شرح كتاب سيبويه للرمانيبابُ علامةِ الإضمارِ التي تكونُ فَصْلاً

بابُ علامةِ الإضمارِ التي تكونُ فَصْلاً

[الغرضُ فيه: أن يُبين ما يجوزُ في الإضمارِ التي تكونُ فصلاً] مما لا يجوزُ.
مسائل هذا الباب: ما الذي يجوزُ في علامة الإضمارِ التي تكونُ فَصْلاً؟ وما الذي لا يجوزُ؟ ولِمَ ذلك؟.
ولِمَ لا يجوزُ أنْ يكون الفصلُ إلا بين معرفتين، أو ما قاربَ المعرفةَ من النكرة؟.
ولَمَ لا يكونُ الفصلُ إلا بعلامة المرفوعِ؟ وهل ذلك لأن المرفوع هو الأول والأحقُ بالتصريف في الوجوهِ؟ ولَمِ لا يكونُ الفَصْلُ إلا بينَ الاسمِ والخبرِ، دونَ الحالِ وغيرهِ من أقسامِ الكلام؟.

وما معنى الفصلِ الذي لأجلهِ دخل في الكلامِ؟ وهل هو ليؤذِنَ بأن المذكورَ بعده للفائدةِ على طريقِ مُعتمدِ الفائدة؟.
ولِمَ جازَ الفَصْلُ في: حَسِبْتُ وأخواتها، وفي: جَعَلْتُ، ولِمْ يَجُزْ في: ضربتُ وما جرى مجراها؟ ولم جاز الفصلُ في: كان وأخواتها، وفي: إن وأخواتها؟.
ولِمَ جاز: حَسِبْتُ زيداً هُوَ خيراً منكَ، ولمْ يَجُزْ: حَسِبْتُ زيداً هو قائماً؟ ولِمَ جاز: كان عبد اللهِ هو الظريفَ، ولَمْ يَجُزْ: كان عبدُ اللهِ هو ظريفاً؟.
وما الشاهدُ في قول اللهِ جلَ وعزَّ: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ ؟ [سبا: 6] ولِمَ لا يجوزُ أنْ يكونَ (هُوَ) تأكيداً في هذا الموضِع؟.

وما الفرق بين التأكيد والفصلِ؟ وهل ذلك لأن الفصلَ يُؤْذِنُ بان الذي بعده مُعتمدُ الفائدةِ، والتأكيدُ بمنزلةِ التكريرِ؟.
وهل يَلْزَمُ من زعم أنه تأكيدُ أن يُجيزَ: مَرَرْتُ بعبد اللهِ هو نفسِه، وإنْ كان زيدٌ لَهُوَ الظريفَ، وإنْ كُنا لَنَحْنُ الصالحين؟.
ولِمَ لا تدخُلُ لامُ الابتداء على (هو) إذا كان تأكيداً، وتدخلُ عليه إذا كان فصْلاً؟ وهل ذلك لئلا يُجمع بين تأكيدينِ في موضعٍ واحدٍ؛ لأنه يجري مجرى الجمع بين اللام وإن في التأكيد بحرفينِ قد جُمعا في موضعٍ واحدٍ؟.
وما الشاهد في قول الله جل وعز ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُمْ﴾ [أل عمران: 180]؟ ولِمَ حُذِفَ: البُخْلُ؟ وما دليله؟ وما نظيرُه من كلامِ العربِ؟.

ولِم جاز الفصل بين المبتدأ والخبر؟.
وما تأويلُ: ﴿إن تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلداً﴾ [الكهف: 39]؟ ولِمَ جاز في: (أنا) أنْ يكون فصلا وتأكيداً في هذا الموضعِ، وكذلك في: ﴿تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً/72 أوأَعْظَمَ أَجراً﴾ [المزمل: 20]؟.
وهل يجوزُ أن تُجْعلَ (هو) وأخواتها في مِثلِ هذه المواضع اسماً مبتدأ؟.
وما الفرق بين ذلك وبين أنْ يكونَ فصلاً؟.
وما الشاهدُ في قولِ رُؤْيةَ: أظُنُ زيداً هُوَ خيرٌ مِنْكَ، وما حكاه عيسى عن كثيرٍ من العربِ أنهم يقولون: ﴿وَمَا ظَلَمنَاهُم وَلَكن كَانُوا هُمُ الظالمونَ﴾؟.
وما الشاهد في قولِ قيسِ بن ذَريحٍ:

تُبَكِي على لُبنى وأنت تركتها... وكنتَ عليها بالملا أنتَ أقدرُ وماحكاه أبو عمر ومن قولهم: إنْ كانَ لَهُوَ العاقلُ؟.
وكمْ وجهاً يحتملُ قولهم: ((كلُ مولودٍ يُولدُ على الفطرةِ، حتى يكون أبواهُ هما اللذانِ يُهودانهِ، أو يُنصرانهِ))؟ ولِمَ جازَ فيه ثلاثةُ أوجهٍ: وجهان في الرفعِ، ووجه في النصبِ؟ ولمَ جاز على الإضمارِ في: يكون، وعلى رفعِ الأبوينِ بهِ؟.
وما الشاهدُ في قولِ رجلٍ من بني عَبْسٍ: إذا [ما] المرءُ كان أبوهُ عَبْسٌ... فحسبُكَ ما تريدُ إلى الكلامِ

وقول الآخرِ: متى ما يٌفدْ كسباً يَكُنْ كُلُ كسبهِ لهُ مطعمٌ منْ صدرِ يومٍ ومأكلُ؟ وما حُكمُ: كانَ زيدٌ أنتَ خيرٌ منه؟ ولِمَ لا يجوزُ في (أَنْتَ) أنْ يكونَ فصلاً هاهنا؟ وهل ذلك لأن الفصلَ يصلُحُ أنْ يسقط من الكلامِ، ولا يتغيرُ المعنى إلا بمقدارِ الإيذانِ بموضعِ الفائدة، ولو سقطَ (أَنْتَ) من هذا الكلامِ؛ لا نْقَلَبَ المعنى، وكذلك: كنتَ يومئذٍ أنا خيرٌ منكَ، أو كُنت يومئذٍ هو خيرٌ منك، فجميعُ هذا لا يجوزُ إلا بالرفعِ؟.
وما حُكمُ: هذا عبد اللهِ هو خيرٌ منكَ، وما شأن عبدِ اللهِ هو خيرٌ منك؟ ولِمَ لا يجوزٌ في (هُوَ) هاهنا أنْ يكون فصلاً؟ وهل ذلك لأنه أتى بعد تماِ كما تأتي الحالُ؟.
الجواب: الذي يجوزُ في علامةِ الإضمارِ الذي يكونُ فصْلاً أنْ يكونَ علامةَ المرفوعِ المنْفَصِلِ.
ولا يجوزُ أن يكونَ علامةَ المنصوبِ؛ لأن المرفوعَ هو الأصلُ بأن الرفعَ هو أولٌ، فهو أحقُ بأنْ يتصرفَ في الوجوهِ من علامةِ المنصُوبِ.

ولا يجوزُ أنْ يكونَ الفصلُ إلا بين معرفتينِ أو ما قاربَ المعرفةَ من النكرةِ؛ لأنه للإيذانِ بأنَ الذي بعده مُعتمدُ الفائدةِ [لا] على جهةِ الصفةِ/ 72 ب ولا غيرِ ذلك، فيُحتاجُ إليه في المعرفةِ؛ ليؤذنَ بمعتمدِ الفائدةِ، وليس كذلك النكرةُ المجردةُ.
ومعنى الفصلِ: قطْعُ ما بعده عن أن يكونَ من الاسمِ الذي قبله على جهةِ الصفةِ فيفصلُ مُعْتمد الفائدة من الصفةِ.
ولا يصلُحُ الفصلُ إلا بين الاسم والخبرِ؛ لِيُؤْذِنَ بمعتمدِ الفائدةِ، فيجوزُ الفصلُ على هذا في: حسبتُ وأخواتها، وفي: كانَ وأخواتها، وفي إن وأخواتها، وفي الابتداءِ والخبرِ؛ لأن جميعَ ذلك يصلُحُ فيه معتمدُ الفائدةِ.
ولا يجوزُ في: (ضربتُ) وما جرى مجراها؛ لأنه لا يُذْكَرُ بعدها معتمد الفائدةِ.
وتقولُ: حسبتُ زيداً هُوَ خيراً مِنْكَ، ولا يجوزُ: حسبتُ زيداً هو قائماً؛ لأنَّ

(قائماً) نكرةُ مجردةٌ مخلصةٌ لمعنى النكرةِ؛ إذ يصلُحُ فيها الألف واللامُ، وليس كذلك: خيرٌ منكُ، ومثلُك، وشبهُك، وحسبُك، وغيرك، وما جرى هذا المجرى مما لا يدخله الألف واللام.
وتقولُ: كان عبدالله هو الظريف، ولا يجوزُ: كان عبد الله ظريفاً؛ لأنه نكرةٌ محضةٌ.
وفي التنزيل: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ [سبأ: 6]، فهذا للفصلِ، وقد يقع بين معرفتين.
ولا يجوز أن يكون تأكيداً في هذا الموضعِ، لأن الظاهر لا ي} كد بالمضمر؛ لمخالفةِ المضمرِ له في دلالته على المتكلمِ من المخاطبِ والغائبِ، ولنه لو كان تأكيداً؛ لمخالفةِ المضمرِ له في دلالته على المتكلمِ من المخاطب والغائب، ولأنه لو كان تأكيداً؛ للزم عليه فسادٌ كثيرٌ في القياس، وما لا تكلم به العربُ، فكان يجوزٌ: مررتُ بعبدِ الله هو نفسهِ، وإن كان زيدٌ لهُوَ الظريفَ، وإنْ كنا لنحن الصالحين، وهذا كلع خطأٌ، لا تكلمُ به العربُ على هذا الوجه، ولا يجوزٌ في القياسِ لما بينا، ولو كان (هو) تأكيداً؛ لم يجتمع مع لام التأكيد كما لا يجتمع مع (إن) التي للتأكيدِ، لا تقول:

لئن زيداً منطلقٌ، وإنما تقولُ: إنَ زيداً لمنطلقٌ، فتؤخرُ اللام إلى الخبر.
وفي التنزيل: ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُمْ﴾ [أل عمران: 180]، وتقديره: البُخل هو خيراً لهم، فحُذف البُخل؛ لدلالةِ: يبخلون، عليه، كما تقولُ العربُ: من كذب كان شراً له، فتضمرُ: الكذبَ؛ لدلالةِ (كذب) عليه.
وفي التنزيل: ﴿إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالاً وَوَلَداً﴾ [الكهف: 39]، فيجوز في (أنا) -هاهنا-/73 أأن يكون فصلاً وتأكيدا على الأصول الصحيحةِ.
وكذلك: ﴿تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ [المزمل: 20].
وكلُ موقع للفصلِ إذا جعل اسما مبتدأً؛ رُفِعَ ما بعده، وإن جُعِلَ فصلاً؛ تخطاهُ العاملُ إلى ما بعده.
وقد سُمِعَ من رُؤْبةَ: أظنُ زيداً هو خيرٌ منكَ، فهذا على الاسم المبتدأ،

وحكى عيسى عن كثير من العرب أنهم يقولون: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ [الزخرف: 76] فهذا على الاسم المبتدأ، وهو قراءتنا على الفصلِ ﴿وَلَكِن كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ [الزخرف: 76].
وقال قيس بنُ ذريحٍ: تُبَكِى على لبنى وأنتَ تركتها وكنتَ عليها بالملا أنت أقدَرُ فهذا على الاسمِ المبتدأ.
وحكى أبو عمرو: إن كان لهو العاقل، فهذا على الاسم المبتدأ.
وأما قولٌهم ((كلُ مولودٍ يُولدُ على الفطرةِ، حتى يكون أبواه هما اللذانِ يُهودانهِ، أو يُنصرانهِ))؛ ففيه ثلاثةُ أوجهٍ: وجهانِ في الرفعِ، ووجه في النصبِ.
فأحد وجهي الرفعِ: الإضمارُ في: يكون، والابتداءُ بقولك: أبواه.
والوجهٌ الآخرُ: أن يكونَ (أبواهُ) مرفوعين بيكون، و (هما) مبتدأٌ، خبرُهما (اللذان) بصلته.
وأما النصبُ فعلى أنْ يكونَ (أبواه) اسم: يكون، و (هُما) فصلاً، و (اللذين) خبرَ: يكون، فهذه ثلاثةُ أوجهٍ.
وقال رجلٌ من بني عبسٍ:

إذا ما المرءُ كانَ أبُوهُ عبسٌ... فحسبُكَ ما تريدُ إلى الكلامِ فهذا على الإضمارِ في: كان.
وقال الآخرُ: متى ما يُفدْ كسباً يكنْ كلُ كسبهِ... له طعمٌ من صدر يومٍ ومأكلُ فهذا على إعمال يكُنْ فيما بعده.
يتلوه-إن شاء اللهُ- في الجزءِ الذي يليهِ: وتقولٌ: كان زيدٌ أنْتَ خيرٌ مِنْهُ.

/74 الجزءُ الحادي والثلاثون من شرحِ كتاب سيبويهِ، إملاء أبي الحسنِ علي بنِ عيسى النحويِّ /74 ب بسم الله الرحمن الرحيم.
[وتقولُ]: كان زيدٌ أنتَ خيرٌ منه، فهذا على الاسمِ المبتدأ، ولا يجوزُ أنْ يكون-هاهنا- فَصْلاً؛ لأن الفصل دخوله كخروجهِ في المعنى إلا بمقدارِ الإيذانِ بمعتمدِ الفائدةِ التي تفصلُه من الصفةِ، وهذا لو سقطتْ فيه (أنْتَ)؛ لا نقلبَ المعنى.
وكذلك: كُنتَ يومئذٍ أنا خيرٌ منك، وكنتَ يومئذ هو خيرٌ منكَ، فجميعُ هذا لا يجوزُ إلا بالرفعِ.
وتقولُ: هذا عبدُ الله هو خيرٌ منك، وما شأن عبدِ اللهِ هو خيرٌ منك، ولا يجوز أن يكون (هو) غصلاً هاهنا؛ لأنها بعد تمامِ الكلامِ، والفصلُ يؤذِنُ بمُعتمدِ الفائدةِ قبل التمام، فهذا كالحالِ التي هي فضلةٌ في الكلامِ.

جارٍ التحميل