تداخل الأصول اللغوية وأثره في بناء المعجمصفحات 87-126

الباب الأول: الأصول والزوائد

صفحات 87-126
عن هذه الطبعة
عَلَم
عبد الرزاق بن فراج الصاعدي
الكتاب
تداخل الأصول اللغوية وأثره في بناء المعجم
المؤلف
عبد الرزاق بن فراج الصاعدي
الناشر
عمادة البحث العلمي، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، المملطة العربية السعودية
الطبعة
الأولى، 1422هـ/2002م
عدد الأجزاء
2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

الفصل الأول: الأصول في عرف اللغويين

المبحث الأول: الأصول عند القدامى

... المبحث الأول: الأصول عند القدامى استرعى تفاوت الأبنية في العربية أنظار علمائنا القدامى، منذ وقت مبكر من بدءِ نشاطهم اللغوي؛ فَمِنَ الكلمات ما جاء على حرفٍ، ومنها ما جاء على حرفين، أو ثلاثةٍ، أو أربعةٍ، أو خمسةٍ، أو ستةٍ، أو سبعةٍ.
ورأوا كيف يغلب بعضها على بعضها الآخر في الكثرة والاستعمال؛ فما جاء على ثلاثةٍ أكثر من غيره، وما جاء على حرفٍ أقل إلى حدِّ النُّدرة.
ثم رأوا أن الكلمة الواحدة تأتي على صورٍ مختلفة؛ فتكون تارة على ثلاثة أحرفٍ، وتارة على أربعةٍ، وتارة على خمسةٍ، وتارة على ستةٍ، وتارة على سبعةٍ؛ فهداهم تأملهم الطويل في أحوال البنية في اللغة إلى معرفة الأصول والزوائد.
وقسَّموا الكلام العربي ثلاثةَ أقسام: أسماء وأفعال وحروف، ورأوا كيف يتصرف بعضه – كأكثر الأسماء والأفعال- دون بعضه الآخر؛ كالحروف وبعض الأسماء والأفعال.
ودرسوا ذلك كله، وقَنَّنُوه، وجعلوا له عِلْماً مستقلاً؛ هو التصريف.
ويعنينا من ذلك (الأصول) وقد وقفنا على تعريفها في اصطلاح اللغويين والصرفيين والنحاة؛ وهو أنها الحروف التي تلزم في جميع تصاريف الكلمة؛ فتكون موجودة تحقيقاً أو تقديراً، كما سيأتي.
ويكاد علماؤنا القدامى يُجْمعون على أن الكلمات المتصرفة

ثلاثةٌ: ثُلاثيةٌ، ورباعيةٌ، وخُماسيةٌ؛ لولا آراء نُقِلتْ لبعضهم؛ ولاسِيَّما الكوفيين؛ على نحو ما يأتي تفصيله-إن شاء الله.
فما تصرَّف من الكلام عندهم مردود إلى تلك الأصول، ولا يخرج عن واحد منها؛ وهو مذهب الجُمهور1 وذهب بعض العلماء2 إلى أنَّ الكلام كله مشتق، ونُسِب إلى الزَّجَّاج3، وقيل: إنَّ سيبويه4 كان يراه.
وذهب بعضهم5 إلى أنَّ الكلام كله أصل؛ وليس شيءٌ مشتقاً من شيءٍ.
ونقف - في البداية - على ما جاء على أقلّ من ثلاثة أحرفٍ، ثم نأتي ـ بشيء من التفصيل- على الأصول عند القدامى.
أ- ما جاء على حرفٍ: من كلام العرب ما هو على حرفٍ واحد، وهو قليل.
قال سيبويه في باب عدة ما يكون عليه الكلم: "وأقل ما تكون عليه الكلمة حرفٌ واحدٌ"6 ومَثَّل له بحرف العطف الواو، وكاف الجر ولام الإضافة؛ من الحروف التي لا تتصرف، ولا يدخل فيها الأصول

والزوائد.
ولا يكون اسمٌ مُظْهَرٌ يجوز أن ينفرد اللفظ به على حرفٍ أبداً؛ وعلة ذلك أن المُظْهَرَ يُسْكَتُ عنده، وليس قبله شيء ولا يَلْحَق به شيء، ولم يكونوا لِيُجْحِفوا بالاسم؛ فيجعلوه بمنزلة ما ليس باسم ولا فعل؛ وإنما يجيء لمعنى1؛لأنه لا بد من أن يبتدأ بمتحرك، ويوقف على ساكن؛ فإن كان على حرف لم يستقم2.
والفعل كالاسم في ذلك؛ لأن منه ما يُضارعُ الاسمَ، وهو المضارع؛ كما أنه يتصرف ويُبنى أبنيته كفَعَل وفَعِل وفَعُل ونحو ذلك؛ وهو الذي يلي الاسم؛ فعومل معاملته من حيث عدمُ مجيء الاسم على حرف واحد. أمّا ما جاء من الأفعال على حرف واحد؛ نحو: (قِ نَفْسَكَ عَذَابَ النَّارِ) و (عِ كلاماً) فوَجَّهَهُ سيبويه بقوله: "إلاَّ أن تُدْرِكَ الفعلَ علةٌ مطردةٌ في كلامهم في موضعٍ واحدٍ؛ فيصيرَ على حرفٍ؛ فإذا جاوزتَ ذلك الموضع رددتَ ما حذفتَ …وذلك قولك: عِ كلاماً"3.
وكان أبو زيد الأنصاري يقول: "إن ما بني عليه الكلام ثلاثة أحرف؛ فما نقص رفعوه إلى ثلاثة"4.

ونَخْلُصُ مما تقدَّم إلى أن الأصول من الكلام المتصرف عند القدماء لا تكون على حرف واحد، وما جاء على ذلك فمما يكون فيه حذفٌ. ب- ما جاء على حرفين: أقدمُ نصٍّ وَصَلْنَا إليه في تقسيم الكلم إلى أصوله؛ وفيه ذكر للثنائي؛ يعود إلى القرن الثاني، وصاحبه هو الخليل؛ إذ قال فيه: "كلام العرب مبني على أربعة أصناف؛ على الثّنائيّ، والثّلاثيّ، والرّباعيّ، والخماسيّ" ثم مثَّل للثنائي بقوله: "فالثّنائيّ على حرفين؛ نحو: قَدْ، لَمْ، هَلْ، بَلْ، ونحوه من الأدوات والزَّجْرِ"1.
ويفهم من هذا القول أن الثّنائيّ عند الخليل لا يكون أصلاً للأسماء ولا للأفعال؛ بدليل الأمثلة التي ذكرها؛ فهي من حروف المعاني التي لا تتصرف، وبدليل آخر؛ وهو قوله: "من الأدوات والزَّجرِ"وهو يعني بالزجر: أسماء الأصوات والأفعال؛ نحو: مَهْ، وصَهْ، وكَخْ، وهِسْ؛ وذلك ونحوه عند الخليل وغيره مما لا يتصرف، وإن عومل معاملة الأسماء؛ فلا بُدَّ له –حينئذٍ- من حرفٍ ثالث يبلغ به أقربَ مرتبةٍ في أصول الأسماء المتصرفة.
ومن هنا قال الخليل: "فإن صَيَّرْتَ الثّنائيّ؛ مثل: قَدْ، وهَلْ، ولَوْ، اسماً أدخلتَ عليه التّشديد؛ فقلتَ: هذه لوٌّ مكتوبة، وهذه قَدٌّ حسنة الكِتْبة؛ زدتَ واواً على واو، ودلاً على دال.
ثم أدغمتَ وشَدَّدت؛ فالتشديد علامة الإدغام والحرف الثالثِ؛ كقول أبي زُبيد الطائي:

ليتَ شِعْرِي وأيْنَ منِّيَ لَيْتُ ... إنَّ لَيْتاً وإنَّ لَوًّا عَنَاءُ "1 ولا يجوز عند الخليل أن يكون أصول الاسم المتصرف أقل من ثلاثة أحرف، وله نصوص صريحة في ذلك، قال في أحدها: "الاسم لا يكون أقل من ثلاثة أحرف"2 وقال في ثانٍ: "وقد تجيء أسماء لفظها على حرفين، وتمامها ومعناها على ثلاثة أحرف، مثل: يد ودم؛ وإنما ذهب الثالث لعلة "3 ولا يخرج سيبويه عن رأي شيخه الخليل فهو يقول بنحو قوله4، ولم يَذْكُر خلافاً في ذلك عن متقدمي اللغويين والصرفيين والنحاة، أو عن معاصريه؛ وهو يؤكد أنَّ ما جاء على حرفين من الأسماء والأفعال المتصرفة قليلٌ؛ نحو: دمٍ، وفمٍ، في الأسماء، وخُذْ، وكُلْ في الأفعال؛ وهو مما حذف منه؛ ويُعَلِّلُ ذلك بقوله: "لأنَّه إخلال عندهم بهنَّ؛ لأنه حذف من أقلِّ الحروف عدداً "5. ولما قلَّ الثّنائيّ في الأسماء فإنه لم يقع في الصفات، كما قال سيبويه6.
وعلى منهجهما في الثّنائيّ سار المبرد 7.

واستمر مفهوم الثّنائيّ عند الجمهور من اللغويين والصرفيين والنحاة القدامى على نحو ما قننه الخليل وسيبويه. بَيْدَ أن ثَمَّةَ آراءً خالفت –نوع مخالفة- رأي الجمهور في الثّنائيّ؛ فقد كان صنيع المعجميين في مدرسة التَّقْليبات الذين عدوا الثّلاثيّ المضعف والرّباعيّ المضاعف في باب الثّنائيّ مُلْبِساً؛ فربما فُهم عملهم على غير وجهه، فظُنَّ أنهم يعدون ذلك ثنائياً. وممّن ظن هذا الظن الدكتور إبراهيم أنيس؛ حيث قال بعد أن ذكر طريقة المعجميين في مدرسة التقليبات: "وهكذا رأينا معظم علماء العربية؛ منذ القرن الثاني الهجري؛ ينظرون إلى بنية الكلمات على أنها قد تكون ثنائية الأصول، أو ثلاثيتها، أو رباعيتها"1.
ومن القدامى من كأنّه فهم هذا الفهم؛ كابن القَطَّاع؛ إذ قال: "الثّنائيّ: ما كان على حرفين من حروف السلامة، ولا تبال أن تتكرر فاؤه، أوعينه، أو يلحق بالثّلاثيّ أو الرّباعيّ، أو الخماسيّ، أو السداسي، أو السباعي.
وينقسم ذلك على أقسام؛ منها ما يكون الحرفان أصله؛ نحو: مَنْ، وما، ومِنَ الحروف نحو: مِنْ، وعَنْ، ومنه ما يخفف من المضاعف نحو: رُبَّ…ومن الفعل ما كان مضاعفاً؛ نحو: ردَّ، ومدَّ، وعدَّ، وعدَّدَ، وتعدَّدَ…وإذا تكرر نحو: بَرْبَرَ، وجَرْجَرَ، وفي ما أُظهر تضعيفه؛ نحو: العَدَدِ

والمَدَدِ…فهذا كله ثنائي"1.
وعلى الرغم من ذلك فإنه يمكن توجيه ما قاله ابن القطاع توجيهاً يوافق صنيع المعجميين؛ فقد وجدته يأخذ ببعض طريقتهم في معجمه (الأفعال) فيما تكررت بعض حروفه كالثّلاثيّ المضعف؛ إذ عقد له باباً بعنوان (الثّنائيّ المضاعف) ومما ذكر فيه مواد: (أمّ) و (أبّ) و (أصّ) وكرر هذا الباب في كل حرف، وكذلك فعل في الرّباعيّ المضاعف، وعقد له باباً بعنوان (باب الثّنائيّ المكرر) ومن أمثلته التي ذكرها: (بَثْبَثَ) و (بَخْبَخَ) و (بَصْبَصَ) ونحو ذلك، ثم كرر هذا الباب في كلِّ حرف.
وعمله قريب أشد القرب من صنيع معجميي مدرسة التقليبات، فليس الثّنائيّ عنده ما نعنيه بالثّنائيّ في الأصول، فلما أراد الأصول تغير القول والحكم؛ فقال: (وأقل ما بنيت عليه الأسماء والأفعال ثلاثة أحرف؛ فما رأيته ناقصاً عنها فاعلم أن التضعيف دخله؛ مثل: فرَّ، وردَّ) 2. وقال في موضع آخر: "وأقلّ أصول الأسماء المتمكنة على ثلاثة أحرف؛ نحو: صَقْرٍ، وحَجَرٍ، وجِذْعٍ"3.
ولا أدلّ من هذين النّصين على مذهب ابن القطاع في الأصول.
وأُثِر عن بعض الكوفيين –كذلك- أنهم قالوا بأنّ من الأسماء ما قد يجيء على حرفين.

قال ابن عقيل: "وزاد أبو الفتوح 1 نصر بن أبي الفنون البغدادي …أنَّ مذهب الكوفيين أن أقل ما يكون عليه الاسم حرفان؛ حرف يبتدأ به، وحرف يوقف عليه"2.
وعزا الجواليقي3ذلك للفراء.
وثمَّةَ خلافٌ عُزِي للقدماء في الرّباعيّ المضاعف؛ نحو: (زَلْزَلَ) و (حَثْحَثَ) و (سِمْسِمٍ) فالمشهور عند البصريين أن وزنه (فعلل) 4 كما سيأتي توضيحه في الكلام عن الرّباعيّ؛ إن شاء الله.
ولكنه عند الخليل5 - في أحد قولين عُزيا له - (فعفع) تكررت فاؤه وعينه؛ وهذا يخالف ما نص عليه الخليل في مقدمة (العين) ويخالف ما أُثِرَ عنه–أيضاً- من أنه (فعفل) 6. وعُزِيَ إلى الفراء 7 - أيضاً - أنه (فعفع) كما عزي إلى أبي إسحاق

الزجاج1 في أحد قوليه.
وأطلق المعري القول فيه وجعله لمتقدمي اللغويين حين قال: "وقال المتقدمون من أصحاب اللغة: وزنُ (زَلْزَلَ) (فَعْفَعَ) 2. ولعل المعري يعني به الخليل ومعاصريه؛ فقد بحثت عن نصٍّ في ذلك لهؤلاء المتقدمين؛ فلم أظفر بشيء. ونخلص مما تقدم إلى أن الأصول عند جمهور العلماء القدامى، لا تكون ثنائية، كما أنها لا تكون أحادية. وفيما يلي الأصول لديهم؛ وهي إما ثلاثية، وإما رباعية، وإما خماسية. أوَّلاً- الأصول الثّلاثيّة: يكاد إجماع اللغويين والصرفيين والنحاة ينعقد على أن أصول أكثر الكلم في العربية ثلاثة أحرف، وتكون للأسماء والأفعال3.
ومن أوائل النصوص التي وَصَلْنَا إليها مما جاء فيه ذكر الأصول

الثّلاثيّة ما قاله الخليل1، وهو ما أشرت إليه من قبل؛ وهو أن أقل ما يقع عليه ما تصرف من كلام العرب من الأسماء والأفعال ثلاثة أحرف، وهو قوله: "الاسم لا يكون أقل من ثلاثة أحرف"2والعلة في ذلك - على رأيه - أنَّ الحرف الأول للابتداء، والثالث للوقوف عليه والثاني للحشو بين الأول والثالث. ثم جاء تلميذه سيبويه، وجعل الثّلاثيّ أول الأصول فيما تصرف من كلام العرب؛ حين قال:"فالكلام على ثلاثة أحرف، وأربعة أحرف، وخمسة"3.
ثم قال: "فعلى هذا عِدَّةُ حروف الكلم؛ فما قَصُرَ عن الثلاثة فمحذوف، وما جاوز الخمسة فمزيد فيه"4.
وقال: "ليس في الدنيا اسم أقلُّ عدداً من اسمٍ على ثلاثة أحرف، ولكنَّهم قد يحذفون ممَّا كان على ثلاثةٍ حرفاً"5.
وقال: "وأمَّا ما جاء على ثلاثة أحرف فهو أكثر الكلام في كل شيء من الأسماء والأفعال وغيرهما"6 وعلل ذلك بقوله:"وذلك لأنه كأنه هو الأوّل فمن ثَمَّ تمكن في الكلام".

وفي (المقتضب) 1 للمبرد نحوٌ مما تقدم في كلام سيبويه. ومن أئمة اللغة الذين انتحوا هذا النحو - كذلك - ابن جِنّي؛ فقد ذكر رأيه في ذلك بما يوافق رأي الجمهور من المتقدمين حين قال: "الأصول ثلاثة: ثلاثي، ورباعي، وخماسي؛ فأكثرها استعمالاً، وأعدلها تركيباً الثّلاثيّ؛ وذلك لأنه حرف يبتدأ به، وحرف يُحْشى به، وحرف يوقف عليه"2.
وزاد على المتقدمين بتعليل كثرة مفردات اللغة العربية ذات الأصول الثّلاثيّة؛ حين قال: "وليس اعتدال الثّلاثيّ لقلة حروفه حسب؛ لو كان كذلك لكان الثّنائيّ أكثر منه؛ لأنه أقل حروفاً، وليس الأمر كذلك؛ ألا ترى أن جميع ما جاء من ذوات الحرفين جزءٌ لا قدرَ له فيما جاء من ذوات الثلاثة؛ نحو: مِنْ، وفي، وعن، وهل، وقد، وبل، وكم، ومَنْ، وإذ، وصه، ومهْ.
ولو شئتُ لأثبتُ جميع ذلك في هذه الورقة…وأقل منه ما جاء على حرف واحد؛ كحرف العطف وفائه… فتمكن الثّلاثيّ إنما هو لقلة حروفه، ولشيء آخر وهو حجز الحشو –الذي هو عينه- بين فائه ولامه؛ وذلك لتباينهما، ولتعادي حاليهما؛ ألا ترى أن المبتدأ لا يكون إلاَّ متحركاً، وأن الموقوف عليه لا يكون إلاَّ ساكناً؛ فلما تنافرت حالاهما وَسَّطوا العين حاجزاً بينهما؛ لئلاَّ يفجئوا الحِسَّ بِضدِّ ما كان آخذاً فيه،

ومنصَبًّا إليه"1.
ولإقناع قارئه بهذا التعليل؛ بحيث لا يدع في نفسه شيئاً من التردد في قبوله –نَصَّب معترضاً على كلامه يقول: إن هذا الحرف الحاجز إما أن يكون متحركاً، وإما أن يكون ساكناً، فإن كان ساكناً فقد وافقَ الثالثَ في الوقف، وإن كان متحركاً فقد وافقَ الأولَ، وهذا ما هُرِبَ منه. وكدأبه في هذا المنهج أجاب بأنَّ تحرك الثاني بعد حركة الأول يحدثُ ضرباً من الملال لهما؛ فاسْتُرْوِحَ –حينئذٍ- إلى السكون؛ فصار ذلك خفيفاً مَرْضِيّاً؛ خلافاً للثنائي؛ فإن سرعة الانقضاض من المتحرك الواحد إلى الساكن يكون مَعِيفاً مَأبِيّاً. وقريب من ذلك تعليله للحشو بالساكن. وكان البلاغيون يرون أنّ من شروط فصاحة الكلمة أن تتوسط في عدد حروفها؛ فالثّلاثيّ عندهم أعدل الأصول،؛ وأفصحها؛ فقد كان فخر الدين الرازي يقَدِّم الكلمةَ الثّلاثيّةَ على غيرها في الفصاحة2.
وقال بهاء الدين السبكي: "الثّلاثيّ أحسن من الثّنائيّ والأُحادي ومن الرّباعيّ والخماسيّ؛ فذكر حازم3وغيره من شروط الفصاحة: أن تكون الكلمة بين قلة الحروف وكثرتها، والمتوسط ثلاثة أحرف"4.

وثَمَّة من يرى أن الأصول ثلاثية فحسب، وقد عزي ذلك لأبي زيد1 والكوفيين2 وذهبوا إلى أن الرّباعيّ والخماسيّ ما هما إلاَّ ثلاثيان مزيدان، وسنقف على تفصيل لهذا الرأي في الكلام عن الرّباعيّ؛ إن شاء الله.
وأوزان الثّلاثيّ الممكنة اثنا عشر وزناً؛ بضرب حركات الفاء الثلاث في أحوال العين الأربعة.
واتفقوا على أن المستعمل المستفيض منها عشرة؛ وهي3: 1- (فَعْل) كـ (بَكْرٍ) . 2- (فَعَل) كـ (فَرَسٍ) . 3- (فَعِل) كـ (كَتِفٍ) . 4- (فَعُل) كـ (عَضُدٍ) . 5- (فِعْل) كـ (حِبْرٍ) . 6- (فِعَل) كـ (عِنَبٍ) . 7- (فِعِل) كـ (إِبِلٍ) . 8- (فُعْل) كـ (قُفْلٍ) . 9- (فُعَل) كـ (صُرَدٍ) . 10- (فُعُل) كـ (عُنُقٍ) .

واختلفوا في (فُعِلٍ) و (فِعُلٍ) فأهمله بعضهم؛ لاستثقال الخروج من ثقيل إلى ثقيل يخالفه1، وقالوا: إن الأول لم يرد إلاَّ في (الدُّئِلِ) وهو دويبة شبيهة بابن عِرْس، وجاء الثَّاني في (الحِبُك) على قراءة أبي مالك الغفّاري: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾ . وقد قيل إنَّ (الحِبُك) من تداخل اللُّغات.
أمَّا الفعل فله ثلاثة أوزان في الماضي؛ وهي: (فَعَلَ) (فَعِلَ) (فَعُلَ) . ومن الثّلاثيّ نوع تماثلت حروفه أو بعضها؛ وذلك على النحو التالي: الأوّل: ما تماثلت حروفه الثلاثة؛ نحو قولهم: (غلام بَبَّةٌ) 2 أي: سمين، وهو - أيضاً - الأحمق الثقيل، وقال الفرزدق: وبايعْتُ أقواماً وفيتُ بعهدهم ... وبَبَّةُ قد بايعتُهُ غيرَ نادمِ 3 والفعل منه: بَبَّ يَبِبُّ بَبّاً وبَبَباً 4.ومن ذلك (القَقَقَةُ) 5 وهي الغربان الأهلية.
وقالوا: (زَزَزْتُه زَزّاً: صَفَعْتُه) 6. وقد ذكروا أن ما تماثلت أصوله الثلاثة نادر؛ ولم يأت منه إلاَّ بضعُ

كلمات 1. الثاني: ما تماثل بعض حروفه؛ فمما عُدَّ في الثّلاثيّ من هذا ما تماثل فيه الفاء والعين، أو الفاء واللام، أو العين واللام، أو اللام وبعدها، أو ماثل فيه حرفان حرفين.
وفيما يلي بيان ما تقدم، وذكر ما وقع في بعضه من خلاف.
ا- ما ماثلَ فاؤُهُ عينَه: ومثال ذلك (دَدَنٌ) ومنه يقال لنوع من السيوف: (الدَّدَانُ) 2. ومنه (يَيَنٌ) وهو اسم وادٍ أسفل الفَرْشِ3 بضواحي المدينة، و (قِقِنْ قِقِنْ) 4 حكاية صوت الضحك.
ومنه ما فصل بين الحرفين بحرف زائد؛ نحو: (كَوْكَبٍ) و (قَوْقَلٍ) وهو: الذَّكر من القطا والحجل؛ فالواو زائدة في المثالين5 فوزنهما (فَوْعَل) . ونحو ذلك (زِيْزَيْزَمٌ) وهو حكاية صوت الجنّ، فإنه (فِيْعَيْعَل) 6 قال الراجز7:

تَسْمَعُ للجِنِّ بِهِ زِيْزَيْزَمَا وثمة خلاف في نحو (كوكَبٍ) فالخليل يرى أنه من الرّباعيّ1.
ونُسب إلى بعض النحويين أن الحرف الأول في نحو (كوكَبٍ) زائد، والواو أصليةٌ؛ فيكون اشتقاقه من (وَكَبَ) وقد نَصَّ على ذلك الأزهري بقوله: "قال الأصمعي: وذكر الليث الكوكبَ في باب الرّباعيّ، ذهب إلى أن الواو أصلية؛ وهو عند حُذَّاق النحويين: كوكبٌ من باب (وكبَ) صُدِّرَ بكاف زائدة"2.
فينبغي - على ما روى الأزهري - أن يكون وزنه (كَفْعَل) . والذي عليه أكثر أهل اللغة أنّ الواو زائدة، والكاف الأولى فاء الكلمة، والكاف الثانية عينها.
ولا خلاف في نحو (حَمَام) و (همومٍ) و (خفيفٍ) . ب- ما ماثَلَ فَاؤُه لامَهُ: وذلك نحو: (سَلِسٍ) وهو اللين السهل، والشيء المرن، و (قَلِقٍ) وهو المنزعج المضطرب، و (دَعْدٍ) عَلَمٌ، و (السَّجَسِ) وهو الماء المتحرك.

وهذا النوع من الثّلاثيّ قليل1جداً.
ج- ما ماثلَ عينُهُ لامَهُ: ويكون مدغماً أو غير مدغم، فالمدغم نحو (شَدَّ) و (صَدَّ) و (هَمَّ) وغير المدغم نحو (القَصَصِ) و (الجَلَلِ) و (الصَّدَدِ) . ويسمى ما ماثلَ فاؤُهُ عينَهُ، وما ماثلَ عينُهُ لامَهُ؛ الثّلاثيّ المضعَّف، أو المضاعف، والأخير كثير في العربية2.والأنواع الثلاثة المتقدمة وُضعت في باب (الثّنائيّ) من معاجم التقليبات؛ بسبب الصَّنْعَة المعجمية لنظام تلك المعاجم؛ كما تقدم3.
وثمة كلام لابن القطاع ذو صلة بما نحن فيه؛ وهو أن الثّنائيّ ما كان على حرفين من حروف السلامة، ولا يخرجه من ذلك تكرار فائه أو عينه، ويمكن توجيه كلامه بما يوافق صنيع المعجميين في مدرسة التقليبات.
وجمهور اللغويين والصرفيين يعدون هذه الأنواع الثلاثة من الثّلاثيّ.
قال ابن جِنِّي: "اعلم أنه متى اجتمع معك في الأسماء والأفعال حرف أصلٌ ومعه حرفان مثلان لا غير؛ فهما أصلان؛ متصلين كانا أو

منفصلين"1.
د- ما ماثَلَ لامُهُ ما بعدَه: وهذا نوع من الثّلاثيّ يأتي على صورة الرّباعيّ (فعلل) فيكون على (فُعْلُل) نحو: (القُعْدُدِ) وهو الجبان اللَّئيم، وعلى (فَعْلَلٍ) نحو (القَرْدَدِ) وهو الوجه، وعلى (فِعْلِلٍ) نحوِ (الرِّمْدِدِ) وهو الكثير الدقيق، وعلى (فُعْلَلٍ) نحوِ (قُعْدَدٍ) . وهذا النوع ملحق بأوزان الرّباعيّ المذكورة؛ فحرفه الأخير زائد2.
وربما جاء على صورة الخماسيّ؛ مثل (عَفَنجَجٍ) وهو الضخم الأحمق؛ فهو ثلاثي ملحق بالخماسيّ؛ نحو (سَفَرْجَلٍ) فالنون والجيم الأخيرة زائدتان؛ فيكون من (ع ف ج) . وربما جاء على صورة الخماسيّ؛ دون أن يكون المضعف زائداً؛ وذلك نحو (أَلَنْجَجٍ) وهو عودٌ طَيِّبُ الرائحة؛ فإن نونه زائدة لا محالة؛ لوقوعها ثالثة ساكنة؛ فتبقى أربعة أحرف (فلا يخلو- حينئذٍ - أن يكون مكرر اللام؛ كباب: قُعْدَدٍ، وشُرْبُبٍ، أو مزيدةً في أوله الهمزة؛ كأحمرَ، وأصفرَ، وإثمدٍ.
وزيادة الهمزة أولاً أكثر من تكرير اللام آخراً…فتبقى الكلمة من تركيب (ل ج ج) فمِثلاها - إذن - أصلان) 3 وكذلك (يَلَنْجَجٌ) و (أَلَنْدَدٌ) و (يَلَنْدَدٌ) وهو الشديد الخصومة.

والأخيران أوضح في الاشتقاق؛ لأنهما بمعنى (الألدِّ) فهما مشتقان من اللَّدَدِ1.
هـ - ما تكرر فيه حرفان: وذلك على نوعين: نوع يبقى منه ثلاثة أصول عند إسقاط المثلين، ونوع يبقى منه أصلان حسب. أما النوع الأول؛ وهو ما يبقى منه ثلاثة أصول عند إسقاط المثلين؛ فلا يخلو أن يكون المتماثلان في أوله أو في آخره؛ فإن كانا في أوله فمثاله: (مَرْمَرِيسٌ) للدَّاهية، و (مَرْمَرِيتٌ) للقفرِ؛ وهما ثلاثيان؛ لأن إسقاط المثلين يجعلهما: (مَرِيساً) و (مَرِيتاً) ببقاء ثلاثة أصول؛ وهي الميم، والراء والسين؛ في الأول، والميم، والراء، والتاء؛ في الثاني. ويؤكد ذلك أن معناهما من (المراسةِ) و (المَرْتِ) فوزنهما –حينئذٍ- (فَعْفَعِيل) وهذا مذهب البصريين2.
وإن كانت المتماثلات في آخره؛ فمثاله: (الصَّمَحْمَحُ) وهو الشديد المجتمع الألواح، و (الدَّمَكْمَكُ) وهو الشديد، و (خُلَعْلَعٌ) وهو الجُعَلُ، و (الكُذُبْذُبُ) وهو الكثير الكذب، و (الذُّرَحْرَحُ) وهي دويبة، ووزن ذلك كله (فعلعل) وهو مذهب البصريين3.

وذهب الكوفيون إلى أن وزن الأول - أعني: مَرْمَرِيساً (فَعْلَلِيل) والثاني - أعني: صَمَحْمَحاً (فَعَلَّل) . وقد فصَّل أبو البركات الأنباري1 الخلاف في ذلك بين البصريين والكوفيين، وعزا الرَّضِيُّ2 قولَ الكوفيين إلى الفراء.
وحجة الكوفيين3 في جعل نحو (صَمَحْمَحٍ) و (دَمَكْمَكٍ) على وزن (فَعَلَّل) قولهم: إن الأصل فيهما: (صَمَحَّحٌ) و (دَمَكَّكٌ) إلاَّ أن العرب استثقلوا جمع ثلاث حاءات وثلاث كافات؛ فأبدلوا الأوسط منهما ميماً من جنس الحرف الثاني في الكلمة، وادَّعوا أن الإبدال - لاجتماع الأمثال - كثير في الاستعمال، وقالوا: إن الأصل في قوله عز وجل: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالغَاوُون﴾ 4: كُبِّبُوا؛ لأنه - كما يقولون - من:كَبَبْتُ الرجلَ على وجهه؛ إلاَّ أنهم استثقلوا اجتماع ثلاث باءات؛ فأبدلوا من الوسطى كافاً من جنس الحرف الأول.
واستدلوا – أيضا ً- على أنَّ: (صَمَحْمَحاً) ليس (فَعَلْعَلاً) وأنه لا يجوز أن يكون كذلك؛ لأنه لو جاز ذلك لجاز أن يقال: إن (صَرْصَرَ) و (سَجْسَجَ) وزنُهُما (فَعْفَعَ) فلما بطل أن يكونا على (فَعْفَعَ) بطل - أيضاً - أن يكون (صَمَحْمَحٌ) على (فَعَلْعَل) .

واحتج البصريون 1 بأمور: أحدها: أنَّ تكرار العين واللام في (صَمَحْمَحٍ) هو الظَّاهر؛ لأنَّ تكرار حرف أصليٍّ يوجب تكراره في الميزان؛ فكما أنّ وزن (ضَرَّبَ) و (قَتَّلَ) : (فَعَّلَ) ووزن (احْمَرَّ) و (اصْفَرَّ) (افْعَلَّ) وجب أن يكون وزن (صَمَحْمَحٍ) و (مَرْمَرِيس) (فَعَلْعَل) و (فَعْفَعِيل) هذا هو الأصل، وهو الصحيح.
الثاني: ما ذكره الرَّضِيُّ2 من أنه يمكن أن يستدلّ للبصريين على تضعيف (صَمَحْمَحٍ) و (بَرَهْرَهَةٍ) بجمعك إياه على صمامح، وبراره، ولو كان خماسياً كسفرجلٍ- لقلتَ: صَمَاحِمُ.
والثالث: طعنهم3 في قياس الكوفيين على (صَرْصَرَ) ونحوه، من الرّباعيّ المضاعف بأن ذلك باطل؛ لأن الحرف إنما يجعل زائداً في الاسم والفعل؛ إذا كان على ثلاثة أصول سِوَاهُ؛ وهي فاء الفعل وعينه ولامه، و (صَرْصَرَ) لا يتحقق فيه ذلك؛ فلو قيل: إنّ وزنه (فَعْفَعَ) 4 لأدى ذلك إلى إسقاط أحد أصوله الثلاثة؛ وهو اللام، وذلك لا يجوز؛ بخلاف (صَمَحْمَحً) فإنه وجد فيه ثلاثة أصول، فلما لم يؤدّ ذلك إلى محظور؛ وهو إسقاط أحد الأصول الثلاثة جاز أن يكون وزنه (فَعَلْعلا) وهو

الظاهر، كما تجعل إحدى الدالين في (اسْوَدَّ) زائدة، ولا تجعل إحداهما زائدة في (رَدَّ) و (مَدَّ) . ولا يطعن في حجة البصريين أنهم خالفوا في المكرر بين (صَرْصَرَ) و (صَمَحْمَحٍ) فجعلوا الأول أصلاً، والثاني مكرراً؛ لأنَّ تلك المخالفة لا مناص من وقوعها؛ كما في (اسْوَدَّ) و (رَدَّ) ولأنها وقعت –أيضاً- للكوفيين؛ حيث لزم على مذهبهم أن يكون نحو: احْقَوْقَفَ الظَّبْيُ، واغْدَوْدَنَ الشَّعْرُ، وما أشبه ذلك على وزن: (افْعَلَّلَ) وليس هذا من أوزان الأفعال، ولم يقولوا به، ولكنهم يقولون: إن وزنه (افْعَوْعَلَ) كما يقول البصريون.
وبالجملة؛ فإن مذهب البصريين أقوى حجةً، وهو مذهب جمهور اللغويين، والصرفيين؛ من المتقدمين والمتأخرين.
أما النوع الثاني: وهو ما يبقى منه أصلان عند إسقاط مِثْليه؛ فنحو (زَلْزَلَ) و (صَرْصَرَ) و (حَثْحَثَ) وهو من الرّباعيّ عند البصريين، وأكثر اللغويين والصرفيين؛ كما سيأتي بيانه عند الكلام عن الرّباعيّ- إن شاء الله -. وهو معدود في الثّلاثيّ عند الكوفيين، وبعض علماء البصريين.
وجعله ثلاثياً عندهم يأخذ صورتين: إحداهما: أنه (فَعْفَلَ) . والأخرى: أنه (فَعَّلَ) . وهما يؤديان إلى أصل ثلاثي واحد في نهاية الأمر، وفيما يلي بيان ذلك:

أ- فَعْفَلَ: من العلماء من يرى أن الحرف الثالث في نحو (زَلْزَلَ) و (صَرْصَرَ) تكرير للحرف الأول؛ كتكرير السين في (كَسَّرَ) والدال في (قَرْدَدٍ) فيكون وزنه – حينئذٍ - (فَعْفَلَ) فأصل زَلْزَلَ (ز ل ل) وأصل صرصرَ (ص ر ر) وأصل كبْكَبَ (ك ب ب) وهكذا.
وأول من عُزي إليه القول بهذا الرأي هو الخليل1 وهو أحد رأيين عزيا له في ذلك، وعُزي -أيضاً- إلى جماعة من العلماء؛ منهم: قُطْرُبٌ2 (ت 206هـ) والفراء 3 (ت 207هـ) وابن كيسان4 (ت 299هـ) في أحد قوليه، والزجاج5 (ت 310هـ) وارتضى ابن القطاع (ت 515هـ) هذا المذهب، وأخذ به6.
وعلى هذا المذهب يكون (بُغَيبغ) وهو التيس الكبير من الظِّباء: (فُعَيْفِل) و (كِعِنْكِعٍ) للغول: (فِعِنْفِل) و (زَوَنْزَى) للقصير (فَعَنْفَل) 7. وهذا المذهب غير مقبول عند أكثر اللغويين والصرفيين؛ كابن

جني1، والمرادي2، الذين جعلوا ذلك بعيداً، وكان ابن عقيل يقول في ذلك: "وأما أن وزن الكلمة (فَعْفَل) فضعيف؛ لأنه بناء مفقود"3.
وعلل السيوطي عدم قبولهم إياه بقوله: "لأنه إن جُعِلَ كلٌّ من المثلين زائداً أدى إلى بناء الكلمة على أقل من ثلاثة، أو أحدُهُما أدى إلى بناءٍ مفقود؛ إذ يصير وزنها على تقدير زيادة أول الكلمة (عَفْعَل) وعلى زيادة الثاني (فَلْعَل) وعلى زيادة الثالث (فَعْفَل) وكلها مفقود"4.
ب ـ فَعَّلَ: وللكوفيين وبعض البصريين توجيه لنحو (زَلْزَلَ) و (صَرْصَرَ) غير ما تقدمَّ ذكره؛ وهو أن الأصل فيهما (زَلَّلَ) و (صَرَّرَ) استُثْقِل، للأمثال الثلاثة؛ فأبدل من الأوسط حرفاً من جنس الحرف الأول من الكلمة.
وهم لا يأخذون بذلك على إطلاقه، بل يقصرونه5 على ما كان ثالثه صالحاً للسقوط مع سلامة المعنى؛ نحو (كَبَّه) أي: قَلَبَه، و (كَبْكَبَه) بمعناه، و (كَفَّه) عن الشيء، و (كَفْكَفه) فهو بدل من التضعيف في (كَبَّبه) و (كَفَّفه) . ويقولون-كذلك: (تَغَلْغَلَ) في الشيء، والأصل: تَغَلَّل؛ لأنه من

الغلل، وهو الماء الجاري بين الشجر؛ فيبدلون من اللام الوسطى غيناً1.
ويقولون في قول الأعشى: وتَبْرُدُ بَرْدَ رِدَاءِ العَرُو ... سِ بالصَّيفِ رَقْرَقْتَ فيه العَبِيرَا 2 إنَّ الأصل في (رقرقت) رَقَّقْتَ؛ لأنه من الرِّقَةِ؛ فأبدل من القاف الوسطى راء.
ويقولون في قول الفرزدق: موانعُ للأسرار إلاَّ لأهلها ... ويُخْلِفْنَ ما ظَنَّ الغَيُورُ المُشَفْشَفُ 3 إن الأصل في: المشفشف: المُشَفَّفُ، من: شَفَّتْه الغيرة، وشَفَّه الحزن.
إلاَّ أنه استثقل اجتماع ثلاث فاءات؛ فأبدل من الوسطى شيناً.
ومن أوائل من عرف عنه هذا المذهب الخليل إذ قال: "والعرب تشتق في كثير من كلامها أبنية المضاعف من بناء الثّلاثيّ المثقل بحرفي التضعيف… ألا ترى أنهم يقولون: صَلَّ اللِّجامُ يَصِلُّ صليلاً؛ فلو حَكَيْتَ ذلك قلتَ: صَلَّلَ4 تمدّ اللام وتثقّلها، وقد خففتها في الصَّلْصَلَةِ؛ وهما جميعاً صوت اللجام؛ فالثقل مدٌّ، والتضاعف ترجيع يخِفُّ فلا يتمكن؛ لأنه على حرفين؛ فلا يتقدر للتصريف حتى يُضاعفَ، أو يثقَّلَ؛ فيجيء كثير منه متفقاً على ما وصفت لك"5.

ولم يؤثر عن الخليل أنه قال باطِّراد ذلك.
ويُعزى رأي الكوفيين - أيضاً - إلى الزجاج1 - في أحد قوليه- إلاَّ أن رأيه بختلف عن رأيهم في أنه لا يقال فيه إن الحرف الثالث مبدل من جنس الأول؛ بل يرى أن ذلك الحرف زائد 2، لا مبدل؛ فيكون وزن (كَبْكَبَ) على رأي الزجاج: (فَعْكَلَ) وهو (فَعَّلَ) على مذهب الكوفيين.
ونسبَ ابنُ جني مذهبَ الكوفيين إلى البغداديين 3. وعزا أبو حَيَّان4ذلك إلى بعض الكوفيين، وذكر أن للفراء فيه قولين؛ أحدهما الذي مر، والآخر: أنه (فَعْفَعَ) كما مرَّ-أيضاً.
ونُسِبَ مثلُ هذا الرأي –أيضاً- إلى سيبويه، وذُكِرَ أنه كان يرى أن وزن (رَبْرَبَ) ونحوه (فَعَّلَ) أصله: رَبَّبَ؛ أبدلت باؤه الوسطى راءً من جنس الحرف الأول في الكلمة، وقد ذكر ذلك أبو حَيَّان5، وتابعه معاصره ابنُ عقيل 6، ولعله تأثر به.
ولم أقف في كتاب سيبويه على مثل ذلك؛ بل وقفتُ على ضده؛

وهو أنه يجعل الكلمة رباعية؛ حيث يجعل (الزَّلْزَلَةَ) في باب (الفَعْلَلَة) 1 ثم وجدتُه يقول في موضع آخر: "ولا نعلم في الكلام على مثال فعْلالٍ إلاَّ المضاعف من بنات الأربعة؛ الذي يكون الحرفان الآخران منه بمنزلة الأولين، وليس في حروفه زوائد"2.
وهذا يؤكد أن سيبويه يرى أن نحو (زَلْزَلَ) و (حَثْحَثَ) من باب الرّباعيّ، إلاَّ أن يكون له رأي آخر؛ لم أقف عليه، وكثيراً ما يعزى إلى سيبويه ما يخالف آراءه في الكتاب.
وممن أخذ برأي الكوفيين في هذه المسألة: أبو عبيدٍ القاسم بن سلاَّمٍ3 وابن قتيبة الذي قال في باب الإبدال من المشدد: "تَكَمْكَمَ الرجلُ، من الكُمَّةِ؛ وهي القَلَنْسُوَةُ، والأصل: تَكَمَّمَ، وتَمَلْمَلَ على فراشه، والأصل: تمَلَّل من المَلَّةِ؛ وهي الرماد الحارّ، وقال الشاعر: باتَتْ تُكَرْكِرُهُ الجَنُوبُ ... وأصله: تُكَرِّرُهُ؛ من: التكرار"4.
ومنهم ابن دريد في قوله: "وأحسب أن قولهم: رجلٌ هَفْهافٌ؛ إذا كان خفيفاً؛ وإنما كان أصله: هَفَّافٌ؛ فثقل عليهم؛ فَفَصلوا بينهما بهاء"5.

ووثمة رأيٌ يعزى للسَّرِيِّ الرَّفَّاء الشاعر (ت366هـ) يوافق رأيهم في أن نحو (زَلْزَلَ) ثلاثي؛ ولكنه يختلف عنهم قليلاً في توجيه ذلك؛ فقد نقل عنه الرَّضي ما نصه: "قال السَّريُّ الرفاء في كتاب: المُحِبِّ والمحبوب: زَلْزَلَ من: زَلَّ؛ كجَلْبَبَ من: جَلَبَ، وكذا نحوه"1.
قال الرَّضيُّ: "يعني أنه كرر اللام للإلحاق؛ فصار: زَلَّل؛ فالتَبَسَ بباب: ذَلَّلَ يُذِلِّلُ تَذْلِيْلاً؛ فأبدَلَ اللامَ الثانيةَ فاءً؛ وهو قريب"2.
وقوله: "فالتبس بباب ذَلَّلَ …" يعني أن زَلَّل يحتمل أن يكون (فَعَّل) مثل: كسَّرَ، أو يكون (فَعْلَلَ) وهو المراد للإلحاق، ولا دليل على ذلك؛ لتشابه حروفه الثلاثة الأخيرة؛ فإن كان (فَعَّلَ) فمصدره (التفعيل) وإن كان (فَعْلَلَ) بالإلحاق، فمصدره (الفَعْلَلَة) و (الفِعْلاَل) عند التضعيف؛ فأبدلَ اللامَ الثانيةَ في الكلمة من جنس الأول.
وهذا أقرب من توجيه الكوفيين، ولكنه يوافقهم في أن أصل ذلك ونحوِه ثلاثي، وليس رباعياً؛ كما يقول البصريون، ويرِدُ عليه أن فيه الإبدالَ مما ليس من حروف الإبدال؛ كالحاء في: حَثْحَثَ من الثاء في: حَثَّثَ.
وإنما الإبدال عندهم يكون فيما تقاربت مخارجه.
وما حكاه الرَّضي عن السَّري الرَّفَّاء يصلح جواباً عن اعتراضٍ قد يرد على الكوفيين في جعلهم نحو (زَلْزَلَ) ثلاثياً على (فَعَّل) بأن يقال: إن ذلك ينافي مصدره؛ وهو (الفَعْلَلَة) و (الفِعْلال) فلو كان (فَعَّل) لقيل في

مصدره بعد الإبدال: زَلْزَلَ يُزَلْزِلُ تَزْلِيلاً، ولم تَقُلِ العربُ ذلك، ولا يكون في قياس كلامها.
وجواب ذلك: أن اللام الأخيرة في: زَلْزَلَ زائدة؛ لإلحاق الثّلاثي بالرّباعيّ؛ فجاء مصدره على قياس الرّباعيّ.
وإن قيل: إنَّ جعلَ اللام الأخيرةِ زائدةً يؤدي إلى أن يكون أصل (زَلَزَلَ) (ز ل ز) لا (ز ل ل) قيل: إن الزاي الأخيرة مبدَلَة عن لامٍ؛ فأصلها (ز ل ل) . ومن هؤلاءِ - أيضاً - أبو إبراهيم إسحاق الفارابي (ت350هـ) إذ يرى أن (سَلْسَلَ) ونحوه ثلاثي، والإبدالُ عنده ليس لثقل التضعيف بل للتفريق1 بين (فَعَّلَ) و (فَعْلَلَ) ولعله يريد التفريق بينهما في المصدر؛ أي أنه يأتي في هذا النوع على (فَعْلَلَ) وليس (فَعَّلَ) فيكون ثمَّةَ تشابهٌ بين رأيه ورأي السَّريّ الرَّفَّاءِ. وهو يعلل اختيارهم في الإبدال حرفاً موافقاً للحرف الأول من الكلمة؛ بقوله في إبدال السين من اللام في (سَلْسَلَ) : "وإنما أبدلت سيناً؛ دون سائر الحروف؛ لأنه ليس فيه إلاَّ سين ولام مضعفة؛ فجعلوا السين سينين؛ فاعتدل الحرف؛ سين مرتين، ولام مرتين، وكذلك سائر هذا الباب"2.
ومنهم الجوهري (ت 393هـ) حيث ذكر أن أصل (خَبْخَبُوا)

بمعنى أبردوا: خَبَّبُوا، بثلاث باءات، وذكر العلة 1 التي ذكرها خاله الفارابي. واختار بدر الدين بن مالك (ت 686هـ) مذهب الكوفيين، فيما دلّ الاشتقاق على زيادته بقوله: "…إلاَّ أن يدلّ الاشتقاق على الزيادة؛ كـ (لَمْلِمْ) أمرٌ من (لَمْلَمَ) فإنه مأخوذ من (لَمْلَمْتُ) وأصله: لَمَّمْتُ؛ بزيادة مثل العين، ثم أبدل من ثاني الأمثال مثل الفاء؛ كراهية تواليها؛ فصار: لَمْلَمَ؛ وهذا أولى من جعله ثنائياً مكرراً، موافقاً في المعنى للثلاثي المضاعف"2.
ويوافق بدرُ الدين البصريينَ فيما لم يدل الاشتقاق فيه على الزيادة؛ كـ (سِمْسِمٍ) فإنه يحكم فيه بأصالة المكرّرَين؛ لأن أصالة أحدهما واجبة تكميلاً لأقل الأصول، وليس أصالة أحدهما بأولى من أصالة الآخر؛ فحُكم بأصالتهما معاً.
وثَمَّ مصطلح لضربٍ من الثّلاثيّ - وهو معتل اللام - يرد استخدامه عند بعض الكوفيين؛ لا يخلو من إيهامٍ لمن لم يقف على حقيقته؛ وهو مصطلح (ذوات الأربعة) أو (أولاد الأربعة) . فقد عقد ابن السِّكِّيت باباً بعنوان (مما يقال بالياء والواو من ذوات

الأربعة) 1. ومما جاء في هذا الباب قولهم: حَكَوْتُ عنه الكلام؛ أي: حَكَيْتُ، ويقال: طَمَا الماءُ يَطْمي. ونحو ذلك. وجميع ما ذكر فيه من الثّلاثيّ؛ وليس من الرّباعيّ؛ كما أوهم العنوان. ومن ثَمَّ تصدر التبريزي لشرح مراد ابن السِّكِّيت - وكلامه خير ما يوضح به هذا المصطلح- فقال: "ترجم هذا الباب بأنه من بنات الأربعة، والباب الذي قبله بابه من ذوات الثلاثة، وكلا البابين من ذوات الثلاثة؛ لأنّ: غارَ، وحَكَى؛ بابهما واحدٌ، إلاَّ أنَّه سلك في هذا طريقة الكوفيين؛ وذلك أنهم يقولون لما كان معتل العين من الأفعال: هو من بنات الثلاثة، وذوات الثلاثة. ولِمَا كان معتل اللام هو من بنات الأربعة لا يردُّونه إلى الأصل؛ بل يحملونه على الظاهر؛ وذلك أنَّ: غار؛ إذا رددتَ الفعل إلى نفسك قلتَ: غُرْتُ، فيكون على ثلاثة أحرف. و (حَكَى) إذا رددتَه إلى نفسك قلتَ: حَكَيْتُ؛ فيكون على أربعة أحرف؛ فلأجل هذا ترجم هذا الباب ببنات الأربعة؛ وما قبله ببنات الثلاثة"2.
وللقاسِمِ المُؤَدِّبِ 3 تعليلان في ذلك، قال "وإنما سمى: أولاد

الأربعة؛ لوقوع الحرف المعتل رابعَ الحروف من غابرِه 1، نحو: يَدْعو، ويَبْكي. وقيل: بل سمي:أولادَ الأربعة؛ لاستواء حروفه بحروفِ: فَعَلْتُ، مع اعتلال موضع اللام منه. وأهل البصرة يسمون هذا الباب ثلاثياً؛ لأنهم يعتبرون فيه البناء"2.
ثانياً- الأصول الرّباعيّة: الرّباعيّ عند البصريين، ومن تابعهم؛ من جمهور اللغويين والصرفيين القدامى3: أحد أصول كلام العرب المتصَرِّف، ويكون في الأسماء والأفعال؛ نحو: (جَعفرٍ) و (دَحْرَجَ) . وذكروا أنه أقلُّ من الثّلاثيّ؛ لثقله بالحرف الرابع.
والأبنية الممكنة –عقلاً- للرباعي في الأسماء ثمانية وأربعون بناءً؛ وذلك بضرب حركات الفاء الثلاثة، في أحوال العين الأربعة في حركات

اللام الأولى، وقد تخلّف معظمها؛ لالتقاء الساكنين، أو للثقل، أو لتوالي أربع متحركات1.
ويكادون يُجْمِعون2 على أنَّ أبنيةَ الرّباعيّ المستعملةَ خمسة؛ وهي: (فَعْلَل) نحوُ (جَعْفَرٍ) . (فِعْلِل) نحوُ (زِبْرِجٍ) . (فُعْلُل) نحوُ (بُرْثُنٍ) . (فِعْلَل) نحوُ (ضِفْدَعٍ) . (فِعَلّ) نحوُ (فِطَحْلٍ) وهو دهرٌ لم يُخْلَقِ الناسُ فيه بعدُ.
وأثبت الكوفيون والأخفش بناءً سادساً؛ وهو (فُعْلَل) 3 بضم الفاء وفتح اللام؛ نحو (جُخْدَبٍ) و (جُؤْذَرٍ) وأنكره البصريون، وعدوه متفرعاً من (فُعْلُلٍ) إذ الفتح أخف من الضم؛ فهو ليس بناءً مستقلاً؛ ودليلهم أنَّ كل مفتوح اللام ورد فيه الضم دون العكس؛ إذ جاء

مضموم اللام؛ ولم يُسمع فيه الفتح؛ مثل (بُرْجُدٍ) وهو: كساء مخطط، و (عُرْمُطٍ) وهو: شجر بالبادية، وغيره 1. نعم؛ وليس جعل الرّباعيّ أصلاً من الأصول محل اتفاق بين القدامى؛ فجمهور الكوفيين يخرجون من الأصول ما زاد على الثلاثة 2، ووافقه على ذلك بصري متقدم؛ وهو أبو زيد الأنصاري، فيما حُكِيَ عنه.
قال ابن دريد: "أملى علينا أبو حاتم قال: قال أبو زيد: ما بني عليه الكلام ثلاثة أحرف؛ فما زاد ردوه إلى ثلاثة، وما نقص رفعوه إلى ثلاثة؛ مثل: أَبٍ، وأخٍ، ودمٍ، وفمٍ، ويدٍ ... "3. قال ابن دريدٍ: "لا أدري ما معنى قوله: فما زاد ردوه إلى ثلاثة؛ وهكذا أملاه علينا أبو حاتم؛ عن أبي زيد، ولا أغيره"4.
وظاهر نصه أنه موافق لمذهب الكوفيين؛ في ردهم الأصول إلى الثلاثة فحسب، أما تردد ابن دريد في فهم معنى قول أبي زيد "فما زاد ردوه إلى ثلاثة" فمردود - عندي - إلى أن مذهب الكوفيين في أصول ما زاد على الثلاثة كان مغموراً، ولعل أبا البركات الأنباري هو الذي أسهم في نشر مذهبهم في ذلك.
ومذهبهم أن كلَّ ما زاد على ثلاثة أحرف من الأسماء أو الأفعال

ففيه زيادة؛ فإن كان على أربعة أحرفٍ؛ نحو (ضِفْدَعٍ) و (جعفرٍ) فالزائد فيه حرف؛ وإن كان على خمسة أحرفٍ؛ نحو (سَفَرْجَل) ففيه زيادة حرفين.
ثم اختلفوا في تحديد الزائد، وكيفية وزن الكلمة، بأن انقسموا ثلاثة مذاهب: الأول: مذهب الكسائي1 وهو أن الزائد هو الحرف الذي قبل الأخير؛ أي: الفاء في (جعفرٍ والدال في (ضِفْدَع) . الثاني: مذهب الفراء2 وهو أن الزائد هو الحرف الأخير؛ فيكون الزائد عنده الراء في (جعفر) والعين في (ضفدع) . وذهب الفراء 3 إلى أن الزائد في الخماسيّ الحرفان الأخيران.
ولم أقف على ما يحدد الزائد في الخماسيّ عند الكسائي، وبالقياس على مذهبه في الرّباعيّ فإن الزائد الحرفان السابقان الحرفَ الأخيرَ؛ وهما: الراء والجيم في (سَفَرْجَل) . الثالث: أنَّ ما زاد على ثلاثة أحرف لا يوزن؛ لأنه لا يُدرى كيفية وزنه4!! واحتج الكوفيون لقولهم: إن نهاية الأصول ثلاثة، وما زاد عليها

فزائد، بأن قالوا: "إنما قلنا ذلك لأنا أجمعنا على أنَّ وزن جعفرٍ (فَعْلَلٍ) ووزن سفرجلٍ (فَعَلَّلٍ) وقد علمنا أن أصل (فَعْلَل) و (فَعَلَّل) فاء وعين ولام واحدةٌ، فقد علمنا أنَّ إحدى اللامين في وزن: جَعْفَرٍ زائدةٌ، واللامان في وزن سَفَرْجَلٍ زائدتان، فدلَّ على أنَّ في جعفرٍ حرفاً زائداً من حرفيه الأخيرين، وأنَّ في سفرجلٍ حرفين زائدين؛ على ما بيَّنَّا"1.
وما احتجوا به غيرُ سديدٍ من وجوه: أحدها2: أنَّ الحكم بزيادة الحرف لا يكون إلاَّ بدليل من الأدلة التي يعرف بها الزائد؛ كالاشتقاق والتصريف وعدم النظير، ولا شيءَ من ذلك حاصلٌ في (جعفرٍ أو (سَفَرْجَلٍ) فالقضاء بالزيادة فيهما ليس له أدنى دليل.
ثانيها: أنَّ تكرير اللام في نحو (فَعْلَل) و (فَعَلَّل) إنما وقع لأن الميزان الذي تم اختياره؛ وهو (فعل) على ثلاثة أصول؛ وهو يناسب أكثر الأصول شيوعاً؛ وهو الثّلاثيّ؛ فإن زادت الأصول على الثلاثة كُرِّرتِ اللام دون الفاء والعين؛ لأنه لما لم يكن بدٌّ في الوزن من زيادة حرف بعد اللام، أو تغيير الكلمة الموزونُ بها بكلمة رباعية؛ كـ (دَحْرَجَ) لوزن الرّباعيّ، وكلمةٍ خماسيةٍ؛ كـ (سَفَرْجَلٍ) لوزن الخماسيّ فتختلف الموازين فاختاروا الأول؛ وهو زيادة حرفٍ بعد اللام؛ ليكون الميزان موحّداً؛ فلم يكن بدٌّ من تكرير حرفٍ في (فَعَلَ) من جنس أحد حروفه

الثلاثة؛ فاختاروا اللام لقربها للحرف الأخير، ولبعد الفاء والعين عنه، وكرروا اللام مرتين في الخماسيّ.
وإن كان في الكلمة حرف زائد أظهروه في الميزان؛ فوزنوا لفظ (كاتِبٍ) بـ فَاعِلٍ، و (صَيْقَلٍ) بـ (فَيْعَلٍ) ، و (زُرْقُمٍ) بـ (فُعْلُمٍ) ؛ لتمييز الأصول من الزوائد، وهذا ممَّا يدلُّ على أنَّ مثل (جَعْفَرٍ) رباعي.
ولذا؛ فإن صحَّ ما ذهب إليه الكوفيون في أنَّ (جَعْفَراً و (سفرجلاً) ونحوهما ثلاثيان زِيدَ فيهما، وجبَ –على ما تقدَّم- أن يكون وزنهما (فَعْفَلا) و (فَعَرْجَلا) على مذهب الكسائي، و (فَعْلَرا) و (فَعَلْجَلا) على مذهب الفراء.
ومن الكوفيين من ذهب هذا المذهب1؛ فوزن الرّباعيّ؛ نحو (جعفرٍ) بـ (فَعْلَرٍ) والخماسيّ؛ نحو (فَرَزْدَقٍ) بـ (فَعَلْدَقٍ) ونحو ذلك. وثالثها: ما ذكره سيبويه في رده على من زعم أنَّ الرَّاء في (جعفرٍ) زائدة أو الفاء، ونحو ذلك؛ بقوله: "فإذا قال هذا النحوَ جعل الحروفَ غيرَ الزوائدِ زوائدَ، وقال ما لا يقوله أحد".2
ورابعُ ما يُضْعِفُ رأيَ الكوفيين: أنَّه يرد عليهم ما لا يستطيعون أن يزعموا أنَّ فيه زيادةً؛ وذلك المنحوت من كلمتين؛ نحو (عَبْشَمِيٌّ) و (عَبْقَسِيٌّ) من الكلمات الرّباعيّة المسلَّم بأصالة حروفها الأربعة؛ لأنها نحتت من كلمتين ثلاثيتين؛ حروفهما جميعاً أصول، وكذلك (شَقَحْطَب)

من الخماسيّ؛ إن صحَّ نَّه منحوت من (شِقٍّ) و (حَطَبٍ) 1. وانفرد أحمد بن فارس بطريقة خاصة - فيما زاد عن الثّلاثيّ؛ وهو الرّباعيّ والخماسيّ عند البصريين- التزمها في معجمه (مقاييس اللغة) ومؤدَّاها أنه لا يعتد بما زاد عن الثّلاثيّ في الأصول؛ فهو يردُّ ما زاد عن الثلاثة إلى الثّلاثيّ، بعرض الأصول الرّباعيّة أو الخماسيّة على ما قاربها من الأصول الثّلاثيّة، ورَدَّها إلى ذلك بإحدى طريقتين، وهما: 1- أن تكون منحوتةً2.
2- أن تكون مزيدةً3.
وإن بقي شيءٌ خفيَ اشتقاقه، وتعسرت إعادته إلى الثّلاثيّ بإحدى هاتين الطريقين، خرَّجه على أنَّه مما وُضع وضعاً4.
ومثال الطريقة الأولى عنده –وهي النحت- قوله 5: إنَّ البَعْثَقَةَ؛ وهي خروج الماء من الحوض، منحوتةٌ من كلمتين: (بَعَقَ و (بَثَقَ والأولى بمعنى شقَّ الشيء وفتحه، والثانية بمعنى التَّفتّح في الماء وغيره.
وقوله 6:إنَّ (بَلْهَسَ) إذا أسرع منحوت من (بَهَسَ) و (بَلِهَ) وهو صفة الإبل.

وقد أحصيتُ ما في (مقاييس اللغة) مما زاد فيه على الثلاثة، ونصَّ ابن فارس على الزيادة فيه فألفيتُ عدته تسعاً وثلاثين ومائتي كلمة رباعيةٍ وأن فيه عشر كلمات خماسيةٍ، قال بزيادة حرفين في كل منها. وتلك الزيادات موزعة على الكلمة من أولها إلى آخرها؛ على النحو التالي: ما وقعت الزيادة في أوله (فائه) وعدته تسع وثلاثون كلمة1.
ومن أمثلة ذلك قوله: "البَحْظَلَةُ: قالوا: أن يقفِزَ الرَّجلُ قفز اليَرْبُوع؛ فالباء زائدةٌ"2.
وقوله: "الحِبْجَرُ: وهو الوَتَرُ الغليظ ... والحاء فيه زائدة، وإنما الأصل الباء والجيم والراء"3.
وقوله: "العَمَلَّطُ: الشديد من الرجال ... وهذا مما زيدَ فيه العينُ"4.
ما وقعت الزيادة في ثانيه (عينه) وعدته ثلاث وثمانون كلمةً5، ومنه قوله "البِرْشاعُ: الذي لا فؤاد له، فالراء زائدة، وإنما

هو من الباء والشين والعين"1.
وقوله: "الشُّرْسُوف ... وهي مَقَاطُّ الأضلاع؛ حيث يكون الغُضْرُوف الدَقيق؛ فالراء في ذلك زائدة، وإنما هو: شَسَفَ"2.
وقوله: "العَمَيْثَلُ: الضخم الثقيل ... وهذا مما زيدت فيه الميم، والأصل:عَثَلَ"3.
ج- ما وقعت الزيادة في ثالثه (لامه الأولى) وعدته سبع وخمسون كلمةً 4. فمن ذلك قوله: "الثَّعْلَبُ: مخرج الماء من الجَرِين؛ فهذا مأخوذ من: ثَعَبَ؛ اللام فيه زائدةٌ"5.
وقوله: "الخُذْرُوفُ: وهو السريع في جريه، والراء فيه زائدة"6.
وقوله: "العُبْسُورَةُ والعُبْسُرَةُ: الناقة السريعة ... والسين في ذلك

جارٍ التحميل