شرح كتاب سيبويه للرمانيباب الاسم المعطوف الذي بمنزلة الموصول في الندبة والنداء

باب الاسم المعطوف الذي بمنزلة الموصول في الندبة والنداء

الغرض فيه: أن يبين ما يجوز في المعطوف الذي بمنزلة الموصول في النداء؟ وما الذي لا يجوز؟ ولم ذلك؟ ولم لا يجوز أن يجري مجرى غيره من المعطوف؟ وهل ذلك/ 197 ألأنه قد انعقد الثاني مع الأول انعقاد الاسم الواحد؟ وما حكم: ثلاثة وثلاثين، في الندابة؟ ولم جاز: واثلاثة وثلاثيناه؟ وهل ذلك لأنه معرفة بالإقبال عليهم بأعيانهم، وفيه معنى يتفجع عليهم لأجله بكثرة عددهم؟

وما حكمه في النداء من غير ندبة؟ ولم جاز: يا ثلاثة وثلاثين، ولم يجز مثل ذلك في: يا زيد وعمرو؟ وهل ذلك لأن ثلاثة وثلاثين بمنزلة اسم واحد لهذا العدد كقولك: ثلاثة عشر، وإنما منعت النون بقوتها أن يبني بناء: ثلاثة عشر، فيقال: ثلاثة ثلاثين، فهو على ذلك المعنى بمنزلة اسم واحد- وإن دخله حرف العطف- كما هو مقدر في: ثلاثة عشر؟ ولم جاز: يا زيد ويا عمرو، على نداءين، ولم يجز: يا ثلاثة ويا ثلاثون، على نداءين في ذلك لاختلافهم بما لا يتميز الثلاثة من الثلاثين منهم؟ وهل لو تميز [الثلاثة] بمكانهم من الثلاثين حتى يكون هؤلاء يمنة، وأولئك يسرة بفصل بينهم، قد تباعد كل واحدة من الجملتين عن الأخرى، لجاز: يا ثلاثة ويا ثلاثون أقبلوا.
وما حكمهم في: ثلاثة عشر، إذا انفصلوا هذا الانفصال؟ فهل يجوز: يا ثلاثة ويا عشر؟ ولم لا يجوز ذلك على معنى: ثلاثة عشر؟ وهل امتناعه لأنه قد استغنى عن الواو فيه كما يستغنى إذا قلت: يا ثلاثة ويا ثلاثون، عن الواو التي تدخل على (ثلاثين) بدخول الواو على حرف النداء، فإنما يجوز على أنه نودي ثلاثة

على حيالهم، ونودي عشرة على حيالهم، ويصلح أن يجمع هذا، فيقال: نودي ثلاثة عشر، كما يضرب ثلاثة في وقت، ويضرب عشرة في وقت، ثم يجمع ذلك، فيقال: ضرب ثلاثة عشر؟ ولم جاز: يا ثلاثة وثلاثين، بمنزلة: يا ضاربا رجلا، مع أن الأول عامل في الثاني، وليس كذلك: ثلاثة وثلاثون؟ وهل ذلك لأن العمل يعقد الثاني بالأول عقد الاسم الواحد، فكذلك كل ما عقد الثاني بالأول عقد الاسم الواحد، فعقد الواو (ثلاثة وثلاثين) بالأول عقد (خمسة عشر) وإن لم يعمل (خمسة) في (عشر)؟ ولم وجب: يا خيرا منك، بالنصب مع أنه معرفة؟ وهل يجوز: يا ضارب رجل، على أنه معرفة؟ ولم لا يجوز في: يا أخا رجل، أن يكون معرفة كما جاز في: يا ضارب رجل، أن يكون معرفة؟ وهل ذلك لأن هذه الإضافة حقيقية، وتلك لفظية على تقدير الانفصال؟.

الجواب: الذي تمتنع فيه الندبة المبهم، والنكرة؛ لأن المبهم ليس فيه معنى يعذر المتفجع لأجله، وأما النكرة/ 197 ب فلا يجوز لأنه لم يوجه التفجع بالمعنى إلى الشيء يعبنه الذي هو أهل أن يتفجع عليه، فيصير التفجع بمنزلة ما لم يكن، كما أن الذم للنكرة- وهو واحد من جملة الناس لم يوجه الذم إليه بعينه- لا يشين ذلك الذي هو مستحق له، ولا يعمه، ولا يصرف الوجوه عنه، ولا يحط من منزلته، فيصير على هذا الوجه بمنزلة ما لم يقع، فكذلك التفجع على ما هو نكرة لا يعرف، فقد بان علة كل واحد منهما.

وتجوز ندبة العلم، وإن لم يكن فيه ذكر ال المعنى الذي يعذر بالتفجع عليه، إلا أنه دليل على معنى صفته من حيث هو علم عليه، كما يدل الاسم العلم في: محمد بن عبد الله؛ أنه نبي، فعلى هذا جاز في العلم، ولم يجز في المبهم وإن كان معرفة، لأن التعريف بتعيين الشيء بعينه يحتمل أن يكون مما لا لتفت إليه، ولا يحسن التفجع عليه، ويحتمل أن يكون ممن هو على خلاف هذه الصفة؛ لأنه بمنزلة رؤية إنسان بعينه حتى قد عرف بمعرفة تخصه من غير أن يعلم ما يستحقه من الصفات التي هو عليها، فلا يصلح أن يتفجع عليه وهذه منزلته، كما لا يصلح أن يحمد أو يذم، ولا أن يعظم، ولا أن يحقر حتى تعرف منزلته، فلهذه العلة جاز أن يجتمع الإبهام مع التعريف، فيجوز: وازيداه، ولا يجوز: واهذاه؛ لما بينا من أن (هذا) مبهم، و (زيد) علم.
ولا يجوز: وارجلا ظريفا، وإن ذكر معنى يحسن أن يتفجع لأجله، لأنه نكرة يقع التفجع عليه موقع اللغو كما يقع الذم لرجل من الناس لا يعرف بعينه موقع اللغو الذي لا يلتفت إليه.
وإنما الندبة علامة لمصيبة في خطب عظيم، وأمر جسيم، فإذا لم تدل العلامة على هذا المعنى؛ خرجت عن هذا الحد.

ولا يجوز: وامن في الداراه؛ لأنه مبهم، ولكن يجوز: وامن حفر زمزماه؛ لأن هذا قد جل على أمر كبير يحسن أن يتفجع لأجله، وهو معروف بعينه.
ولو جاز: واهذاه، مع إبهامه؛ لجاز: وامن لا يعنيني أمرهوه؛ لأن التعريف بعينه يحتمل أن يكون ممن لا يعنيه أمرهن ويحتمل أن يكون ممن يعنيه أمره، فلا يحسن التفجع عليه؛ لاحتمال ذلك، كما لا يحسن التفجع عليه مع القطع على ذلك؛ لأنهما جميعا يقتضيان رفض التفجع على ما هذه منزلته.

الجواب عن الباب الذي يليه

: الذي يجوز في المعطوف الذي بمنزلة الموصول في النداء النصب، ولحاق علامة الندبة في الثاني؛ لأنه مع الأول بمنزلة اسم واحد/ 198 أوإن كان معطوفا عليه.
ولا يجوز ذلك في كل معطوف؛ لأنه إذا صلح تفصيل النداء له كما يصلح: يا زيد ويا عمرو؛ لم يكن الثاني مع الأول بمنزلة اسم واحد؛ فلم يجب فيه ما وجب في المعطوف الذي يصير الثاني فيه مع الأول بمنزلة اسم واحد للعدد، فتقول: يا ثلاثة وثلاثين أقبلوا، وتقول في الندبة: واثلاثة وثلاثيناهن ولا يجوز في (زيد وعمرو) مثل هذا؛ لما بينا، وصار (ثلاثة وثلاثون) بمنزلة (ثلاثة عشر) لأن الأصل فيه: ثلاثة وعشرة، حذفت الواو، وجعل الاسم الثاني مع الأول بمنزلة اسم واحد، وكذلك كان يجب في كل ما بين العقدين، كما وجب فيما بين العشرة والعشرين، فكان يجب فيما بين العشرين والثلاثين مثل ذلك، وما بين الثلاثين والأربعين على هذا القياس، إلا إنه منع من ذلك مانع من جهة اللفظ، وهو قوة النون بحركتها عن أن تحذف، كما تقوى فتمنع بقوتها أن تحذف مع الألف واللام،

فعدل لهذه العلة عن الاسم المركب من جهة حكم اللفظ، والمعنى فيه كالمعنى في (ثلاثة عشر) في أنه كله هدد يصلح أن يقع عليه الاسم الواحد) ويجوز: يا زيد ويا عمرو، على نداءين، ولا يجوز: يا ثلاثة ويا ثلاثون، على نداءين، إذا كانوا مختلطين، ولكن لو كان الثلاثة في جهة، والثلاثون في جهة أخرى منفصلة عن تلك الجهات؛ لجاز/ يا ثلاثة ويا ثلاثون أقبلوا؛ لأن هذا اسم مركب قد منع التركيب من أن يفصل بحرف النداء، أو بغيره، ولكن يجوز في (ثلاثة وعشرة) إذا كان أحد القسمين في جهة منفصلة عن الجهة التي فيها القسم الآخر؛ أن نقول: يا ثلاثة ويا عشرة أقبلوا

وثلاثة وثلاثون يتصل الثاني بالأول كاتصال: ضارب رجلا، وإن كان أحدهما عاملا في الثاني، والآخر ليس بعامل، فإنه بمنزلته في السبب الذي عقد الثاني بالأول حتى يصير بمنزلة اسم واحد، فأحدهما يعقده العمل، والآخر يعقده حرف العطف عقدا يخلطه به حتى يكون معه بمنزلة اسم واحد، كما يقال: هذا حلو حامض، فتعقده الصفة حتى يصير بمنزلة: هذا مز.
وتقول: يا خيراً من زيد، بالنصب؛ لأنه موصول بمعموله، كما تقول: يا ضاربا في الدار.
وتقول: يا ضارب رجل، على أنه معرفة، كما يتعرف: يا إنسان، ولا يجوز: يا أخا رجل، على أنه معرفة؛ لأن هذه إضافة حقيقية يتعرف الأول فيها بالثاني المعرفة، ويتنكر بالثاني النكرة، فيكتسي من الثاني تنكيره/ 198 ب كما يكتسي منه تعريفه، وليس كذلك الإضافة اللفظية؛ لأنها بمنزلة المنفصل في قولك: يا ضاربا رجلا.

جارٍ التحميل