باب عوامل الجزم
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن مالك
- الكتاب
- شرح تسهيل الفوائد
- المؤلف
- محمد بن عبد الله، ابن مالك الطائي الجياني، أبو عبد الله، جمال الدين (المتوفى: 672هـ)
- المحقق
- د. عبد الرحمن السيد، د. محمد بدوي المختون
- الناشر
- هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى (1410هـ - 1990م)
- عدد الأجزاء
- 4 أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وحكى الشجري أن بعضهم يرى الجزم بها لغة، والمعروف أنه لا يجزم بها إلا في الضرورة، كقوله:
تامَتْ فؤادَك لو يَحزُنْك ما صنعت... إحدى نساءِ بني ذُهل بن شيبانا
وقول الآخر:
لو يشا طار به ذو مَيْعةٍ... لاحقُ الآطالِ نَهدٌ ذو خُصَل
وذهب الشيخ رحمه الله في شرح الكافية إلى منع الجزم بلو في السعة والضرورة، وقال عن تسكين النون من: يحزنْك: فهذا من تسكين ضمة الإعراب تخفيفا، كما قرأ أبو عمرو: (ينصرْكم) و: (يأمرْكم) و: (يشعرْكم) وكما قرأ بعض السلف: (ورُسُلْنا لديهم يكتبون) بتسكين اللام.
وعن تسكين الهمزة من: "لو يشا" وهذا لا حُجة فيه، لأن من العرب من يقول: جايجي، وشايشا، بترك الهمزة، فيمكن أن يكون قائل هذا البيت من لغته ترك همزة يشاء، فقال: يشاء، ثم أبدل الألف همزة، كما قيل في: عالم وخاتم: عألم وخأتم، وكما فعل ابن ذكوان في: (تأكل منسأته) حين قرأ: منساته، بهمزة ساكنة، والأصل: مِنسأته، مفْعلة، مَن نسأه زجره بالعصا، ولذلك سميت منسأة، فأبدل الهمزة ألفا، ثم أبدل الألف همزة ساكنة، فعلى ذلك يحمل قوله: لو يشأ.
ص: وإن وليها اسم فهو معمولُ فعل مضمر مُفَسَّر بظاهر بعد الاسم، وربما وليها اسمان مرفوعان، وإن وليها "أنّ" لم يلزم كون خبرها فعلا، خلافا لزاعم ذلك.
ش: لو مختصة بالأفعال، فلا تباشر الجمل الاسمية، ولكن يليها الاسم مرفوعا ومنصوبا، فإن وليها المرفوع، فإن كان غير أنّ وصلتها، فهو مرفوع بفعل مضمر مُفَسَّر بظاهر بعد الاسم، نحو: لو ذاتُ سوارٍ لطمتني، ولو زيد قام أبوه قمت.
وإن كانت أنّ وصلتها كما في قولك: لو أنك جئتني لأكرمتك، فهو عند سيبويه في موضع رفع بالابتداء، والخبر محذوف، وقد شذ ابتداء أن بعد لو، كما نصب غدوة بعد لدن.
وعند الأخفش في موضع رفع بثبت مضمرا، كما هو كذلك بعد ما النائبة عن الظرف، كقولهم: ما أفعله ما أن حراء مكانه، ولا أكلمه ما أن في السماء نجما.
وإن ولى "لو" اسم منصوب، فقد يكون منصوبا بما بعده، كما في قولك: لو زيدا ضربت لأكرمتك.
وقد يكون منصوبا بفعل مضمر مُفَسَّر بظاهر بعد الاسم، أو غير مفسر.
فالأول نحو: لو زيدا رأيته أكرمك، ولو عمرا كلمت أخاه لأعطاك.
والثاني قولهم: اضرب ولو زيدا، وألا شرابَ ولو ماء.
ويندر المجيء باسمين مرفوعين بعد لو في قول الشاعر:
لو بغير الماء حلقي شَرِقٌ... كنتُ كالغصّان بالماء اعتِصاري
وحمله أبو علي على أن حلقي فاعل لفعل مضمر يفسره شَرِق، وشرق خبر مبتدأ محذوف مدلول عليه بالفاعل، والتقدير: لو شرِقَ بغير الماء حلقي هو
شرق.
وحمله شيخنا رحمه الله على أن حلقي مبتدأ، وشرق خبره، وبغير الماء متعلق بالخبر، وقد ابتدأ الكلام بعد لو، (لأنها) لما لم تعمل لم يسلك بها سبيل إنْ في الاختصاص بالفعل أبدا، فنبه على ذلك بمباشرتها أنّ كثيرا، وبمباشرة غيرها قليلا.
ومحمله عندي على أن يكون قوله: حلقي شرق، مبتدأ وخبرا في موضع نصب بكان الشانية مضمرة تقديره: لو كان الأمر والشأن حلقي شرق بغير الماء، كنت كالغصان، وكان بالماء اعتصاري.
وزعم الزمخشري أن الخبر بعد لو أن ملتزم مجيئه فعلا، ليكون ذلك عوضا عن ظهور الفعل المقدر بين لو وأنّ، ومنع صحة قولك: لو أن زيدا حاضري لأكرمتك.
قال الشيخ رحمه الله: وما منعه شائع في كلام العرب، كقوله تعالى: (ولو أنّ ما في الأرض من شجرة أقلامٌ) وكقول الراجز:
لو أن حيًّا مُدْرِكُ النجاح... أدركه مُلاعِبُ الرِّماح
وكقول الآخر:
ولو أنّ حيًّا فائتُ الموتِ فاته... أخو الحرب فوق القارِحِ العَدَوان
وقول الآخر:
ولو أنّ ما أبْقَيتِ مني مُعَلّق... بعُودٍ ثُمامٍ ما تأوَّدَ عودُها
وقول الآخر:
ولو أنّها عُصفورةٌ لحسِبتها... مُسَوَّمةً تدعو عُبَيْدا وأزْنَما
ص: وجوابها في الغالب فعل مجزوم بلم، أو ماض منفي بما، أو مُثبت مقرون غالبا بلام مفتوحة لا تحذف غالبا إلا في صلة، وقد تصحب ما النافية.
ش: انفردت "لو" بلزوم كون جوابها في الغالب فعلا مضارعا مجزوما بلم، نحو: لو قام زيد لم أقم.
أو ماضيا مثبتا أو منفيا بما، فإن كان مثبتا، فالأكثر أن تصحبه لام مفتوحة نحو: (ولو عَلِمَ اللهُ فيهم خيرا لأسمعهم، ولو أسمعهم لتَوَلَّوْا) وقد تخلو منها كما في قوله تعالى: (لو شئتَ أهلكتهم من قبلُ وإياي) وقوله تعالى: (ولْيَخْشَ الذين لو تركوا من خلفهم ذُرِّيَّةً ضعافا خافوا عليهم).
وإن كان منفيا بما فالأكثر خلوه من اللام، كما في قوله تعالى: (لو كان خيرا ما سبقونا إليه) وقد تصحبه كما في قولك: لو كان كذا لما كان كذا.
وقوله: غالبا، احتراز من مجيء جواب لو جملة اسمية مصدرة باللام، كقوله تعالى: (ولو أنهم آمنُوا واتَّقَوْا لمثُوبةٌ من عند الله خيرٌ لو) وبالفاء كما أنشده الشيخ رحمه الله من قول الشاعر:
قالت سلامةُ لم تكن لك عادةٌ... أن تَتْرُكَ الأعداء حتى تُعْذَرا
لو كان قَتْلى يا سلامُ فراحةٌ... لكنْ فَرَرْتُ مخافةً أن أوسرا
فحمل ما بعد الفاء على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: فهو راحة، والجملة جواب للو، وجاز أن تجاب بجملة اسمية مقرونة بالفاء تشبيها بإن.
ويجوز عندي أن يكون ما بعد الفاء معطوفا على فاعل كان، وجواب لو محذوف تقديره: لو كان قتل فراحة لثَبَتُّ، كما حذف في مواضع كثيرة، كقوله تعالى: (إنّ الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به) وكما حذف هو والشرط في قول الشاعر:
إنْ يكنْ طبُّكِ الدلالَ فلو في... سالف الدهرِ والسنينَ الخوالي
قال أبو الحسن: يريد فلو كان في سالف الدهر لكان كذا وكذا.
فصل: ص: إذا وَلِيَ "لمّا" فعلٌ ماض لفظا ومعنى فهو ظرف بمعنى "إذ" فيه معنى الشرط، أو حرفٌ يقتضي فيما مضى وجوبا لوجوب، وجوابها فعل ماض لفظا ومعنى، أو جملة اسمية مع إذا المفاجأة أو الفاء، وربما كان ماضيا مقرونا بالفاء، وقد يكون مضارعا.
ش: من حروف المعاني "لمّا" وهي في الكلام على ثلاثة أقسام: الأول: أن تكون نافية جازمة، تقلب المضارع إلى المضي، وقد تقدم ذكرها.
والثاني: أن تكون بمعنى إلا في قسم، أو بعد نفي دون قسم، وتليها الأسماء والأفعال إلا ا
لما
ضي لا يكون بعدها إلا مستقبل المعنى.
فمن مجيئها في القسم قوله: عزمت عليك لمّا ضربت سوطا أو سوطين، وقول الراجز:
قالتْ له بالله ياذا البُرْدَيْن... لمّا غَنِثْتَ نَفَسا أو اثنَيْنْ
ومن مجيئها بعد النفي الخالي من القسم قراءة عاصم وحمزة: (وإنْ كلٌّ لما
جميعٌ لدينا مُحْضَرون): (وإنْ كلّ ذلك لمّا متاعُ الحياةِ الدنيا) أي ما كل ذلك إلا متاع الحياة الدنيا.
والثالث: أن تدل على وجوب شيء لوجوب غيره، ولا يلزمها إلا فعل ماض لفظا ومعنى، وهي حرف يقتضي فيما مضى وجوبا لوجوب عند سيبويه، وظرف بمعنى "إذ" فيه معنى الشرط عند أبي علي.
قال شيخنا رحمه الله: والصحيح قول سيبويه، واستدل بقوله تعالى: (وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا) فإن المراد أنهم هلكوا بسبب ظلمهم، لا أنهم أهلكوا حين ظلمهم، لأن الهلاك متأخر عنه، وربما ينوى.
قال سيبويه: إن اسميتها مشكوك فيها، وحرفيتها ظاهرة، لأنها دالة على معنى الشرط، فتقتضي فيما مضى وجوبا لوجوب، كما تقتضي "لو" امتناعا لامتناع، والحكم بالظاهر راجح.
قال الشيخ: ويقوى قول أبي علي أنها قد جاءت لمجرد الوقت في قول الراجز:
إنّي لأرجو مُحْرِزًا أن يَنْفَعا... إيّايَ لمّا صرتُ شَيخا قَلِعا
وجواب لما فعل ماض لفظا ومعنى، نحو: (فلما أنْ جاء البشير ألقاه) أو جملة اسمية مع إذا المفاجأة، كقوله تعالى: (فلما أحسُّوا بأسنا إذا هم منها يركُضون) أو مع الفاء كقوله تعالى: (فلمّا نجّاهم إلى البر فمنهم
مُقْتَصِد) وربما كان ماضيا مقرونا بالفاء كقول الشاعر: فلما رأى الرحمن أنْ ليس فيكم... رَشيدٌ ولا ناهٍ أخاه عن الغَدْر فصَبّ عليكم تَغْلِب ابنةَ وائلٍ... فكانوا عليكم مثل راغِيةِ البَكْرِ