شرح كتاب سيبويه للرمانيباب الفاء

الغرض فيه: أن يبين ما يجوز في الفاء مما لا يجوز.
مسائل هذا الباب: ما الذي يجوز في الفاء من الإعمال؟ وما الذي لا يجوز؟ ولم ذلك؟ ولم لا يجوز أن ينتصب الفعل بعدها في الواجب؟ وهل ذلك لأن غير الواجب مفرع على الواجب, فهو أحق بالتفريع الذي يقع فيها على تقدير إضمار: أن, لأنه يشعر بذلك الموقع الذي هو أحق به؟ ولم أجاز أن تخرج عن العطف إلى نصب الفعل بإضمار: أن؟ وهل ذلك للتصرف في وجوه العطف بعطف مفرد على مفرد, واسم على اسم, وفعل على فعل, وجملة على جملة, واسم مقدر على اسم مقدر وهو الذي يقع في هذا الباب؟ وما حكم: لا تأتيني فتحدثني؟ ولم جاز النصب فيه على وجهين: لا تأتيني محدثًا, ولا تأتيني فكيف تحدثني؟

ومن أين خرج العطف بالفاء إلى معنى الحال؟ وهل ذلك لأنه في الجواب معلق بسببه, كما هو في الحال معلق بالفعل الذي هو بمنزلة الوقت له, فإذا نفي / 110 أسببه, انتفى بانتفائه, كما أنه إذا نفي الفعل, نفي أن يكون هناك وقت وقع فيه, أو حال وقع فيها؟ وما الفرق بين المعنيين؟ وهل أحدهما على نفي الإتيان رأسًا, وليس كذلك الآخر, لأنه إنما ينفي إتيانًا وقع في حال حديث, أو إتيانًا هو سبب للحديث؟ ولم لا يجوز أن تظهر (أن) مع الفاء؟ وهل ذلك لأن المصدر الأول مدلول عليه غير مصرح به, فيجب أن يكون الثاني على قياسه؟ ولم جاز مع إضمار (أن) تضمن معانٍ لا تكون في التمثيل بإظهار: أن؟ وهل ذاك لأنها لما اختزلت تضمنت الفاء معنى الجواب, للصرف عن العطف إلى وجه آخر, ولولا ذلك لكان العطف أحق بها أن تجري على لفظ الفعل؟ وما نظير إضمار (أن) من غير أن يجوز إظهارها في: لا يكون, وأخواتها في باب الاستثناء؟ ولم لا يجوز: لم آتك فحديث, إذا التقدير عليه؟

وما الشاهد في قول الفرزدق: مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة... ولا ناعب إلا ببين غرابها؟ ولم استشهد على ما يجوز ويحسن في الكلام بما لا يجوز إلا في الضرورة؟ وهل ذلك لأنهما قد اجتمعا في الحمل على مقدر لم يذكر, وإن كان أحدهما أقوى من الآخر, ففيه بيان للحمل بالعطف على مقدر؟ وقول الفرزدق: وما زرت سلمى أن تكون حبيبة... إلى ولا دين بها أنا طالبه

فلم جاز: ولا دين؟ وقول زهير: بدا لي أني لست مدرك ما مضى... ولا سابق شيئًا إذا كان جائيًا؟ وما نظير انتصاب الفعل بعد الفاء على وجوه مختلفة من اليمين وغيرها؟ ولم قدر: ما تأتيني فتحدثني, على وجهين: ما تأتيني فكيف تحدثني, وما تأتيني أبدًا إلا لم تحدثني؟

ولم جاز رفع الفعل الثاني في: ما تأتيني فتحدثني؟ وما الفرق بينه /110 ب وبين النصب في المعنى؟ ولم لا يكون الأول سببًا للثاني في الرفع؟.
وما الشاهد في قوله جل وعز: ﴿لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾؟ وهل يجوز على معنى: لا يقضى عليهم بالموت فكيف يموتون؟ وما الفرق بينه وبين الرفع لو تكلم به؟ وهل النصب أدل على المعنى, لئلا يوهم: فهم يموتون؟ وما الشاهد في: ﴿هَذَا يَوْمُ لا يَنطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾؟ وهل هو على: ولا يؤذن لهم في النطق ولا يعتذرون, لأنه قد حيل بينهم وبين ذاك؟ ولم جاز: ما تأتيني فتحدثني, بالرفع على إيجاب الحديث؟ وما الشاهد في قول بعض الحارثيين: غير أنا لم تأتنا بيقين... فنرجي ونُكثر التأميلا؟

وما حكم: ما أتيتنا فتحدثنا؟ ولم جاز بالنصب والرفع على: أنت تحدثنا الساعة, وجاز الرفع على النفي؟ ولم اختير النصب, إذا لم يقل: ما أتيتنا فحدثتنا؟ ولم لا يجوز في: ما أنت منا فتنصرنا, إلا النصب, أو الرفع على الاستئناف؟ وما حكم: ما تأتينا فتكلم إلا بالجميل؟ ولم فسره على: إنك لم تأتنا إلا تكلمت بالجميل؟ ولم جاز بالرفع؟ وما الشاهد في قول الفرزدق: وما قام منا قائم في ندينا... فينطق إلا بالتي هي أعرف؟ ولم خرج إلى إيجاب النطق بالتي هي أعرف؟ وما حكم: لا تأتينا فتحدثنا إلا ازددنا فيك رغبة؟ ولم فسره على: ما تأتيني

محدثًا إلا ازددت فيك رغبة؟.
وما الشاهد في قول اللعين: وما حل سعدي غريبًا ببلدة... فينسب إلا الزبرقان له أب؟ وهل هذا على إيجاب أن ينسب الزبرقان إلى أنه أب للغريب؟ وما حكم: لا يسعني شيء فيعجز [عنك]؟ وما الفرق بين الفاء فيه وبين الواو؟ /111 أولم لا يجوز عطفه على الأول؟.
وما حكم: ما أنت منا فتحدثنا؟ ولم لا يجوز الرفع على نفي الحديث؟.
وما الشاهد في قول الفرزدق: وما أنت من قيس فتنبح دونها... ولا من تميم في اللها والغلاصم؟

ولم جاز فيه الرفع على: فنرجي ونكثر التأميلا.
ولم يجز على النفي؟ وما حكم: ألا ماء فأشربه, وليته عندنا فيحدثنا؟ وما الشاهد في قول أمية بن أبي الصلت: ألا رسول لنا منا فيخبرنا... ما بعد غايتنا من رأس مجرانا؟ ولم لا يجوز إلا بالنصب؟

الجواب: الذي يجوز في الفاء من الإعمال نصب الفعل بعدها في الجواب على إضمار: أن.
ولا يجوز ذلك في الواجب, لأنه ضرب من تفريع العطف بعطف مقدر على مقدر يؤذن به غير الواجب بمشاكلته له بمعنى الفرع.
ويدل على معنى الفرع فيه مصاحبة الحرف له كحرف النفي وحرف الاستفهام ونحو ذلك من الحروف التي تكون في غير الواجب.
فالنصب في الفاء على الجواب لستة أشياء: الأمر, والنهي, والاستخبار, والعرض, والتمني, والنفي.
وتقول: ما تأتيني فتحدثني, بالنصب على وجهين: أحدهما: ما تأتيني فكيف تحدثني, وذلك أنك إذا نفيت سبب الحديث, امتنع وجود الحديث.
والوجه الآخر: ما تأتيني محدثًا, وإن شئت قدرته: ما تأتيني إلا لم تحدثني, كأنك قلت: ما يكون إتيان هو سبب للحديث, وإن كان قد يكون منك إتيان كثير.

وإنما توجه على هذا التأويل من أجل أن النصب يكون على معنى الجواب الذي الأول فيه سبب للثاني, فالنصب على وجهين.
ويجوز الرفع فيه على وجهين: أحدهما: نفي الحديث والإتيان جميعًا كما ينتفيان بالواو إذا قلت: ما تأتيني وما تحدثني.
والوجه الثاني: على إيجاب /111 ب الحديث, كأنك قلت: ما يكون منك إتيان في المستأنف فأنت تحدثني الآن.
فالنصب على وجهين, والرفع على وجهين.
ولا يجوز أن تظهر (أن) مع الفاء, لأنه محمول على مصدر مدلول عليه لم يصرح بذكره, فكذلك يجب أن لا يصرح بذكر: أن, ليشاكل بالثاني الأول, ويؤذن ذلك بأنه محمول على مدلول عليه لم يذكر, وكذلك لا يصرح بذكر المصدر, لا يجوز: ما تأتيني فحديث.
ويصلح مع إضمار (أن) تضمن معانٍ لا تكون فيها لو ظهرت, لأن

الصرف عن العطف يؤذن بالحمل على التأويل, ويطرق تضمين المعاني من جهة الجواب الذي يكون الأول فيه سببًا للثاني, وما يوجبه تقدير السبب من أنه إذا انتفى: انتفى المسبب, لا محالة, ومن أنه إذا انتفى أن يكون الفعل سببًا لشيء مع وجوده, لم يكن ذلك الشيء.
ونظير إضمار (أن) التي لا يجوز إظهارها الإضمار في: لا يكون وأخواتها في الاستثناء, فهي في هذا على ذلك القياس.
وقال الفرزدق: مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة... ولا ناعب إلا ببين غرابها فحمل الثاني بالعطف على مقدر لم يذكر, فهذا (على قياس حمل الثاني) بالعطف في الفاء على مقدر لم يذكر, وإن كان أحدهما قويًا يجوز في الكلام, لأن دلالة الفعل على المصدر أقوى من دلالة (ليس) على الباء في الخبر, فلهذه العلة لم يجز إلا في الضرورة, وجاز بالفاء في الكلام, فالقياس إنما هو الحكم اللطيف الذي يفهم من أحد الشيئين فيه الآخر, وإن اختلفت العلل, وعلى ذلك أنشد الأبيات الأخر.
وفي التنزيل: ﴿لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾, فهذا نصب على جواب النفي, كأنه قيل: لا يقضى عليهم بالموت فيموتوا, لأن من تدبير الله جل

وعز, فيما يكون من /112 أحوادث الأمور أن يقدم القضاء به, فصار على معنى: لا يقضى عليهم بالموت فكيف يموتون, ولا يصح الوجه الآخر من جهة المعنى.
ولو رفع: فيموتون, لاحتمل في التأويل: فهم يموتون, وهو خطأ في المعنى, فالنصب أبعد من الغلط في التأويل.
وفي التنزيل: ﴿هَذَا يَوْمُ لا يَنطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾, فهذا بالرفع عطفًا على الفعل المرفوع, وليس فيه إبهام يقتضي الغلط في التأويل.
وقال بعض الحارثيين: غير أنا لم تأتنا بيقين... فنرجي ونكثر التأميلا فهذا على الإيجاب, كأنه قال: فنحن نرجي.
وتقول: ما أتيتنا فتحدثنا, فيحسن فيه النصب والرفع على: فأنت تحدثنا الآن, ويضعف فيه الرفع على نفي الفعل, لأن الذي قبله ماضٍ, ولكنه يجوز لأنه

عطف فعل على فعل, ولو كان اسمًا لم يجز, كقولك: ما أنت منا فتنصرنا, لا يجوز بالرفع على النفي.
وتقول: ما تأتينا فتكلم إلا بالجميل, فهذا على إيجاب التكلم بالجميل, لإدخال (إلا) بعد حرف النفي.
ومثله قول الفرزدق: وما قام منا قائم في ندينا... فينطق إلا بالتي هي أعرف وتقول: لا تأتينا فتحدثنا إلا ازددنا فيك رغبة, ولا يصلح على الوجه الآخر من أجل: إلا.
وقال اللعين: وما حل سعدي غريبًا ببلدة... فينسب إلا الزبرقان له أب فهذا على وجهين: أحدهما: أنه إذا حل الغريب ببلدة انتسب إلى الزبرقان لشرفه.
والوجه الآخر: إذا حل غريبًا, كان الزبرقان له أبا, لحنوه عليه, فهذا على المبالغة في تعطف الزبرقان عليه في [كل] بلدة.

وتقول: لا يسعني شيء فيعجز عنك, فهذا على: لا يسعني شيء عاجزًا عنك, ولا يصلح الوجه الآخر, ولا الرفع / 112 ب, لأنه لا يصح في المعنى, إذ هو في المعنى: لا يسعني شيء أصلًا, ولا يعجز عنك شيء.
وقال الفرزدق: وما أنت من قيس فتنبح دونها... ولا من تميم في اللها والغلاصم فهذا بالنصب على جواب النفي, ولا يجوز الرفع على نفي الفعل, ولكن على قوله: ... فنرجي ونكثر التأميلا وتقول: ألا ماء فأشربه, وليته عندنا فيحدثنا, فهذا على جواب التمني.
وقال أمية بن أبي الصلت: ألا رسول لنا منا فيخبرنا... ما بعد غايتنا من رأس مجرانا فهذا لا يجوز فيه إلا النصب, لأن الذي قبله اسم, فيحمل على المصدر بإضمار: أن, ولا يصلح فيه الرفع على الإيجاب, لأنه داخل في التمني.

[تمام] باب الفاء

: مسائل: ما حكم: ألا تقع الماء فتسبح؟ ولم جاز: فتسبح بالرفع والنصب؟ وما الفرق بينهما في المعنى؟ وهل ذلك على أن أحدهما الفعل الأول فيه سبب فيه الثاني, وليس كذلك الآخر؟ وما حكم: ألم تأتنا فتحدثنا؟ ولم جاز بالنصب والجزم؟ وما الفرق بينهما في المعنى؟ ولم جاز النصب مع أن الأول على معنى الإيجاب, إذ النفي الذي يدخل عليه حرف الاستفهام يخرج إلى الإيجاب؟ وهل ذلك لأن الكلام جرى على مجرى اللفظ من الاستفهام, لأنه يرتفع على أصل الإيجاب, كأنه قال: ألم يكن إتيان هو سبب للحديث؟ وما الشاهد في قول الشاعر:

ألم تسأل فتخبرك الرسوم... على فرتاج والطلل القديم وما حكم: لا تمددها فتشقها, بالنصب والجزم؟ وما الفرق بينهما في المعنى؟ وهل ذلك على أن الثاني في الجزم نهي عن الشق, وليس هو في الأول نهيًا عن الشق؟ وما الشاهد في: ﴿لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾؟.
ولم ظهر /113 أالتضعيف في الجزم في قولك: لا تمددها فتشققها؟ وما حكم: ائتني فأحدثك؟ ولم جاز بالنصب والرفع, ولم يجز بالجزم؟ وما الشاهد في قول أبي النجم:

يا ناق سيري عنقًا فسيحًا... إلى سليمان فنستريحا؟ ولم لا يجوز في الفعل المضارع السكون بوقوعه موقع: افعل؟ وهل ذلك لأن المعرب لا يكون إلا بعامل, كقولك: ائته فليحدثك؟ وهل يلزم من قال: ائتني فأحدثك, بالجزم أن يقول: تحدثني, في معنى الأمر؟ وما حكم: ألست قد أتيتنا فتحدثنا؟ ولم جاز بالنصب والرفع؟ وما الفرق بينهما؟ وما حكم: كأنك لم تأتنا فتحدثنا؟ ولم جاز بالنصب والجزم؟ ولم جاز النصب مع أن الأول ليس بنفي, وإنما هو على التشبيه بحال النفي؟ وما الشاهد في قول رجل مني بني دارم:

كأنك لم تذبح لأهلك نعجة... فيصبح ملقى بالفناء إهابها؟ وما حكم: ود لو تأتيه فتحدثه؟, ولم جاز بالنصب والرفع؟ وما الفرق بينهما؟ ولم جاز في: ود, وليس بحرف تمن؟ وما الشاهد في: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُوا﴾.
وما حكم: حسبته شتمني فأثب عليه؟ ولم جاز بالنصب في: حسبته, وهو واجب؟ وهل ذلك لأنه تضمن معنى النفي في هذا الموضع كما يقول القائل: حسبته شتمني وما شتمني, فيحذف بدلالة الحال التي تقتضي سلامته؟ وما الشاهد في قول النابغة البياني:

ولا زال قبر بين تبنى وجاسم... عليه من الوسمي جود ووابل فينبت حواذنا وعوفا منورًا... سأتبعه من خير ما قال قائل ولم جاز في مثله النصب؟ وهل ذلك لأن الدعاء يجري مجرى الأمر والنهي في أنه غير واجب؟ ولم صار الرفع أبلغ؟ وما الشاهد في قول الشاعر: ألم تسأل الربع القواء فينطق... وهل تخبرنك اليوم بيداء سملق

/113 ب ولم رفع: ينطق؟ وهل ذلك لأنه جعله مما ينطق على كل حال بالعلامات التي فيها والآثار؟ وما الشاهد في قول الأعشى: لقد كان في حول ثواء ثويته... تقضى لبانات ويسأم سائم؟ ولم لا يجوز إلا بالرفع إذا قال: تقضى, ويجوز بالنصب إذا قال: تقضي؟ ولم لا يجوز إضمار (أن) بعد الفاء في الواجب؟ وهل ذلك لأن الواجب أصل اقتضى أن تجري الفاء فيه على أصل العطف, وغير الواجب فرع اقتضى أن تجري الفاء على فرع العطف بالحمل على تأويل المصدر من غير تصريح به في اللفظ؟ وهل ذلك لأن غير الواجب أحق بالجواب لتعليق المعنى فيه من غير قطع بكونه كما يعلق في الجزء الثاني بالأول من غير قطع بأنه يكون؟

وما حكم: إنه عندنا فيحدثنا؟ ولم جاز العطف بالفاء من غير الفعل في الأول؟ وهل ذلك لأنه محمول على المعنى, كأنه قيل: إنه يكون عندنا فيحدثنا, ويجوز في الرفع وجه آخر على: فهو يحدثنا, بعطف جملة على جملة؟ وما حكم: سوف آتيه فأحدثه؟ ولم لا يجوز إلا بالرفع؟ وهلا جاز على تقدير: سوف يكون إتيان فأحدثه؟ وهل ذلك لأنه لا طريق إلى تعليق الحديث إلا أن يكون الأول معلقًا, فيشركه الثاني في التعليق, حتى تجري الأشياء على أصولها, أو مقتضى أصولها؟ وما الشاهد في قوله جل وعز: ﴿فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ﴾؟ وما الفرق بين الرفع والنصب لو قيل: فيتعلموا؟ وهل الرفع منقطع عن الأول, على معنى: فهم يأبون فيتعلمون, من غير أن يكون الكفر سببًا للتعلم؟ وما الشاهد في قوله جل وعز: ﴿فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ﴾؟ وما الفرق بين الرفع والنصب لو قيل: فيتعلموا؟ وهل الرفع منقطع عن الأول, على معنى: فهم يأبون فيتعلمون, من غير أن يكون الكفر سببًا للتعلم؟ وما الشاهد في: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾؟ ولم لا يجوز بالنصب على جواب: كن؟ وهل ذلك لأنه ليس هناك ثان يجب بأول, وإنما هو على أن يكون بعد قوله:

كن؟ ولم جاز النصب في الواجب في الشعر؟ وما الشاهد في قول الشاعر: سأترك منزلي لبني تميم... وألحق بالحجاز فأستريحا /114 أوقال الأعشى: ثمت لا تجزونني عند ذاكم... ولكن سيجزيني الإله فيعقبا

وقول طرفة: لنا هضبة لا ينزل الذل وسطها... ويأوي إليها المستجير فيعصما؟ وما الشاهد في قوله جل وعز: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾؟ ولم جاز بالرفع في: فتصبح؟ وهل ذلك لأن الأول واجب, كأنه قيل: أتسمع أنزل الله من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة؟ وهل يلزم من أن الفاء والواو وأو ينصبن أن تدخل عليها الفاء والواو للعطف كما تدخل على واو القسم واو العطف؟

الجواب: وتقول: ألا تقع الماء فتسبح, فيجوز فيه وجهان: الرفع بالعطف على الفعل, كأنه قيل: ألا تقع الماء ألا تسبح, ويجوز النصب على الجواب الذي يكون الأول فيه سببًا للثاني على: إنك إن وقعت سبحت لا محالة.
وتقول: ألم تأتنا فتحدثنا, فيجوز بالنصب على الجواب, وبالجزم عطفًا على المجزوم, كأنك قلت: ألم تأتنا ألم تحدثنا, وتقدير النصب: ألم تأتنا إتيانًا يوجب الحديث, وإنما جاز الجواب مع خروج الكلام إلى الإيجاب, لأنه على طريقة المعلق في اللفظ من قوله: ألم تأتنا, فجرى الثاني على التعليق بالفاء, لأن الأصل في العطف أن يجمع الثاني والأول في معنى, فاجتمعا هاهنا في معنى التعليق في مخرج الكلام, والإيجاب في حقيقته.
وقال الشاعر: ألم تسأل فتخبرك الرسوم... على فرتاج والطلل القديم فهذا اشهد في: ألم تأتنا فتحدثنا, بالنصب على ما بينا.
وتقول: لا تمددها فتشقها, فيجوز فيه وجهان: النصب على الجواب, والجزم على العطف ومعنى النهي, فتقول: لا تمددها فتشققها, بإظهار التضعيف,

لسكون الثاني على مذهب أهل الحجاز.
/114 ب وفي التنزيل: ﴿لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾, فهذا على الجواب, ولا يجوز بالعطف على معنى النهي في الحقيقة, لأن السحت بالعذاب من فعل الله عز وجل, ولا ينهون هم عنه.
وتقول: ائتني فأحدثك, فيجوز بالنصب على الجواب, والرفع على: فأنا أحدثك.
وقال أبو النجم: يا ناق سيري عنقًا فسيحًا... إلى سليمان فنستريحا فهذا جواب الأمر, وهو شاهد فيه.
وتقول: ائته فليحدثك, ولا يجوز: ائته فيحدثك, بالجزم من أجل أن المضارع معرب, وكل معرب فلابد له من عامل.
وتقول: ألست قد أتيتنا فتحدثنا, فيجوز بالنصب على الجواب, وبالرفع على: فأنت تحدثنا على الإيجاب.

وتقول: كأنك لم تأتنا [فتحدثنا, فيجوز بالنصب على الجواب, وبالجزم على: كأنك لم تأتنا], كأنك لم تحدثنا, فهذا جائز فيه الجواب, وإن لم يكن الأول منفيًا, وإنما هو مشبه بحال النفي, لأنه قد خرج مخرج النفي.
وقال رجل من بني دارم: كأنك لم تذبح لأهلك نعجة... فيصبح ملقى بالفناء إهابها فهذا شاهد على الجواب لحال التشبيه بالنفي.
وتقول: ود لو تأتيه فتحدثه, فيجوز بالنصب على جواب (لو), إذ كانت للتمني في هذا الموضع, ويجوز فيه الرفع بالعطف على: تأتيه.
وفي التنزيل: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ بالرفع عطفا على ﴿تُدْهِنُ﴾, وفي بعض المصاحف ﴿فيدهنوا﴾ على الجواب للتمني بلو.
وتقول: حسبته شتمني فأثب عليه, بالنصب على الجواب لما تضمن حسبته من معنى النفي, إذ المعنى: حسبته شتمني وما شتمني فأثب عليه, ويجوز فيه الرفع على: فأنا أثب عليه.
وقال النابغة الذبياني:

ولا زال قبر بين تبنى وجاسم... عليه من الوسمي جود ووابل فينبت حوذانًا وعوفا منورًا... سأتبعه من خير ما قال قائل /115 أفهذا رفع على: فهو ينبت حوذانا, ولو نصب على جواب الدعاء لجاز, ولكن الرفع أحسن لأنه على التفاؤل بوقوع ذلك لا محالة, ولأنه لما دعا الله عز وجل وثق بالإجابة, فأخرج الكلام مخرج الإيجاب, فلهذا كان الرفع أحسن.
وقال الشاعر: ألم تسأل الربع القواء فينطق... وهل تخبرنك اليوم بيداء سملق فهذا رفع بمعنى: إنه ينطق على كل حال بما فيه من العلامات والآثار.
وقال الأعشى: لقد كان في حول ثواء ثويته... تقضى لبانات ويسأم سائم فهذا لا يجوز فيه إلا الرفع مع: تقضى, لأنه فعل واجب, ولكن من رواه: تقضي لبانات... جاز على هذا: ويسأم سائم.

ولا يجوز إضمار (أن) بعد الفاء في الواجب, لأن الواجب أصل, والعطف على صريح اللفظ أصل, فاقتضى أن يجري أصل العطف على الأصل في اللفظ.
وأما غير الواجب فهو فرع عليه, لأنه إنما يكون بالزيادات للمعاني فهو فرع, والعطف على مضمن المصدر فرع, فاقتضى فرع العطف أن يجري على فرع اللفظ, وهو غير الواجب.
وفيه علة أخرى, وهي أن غير الواجب أحق بالتعليق, لأن الأول معلق لم يدل على أنه واقع, والثاني معلق كالتعليق الأول, وحرف العطف أشرك بينهما في التعليق, ليس كذلك الواجب, لأنه قطع بأنه كائن.
وتقول: إنه عندنا فيحدثنا, بالرفع لا غير, فيصلح فيه: فهو يحدثنا, بعطف جملة على جملة, ويصلح على معنى: إنه يكون عندنا فيحدثنا, أو إنه يستقر عندنا فيحدثنا, فيكون عطفا على خبر (إن) في هذا الوجه.
وتقول: سوف آتيه فأحدثه, بالرفع لا غير, لأن الأول قطع بأن الإتيان كائن, والثاني محمول على الأول /115 ب على جهة أنه قطع بأنه كائن, ولا يجوز أن يكون الثاني معلقًا, والأول قطع بأنه كائن.
وفي التنزيل: ﴿فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ﴾ بالرفع على قطع الثاني عن الأول, كأنه قيل بعد أمر الملك بإخبار الله: يأبون فيتعلمون, وليس على معنى النهي عن

كفر يكون سببًا للتعلم.
وفي التنزيل: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ على الرفع, ولا يجوز على الجواب, لأنه فعل واحد أمر به, وأخبر بأنه يكون, والجواب في هذا لا يصح, لأنه لا يكون إلا من فعلين أحدهما سبب للآخر, والذي ذكر فعل واحد, وهو نظير قولك: تعلم فتتعلم الخير, فهو فعل واحد أمر به, وأخبر بأنه يكون.
ويجوز النصب في الواجب لضرورة الشاعرة, كما قال: سأترك منزلي لبني تميم... وألحق بالحجاز فأستريحا وقال الأعشى: ثمت لا تجزونني عند ذاكم... ولكن سيجزيني الإله فيعقبا وقال طرفة:

لنا هضبة لا ينزل الذل وسطها... ويأوي إليها المستجير فيعصما وتقول: لا تأتنا فنشتمك, بالرفع على: فنحن نشتمك على كل حال.
وتقول: ما أتيتني فأحدثك فيما أستقبل, بالرفع على جهة العدة, أي: فأنا أحدثك وأكرمك فيما أستقبل.
وفي التنزيل: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ بالرفع على المعنى, لأن الأول واجب في المعنى, وإنما نبه على ما هو كائن من إنزال الله جل وعز الماء من السماء.
ويلزم من زعم أن الفاء تنصب إدخال فاء العطف عليها, لأنه بمنزلة: والله لأفعلن, والله لأفعلن.

جارٍ التحميل