شرح التسهيل لابن مالكصفحات 261-285

باب الإضافة

صفحات 261-285
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن مالك
الكتاب
شرح تسهيل الفوائد
المؤلف
محمد بن عبد الله، ابن مالك الطائي الجياني، أبو عبد الله، جمال الدين (المتوفى: 672هـ)
المحقق
د. عبد الرحمن السيد، د. محمد بدوي المختون
الناشر
هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى (1410هـ - 1990م)
عدد الأجزاء
4 أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

الإضافة إلى مصدر من معناها.
ومن أجل ذلك لا يعود منها ضمير إلى المضاف إليها، كما لا يعود من المصدر.
فإن سمع ذلك عُدّ نادرا كقول الأعشى: وتبْرُدُبَرْدَ رداءِ العرو... سِ رقْرَقَت في الصيف فيه العبيرا وتَسخُنُ ليلةَ لا يستطيعُ... نباحًا بها الكلبُ إلّا هريرا ومنه: مضَتْ سنةٌ لعام وُلدت فيه... وعَشْرٌ بعد ذاك وحجّتانِ وهذا مما خفي على أكثر النحويين.
ولذلك قال ابن السراج: فإن قلت أعجبني يوم قمت فيه امتنعت الإضافة، لأن الجملة حينئذ صفة، ولا يضاف موصوف إلى "صفة".
ونبهت بقولي "ويجوز في رأي الأكثر بناء ما أضيف إلى مبني من اسم ناقص الدلالة" على جواز بناء غير ودون وبين وشبهها من الأسماء التي لا تتم دلالتها على ما يراد بها إلا بما تضاف إليه مع مناسبتها الحروف بعدم قبولها للنعت والتعريف بالألف واللام والتثنية والجمع، وبعدم اشتقاقها والاشتقاق منها.
فغن ما فيها من مناسبة الحروف صالح لجعله سبب بناء على الإطلاق، لكنه ألغي في الإضافة إلى معرب واعتبر في الإضافة إلى مبني قصدا للمشاكلة.
وبعضها أحق بالبناء من بعض، لكونه أزيد [شبها] كما ترى في "غير" من وقوعه موقع "إلا" وموقع "لا" نحو: قاموا غيرَ زيد، وزيد غير بخيل ولا جبان.
وحكى الفراء أن بعض بني أسد يبنون غيرا على الفتح إلا إذا وقعت موقع إلا، تم الكلام قبلها أم لم يتم، نحو ما قام أحد

غيرك، وما قام غيرك، وأنشد عن الكسائي: لم يمنعِ الشَّرْب منها غيرَ أن نطقتْ... حمامةٌ في غُصونٍ ذاتِ أوقالِ ومن شواهد "دون" قوله تعالى (وأنّا منّا الصالحون ومنّا دون ذلك) بفتح نونه وهو في موضع رفع بالابتداء.
ومن بناء "بَيْن" قوله تعالى (وحيلَ بنهم وبين ما يشتهون) بفتح النون، وهو في موضع رفع لقيامه مقام الفاعل.
ومنه قول الشاعر: ولم يتْرُكِ النبلُ المخالفُ بينها... أخًا لأخٍ يُرجى ومأثورة الهندِ هكذا ضبطه من يوثق بضبطه بفتح النون.
وأجرى "فوق" مجرى [غير] قوم منهم الزمخشري وابن عصفور، و"مثلا" مجرى غير في جواز البناء عند الإضافة إلى مبني.
واستشهدوا بقراءة الحرميين وابن كثير والبصريين في قوله تعالى (وإنه لحقٌّ مثل ما أنّكم تنطِقون) بفتح اللام، على أنه نعت خبر إن وقراءة بعض السلف (أنْ يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح) وكقول الشاعر: إذ همْ قريشٌ وإذْ ما مثلَهم بَشَرُ

على أن مثلهم مبتدأ.
ولا ينبغي لمثل أن يجرى مجرى "غير" لأنه وإن وافقه في أن دلالته على معناه لا تتم إلا بما يضاف إليه، فقد خالفه بمشابهة التام في الدلالة في قبول التصغير والتثنية والجمع والاشتقاق منه.
وكل ما استشهدوا به على البناء مخرّج على الإعراب أحسن تخريج.
فيجعل "حق" اسم فاعل من حق يحق، ثم قصر كما فعل ببارّ وسارّ حين قيل فيهما بَرّ وسرّ، وبقي فيه الضمير الذي كان فيه قبل القصر، وجعل مثله حالا منه وأما قراءة من قرأ "أن يصيبكم مثلَ ما أصاب" بالنصب فوجهه أنه منصوب على المصدرية وفاعل يصيبكم ضمير عائد على الله من (وما توفيقي إلا بالله) كأنه قيل: ولا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم الله مثل إصابة قوم نوح.
وإنما يحتاج إلى هذا إذا سُلّم بناء غير وما بعده في المواضع المذكورة، وهو وإن كان أشهر من بناء "مثل" ضعيف عندي، لأن الإضافة فيها قياسية فلا ينبغي أن تكون سبب بناء، لأنها من خصائص الأسماء فحقها أن تكف سبب البناء وتغلبه، لأنها تقتضي الرجوع إلى الأصل، والسبب الكائن معها يقتضي الخروج عن الأصل.
وما يدعو إلى مراجعة الأصل راجح على ما يدعو إلى مفارقته.
ولذلك رجح شبه "أي" بكل وبعض على شبهها بحرفي الشرط والاستفهام في المعن، وبالحرف المصدري في لزوم الافتقار.
فإذا ثبت هذا وجب توجيه ما أوهم بناء غير وشبهه للإضافة إلى مبني بما لا يخالف الأصول ولا يعسر القبول.
فيخرج قول بني أسد وقضاعة: ما جاء غيرَك، بفتح الراء على أن يكون المراد: ما جاء جاءٍ غيرك، فنصب غيرك على أنه حال أو منتصب على الاستثناء.
وسوغ حذف "جاءٍ" وهو فاعل لأنه بعد نفي العموم فيه مقصود.
وحذف مثل هذا بعد النفي والنهي كثير.
فمن وقوعه بعد النفي قوله صلى الله عليه وسلم "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن"، أي ولا يشرب الشارب.
ومثله قول الراجز:

ما سار في سُبْل المعالي سَيْرَه... ولا كفى في النائبات غيره أراد: ما سار سائرٍ سيره، ولا كفى كافٍ غيره.
ومثله قول الشاعر: فإن كان يُرضيكَ حتى تَرُدَّني... إلى قَطَريٍّ لا إخالُكَ راضيا أراد: فإن كان لا يرضيك مُرْضٍ.
ومن وقوعه بعد النهي قراءة هشام (ولا يحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا) أي ولا يحسبنّ حاسبٌ.
وعلى هذا يحمل قول الشاعر: لم يمنع الشَرْب منها غير أن نطقتْ كأنه قال: لم يمنع الشَّرْب منها مانع غير أن نطقت، فالنصب على الحالية أو على الاستثناء.
وأما قوله تعالى (منا الصالحون ومنا دون ذلك) فعلى تقدير: ومنا صنف دون ذلك، فحذف الموصوف وقامت صفته مقامه، كما قال الشاعر: لهم مسجدا الله المَزوران والحصا... لكم قِبصهُ من بين أثْرى وأقْترا أي من بين من أثرى ومن أقتر، فحذف "مَن" وهي نكرة موصوفة وأبقى صفتها.
وبمثل هذا يوجه قوله تعالى (وحيل بينهم وبين ما يشتهون) كأنه قيل: وحيل حوْلٌ بينهم وبين ما يشتهون.
فحذف "حول" مصدر حيل، وأقيمت صفته مقامه.
ومثله قول الشاعر:

ولم يتركِ النبلُ المخالف بينها... أخًا لأخٍ يُرْجى ومأثورةُ الهند أراد المخالف خلافا بينها، فحذف الموصوف وهو مفعول ما لم يسم فاعله وأقام صفته مقامه.
فصل: ص: يجوز حذف المضاف للعلم به ملتفتا إليه ومطّرحا.
ويعرب بإعرابه المضاف إليه قياسا إن امتنع استبداده به، وإلا فسماعا، وفي قيامه مقامه في التذكير والتأنيث وجهان.
وقد يخلفه في التنكير إن كان المضاف "مِثْلا".
وقد يحذف مضاف ومضاف إليه، ويقام ما أضيف إليه الثاني أو ما أضيف إلى صفة للثاني محذوفة مقام ما حذف.
وقد يقام مقام مضاف محذوف مضاف إلى محذوف قائم مقامه رابع.
وقد يستغنى بمضاف إلى مضاف إلى مضاف إلى رابع عن الثاني والثالث.
ويجوز الجر بالمضاف محذوفا إثر عاطف متصل أو منفصل بلا مسبوق بمضاف مثل المحذوف لفظا ومعنى.
وربما جرّ المضاف المحذوف دون عطف ومع عاطف مفصول بغير لا.
ش: إذا كان المضاف لا يجهل معناه بحذف لفظه جاز أن يحذف ويجعل المضاف إليه معربا بإعرابه.
ونائبا عنه فيما جيء بالإعراب لأجله.
وإن قدر لفظ المحذوف والتفت إليه رُتّب على وفقه ما بعد القائم مقامه كقوله تعالى (أو كظُلُماتٍ في بحرٍ لُجّيّ يغشاه موجٌ).
فإن الأصل: أو كذي ظلمات، فحذف "ذو" وأقيمت ظلمات مقامه، والتفت إليه معنى، فذكّر الضمير، ولولا الالتفات إلى المعنى لأنث كما أنّث في قوله تعالى (واسأل القرية التي كُنّا فيها) ولو التفت هنا لقيل الذين كنا فيهم.
ومن الالتفات إلى المحذوف قراءة الحسن (فجعلناها حصيدا كأنْ لم يَغْن بالأمس) بالياء؛ لأن الأصل فجعلنا زرعها حصيدا.
ومن الالتفات إلى المحذوف قولهم: قرأت هودا، بالتنوين يريدون سورة هود.
ولو جعل

المضاف مطرحا لفظا ونيّة لقيل: قرأت هود، بلا تنوين؛ لأنه على هذا القصد اسم للسورة فلا ينصرف للتعريف والتأنيث.
ومن الالتفات إلى المحذوف قوله: يَسْقونَ من وَرَدَ البريصَ عليهم... بَرَدى يُصفِّق بالرَّحيقِ السَّلْسَلِ أي ماء بردى، فحذف ملتفتا إلى الماء فذكّر، ولولا ذلك لقال تصفق لأن "بردى" اسم مؤنث.
ثم إن القائم مقام المضاف في الإعراب إن امتنع استبداده به فهو قياسي.
وإن صح استبداده به فهو سماعيّ.
والمراد بالاستبداد به أن يكون المضاف إليه صالحا للفاعلية إن كان المضاف فاعلا، ولغير فاعلية إن كان غير فاعل؛ فالحذف في (واسأل القرية) قياسي لعدم استبداد القرية بوقوع السؤال عليها حقيقة، وكذا (وأشربوا في قلوبهم العجل) هو أيضا قياسي، لعدم صلاحية العجل لأن يكون مشربا في قلوبهم.
وكذا (لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات) أي ضعف عذاب الحياة وضعف عذاب الممات.
ومنه قول الأعشى: فارَقَنا قبلَ أنْ نفارقَه... لمّا قضى من جماعنا وَطَرا أي قبل إرادة أن نفارقه.
لا بد من هذا التقدير، لأن الفراق لا يكون من أحد المفترقين قبل الآخر.
وأجاز ابن جني: جلست زيدا، على تقدير: جلست جلوس زيد ولا أرى ذلك، لأن المعنى لا يتعيّن، لاحتمال أن يراد جلست إلى زيد، فحذفت إلى وانتصب ما كان مجرورا بها، بخلاف الأمثلة التي مرّت، فنوعها قد أمن فيه اللبس، وجعل قياسا، بخلاف ما يوجد فيه الجزءان صالحين لعمل العامل حقيقة نحو ضربت غلام زيد، فإنه لو قيل فيه: ضربت زيدا لم يفهم المراد، لأن زيدا يصح استبداده بمفعولية ضرب، فيمنع الحذف من هذا النوع ما

لم توجد فيه قرينة تدل على المراد كقوله: مررت بالقرية فأكرمتني، فإنه جائز.
وإن كان أهل القرية والقرية صالحين لتعدية الممرور إليهما حقيقة، لكن ذكر الإكرام بين أن المراد الأهل فجاز الحذف.
وكذلك لو فهم المعنى بغير قرينة لفظية لم يمتنع الحذف أيضا.
ومنه قول عمر بن أبي ربيعة – رحمه – الله: لا تلُمْني عتيقُ حسبي الذي بي... إنّ بي ياعتيقُ ما قد كفاني أراد بعتيق ابن أبي عتيق.
كذا قال من عنى بشعر ابن أبي ربيعة.
ومن هذا النوع قول الشاعر: فمن كان يرجو الصُّلْح فيه فإنّه... كأحْمر عادٍ أو كُليبٍ لوائل أراد كأحمر أمثال عاد، لأن المراد عاقر الناقة وهو من ثمود لا من عاد، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه مع صلاحيته للاستبداد بعمل العامل.
ومثله: وماذيًّا تخيَّره سُلَيْمٌ... يكادُ شُعاعُه يُعْشي العيونا أراد تخيره أبو سليمان، فرخّم سليمان مضطرا للاستبداد بفاعلية "تخيّر".
ومن مستحسن هذا النوع قول الشاعر: فدقّتْ وجلّتْ واسْبَكَرَّتْ وأُكْمِلَتْ... فلو جُنّ إنسانٌ من الحُسْن جُنّت أراد: فدقّ خصرها، وجلت عجيزتها، واسبكرت قامتها، وأكملت محاسنها، فحذفت مع صلاحية المضاف إليه لفاعلية كل واحد من هذه الأفعال، لأن عطف بعضها على بعض يبين المعنى فحسن الحذف.
ونبهت بقولي: "ونائبا عنه فيما جيء بالإعراب لأجله" على وقوع المضاف إليه خلفا عن المضاف فيما كان له من فاعلية، نحو بنو فلان يطؤهم الطريق.
ومن مفعولية نحو: "واسأل القرية"، ومن ظرفية نحو: أتيتك طلوعَ الشمس، ومن

مصدرية كقول الأعشى: ألمْ تغتمِضْ عيناك ليلة أرْمدا فحذف المصدر وجعل "ليلة" قائما مقامه في المصدرية، كما قام المصدر مقام الظرف في طلوع الشمس وشبهه، وجعل ابن جني من هذا رواية بعض رواة بأبي عمرو عنه: (ونُزِل الملائكة تنزيلا) بضم النون وتخفيف الزاي، على تقدير: ونَزل نزول الملائكة.
وفيه عندي نظر.
وإن كان المضاف مِثْلا جاز الحكم على المضاف إليه بالتنكير، فينعت به نكرة، نحو: مررت برجل زهيرٍ شعرا.
ويجعل حالا للمعرفة نحو: هذا زيد زهيرا شعرا، لأن الأصل: مررت برجل مثل زهير، وهذا زيد مثل زهير، فحذف لفظ مثل ونوى معناه، فجرى مجرى ما نوى فيه معناه وإن كان لفظه لفظ المعرفة.
ومن هذا النوع قولهم: تفرقوا أيادي سبا، فجعلوه حالا، وهو في اللفظ معرفة، لأنهم أرادوا مثل أيادي، فحذف مثل، وأقيم ما كان مضافا إليه مقامه في التنكير والإعراب.
وروى الثقات ياء أيادي بالسكون، مع أن الموضع موضع نصب، لكن خفف للتركيب فألزم السكون، كما ألزم السكون ياء معد يكرب.
وقد يحملهم العلم بالمحذوف على حذف المضاف، ومضاف إليه هو مضاف إلى ثالث يستغنى به عن الأول والثاني، فمن ذلك قوله تعالى: (تدور أعينُهم كالذي يُغْشى عليه من الموت) أي دورانا كدوران عين الذي يغشى عليه من الموت.

وقد تكون أربعة أسماء مضاف أولها إلى موصوف بثالث مضاف إلى رابع، فيحذف الثلاثة ويكتفي بالرابع، كقول الشاعر: طليقُ اللهِ لم يَمْنُنْ عليه... أبو داوُدَ وابنُ أبي كثير أو الحَجّاجُ عَيْنَيْ بنتِ ماءٍ... تُقَلِّبُ طرْفَها حَذَر الصُّقورِ أراد: أو الحجاج صاحب عين مثل عيني بنت ماء، فحذف الأول والثاني والثالث الموصوف به الثاني، وأقام مقام الثلاثة الرابع.
وقد تكون أربعة أسماء مضاف أولها إلى ثانيها، وثانيها إلى ثالثها، وثالثها إلى رابعها، فيحذف الأول والثالث، ويبقى الثاني والرابع قائمين مقامهما فيما كان لهما من الإعراب، كقول الشاعر: أبَيْتُنَّ إلا اصطيادَ القلوب... بأعين وَجْرَةَ حينا فحينا أراد: مثل أعين ظباء وجرة، فحذف الأول والثالث، وأقام مقامهما الثاني والرابع، ومثله قول أبي ذؤيب: فإنَّك منها والتَّعَذُّرَ بعدما... لَجِجْتَ وشَطَّتْ من فُطَيْمةَ دارُها لَمِثلُ التي قامتْ تُسَبِّع سُؤرَها... وقالت حرامٌ أنْ يُرَجَّل جارُها أراد: قامت تسبع ذا سؤر كلبها، ففعل مثل ما فعل قائل البيت الأول.
وإلى هذا النوع أشرت بقولي: وقد يقام مقام مضاف محذوف مضاف إلى محذوف قائم مقامه رابع.
ثم أشرت إلى أن أصل: (من أثر الرسول) من أثر

حافر فرس الرسول، بقولي: وقد يستغنى بمضاف إلى مضاف إلى رابع عن الثاني والثالث.
ثم أشرت إلى حذف المضاف وإبقاء المضاف إليه مجرورا، وأنه مقيس وغير مقيس، فأما المقيس فما حذف منه مضاف مذكور قبله مثله لفظا ومعنى، بشرط كون المحذوف بعد عاطف منفصل بلا، أو غير منفصل، كقولهم: ما كل سوداء تمرة، ولا بيضاء شحمة.
وما مثل أبيك وأخيك يقولان ذلك، وكقوله: أكُلَّ امرئٍ تحسبين امرَأ... ونارٍ تَوَقَّدُ بالليلِ نارا وكقوله: ولم أرَ الخيرِ يتركُه الفتى... ولا الشرِّ يأتيه الفتى وهو طائع وكقوله: لوَ انّ طبيبَ الإنسِ والجن داويا الـ... ـــلذي بِيَ من عَفْراءَ ما شَفياني وكقوله: لو أنّ عُصْم عَمايَتَيْن ويَذْبُل... سمعا حديثَك أنزلا الأوْعالا وكقوله: ألم يَحْزُنْكِ أن جبالَ قَيْسٍ... وتغْلبَ قد تباينتا انقطاعا

والأصل: ما كل سوداء ولا كل بيضاء، ولا مثل أبيك ومثل أخيك يقولان، وأكل امرئ تحسبين امرأ وكل نار، ولم أر مثل الخير ولا مثل الشر، ولو أن طبيب الإنس وطبيب الجن، ولو أن عصم عمايتين وعصم يذبل، وأن جبال قيس وجبال تغلب.
وظن بعضهم أن الحذف في هذا النوع مشروط بتقدم نفي أو استفهام، وليس ذلك شرطا، بل يجوز مع عدمهما، كقول الشاعر: لغير مغتبط مُغْزى بطوع هوى... ونادم مولع بالحزم والرشد ومثله: كُلُّ مُثْرٍ في رَهْطه ظاهرُ العزْ... ـــز وذي غُربة وفقر مَهينُ وأما غير المقيس فما خالف المقيس بخلوه مما قيدته به، كقراءة ابن جماز (تريدون عَرَض الدنيا والله يريد الآخرة) بالجر على تقدير: والله يريد عرض الآخرة.
وكقول بعض العرب: رأيت التيمي تيم فلان، على تقدير: أحد تيم فلان، حكاه الفارسي.
وكقول الشاعر: رَحِمَ اللهُ أعْظما دفنوها... بسِجِسْتان طلحةِ الطَّلَحات على تقدير: أعظم طلحة الطلحات.
وكقول الآخر: الآكلُ المالَ اليتيم بَطَرا... يأكلُ نارا وسيصلى سَقَرا على تقدير: الآكل المالَ مالَ اليتيم، ومثله:

المالُ ذي كَرم تُنْمي محامده... ما دام يبذله في السر والعلن على تقدير: المال مال ذي كرم، فحذف البدل ونوى لفظه، فبقى عمله.
وعلى هذا يوجه على الأجود ما في حديث الدجال من قول بعض الصحابة رضي الله عنهم: يارسول الله: ما لبثه في الأرض؟ قال: "أربعين يوما" أي لبث أربعين يوما.
ومثله: "خير الخيل الأدهم الأرثم المحجل ثلاثٍ" أي المحجل تحجيل ثلاث، فحذف البدل وأبقى عمله، كما فعل في البيتين المتقدمين.
وقد يكون على حذف "في" قبل ثلاث، والأول أجود لتقدم مثل المحذوف.
وفي صحيح البخاري: فلما قدم جاءه بالألف دينار، فحذف البدل وأبقى عمله.
وهذا في البدل نظير ما جاء في العطف من: ونار تَوَقَّدُ، وأمثاله.
وبهذا يوجه ما رواه الكوفيون من قول العرب: الخمسة الأثواب، أي: الخمسة خمسة الأثواب، فحذفوا البدل وأبقوا عمله، وعلى هذه الشواهد وأمثالها نبهت بقولي: وربما جر المضاف المحذوف دون عطف، ومع عاطف مفصول بغير "لا".
فصل: ص: يجوز في الشعر فصل المضاف بالظرف والجار والمجرور بقوة إن تعلقا به، وإلا فبضعف.
ومثله في الضعف الفصل بمفعول متعلق بغير المضاف، وبفاعل مطلقا، وبنداء، ونعت، وبفعل ملغى.
وإن كان المضاف مصدرا جاز أن يضاف نظما ونثرا إلى فاعله مفصولا بمفعوله، وربما فصل في اختيار اسم الفاعل المضاف إلى المفعول بمفعول آخر، أو جار ومجرور.

ش: من أمثله فصل المضاف بالظرف قول الشاعر: فَرِشْني بخير لا أكونَنْ ومِدْحتي... كناحتِ يوما صخرةٍ بعَسيل ومن أمثله فصله بالجار والمجرور قول الآخر: لأنت مُعْتاد في الهيجا مُصابرةٍ... يَصْلى بها كلُّ من عاداك نيرانا فتقدير الأول: كناحت صخرة يوما، وتقدير الثاني: لأنت معتاد مصابرة في الهيجا.
فهذا النوع من أحسن الفصل، لأنه فصل بمعمول المضاف، فكان فيه قوة، وهو جدير بأن يجوز في الاختيار ولا يختص بالاضطرار، وبذلك أقيس على وروده في حديث أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "هل أنتم تاركولي صاحبي" أراد: هل أنتم تاركو صاحبي لي، ففصل بالجار والمجرور، لأنه متعلق بالمضاف، وهو أفصح الناس، فدل ذلك على ضعف قول من خصه بالضرورة.
وفي كلام بعض من يوثق بعربيته: ترك يوما نفسك وهواها، سعى لها في رداها.
ففصل في الاختيار بالظرف، فعلم أن مثله لا حجر على المتكلم به ناظما وناثرا.
وإنما يحجر على من فصل بمالا يتعلق بالمضاف، كقول الشاعر: كما خُطَّ الكتابُ بكفِّ يوما... يهوديِّ يقاربُ أو يُزيل ففصل بين "كف" و"يهودي" بيوما، وهو متعلق بخط، فمثل هذا ضعيف حقيق بألا يجوز إلا في ضرورة، لما فيه من الفصل بأجنبي.
ومثله في الضعف والاختصاص بالضرورة الفصل بمفعول به متعلق بغير المضاف،

كقول جرير: تسقى امتياحا نَدى المسواكَ ريقتِها... كما تَضَمَّن ماءَ المُزْنة الرَّصَفُ أراد: تسقى ندى ريقتها المسواك.
ومثله في الضعف الفصل بالفاعل مطلقا أي سواء في ذلك ما تعلق بالمضاف، وما تعلق بغير المضاف.
فالمتعلق به كقول الشاعر: ترى أسْهُما للموت تُصمي ولا تُنْمِي... ولا تَرْعوي عن نقضِ أهواؤنا العزمِ أراد: ولا ترعوي عن أن ينقض أهواؤنا العزم، ففصل بأهوائنا – وهو فاعل النقض – بينه وبين المفعول المضاف إليه وهو العزم.
والمتعلق بغيره كقول الشاعر: أنْجَبَ أيامَ والداه به... إذ نَجَلاه فنعم ما نَجَلا أراد: أنجب والداه به أيام إذ نجلاه.
ففصل بين "أيام" و"إذ" بفاعل أنجب، ولا عمل لأيام فيه، كما كان النقض في الأهواء.
ومن الفصل بفاعل مرتفع بالمضاف قول الراجز: ما إنْ عَرَفنا للهوى من طبِّ... ولا جَهِلْنا قَهْرَ وَجْدٌ صَبِّ وزعم السيرافي أن قول الشاعر: تَمُر على ما تستمر وقد شفت... غلائلَ عبدُ القيس منها صدورِها

قد فصل فيه "عبد القيس" – وهو فاعل شفت – بين غلائل وصدورها، وهو مضاف ومضاف إليه، والذي قاله غير متعين، لإمكان جعل غلائل غير مضاف، وجعله ساقط التنوين لمنعه الصرف، وانجرار صدورها على أنه بدل من الضمير في قوله: منها، وهذا التوجيه راجح على ما ذهب إليه السيرافي لكثرة نظائره، وعدم أمن الاستشهاد بما يرد في الضرورة وعلى سبيل الندور، ومثله في الضعف والندور الفصل بالنداء، كقول الشاعر: وِفاقُ كعبُ بُجَيْرٍ مُنْقِذٌ لك من... تعجيلِ تَهْلُكة والخُلدِ في سَقَرا أراد: وفاقُ بجير ياكعب، والمراد: بُجَيْر وكعب ابنا زهير رضي الله عن بجير، ورحم كعبا.
وكقول الراجز: كأنَّ بِرْذَون أبا عصام... زيدٍ حمارٌ دُقَّ باللِّجام أراد: كأن برذون زيد، ومثله قول الفرزدق: إذا ما أبا حفص أتتْك رأيتها... على شعراءِ الناس يعلو قصيدُها أراد: إذا ما أتتك يا أبا حفص.
ومثله في الضعف الفصل بالنعت، كقول الشاعر يخاطب معاوية رحمه الله: نجوتَ وقد بَلّ المُرادِيُّ سيفه... من ابن أبي شيخ الأباطح طالبِ أراد: من ابن أبي طالب شيخ الأباطح، ومثله قول الفرزدق: ولئن حلفت على يديك لأحلفن... بيمين أصدق من يمينك مُقسِم أراد: بيمين مقسم أصدق من يمينك، ففصل بأصدق – وهو نعت يمين – بين

"يمين" و "مقسم"، كما فصل بين "أبي" و"طالب" بشيخ الأباطح.
ومثله قول سويد بن الصامت يخاطب قومه: أدينُ وما ديني عليكم بمَغْرمٍ... ولكن على الشُّمِّ الجلاد القرواح على كلِّ خوّار كأن عماده... طُلين بقارٍ أو بحَمْأةِ مائح لها حامل أرعى برية كلما... تناول كفاه اليسار الجوانحِ أراد: أرعى الجوانح، ففصل بنعت وهو جملة، لأنها في حكم نعت مفرد.
ومثال الفصل بفعل ملغى ما أنشد ابن السكيت من قول الشاعر: ألا يا صاحبي قفا المَهارى... نُسائلُ عن بثينة أين سارا بأي تراهم الأرضين حَلُّوا... أألدبران أم عسفوا الكِفارا أراد: بأي الأرضين تراهم حلوا، ففصل بتراهم – وهو فعل ملغى – بين أي والأرضين، وهما مضاف ومضاف إليه، وهذا من الغرابة مثل الفصل بنعت هو جملة، وقد تقدم ذكره.
وتقدم أيضا أن الفصل بمعمول المضاف إذا لم يكن مرفوعا جدير بأن يكون جائزا في الاختيار، ولا يختص بالاضطرار، واستدللت على ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: "هل أنتم تاركولي صاحبي" وبقول بعض العرب: ترك يوما نفسك وهواها، سعى لها في رداها.
وأقوى الأدلة على ذلك قراءة ابن عامر

رضي الله عنه: (وكذلك زُيِّن لكثير من المشركين قتلُ أولادَهم شركائهم) لأنه ثابته التواتر، ومعزوة إلى موثوق بعربيته، قبل العلم بأ، هـ من كبار التابعين، ومن الذين يقتدى بهم في الفصاحة، كما يقتدى بمن في عصره من أمثاله الذين لم يعلم عنهم مجاورة للعجم يحدث بها اللحن، ويكفيه شاهدا على ما وصفته به، أن أحد شيوخه الذين عوّل عليهم في قراءة القرآن عثمان بن عفان رضي الله عنه، وتجويز ما قرأ به في قياس النحو قوي، وذلك أنها قراءة اشتملت على فصل يدخله بين عاملها المضاف إلى ما هو فاعل، فحسن ذلك ثلاثة أمور: أحدها: كون الفاصل فضلة، فإنه بذلك صالح لعدم الاعتداد به.
الثاني: كونه غير أجنبي لتعلقه بالمضاف.
الثالث: كونه مقدر التأخير من أجل المضاف إليه، مقدر التقدم بمقتضى الفاعلية المعنوية، فلو لم تستعمل العرب الفصل المشار إليه، لاقتضى القياس استعماله، لأنهم قد فصلوا في الشعر بالأجنبي كثيرا، فاستحق الفصل بغير أجنبي أن يكون له مزية، فحكم بجوازه.
وأيضا فقد فصل بقول النبي صلى الله عليه وسلم مثل: "هل أنتم تاركو لي صاحبي" بالجار والمجرور، والمضاف فيه اسم فاعل، مع أنه مفصول بما فيه من الضمير المنوي، ففصل المصدر بخلوه من الضمير أحق بالجواز، ولذلك قلت نظائر: "هل أنتم تاركو لي صاحبي" وكثرت نظائر: (قتلُ أولادَهم شركائهم)، فمنها قول الطرماح: يَطُفْن بحُوزيِّ المراتع لم تُرَع... بواديه من قَرْعِ القِسَّى الكنائِنِ ومنها:

عَتَوْا إذْ أجبناهم إلى السلم رأفةً... فسُقْناهم سوقَ البغاثَ الأجادل ومن يُلغ أعقاب الأمور فإنه... جديرٌ بهُلكٍ آجلٍ أو مُعاجِلِ ومنها: يَفْرُكْن حبَّ السُّنْبل الكُنافج... في القاع فَرْك القطنْ المحالجِ وأنشد أبو عبيدة: وحَلَقِ الماذيِّ والقوانسِ... فداسهم دوسَ الحصادَ الدائسِ وأنشد الأخفش: فَزَجَجْتُها بِمِزَجَّة... زجَّ القَلُوصَ أبي مزادة وأنشد ثعلب بجر "مطر" من قول الشاعر: لَئِنْ كان النكاحُ أحلَّ شيءٍ... فإنَّ نكاحَها مطرٍ حرامُ ومما يرد على: "أنتم تاركو لي صاحبي" قراءة بعض السلف رضي الله عنه: (فلا تَحْسَبنَّ الله مُخْلِفَ وعدَه رسلِه) ففصل فيه اسم الفاعل المضاف إلى مفعول بمفعول آخر.
فصل: ص: الأصحُّ بقاءُ إعراب المعرب إذا أضيف إلى ياء المتكلم ظاهرا، في المثنى مطلقا، وفي المجموع على حده غير مرفوع، وفيما سواهما

مجرورا، ومقدرا فيما سوى ذلك.
ويكسر متلوُّها إن لم يكن حرف لين يلي حركة، وتفتح الياء أو تسكن.
وإن نُودِي المضاف إليها إضافة تخصيص جاز أيضا حذفها، وقلبها ألفا، والاستغناء عنها بالفتحة، وربما وردت الثلاثة دون نداء، وقد يضم فيه ما قبل الياء المحذوفة وتُنْوى الإضافة، وتفتح في الحالين بعد حرف اللين التالي حركة، ويدغم فيها إن كان ياء أو واوا، وإن كان ألفا لغير تثنية جاز في لغة هذيل القلب والإدغام، وربما كسرت مُدْغما فيها، أو بعد ألف، ويجوز في أبي وأخي أبيّ وأخيّ، وفاقا لأبي العباس، وحذف ميم الفم مضافا أكثر من ثبوته، وفيّ حذف الميم واجب.
ش: من المضاف إلى ياء المتكلم ما كان مبنيا قبل الإضافة كلدن وأحد عشر، وما كان معربا قبلها وهو الكثير، فما كان مبينا لا يزال مبنيا، وما كان معربا يعرض له تقدير الإعراب بعد أن كان ظاهرا، ما لم يكن مثنى فيظهر إعرابه في الأحوال الثلاثة، وكذا المجموع على حد التثنية في حال الجر والنصب، وأما في حال الرفع فيقدر إعرابه، كقول الشاعر: أوْدى بَنِيّ وأوْدَعوني حسرةً... عند الرُّقاد وعبرةً لا تُقْلع وزعم الجرجاني، ووافقه ابن الخشاب والمطرزي، وهو الظاهر من قول الزمخشري، أن المضاف إلى ياء المتكلم مبني، وفي كلام ابن السراج احتمال، وسأبين مراده إن شاء الله.
والصحيح أن المكسور الآخر للإضافة إلى الياء معرب تقديرا في الرفع والنصب، لأن حرف الإعراب منه في الحالين قد شغل بالكسرة المجلوبة ترعية للياء، فتعذر اللفظ بغيرها، فحكم بالتقدير كما فعل في المقصور.
وأما حال الجر فالإعراب ظاهر للاستغناء عن التقدير، هذا عندي هو الصحيح، ومن قدر كسرة أخرى فقد ارتكب تكلفا لا مزيد عليه، ولا حاجة إليه، ولم أوافق الجرجاني في بناء المضاف إلى الياء، وإن كان في تقدير إعرابه تكلف يخالف

الظاهر، لأن لبناء الأسماء أسبابا كلها منتفية منه، فيلزم من الحكم ببنائه مخالفة النظائر، فلذلك أتبعته ردا، ولم أر من خلافه بدا.
فإن زعم أن سبب بنائه إضافته إلى غير متمكن، رد ذلك بثلاثة أمور: أحدها: استلزامه بناء المضاف إلى سائر المضمرات، بل إلى كل الأسماء التي لا تمكن لها، وذلك باطل، وما استلزم باطلا فهو باطل.
الثاني: أن ذلك يسلتزم بناء المثنى المضاف إلى ياء المتكلم، وبناؤه باطل، وما يستلزم باطلا فهو باطل.
الثالث: أن المضاف إلى غير متمكن لا يبنى لمجرد إضافته، بل للإضافة مع كونه قبلها مناسبا للحرف في الإبهام والجمود كغير، والمضاف إلى ياء المتكلم لا يشترط ذلك في كسر آخره، فدل ذلك على أنه غير مستحق للبناء.
وقد ينتصر للجرجاني بأن يقال: لا أسلم انحصار ما يوجب بناء الأسماء في مناسبة الحرف، يضاف إليها كون آخر الكلمة لا يتأتى فيه تأثر بعامل في تصغير وتكبير وتكسير وتأنيث وتذكير، فلزم من ذلك بناء المضاف المذكور، وثبوت الفرق بينه وبين المقصور، فإن إعرابه يظهر في تصغيره كفتيّ، وفي تكسيره كفتية، وفي تأنيثه كفتاة، والمضاف إلى ياء المتكلم لا يظهر إعرابه في الأحوال الخمسة، فمن ادعى فيه إعرابا مقدرا فقد ادعى مالا دليل عليه، بخلاف المقصور فإن ظهور إعرابه في الأحوال الثلاثة يدل على صحة ما ذهب إليه.
وقد ينتصر له أيضا بأن يقال: لا أسلم خلو المضاف إلى ياء المتكلم من مناسبة الحرف، لأنه شبيه "بالذي" في أن آخره ياء كياء "الذي" في كونها بعد كسرة لازمة، وصالحة للحذف، وغير حرف إعراب، وفي أنه يتغير في التثنية تغيرا متيقنا، وفي الجمع تغيرا محتملا، والذي مناسب للحرف، ومناسب المناسب مناسب، فاستحقاق بناء المضاف إلى الياء بمناسبة الذي، شبيه باستحقاق بناء رَقاشِ بمناسبة نزالِ.
وهذا التوجيه والذي قبله من المعاني التي انفردت بالعثور عليها، دون سبق إليها.
وقولي: "ويكسر متلوها" أي متلو الياء، كقولك في: قلم: قلمِي، وتجرى

هذه الكسرة مجرى كسرة الإعراب في أنها تظهر في الحرف الصحيح، كظهورها في ميم قلم، وفي حرف العلة الجاري مجرى الصحيح كظبيي وصبيي ودلوي وفُلُوِّي، وتقدر في الحرف المعتل الذي لا يجرى مجرى الصحيح ويتبعها ما قبلها، كما يتبع ما قبل كسرة الإعراب، فيقال: هذا ابنمي، بكسر النون، كما تقول في الجر: مررت بابنم.
ومن أتبع في الفم فقال: نظرت إلى فمه، قال هنا: نظر إلى فمي.
وتقول فيما في آخره حرف علة بعد حركة: هذا داعِيّ ومولاي، ويابني ويابني، ورأيت مصطفى، وجاء بنيّ ومصطفى، والأصل: جاء بنوي ومصطفوي، ففعل بهما من القلب والإدغام، وفي تحويل بنوي إلى بني زيادة تبديل ضمة النون كسرة، فأشبه شيء به مرميّ، في أن أصله: مرمُوي، فأبدلت الضمة كسرة، والواو ياء وأدغمت، وكذا فعل ببنُوي حين قيل: بني.
ومن قال غير ما بُيِّن، فأجرى المنقوص مجرى الصحيح في ظهور كسرة الإعراب، لا يقول بها ماضِيي، لأن كسرة الإعراب عارضة متعرضة لأن تخلفها الفتحة والضمة، وهذه الكسرة لازمة لا يخلفها مع الإضافة إلى الياء غيرها، فكانت أثقل، ولذلك لم تظهر في اختيار ولا اضطرارا، بخلاف كسرة ماض ونحوه.
وقد دخل في حرف اللين الذي بعد حركة علامة التثنية نحو: جاء غلاماي، وعلامة الجمع نحو: جاء مكرمي، ومصطفى.
ثم قلت: "وتفتح الياء أو تسكن" فعلم من الإطلاق جواز الأمرين في نداء غيره.
ثم قلت: وإن نودي المضاف إليها إضافة تخصيص جاز أيضا حذفها، وقلبها ألفا، والاستغناء عنها بالفتحة" فعلم بهذا أن في الياء التي يضاف إليها غير المنادى وجهين مشهورين، وفي التي يضاف إليها المنادى خمسة أوجه.
يقال في غير النداء: جاء غلامِي وغلامي.
ويقال في النداء: يا غلامِي، ويا غلامَي، ويا غلامِ، ويا غلاما، ويا غلامَ بحذف الألف مع خفتها، لأنها بدل من الياء، فجرت مجراها في

الاستغناء عنها بحركة.
ثم قلت: "وربما وردت الثلاثة في غير نداء" فأشرت إلى نحو قوله تعالى: (فبشِّرْ عبادِ الذين يستمعون القول) بحذف الياء خطا ووقفا.
وإلى نحو قول الشاعر: أُطَوِّفُ ما أطوف ثم آوِي... إلى أُمَّا ويُرْويني النَّقيعُ وإلى نحو قول الآخر: ولستُ براجعٍ ما فات مني... بلَهْفَ ولا بلَيْتَ ولا لَوَ انِّي أراد: بقول: لهفا، والأصل: لهفى، فأبدل الياء ألفا دون نداء ثم حذفها واستغنى بالفتحة، كما حذفت الياء واستغنى بالكسرة.
وقيدت بالإضافة بأن تكون إضافة تخصيص احترازا من نحو: يا مكرمي، وأنت تريد الحال والاستقبال، فإن إضافته إضافة تخفيف، فالياء في نية الانفصال، كما يكون "زيد" في نية الانفصال إذا قلت: يامكرم زيد الآن أو غدا.
وإذا كانت في نية الانفصال لم تمازج ما اتصلت به، فتشبه بياء قاض فتشاركها في جواز الحذف.
والحاصل أنت ياء المتكلم المضاف إليها منادى هو اسم فاعل بمعنى الحال والاستقبال لا تحذف ولا تقلب ألفا، وإذا لم تقلب ألفا فلا يفتح ما قبلها، فليس لها حظ في غير الفتح والسكون.
وقد يستغنى بنية إضافة المنادى إلى الياء، ويجيء وكأنه غير مضاف، كما يفعل ذلك في غير النداء، أعني كون الاسم مضافا في المعنى، مفردا في اللفظ.
ومن ورود المنادى المضاف إلى الياء مكتفيا بالنية قراءة بعض القراء: (ربُّ السجن أحبُّ إليَّ) وأصله: يارب، فحذف الياء، ولذلك حسن حذف حرف النداء، لأنه لو حذف حرف النداء والإضافة غير منوية لكان مثل قولهم: افتد مخنوق، وهو قليل.
بخلاف الاستغناء بنية الإضافة عن المضاف إليه، فإنه كثير، والحمل على ما كثرت نظائره أولى من الحمل على ما قلت نظائره.
وأيضا لو كان غير منوي الإضافة لكان في الأصل صفة لأي، كما أن مخنوق في الأصل صفة لأي، وأسماء الله تعالى لا يوصف بها أي، فتعين كون الأصل: يارب.
"وتفتح في الحالين بعد حرف اللين التالي حركة، ويدغم فيها إن كان ياء أو واوا" نبهت به على أنه يقال في القاضي واثنين وابنين ومصطفين وعشرين: قاضيّ، واثنيّ، وابنيّ، وبنتيّ، ومصطفيّ، وعشريَّ، وكذا بنون وعشرون ومصطفون، لأنه يلتقي مع الياءين اللتين لم تكن إحداهما واوا.
وقصدت بالحالين حال غير النداء وحال النداء، وسكت عن التالية ألفا عند ذكر الإدغام، فعلم أن حكمها التخفيف والفتح مطلقا، نحو: غلاماي وفتاي.
ثم نبهت على أن هذيلا يقلبون ألف المقصور ياء ويدغمون، كقراءة الحسن: (يابُشْرَيّ هذا غلام) وكقول الشاعر: سَبَقوا هَوَيَّ وأعْنَقوا لهواهم... فَتُخَرِّموا ولكل جنب مصرعُ وفي دعاء بعض العرب: يا سيديّ، ويا موليّ.
وقولي: "وربما كسرت مدغما فيها أو بعد ألف" أشرت به إلى قراءة حمزة: (وما أنتم بمصرخيِّ) بالكسر، وإلى قول بعض العرب في: عصايَ: عصايِ.

وقرأ الحسن وأبو عمرو في شاذه، وهي لغة قليلة، أقل من كسر المدغم فيها، وممن روى كسر المدغم فيها أبو عمرو بن العلاء والفراء وقطرب، ومن شواهدها قول الراجز: قال لها هل لكِ ياتا فِيِّ... قالت له ما أنت بالمَرْضيِّ ومنها قول الشاعر: لعمرٍو عليِّ نعمةٌ بعد نعمةٍ... لوالده ليست بذاتِ عَقارِب كذا روي بكسر الياء من علي.
واللغة الجيدة أن يقال في إضافة: أب وأخ إلى الياء: أبي وأخي، كما جاء في القرآن الكريم، ويجوز عند أبي العباس: أبيّ وأخيّ، برد اللام وإدغامها في ياء المتكلم.
والذي رآه مسموع في الأب مقيس في الأخ، ومن شواهد السماع قول الراجز: كأن أبيِّ كَرَما وسُودا... يُلقى على ذي اللبد الجديدا والاستشهاد بهذا أقوى من الاستشهاد بقول الآخر: قَدَر أحَلّك ذا المجاز وقد أرى... وأبيّ مالك ذو المجاز بدار لاحتمال أن يريد قائل هذا الجمع، والذي قبله يتعين فيه الإفراد، بيلقى، إذ لو قصد الجمع لقال: يلقون.
ولم أجد شاهدا على أخيّ، لكن أجيزه قياسا على أبيّ كما فعل أبو العباس.
وأيضا إذا أضيف الفم إلى ظاهر أو ضمير جاز أن يضاف بالميم ثابتة، فيقال: كلمته من فمي إلى فمه، وجاز أن يضاف عاريا من الميم، فيقال: كلمته من فيّ

إلى فيه، والأصل: فيي بياءين، الأولى عين الكلمة، والثانية ياء المتكلم، فأدغمت الأولى في الثانية، ولا يجوز التخفيف كما جاز مع الأب والأخ، لأن الأب والأخ إذا وليتهما الياء مخففة كانا على حرفين، أحدهما فاء الكلمة، والآخر عينها، ولو فعل ذلك بفيّ بقي على حرف واحد، مع أنه اسم متمكن، وليس في الأسماء المتمكنة ما هو على حرف واحد، فاجتنب ما يلزمه منه عدم النظير.
ويجوز أن يقال: كلمته من فمي إلى فمه، وفم زيد أحسن من فم عمرو.
وفي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك" ولم يقل: لخلوف في الصائم، وهذا يدل على قلة علم من زعم عدم ثبوت الميم مع الإضافة، ويجوز بقلة في ضرورة شعر، كقول الشاعر: صَفَحْنا عن بني ذُهْل... وقلنا القومُ إخوان عسى الأيامُ أن يَرْجِعْـ... ـنَ قوما كالذي كانوا بضَرْبٍ فيه تَوْهينٌ... وتخضيعٌ وإقْران وطَعْن كفَم الزَّقِّ... غدا والزَّقُّ ملآنُ فلما صرّح الشَّرُّ... فأمسى وهو عُرْيان ولم يَبْقَ سوى العُدْوا... ن دِنَّاهم كما دانوا وعاب بعض أصحاب هذا المذهب على الحريري قوله: أدخله في فمه، وقرنه بتوأمه".
ولا عيب فيه لما ذكرته، والله أعلم.

جارٍ التحميل