بابُ البدلِ بالضميرِ
الغرضُ فيه:
أن يُبين ما يجوزُ في البدلِ بالضميرِ مما لا يجوزُ.
مسائل هذا البابِ:
ما الذي يجوزُ في البدلِ بالضمير؟ وما الذي لا يجوزُ؟ ولِمَ؟.
وملِمَ لا يجوزُ أن يجتمعَ البدلُ بالضميرِ مع التأكيدِ والفصلِ؟ وهل ذلك للاستغناء عنه بما هو أولى منه؟.
ولِمَ جازَ: رأيته إياه نفسه، على أن (إياهُ) بدلٌ، و (نفسه) تأكيدٌ، ولَمْ يَجُزْ على أنهما جميعاً تأكيدٌ؟.
ولِمَ جازَ: ضربتُه إياهُ قائماً، على البدلِ، ولم يجزْ: أظنه هو خيراً منك،
على البدلِ، ولا على التأكيدِ؛ ولكن على الفصلِ؟.
وهل يجوزُ: ضربته هو قائماً، على التأكيد؟.
وهل يَفْصِلُ ذلك المظهر في قولك: رأيتُ زيداً هو خيراً منك؛ لأنه لا يؤكد المظهر بالمضمر، فهو فَصْلٌ لا تأكيدٌ؟.
وما تأويل: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾؟ [سبا: 6]
ولِمَ وجبَ أن (هُوَ) فيه فصلٌ، لا تأكيدُ، ولا بدلٌ؟.
ولِمَ قدرَ: رأيتهُ نَفسهُ، بقوله: رأيتُ الرجلَ زيداً نفسَه؟ وهل ذلك لِيُبينَ البدلَ من التأكيد؟.
ولِمَ لا يجوزُ: إنكَ أَنْتَ إياكَ خيرٌ منه، على أن أنتَ تأكيدٌ، وإياك بَدلٌ؟.
ولِمَ جازَ: إنك إياكَ خيرٌ منه؟
وهل يجوزُ: أظنه خيراً منه إياه، وإنك فيها إياكَ؟ ولِمَ جازَ؟.
ولِمَ لا يجوزُ: أظُنه هُوَ إياه خيراً منك، وجازَ بأحدهما؟.
ولِمَ لا يجوزُ: أظنه هو هو أخاك، على أنَّ أحدهما تأكيدٌ، والآخرَ فصلٌ؟ فَلِمَ صارا متعاقبينِ، يجزئ أحدهما من الآخَرِ؟.
الجوابُ:
ولِمَ يجوزُ: في البدلِ بالضميرِ إجراءُ المنصوبِ على المنصوبِ والمجرورِ؛ وذلك لأن البدلَ لابدَ من أن يكون تقديره أن يقعَ موقع الأولِ في مرتبتهِ من العاملِ وإلا خرج/70 ب عن حدِ البدلِ، وليس كذلك التأكيدُ؛ لأن العاملَ إنما يَصِلُ إليه بعد المؤكَدِ، لا محال'، منْ غَيرِ أنْ يكون له موقِعُ المؤكَدِ لا محالة، من غيرِ أن يكون له موقعُ المؤكدِ، فالعاملُ يَعْمَلُ فيه وهو في موضعهِ، فصلحَ منْ أجلِ هذا أنْ يُحمل على تأويل الوضعِ، وإنْ خالف اللفظَ؛ لأنَ له ما يُقومُه في مرتبتهِ على لُزومِ ذلك فيه، فَلَمْ يُخِلَ به أن يَقعَ موقع غيره؛ للزوم المقوم له، وليس كذلك البدلُ؛ ولهذا حُميَ منْ أنْ يجتمعَ التأكيدُ والبدلُ؛ لئلا يتداخلَ باختلاطِ أحدهما بالآخرِ، فلا يظهرُ معنى العلةِ الصحيحةِ التي تفْرقُ بينهما؛ للُطفهما، فإذا جٌعلا على التعاقبِ كان أبينَ في الفرقِ بين علةِ كُلِ واحدٍ منهما، ولو جمعا لأوهم ذلك أنهما على طريقةٍ واحدةٍ في التأكيدِ والتقديرِ؛ للإجراء على الأولِ، وليس الأمر كذلك.
وتقولُ: رأيتُه إياهُ نفسَهُ، فتأتي بقولك: إياهُ، على البدل، وتأتي بقولك:
نفسه، على التأكيد.
ولا يجوزُ: رأيته إياه هُوَ، على أن يكون (إياهُ) بدلاً، و (هو) تأكيداً على قياس هذا؛ للعلة التي بينا منْ أنه يجبُ أنْ يجريا على التعاقبِ؛ حتى تظهرَ علةُ كلِ واحد منهما مع لأُطفها؛ إذ التعاقبُ أشدُ اقتضاءً لذلك من الاجتماعِ، مع أنه يصلُحُ أن يُستغنَى بضميرٍ عن ضميرٍ بما لا يصلُحُ أنْ يُستغنى بضميرٍ عن ظاهرٍ، فقد بان أن ما جازَ من قولهم: رأيته إياه نفسَه، لا يوجبُ جواز: رأيتُه إياه هوَ، على البدل والتأكيد.
ولا يجوزُ في: رأيتُه إياهُ نفسه؛ أنْ يكونا جميعاً على التأكيدِ؛ لأنه يُجبُ اختلاط باب البدلِ ببابِ التأكيد في الضميرِ؛ إذ تأكيدِ الضميرِ المنصوب بعلامةِ المرفوعِ، والبدل منه بعلامة المنصوبِ، فلو كان تأكيداً لقيل: رأيته هوَ نَفسهُ، وكلُ ما أوجب تخليط الباب فهو فاسدٌ؛ لأن تخليط المعاني والعباراتِ الموضوعةِ للبيان عنها يُبطلُ إدراكها على حقيقتها، فواجبٌ أن تُميزَ العباراتُ كما واجبٌ أنْ تميزَ المعاني؛ لأن العبارة للبيان، والمعاني تُميز لصحةِ الإدراك، إلا أن منْ ذلك ما يدقُ ويجلُ، والدلائلُ عليه تُرتبه في مراتبهِ، وتمنع من التخليط فيه.
وتقولُ: ضربُته إياهُ قائماً، على البدلِ، وضربتُه هو قائماً، /71 ب على التأكيد، ولا يجوز في (هُوَ) أنْ يكون فصلاً هاهنا كما يكونُ فصلاً في: أظنُهُ هُوَ خيراً منك.
والفرق بين التأكيد والفصلِ يكونُ مع المظهرِ والمضمرِ، كقولك: أظنُ زيداً هو خيراً منك، ولا يكونُ التأكيدُ إلا مع المضمرِ؛ لما بينا قبل في أحكامِ الضمير من موافقتهِ في البيانِ عن المتكلمِ والمخاطب والغائبِ على تلك الطريقةِ، ومخالفته للمظهر في هذا، فلم يَصلُحْ أنْ يكون تأكيداً للمظهرِ؛ إذ التأكيدُ يجري مجرى التكريرِ في موافقةِ معنى الثاني للأول، وهذا دليلُ واضح على أنه لا يجوزُ أن يؤكد المظهرُ بالمضمر، وأن قولك: أظنُ زيداً هو خيراً منك، لا يصلُحُ إلا على الفصلِ، وقولك: أظنه هو خيراً منك، يصلُحُ على الفصْلِ والتأكيد.
وفي التنزيل: ولِمَ جاز: فهو في هذا فصلٌ، ولا يجوزُ أنْ يكون تأكيداً للمظهرِ على ما بينا قبلُ، ولا يكونُ -أيضاً- بدلاً؛ لأن ﴿الَّذِي أُنزِلَ﴾ في موضع نصبٍ، ولا تكون علامة المرفوعِ بدلاً من المنصوبِ.
وتقديرُ: رأيته إياهُ نفسه، تقديرُ: رأيت الرجلَ زيداً نفسه، في أن الأول بدلٌ، والثاني توكيدٌ.
ويجوزُ: إنك أنتَ خيرٌ منه، على التأكيدِ والفصلِ.
ويجوزُ: إنك أنت إياك خيرٌ منه، على الجميعِ بين التأكيد والبدلِ؛ لأن أحدهما يكفي من الآخرِ على طريقِ الاستغناءِ عن الشيء بما هو أولى منه؛ لِتَظْهرَ
عِلةُ كُلّ واحد منهما، ولا يكونُ بمنزلةِ تكرير المضمر.
ويجوزُ: أظنه خيراً منه إياه، على البدلِ، وإنك فيها إياك، على البدلِ، ولا يجوز أن يقعَ الفصلُ هذا الموقعِ.
ولا يجوزُ: أظنهُ هوَ إياهُ خيراً مِنْكَ، على الجمعِ بين الفصلِ والبدلِ، ولا أظنه هُوَ هُوَ أخالك، على الجمعِ بين الفصلِ والتأكيد؛ للاستغناءِ عنْ أحدهما بالآخرِ الذي هو أولى من الجمعِ الموهمِ للفساد، فأحد الضميرين يكفي من الآخرِ، فلا يجتمع الفصلُ والتأكيدُ، ولا البدلُ والتأكيدُ، ولا البدلُ والفصلُ، والعلةٌ في جميع ذلك واحدةٌ في أن أحدهما يكفي من الآخرِ، مع ما في الجمعِ منْ إيهامِ الفسادِ.
/71