شرح كتاب سيبويه للرمانيباب الجاري على طريقة النداء من غير أن يكون منادي

باب الجاري على طريقة النداء من غير أن يكون منادي

الغرض فيه: أن يبين ما يجوز في الجاري على طريقة النداء؟ وما الذي لا يجوز؟ ولم ذلك؟ ولم لا يجوز أن تدخل فيه (يا)؟ وهل ذلك لأنه ليس بنداء، وإنما هو على معنى الاختصاص، كاختصاص المنادي بمعنى النداء؟ وما نظيره من التسوية التي تجري على طريقة الاستفهام في: ما أدري أفعل أم لم يفعل؟ وما حكم قولهم: أما أنا فأفعل كذا وكذا أيها الرجل، ونحن نفعل كذا وكذا

أيها القوم؟ وهل (الرجل)، و (القوم) في هذا على معنى المخاطب، أم على معنى المتكلم.؟ ولم وجب أن يكون على معنى المتكلم الذي يختص نفسه بذلك الأمر؟.
وما دليله من قول العرب: اللهم اغفر لما أيتها العصابة؟ وما حكم قولهم: على المضارب الوضعية أيها البائع؟ وهل (البائع) في نفس المتكلم؟ ولم جاز هذا الاختصاص مع دلالة (أنا) و (نحن) عليه؟ وهل ذلك لما فيه من البيان أنه يلزمه بأنه بائع، وقد يجيء على التأكيد توطئة لهذا البيان في قولك: أنا أفعل كذا وكذا أيها الرجل؟ وما نظيره من قولهم للذي هو مقبل عليهم: كان الأمر كذا يا أبا فلان؟ ولم جاز أن يجري على طريقة النداء في: اللهم اغفر لنا أيتها العصابة، /199 ب، ولم يجز أن يجري على حرف النداء في: يا أيتها العصابة؟ وهل ذلك لأنه لم يستوف معنى النداء؟ إذ هو على الاختصاص، وطلب الإجابة، وإنما هذا الباب على الاختصاص فقط؟

الجواب عن باب حروف النداء؟

الذي يجوز فيه إجراء الحروف التي ينادي بها على أربعة أوجه: حرف للبعيد، وحرف للقريب، وحرف للوسط بين القريب والبعيد، وحرف للجميع؛ ليكون أم حروف النداء ولا يجوز أن يستعمل الحرف الذي هو للقريب في موضع البعيد؛ لأنه ليس فيه شيء من حروف المد واللين.
وحروف النداء خمسة: أيا، وهيا، وأي، والألف ويا، فـ (أيا) و (هيا) للبعيد؛ لأنه قد مكن حرف المد فيه بالألف، والياء، وهما حرفا المد، وإنما (هيا) على بدل الهاء من الهمزة؛ للمناسبة التي بينهما بمخرج الحرف.
فأما (أي) فللوسط بين القريب والبعيد؛ لأن فيه حرف مد لم يمكن تمكين (أيا) إذ ليس ما قبله [منه، وهو حرف واحد، وهي الياء.

وأما النداء الذي للقريب؛ فالألف، كقولك: أزيد أقبل] كما قال ذو الرمة: (أداراً بحزوي هجت للعين عبرة.. فماء الهوى يرفض أو يترقرق) فهذا دليل على أنه منها قريب، وإنما وقف عليها، فقال هذا القول.
وأما (يا) فهي للجميع؛ لأن فيها حرفي المد على أتم حال، مع إيجاز لفظه، فهو أحق بأن يكون أما؛ لتمكنه مع خفته.

ويجوز أن تستعمل الأحرف التي للبعيد والوسط بينهما في موضع القريب على أحد وجهين.
إما على تنزيل المنادي منزلة الغافل عنك بضرب مما يشغله، فيحتاج إلى ذلك فيه.
وإما للتوكيد الذي يدل على شدة مبالغتك في أنك مناد له بخطابك إياه دون غيره.
إلا أن الأغلب هو ما بدأنا به قبل.
ولا يجوز في الألف أن تكون للبعيد؛ لأنه ليس فيها مد.
ويجوز حذف حرف النداء مع الاسم العلم؛ لأن البيان الذي فيه بكونه علماً، مع الإقبال عليه قد يستغنى به عن حرف النداء، كقولهم: (حاربن كعب... )

وفي التنزيل: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾، وفيه: ﴿رَبَّنَا وَآَتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾، و ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾.
ولا يجوز حذف حرف النداء من النكرة ولا المبهم، لأنه قد حذف منه (أيها)؛ إذ الأصل: يا أيها الرجل، ويا أيهذا، فلم يجمع عليه حذف حرف النداء، وحذف الوصلة إلى ندائه؛ لئلا يخل به.
/200 أويجوز: من لا يزال محسناً افعل كذا وكذا؛ لأنه ليس مما حذف معه (أيها)، فيصلح حذف النداء؛ لأنه لا يخل به.
وقال العجاج: (جاري لا تستنكري عذيري)

فحذف (يا) مع النكرة للضرورة على تشبيهه بالمعرفة التي تحذف معه (يا).
وقيل في مثل: افتد مخنوق، وأصبح ليل، و: أطرق كرا.... وهو قليل نادر، وإنما جاز للإيذان بقوة النداء على التغيير، مع أن المثل نادر، فشوكل به النادر في حذف حرف الندار.
ولا يجوز في المستغاث به إلا (يا)؛ لأنها أم حروف النداء؛ تدخل في سائر وجوهه من أصله وفرعه، فأصله النداء المجرد، وفرعه نداء المستغاث به، ونداء

المندوب.
ولا يجوز حذفها من المستغاث به؛ لأنه أحق بمد الصوت للاجتهاد في الاستغاثة، مع أنه يطلب الإجابة، وكشف البلية، فهو موضع تحقيق، وتوكيد.
وكذلك التعجب يلزمه (يا)؛ لأنه قد دخله مع النداء معنى التعجب؛ فلم يصلح فيه الحذف؛ لأنه لما زاد المعنى؛ اقتضى زيادة اللفظ، أو تمامه.
ولا يجوز حذف (يا)، أو (وا) من الندبة؛ لأنها موضع اجتهاد في مد الصوت للبيان عن عظيم ما نزل من المصيبة، ومع ذلك أن الندبة موضع ترنم على طريق التحزن، فلا يصلح فيها الحذف.

الجواب عن باب الجاري على طريق النداء من غير أن يكون منادي

: الذي يجوز فيه إجراؤه على طريق النداء في (أيها) ونصب المضاف.
ولا يجوز إدخال حرف النداء عليه؛ لأنه ليس بمنادي، وإنما هو مشبه للمنادي في الاختصاص الذي يدل عليه الكلام دلالة التضمن من غير إفصاح بذكر الاختصاص، فوجب له ما يدل على هذا الاختصاص، ولم يجب له حرف النداء؛ لأنه ليس بمنادي.
ونظير ذلك إجراء الكلام على طريق الاستفهام من غير استفهام للتسوية التي يكون عليها الاستفهام، كقولك: قد علمت أزيد في الدار أم عمرو، وما أدري أفعل

أم لم يفعل، إلا أن هذا أتى بصيغة الاستفهام على التمام، والمختص أتي بطريقة النداء من غير تمام؛ لأنه فيه ما يدل على الطريقة من غير حرف النداء، وليس /200 ب كذلك الاستفهام.
وتقول: أما أنا فأفعل كذا وكذا أيها الرجل، فأيها الرجل هو المتكلم لا المخاطب، على جهة اختصاصه بالفعل الذي ذكر له؛ تحقيقا لذلك وتوكيدا، ودليله: اللهم اغفر لنا أيتها العصابة.
يتلوه- إن شاء الله تعالى- وتقول: نحن نفعل كذا وكذا أيها القوم.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله، وصحبه، وأتباعه أجمعين، وسلم تسليما كثيراً، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

/201 أالجزء الخامس والعشرون من شرح كتاب سيبويه.
إملاء أبي الحسن علي بن عيسى النحوي.
رحمة الله عليه.
/201 ب بسم الله الرحمن الرحيم، رب يسر ولا تعسر.
وتقول: نحن نفعل كذا وكذا أيها القوم، وعلى المضارب الوضيعة أيها البائع، فالبائع هو المتكلم.
وإنما جاز ذلك- مع قوله: أنا- على طريق التوكيد؛ لئلا يتوهم أنه يدخل معه في خبره غيره ممن يتبعه، ويوافقه على رأيه، فحقق الاختصاص بهذا الأمر.
ونظيره قولك لمن هو مقبل عليك، قريب منك، منصت لك: يا أبا فلان، فهذا تحقيق لتوجيه الخطاب إليه؛ لئلا يتوهم أنه يدخل في الخطاب غيره ممن حضر،

أو قد كان يجوز أن يوجه الكلام إليه، فيجوز: اللهم اغفر لنا أيتها العصابة، ولا يجوز: اللهم اغفر لنا [يا] أيتها العصابة؛ لأنها ليست بمناداة، وإنما هي مختصة بالمعنى الذي ذكر من طلب المغفرة له.

جارٍ التحميل