي كان يرى أنّ بعض العرب يقول في اليد والدّم: يدًى ودمًى بالقصر في كلّ الأحوال كـ (رَحًى) و (فَتًى) وعلى ذلك جرى