شرح التسهيل لابن مالكصفحات 307-332

باب المبتدأ

صفحات 307-332
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن مالك
الكتاب
شرح تسهيل الفوائد
المؤلف
محمد بن عبد الله، ابن مالك الطائي الجياني، أبو عبد الله، جمال الدين (المتوفى: 672هـ)
المحقق
د. عبد الرحمن السيد، د. محمد بدوي المختون
الناشر
هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى (1410هـ - 1990م)
عدد الأجزاء
4 أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

وإذا ثبت تحمل الجامد ضميرا، ورفعه ظاهرا لتأوله بمشتق، لم يرتب في أن المشتق أحق بذلك، وقد حكم الكسائي وحده بذلك للجامد المحض، كقولك: هذا زيد، وزيد أنت.
وهذا القول وإن كان مشهورا انتسابه إلى الكسائي دون تقييد، فعندي استبعاد في إطلاقه، إذ هو مجرد عن دليل، ومقتحم بقائله أوعر سبيل.
والأشبه أن يكون الكسائي قد حكم بذلك في جامد عرف لمسماه معنى لازم لا انفكاك عنه، ولا مندوحة منه، كالإقدام والقوة للأسد، والحرارة والحمرة للنار، فإن ثبت هذا المذكور فقد هان المحذور، وأمكن أن يقال معذور.
وإلا فضعف رأيه في ذلك بين، واجتنابه متعين.
وأما الخبر المشتق إذا لم يرتفع به ظاهر لا لفظا نحو: زيد قائم غلامُه، ولا محلا نحو: عمرو مرغوب فيه، فلا بد من رفعه ضميرا، فإن جرى رافعه على صاحب معناه استكن الضمير دون خلاف، فإن برز فالبارز مؤكد للمستكن.
وإن جرى رافعه على غير صاحب معناه لزم إبرازه عند البصريين، والكوفيين عند خوف اللبس، كقولك: زيد عمرو ضاربه هو، والزيدان العمران ضاربهما هما، "فهو" فاعل مسند إليه ضاربه وهو عائد على زيد، والهاء عائدة على عمرو، و"هما" فاعل مسند إلى ضاربهما، وهو عائد على الزيدان، والمضاف إليه عائد على العمران، وأفرد "ضارب" المسند إليه المثنى، لأنه واقع موقع فعل مجرد مسند إلى فاعل بارز، فالإبراز في مثل هذا مجمع عليه، لكون المعنى ملتبسا بدونه، فلو كان المراد صدور الضرب من المبتدأ الثاني ووقوعه على الأول لاستكن الضمير بإجماع، لعدم الحاجة إلى إبرازه.
ومثال الإبراز المجمع عليه قول الشاعر: لكلِّ إلفَيْن بَيْنٌ بعد وصلهما... والفرقدان حِجاه مقتفيه هما والتزم البصريون الإبراز مع أمن اللبس عند جريان رافع الضمير على غير صاحب معناه، ليجرى الباب على سنن واحد.
وخالفهم الكوفيون فلم يلتزموا الإبراز عند

أمن اللبس، وبقولهم أقول لورود ذلك في كلام العرب، كقول الشاعر: قومي ذُرا المجد بانُوها وقد علمت... بكُنْهِ ذلك عدنانٌ وقحطان فقومي مبتدأ، وذرا المجد مبتدأ ثان، وبانوها خبر جار على ذرا المجد في اللفظ، وهو في المعنى لقومي، وقد استغنى باستكنان ضميره عن إبرازه لعدم اللبس، ومثله قول الشاعر أيضا: إن الذي لهواكِ آسَفَ رهطَه... لجديرةٌ أن تصطفيه خليلا ومثله أيضا قول الآخر: ترى أرْباقَهم مُتَقَلِّدِيها... إذا حَمِيَ الحديدُ على الكُماة وتكلف بعض المتعصبين فقال: تقدير البيت الأول: قومي بانو ذرا المجد بانوها، وتقدير البيت الثاني: لأنت جديرة أن تصطفيه، وتقدير البيت الثالث: ترى أصحابَ أرباقهم متقلديها.
والصحيح حمل الأبيات على ظاهرها، دون تكلف ما يتم المعنى بعدمه.
والكلام على المشتق الواقع نعتا وحالا كالكلام عليه إذا وقع خبرا، فمَنْ التزم إبراز الضمير عموما مع الخبر الجاري على غير صاحب معناه، التزمه مع النعت والحال الجاريين على غير ما هما له، أمن اللبس أو لم يؤمن، ومن لم يلتزم الإبراز في الخبر إلا عند خوف اللبس، لم يلتزمه في النعت والحال إلا عند خوف اللبس ومن النعت الجاري على غير ما هو له دون إبراز ضمير قراءة ابن أبي عبلة: (يُؤْذَنَ لكم إلى طعام غير ناظرين إناه) بخفض "غير".

وإن كان الجاري على غير ما هو له من خبر ونعت وحال فعلا، وأمن اللبس، اغتفر ستر الضمير، كقولك: زيد الخبز يأكله.
فلو خيف اللبس وجب الإبراز كقولك: غلام زيد يضربه هو، إذا كان المراد أن زيدا يضرب الغلام.
ص: والجملة اسمية وفعلية، ولا يمتنع كونها طلبية خلافا لابن الأنباري وبعض الكوفيين، ولا قسمية خلافا لثعلب.
ش: الجملة الواقعة خبرا إن كانت اسمية فمثالها: الله فضله عظيم، وإن كانت فعلية فمثالها: (الله يجتبي إليه من يشاء) ويدخل في الاسمية المصدرة بحرف عامل في المبتدأ، والشرطية المصدرة باسم غير معمول للشرط، ويدخل في الفعلية الشرطية المصدرة بحرف، أو باسم معمول للشرط، فمثال الإخبار بجملة مصدرة بحرف عامل في المبتدأ: (الله لا إله إلا هو) و (والذين يُمَسِّكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نُضيع أجر المصلحين) ومثال الإخبار بشرطية مصدرة باسم غير معمول للشرط: الله مَنْ يطعه ينج.
ومثال الإخبار بشرطية مصدرة بحرف: الله إن تسأله يعطك.
ومثال الإخبار بجملة شرطية مصدرة باسم معمول للشرط: الله مَنْ يَهد فلا مضل له.
ومنع أبو بكر بن الأنباري ومن وافقه الإخبار بجملة طلبية، نظرا إلى أن الخبر حقه أن يكون محتملا للصدق والكذب، والجملة الطلبية ليست كذلك.
وهذا

نظر واه، لأن خبر المبتدأ لا خلاف في أن أصله أن يكون مفردا، والمفرد من حيث هو مفرد لا يحتمل الصدق والكذب، فالجملة الواقعة موقعه حقيقة بأن لا يشترط احتمالها للصدق والكذب، لأنها نائبة عما لا يحتملهما.
وأيضا فإن وقوع الخبر مفردا طلبيا نحو: كيف أنت؟ ثابت باتفاق، فلا يمتنع ثبوته جملة طلبية بالقياس لو كان غير مسموع، ومع ذلك فهو مسموع شائع في كلام العرب، كقول رجل من طيء: قلتُ مَنْ عِيلَ صبرُه كيف يَسْلو... صاليا نارَ لَوْعة وغرام وروى عن ثعلب منع الإخبار بجملة قسمية، وهو أيضا منع ضعيف إذ لا دليل عليه، مع ورود الاستعمال بخلافه، كقول الله تعالى: (والذين هاجروا في الله مِنْ بعد ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئنَّهم في الدنيا حسنة) وكقول الشاعر: جَشَأتْ فقلت اللّذْ خشيت ليأتِيَنْ... وإذا أتاكِ فلاتَ حينَ مَناص ص: وإن اتحدت بالمبتدأ معنى هي أو بعضُها استغنت عن عائد، وإلا فلا، وقد يحذف إن علم ونصب بفعل أو صفة، لفظا أو محلا، ويجوز حذفه بإجماع إن كان مفعولا: [والمبتدأ كل أو شبهه في العموم والافتقار، ويضعف إن كان المبتدأ غير ذلك، ولا يخص جوازه بالشعر خلافا للكوفيين].
ش: فالجملة المتحدة بالمبتدأ معنى كحديث وكلام، ومنه ضمير الشأن والقصة كقوله تعالى: (قل هو الله أحد) وكقوله: (فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا) ومن الإخبار عن مفرد بجملة اتحدت به معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: "أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله".
والجملة المتحد بعضها بالمبتدأ معنى كل جملة تتضمن ما يدل على ما يدل عليه المبتدأ بإشارة أو غيرها، كقوله تعالى: (ولباس التقوى ذلك خير) وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وعاصم وحمزة، وكقوله تعالى: (والذين يُمَسِّكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين) لأن المصلحين هم الذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة، فيتحصل به ما كان يتحصل بضميره، مع تأكد الاعتناء، ومزيد الثناء.
ويكثر الاتحاد لفظا ومعنى تعظيما لأمر المحدَّث به، كقوله تعالى: (وأصحابُ اليمين ما أصحاب اليمين).
فإن لم يتحد بالمبتدأ معنى الجملة ولا بعضها لم تستغن عن ضمير، وإلى هذا أشرت بقولي: وإلا فلا، ونبهت بكون الجائز الحذف منصوب اللفظ والمحل بفعل أو صفة، على أن غير ذلك لا يحذف كالمرفوع مطلقا، وكالمنصوب بحرف، وكالمجرور بإضافة غير صفة.
ثم بينت جواز حذف الضمير إذا علم، ونصب بفعل أو صفة لفظا أو محلا.
فمثال المنصوب بفعل لفظا قول الشاعر: ثلاثٌ كلُّهن قتلتُ عمدا... فأخزى الله رابعة تعود

ومثال المنصوب بفعل محلا قول الآخر: فيومٌ علينا ويومٌ لنا... ويومٌ نساءُ ويوم نُسَرّ أراد الأول: ثلاث كلهن قتلتهن عمدا، وأراد الآخر: ويوم نساء فيه، ويوم نسر فيه.
ومثال المنصوب بصفة لفظا قول الراجز: غَناءُ نفس العفافُ المغنى... والخائفُ الإملاقِ لا يستغنى مثال المنصوب بصفة محلا قول الشاعر: سُبْلُ المعالي بنو الأعلين سالكة... والإرثُ أجدرُ مَنْ يَحْظَى به الولدُ ومثال الجائز حذفه بإجماع لكونه مفعولا به والمبتدأ كل، قراءة ابن عامر: (وكلٌّ وعد الله الحسنى)، ومثال ذلك قول الراجز: قد أصبحتْ أمُّ الخيار تدّعي... عليّ ذنبا كلُّه لم أصنع فلو كان المبتدأ غير كل، والضمير مفعول به، لم يجز عند الكوفيين حذفه مع بقاء الرفع إلا في الاضطرار، والبصريون يجيزون ذلك في الاختيار، ويرونه ضعيفا، ومنه قراءة السلمي: (أفحكمُ الجاهلية يَبْغون) بالرفع.
ومثل هذه القراءة

قول الشاعر: وخالدٌ يَحمدُ أصحابُه... بالحقِّ لا يُحْمَدُ بالباطل هكذا رواه أبو بكر بن الأنباري برفع خالد وأصحابه.
ص: ويغني عن الخبر باطراد ظرف، أو جرف جر تامٌ معمول في الأجود لاسم فاعل كَوْنٍ مطلقا، وفاقا للأخفش تصريحا ولسيبويه إيماء، لا لفعله، ولا للمبتدأ، ولا للمخالفة، خلافا لزاعمي ذلك.
وما يعزى للظرف من خبرية وعمل فالأصح كونه لعامله، وربما اجتمعا لفظا.
ش: ذهب الكوفيون إلى أن الظرف من نحو: زيد خلفك، منصوب بمخالفته المبتدأ، حكاه ابن كيسان والسيرافي.
وهذا القول فاسد من أربعة أوجه: أحدها: أن تخالف المتباينين في معنًى نسبته إلى كل واحد منهما كنسبته إلى الآخر، فإعماله في أحدهما ترجيح من غير مرجح.
الثاني: أن المخالفة بين الجزأين محققة في مواضع كثيرة، ولم تعمل فيها بإجماع، نحو: أبو يوسف أبو حنيفة، وزيد زهير، ونهارك صائم.
وأنت فطر، وهم درجات، فلو صلحت المخالفة للعمل في الظرف المذكور لعملت في هذه الأخبار ونحوها لتحقق المخالفة فيها.
الثالث: أن المخالفة معنى لا تختص بالأسماء دون الأفعال، فلا يصح أن تكون عاملة، لأن العامل عملا مجمعا عليه لا يكون غير مختص، هذا إذا كان العامل لفظا، مع أنه أقوى من المعنى، فالمعنى إذا عدم الاختصاص أحق بعدم العمل لضعفه.
الرابع: أن المخالفة لو كانت صالحة للعمل لزم على مذهب الكوفيين ألا تعمل في الظرف عند تأخره، لأن فيه عندهم عائدا هو رافع المبتدأ مع بعده بالتقدم،

فإعمال ذلك العائد في الظرف لقربه منه أحق.
فبان بهذه الأوجه فساد ما ذهب إليه الكوفيون.
وذهب ابن خروف إلى أن عامل النصب في الظرف المذكور المبتدأ نفسه، وقال: هو مذهب سيبويه، وحمله على ذلك أن سيبويه قال في باب ما ينتصب من الأماكن والوقت: قد تنتصب لأنها موقوع فيها، ومكون فيها، وعمل فيها ما قبلها، كما أن العِلْم إذا قلت: أنت الرجل علما، عمل فيه ما قبله، وكما عمل في الدرهم عشرون إذا قلت: عشرون درهما ثم قال سيبويه: "فالمكان هو خلفك" ثم أردفه بنظائر وقال: "فهذا كله انتصب على ما هو فيه وهو غيره، وصار بمنزلة المنون الذي عمل فيما بعده نحو العشرين، ونحو: خير منك عملا، فصار: زيد خلفك، بمنزلة ذلك، والعامل في خلف الذي هو في موضعه، والذي هو في موضع خبره، كما أنك إذا قلت: عبد الله أخوك، فالآخر رفعه الأول، وعمل فيه، وبه استغنى الكلام، وهو منفصل منه" هذا نصه، وهو يحتمل أربعة أوجه: أحدها: كون الظرف منصوبا بعامل معنوي، وهو حصول المبتدأ فيه، بقوله: فانتصبت لأنها موقوع فيها، ومكون فيها.
ويحتمل قوله: عمل فيها ما قبلها على عمل المبتدأ في المحل.
فيكون للظرف على هذا التقدير عامل نصب في لفظه وهو المعنى المذكور، وعامل رفع في محله وهو المبتدأ، وهذا الوجه باطل إذ لا قائل به، ولأن الحصول لو عمل في الظرف العرفي وهو الخلف وشبهه لعمل في الظرف اللغوي كالكِيس والكُوز، فكان يقال: المالُ الكيسَ، والماءُ الكوزَ، بالنصب، بل الحصول المنسوب إلى الكيس والكوز ونحوهما أولى بالعمل، لأنه حصول إحاطة وإحراز، وإذا لم يصلح للعمل وهو أقوى، فغيره بعدم العمل أولى.
والوجه الثاني: "كون الظرف منصوبا بالمخالفة كقول الكوفيين، فإنه يوهمه سيبيوه بقوله في الباب المذكور: فهذا كله انتصب على ما هو فيه وهو غيره"

فظاهر هذا القول شبيه بما حكاه ابن كيسان من قول الكوفيين: إن الظرف منصوب بالمخالفة، لأنك إذا قلت: زيد أخوك، فالأخ هو زيد.
وإذا قلت: زيد خلفك، فالخلف ليس بزيد، فمخالفته له عملت فيه النصب، وقد تقدم إبطال هذا القول.
فسيبويه بريء ممن عوّل عليه، وجنح إليه، لأنه قال حين مثل بظروف بعد مبتدآت: "وعمل فيها ما قبلها" وهذه عبارة لا تصلح أن يراد بها إلا شيء متقدم على الظرف، والمخالفة بخلاف ذلك.
فتيقن أن مراده غير مراد الكوفيين.
الوجه الثالث: ما ذهب إليه ابن خروف من أن عامل النصب في الظرف المذكور المبتدأ نفسه، واحتماله أظهر من الوجهين المتقدمين، وهو أيضا مخالف لمراد سيبويه.
وسأبين ذلك إن شاء الله تعالى، ولو قصد ذلك سيبيوه نصا لم يُعَوَّل عليهن لأنه يبطل من سبعة أوجه: أحدها أنه قول مخالف لما اشتهر عن البصريين والكوفيين، مع عدم دليل، فوجب اطراحه.
الثاني: أن قائله يوافقنا على أن المبتدأ عامل رفع، ويخالفنا بادعاء كونه عامل نصب، وما اتفق عليه إذا أمكن أولى مما اختلف فيه، ولا ريب في إمكان تقدير خبر مرفوع ناصب للظرف، فلا عدول عنه.
الثالث من مبطلات قول ابن خروف: أنه يستلزم تركيب كلام تام من لفظين: ناصب ومنصوب، لا ثالث لهما، ولا نظير له، فوجب اطراحه.
الرابع: أنه قول يستلزم ارتباط متباينين دون رابط، ولا نظير لذلك، ومن ثمّ لم يكن كلاما نحو: زيد قام عمرو، حتى يقال: إليه، أو نحوه.
الخامس: أن نسبة الخبر من المبتدأ كنسبة الفاعل من الفعل، والواقع موقع الفاعل من المنصوبات لا يغني عن تقدير الفاعل، فكذا الواقع موقع الخبر من المنصوبات لا يغني عن تقدير الخبر.
السادس: أن الظرف الواقع موقع الخبر من نحو: زيد خلفك، نظير المصدر من نحو: ما أنت إلا سيرا، في أنه منصوب مغن عن مرفوع، والمصدر منصوب بغير المبتدأ، فوجب أن يكون الظرف كذلك، إلحاقا للنظير بالنظير.
السابع: أن عامل النصب في غير الظرف المذكور بإجماع من ابن خروف ومنا لا يكون إلا فعلا أو شبيهه، أو شبيه شبيهه، والمبتدأ لا يشترط فيه ذلك، فلا يصح

انتصاب الظرف المذكور به.
الوجه الرابع من محتملات كلام سيبويه: أن ينتصب الظرف المذكور بمستقر أواستقر أو شبههما، وكلام سيبويه قابل لاستنباط ذلك منه، لأنه قال قاصدا للظروف الواقعة بعد المبتدأ: وعمل فيها ما قبلها، كما أن العِلْمَ إذا قلت: أنت الرجل علما، عمل فيه ما قبله.
فما قبلها يحتمل أن يريد به الذي قبلها في اللفظ وهو المبتدأ، ويحتمل أن يريد به الذي قبلها في التقدير وهو مستقر أو استقر أو شبههما، إلا أن الاحتمال الأول يفضي إلى المحذورات المتقدم ذكرها، والاحتمال الثاني لا يفضي إليها، فكان أولى بمراده، ويؤيد أولويته في إرادته أنه شبه ناصب الظرف بما نصب التمييز في قوله: خير عملا، وناصب التمييز خبر لا مبتدأ، فينبغي أن يكون ناصب الظرف خبرا لا مبتدأ، فإن ذلك أليق بالنظير، وأوفق في التقدير.
وكذا قوله: "فهذا كله انتصب على ما هو فيه وهو غيره" يحتمل أن يريد بما هو فيه المبتدأ، ويحتمل أن يريد به ما حذف من مستقر ونحوه وهو الأولى، لما ذكرت من أن تقديره لا يفضي إلى المحذورات السالفة، ويؤيد ذلك أيضا قوله: "وهو غيره" أي ما هو في الظرف غير المبتدأ، واحتاج إلى هذه العبارة لينبه على أن بين الظرف والمبتدأ مقدرا، وهو خبر للمبتدأ، وعامل في الظرف، وأنه غير للمبتدأ، ولا يصح أن يعاد هو إلى المبتدأ، والهاء من غيره إلى الظرف، لأن الإعلام بذلك إعلام بما لا يجهل، بخلاف الإعلام بأن ثم مقدرا هو غير المبتدأ وعامل في الظرف، فإن الحاجة داعية إليه.
ويتأيد ذلك أيضا بقوله: "وصار بمنزلة المنون الذي عمل فيما بعده، نحو العشرين، ونحو خير منك عملا" فإن في "صار" ضميرا عائدا على ما هو فيه وهو غيره، وقد ثبت أنه ما يقدر من مستقر ونحوه، وجعل نسبة هذا المقدر من الظرف كنسبة خير من عملا، وفيه أيضا إشعار بأنه لا يريد بما المبتدأ بل الخبر المقدر، لأن خيرا من قوله: "خير عملا" خبر مبتدأ محذوف تقديره: أنت أو هو خير عملا، وجعل ما هو خبر نظيرا لخبر، أولى من جعله نظيرا لمبتدأ.
ثم قال: "فصار زيد خلفك بمنزلة ذلك" أي صار زيد قبل خلفك بمنزلة مستقر، لأنه يدل عليه، ويجعله في الذهن مشارا إليه، ثم قال: والعامل في خلف الذي هو في موضعه"

أي الذي خلف في موضعه، والذي خلف في موضعه هو مستقر أو نحوه من أسماء الفاعلين، فإنه الخبر في الحقيقة، فالظرف في موضعه لأنه عمدة، والظرف فضلة، ثم قال: والذي هو في موضع خبره" يعني استقر ونحوه من الأفعال الدالة على كون مطلق، فإن الظرف إذا علق بفعل فذلك الفعل في موضع الخبر الأصلي، وهو اسم الفاعل، فأشار سيبويه بهذا إلى جواز تعليق الظرف باسم فاعل وبفعل، ونبه على أن تقدير اسم الفاعل أولى، بأن أضاف الموضع إلى ضميره، ولو قال: أو الذي هو في موضع خبره، لكان أبين، لكن من كلام العرب وقوع الواو موقع أو حيث لا تصلح الجمعية، كقوله تعالى: (مَثْنى وثُلاث ورُباع) ووقوع أو موقع الواو حيث تتعين الجمعية، كقول الشاعر: مِن بين مُلْجِم مُهْرِه أو سافِع ويدل على أن تقدير اسم الفاعل أولى أربعة أوجه: أحدها: أن اجتماع اسم الفاعل والظرف قد ورد، كقول الشاعر: لكَ العِزُّ إنْ مَوْلاك عَزَّ وإن يَهُن... فأنت لدى بُحْبُوحَةَ الهُونِ كائن ولم يرد اجتماع الفعل والظرف في كلام يستشهد به، وإلى هذا البيت ونحوه أشرت بقولي: "وربما اجتمعا لفظًا".
الثاني: أن الفعل لا يغني تقديره عن تقدير اسم الفاعل ليستدل على أنه في موضع رفع، واسم الفاعل مغن عن تقديره، وتقدير ما يغني أولى من تقدير ما لا يغني.
الثالث: أن كل موضع وقع فيه الظرف المذكور صالح لوقوع اسم الفاعل، وبعض مواضعه غير صالح للفعل، نحو: أمّا عندك فزيد، وجئت فإذا عندك

زيد، لأن "أمّا" وإذا المفاجأة لا يليهما فعل.
الرابع: أن الفعل المقدر جملة بإجماع، واسم الفاعل عند المحققين ليس بجملة، والمفرد أصل، وقد أمكن، فلا عدول عنه.
فلهذه المرجحات وافقت الأخفش بقولي في الأصل: "معمول في الأجود لاسم فاعل كون مطلق، وفاقا للأخفش تصريحا، ولسيبويه إيماء" وخالفت ما ذهب إليه أبو علي والزمخشري من جعل الظرف جملة.
ورجح بعضهم تقدير الفعل بأنه متعين في صلة الموصول، وهذا ليس بشيء، لأن الظرف الموصول به واقع موقعا لا يغني فيه المفرد، بل إذا وقع فيه مفرد تأول بالجملة، والظرف المخبر به واقع موقعا هو للمفرد بالأصالة، وإذا وقعت الجملة فيه تأولت بمفرد، فلا يصلح أن يعامل أحدهما معاملة الآخر.
ونبهت بقولي: "لاسم فاعل كون مطلق" على أن اسم فاعل كون مقيد، كمعتكف، وقارئ لا يغني عنه مجرد ذكر الظرف إذا قصد البيان.
والذي اخترته من تعرية الظرف من الخبرية والعمل هو مذهب أبي الحسن بن كيسان، وهو الظاهر من قول السيرافي، وتسميته خبرا على الحقيقة غير صحيح، وكذا إضافة العمل إليه لا تصح إلا على سبيل المجاز.
وللكلام في هذا مواضع يأتي ذكرها إن شاء الله تعالى معتضدا بعضها ببعض.
والكلام على حرف الجر المستغنى به كالكلام على الظرف، وقيدته بالتمام تنبيها على أن الناقص لا يغني، وهو ما لا يفهم بمجرد ذكره وذكر معموله ما يتعلق به، نحو: زيد عنك، وعمرو بك، فلا بد لنحو هذين من ذكر المتعلق به نحو: زيد عنك معرض، وعمرو بك واثق، فإن فهم المراد بدليل جاز الحذف نحو قولك: "أما زيد فبعمرو مأخوذ، وأما بشر فبخالد، أي فبخالد مأخوذ، فحذف مأخوذ لدلالة الأول عليه.
وحرف الجر التام ما يفهم ما تعلق به بمجرد ذكره نحو: (الحمد لله) و (والأمر إليك) و (مَثَلُ نوره كمِشْكاة).

ص: ولا يغني ظرف زمان غالبا عن خبر اسم عين، ما لم يشبه اسم المعنى بالحدوث وقتا دون وقت، أو تُعْنَ إضافة معنى إليه، أو يَعُمّ واسم الزمان خاص أو مسئول به عن خاص.
ويغني عن خبر اسم معنى مطلقا، فإن وقع في جميعه أو أكثره وكان نكرة رفع غالبا، ولم يمتنع نصبه ولا جره بفي خلافا للكوفيين.
وربما رفع خبرا الزمانُ الموقوعُ في بعضه.
ش: لا يفيد الاستغناء بظرف زمان عن خبر اسم عين غالبا إلا إذا كان العين مثال المعنى في حدوثه وقتا دون وقت، كالرطب والكمأة، فإن الاستغناء عن خبر هذا النوع بظرف الزمان يفيد، كقولك: الرطب في شهر كذا، والكمأة في فصل الربيع.
وكذلك إذا كان دليل على إضافة معنى إلى العين كقولك: "أكل يوم كذا ثوب تلبَسُه، وأكل ليلة ضيف يؤمك"، ومنه قول الراجز: أكُلَّ عام نَعَم تَحْوُونه... يُلْقِحُه قوم وتُنْتِجُونه أي: أكل يوم تَجَدُّدُ ثوب تلبسه، وأكلَّ ليلة إتيانُ ضيف يؤمك، وأكل عام إحراز نعم.

وكذا إن عم المبتدأ وكان اسم الزمان خاصا، أو مسئولا به عن خاص، كقولك: نحن في شهر كذا، وفي أي الفصول نحن؟ وأشرت بقولي: "غالبا" إلى أنه قد يُخبَر عن اسم عين بظرف زمان في غير ذلك إذا ثبت دليل، كقول امرئ القيس: اليوم خمر، وغدا أمر، وكذا قول الشاعر: جارتي للخَبِيض والهِرُّ للفأ... ر وشاتي إذا أردت مجيعا وأما اسم المعنى فيغني عن خبره ظرف الزمان الموقوع في بعضه، والموقوع في جميعه، لكن الموقوع في جميعه إن كان نكرة فرفعه أكثر من نصبه، كقوله تعالى: (وحمله وفِصاله ثلاثون شهرا) وكقوله تعالى: (غُدُوُّها شهر ورواحها شهر) وكذا الموقوع في أكثره كقوله تعالى: (الحجُّ أشهرٌ معلومات) ولو جُرّ هذا النوع بفي، أو نصب على مقتضى الظرفية لم يمتنع عند البصريين، وامتنع عند الكوفيين، وحجتهم في المنع من ذلك صون اللفظ عما يوهم التبعيض فيما يقصد به الاستغراق، وهذا مبني على قول بعضهم إن "في" للتبعيض، حكاه السيرافي.
وليس ذلك بصحيح، وإنما "في" حرف مفهومه الظرفية بحسب الواقع في مصحوبها، فإن كان

الواقع يستلزم استغراقا كالصّوم بالنسبة إلى النهار، فلا يمنع منه معنى "في" ولا لفظها، وإن كان صالحا للاستغراق وغيره فصلاحيته لذلك موجودة قارنته "في" أو لم تقارنه، ولذلك صح في الاستعمال أن يقال: في الكيس درهم، وأن يقال: في الكيس ملؤه من الدراهم.
فعلم بهذا أن القول ما قاله البصريون، والله أعلم.
ومثال رفع الزمان الموقوع في بعضه قولك: الزيارة يوم الجمعة.
ولا فرق في هذا بين المعرفة والنكرة، وروى قول النابغة: زعم البَوارحُ أن رحلتنا غدا... وبذاك خبرنا الغُرابُ الأسود بنصب "غد" ورفعه، ذكر ذلك السيرافي، والوجهان في هذا النوع جائزان بإجماع، إلا أن النصب أجود، لأن الحذف معه أقيس، واستعماله أكثر، وإلى هذا أشرت بقولي: وربما رُفع الزمان الموقوع في بعضه.
ص: ويُفْعَل ذلك بالمكان المتصرف بعد اسم عين، راجحا إن كان المكاني نكرة، ومرجوحا إن كان معرفة، ولا يخص رفع المعرفة بالشعر، أو بكونه بعد اسم مكان خلافا للكوفيين.
ويكثر رفع الوقت المتصرف من الظرفين بعد اسم عين مقدّرا إضافة بُعْدٍ

إليه، ويتعين النصب في نحو: أنت مني فرسخين، بمعنى: أنت من أشياعي ما سرنا فرسخين.
ش: "ذلك" من قولي: ويفعل ذلك "إشارة إلى الرفع المفهوم من قولي: وربما رفع خبرا الزمان الموقوع في بعضه" وراجحا ومرجوحا حالان من "ذلك" المشار به إلى الرفع.
ومثال ما قصد مما يكون الرفع فيه راجحا لتنكير الظرف المكاني مع كونه مؤقتا متصرفا مخبرا به عن اسم عين قولهم: المسلمون جانب، والمشركون جانب، ونحن قدام، وأنتم خلف، والنصب جائز عند البصريين وعند الكوفيين، ومن زعم أن مذهب الكوفيين في مثل هذا التزام الرفع فقد وهم.
فإن كان اسم المكان معرفة متصرفا اختير النصب، وجاز الرفع عند البصريين، ولم يجز عند الكوفيين إلا في الشعر إذا كان المخبر عنه اسم مكان كقولك: داري خلفك، ومنزلي أمامك.
ويكثر رفع الظرف متصرفا مؤقتا إذا وقع بعد اسم عين مقدرٍ إضافة بُعْدٍ إليه، كقولك: زيد مني يومان أو فرسخان، أي: بعد زيد مني يومان أو فرسخان.
وقريب منه: دارك من خلف داري فرسخان ونصب فرسخين وشبههما في مثل هذا الوجه أجود منه في نحو: زيد مني فرسخان، ونصب فرسخين في نحو: دراك خلف داري فرسخين، على التمييز، أجود من نصبه ظرفا.
فإن قلت: أنت مني فرسخين، على تأويل: أنت من أشياعي ما سرنا فرسخين، تعين النصب، وكان "أنت" مبتدأ، ومني خبره، وفرسخين ظرفا، ومعنى"مني" من

أشياعي وأصحابي وأهلي، كقول الله تعالى ? حاكيا عن إبراهيم عليه السلام: (فمن تَبِعني فإنه مني).
ص: ونصب اليوم إن ذكر مع الجمعة ونحوها ممّا يتضمن عملا جائز، إلا أن ذكر مع الأحد ونحوه مما لا يتضمن عملا، خلافا للفراء وهشام.
وفي الخلْف مخبرا به عن الظَّهر رفعٌ ونصب، وما أشبههما كذلك، فإن لم يتصرف كالفوق والتحت لزم نصبه.
ش: إذا قلت: اليومُ الجمعةُ، واليوم السبت، جاز نصب اليوم، لأن الجمعة بمعنى الاجتماع، والسبت بمعنى الراحة.
وكذا اليوم العيد، واليوم الفطر، واليوم النّوروز، كل هذه يجوز معها نصب اليوم بلا خلاف، لأن ذكرها منبه على عمل يوقَع في اليوم، بخلاف قولك: اليومُ الأحدُ، واليوم الاثنان، واليوم الثلاثاء، واليوم الأربعاء، واليوم الخميس، فإنها بمنزلة اليوم الأول، واليوم الثاني، واليوم الثاث، واليوم الرابع، واليوم الخامس، فلذلك لايجوز في اليوم معها إلا الرفع، هذا مذهب النحويين إلا الفراء وهشاما، فإنهما أجازا النصب على معنى: الآن الأحد، والآن الاثنان، ومعنى هذا أن الآن أعم من الأحد والاثنين، فيجعل الأحد والاثنين واقعا في الآن، كما تقول: هذا الوقت، هذا اليوم، وقد قال سيبويه ما يقوي هذا، لأنه أجاز: اليومَ يومك، بنصب اليوم بمعنى الآن، وقال: "لأن الرجل قد يقول: أنا اليوم أفعل ذلك، ولا يريد يوما بعينه" فهذا مما يقوي قول الفراء.
وللمحتج لسيبويه أن يقول: إن قول القائل: اليوم يومك، بمعنى: اليوم أمرك الذي تذكرته، فأجريا مجرى واقع وموقوع فيه، بخلاف: اليوم الأحد.

وتقول: ظهرك خلفَك، بنصب الخلف على الظرفية، ويجوز رفعه لأنه الظهر في المعنى، مع أنه متصرف.
ومثله في جواز الوجهين: رجلاك أو نعلاك، أسفلَك وأسفلُك، وقرئ: (والركب أسفلُ منكم) وأسفل.
فلو كان الظرف غير متصرف تعين نصبه، وإن كان هو الأول في المعنى، ولذلك قال أبو الحسن الأخفش: اعلم أن العرب تقول: فوقَك رأسك، فينصبون الفوق، لأنهم لم يستعملوه إلا ظرفا، والقياس أن يرفع لأنه هو الرأس، وهو جائز، غير أن العرب لم تقله، قال: وتقول: تحتَك رجلاك، لا يختلفون في نصب التحت.
ص: ويغني عن خبر اسم عين باطراد مصدرٌ يؤكده مكرّرا أو محصورا، وقد يرفع خبرا وقد يغني عن الخبر غيرُ ما ذكر من مفعول به وحال.
ش: الاستغناء عن خبر اسم عين بمصدر مكرر نحو قولهم: زيدٌ سيرا سيرا، وبمصدر محصور كقولهم: إنما أنت سيرا.
والأصل: زيد يسير سيرا، فحذف الفعل واستغنى عنه بمصدره، وجعل تكرره بدلا من اللفظ بالفعل، فامتنع إظهاره، لئلا يجتمع عوض ومعوض منه.
وكذلك الأصل: إنما أنت تسير سيرا، فحذف الفعل، واستغنى عنه بمصدره، وقام الحصر مقام التكرار في سببية التزام الإضمار.
وقد يجعل هذا النوع من المصادر خبرا قصدا للمبالغة، فيرفع، نحو: فإنّما هي إقبالٌ وإدْبار وأشرت بقولي: "وقد يغني عن الخبر غيرُ ما ذكر من مفعول به وحال" إلى قول بعض العرب: إنما العامريُّ عمامتَه، ويروى: إنما العامرِي عمّتَه، فمن روى:

عمامته، جعله مفعولا به، كأنه قال: إنما العامري يتعهد عمامته، ومن روى: عمته، نصبه على المصدرية، كأنه قال: إنما العامري يتعمم عمَّته، فيكون نظير: إنما أنت سيرا، ولا يكون من القليل، بل من الكثير المطرد.
ومن الاستغناء عن خبر المبتدأ بالمفعول به ما رواه الكوفيون من قول العرب: حسبت العقرب أشدَّ لسعة من الزُّنبور فإذا هو إياها.
أي: فإذا هو يساويها.
ومن الاستغناء عن خبر المبتدأ بالمفعول به أن يكون الخبر فعل قول، فيحذف ويستغنى بالمقول، كقوله تعالى: (والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم) أي يقولون: ما نعبدهم: فيقولون خبر، وما نعبدهم في موضع نصب به، فأغنى عنه، وحذف.
ومثله: (فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم) أي: فيقال لهم: أكفرتم بعد إيمانكم.
ومن الاستغناء عن خبر المبتدأ بحال مغايرة لما تقدم ذكره ما روى الأخفش من قول بعض العرب: زيد قائما، والأصل: ثبت قائما، أو عرف قائما.
وأسهل منه ما حكاه الأزهري من قول بعض العرب: "حكمك مُسَمَّطا" أي حكمك لك مُثَبِّنا، فحكمك مبتدأ، خبره لك، ومسمطا حال استغنى بها، وهي عارية من الشروط المعتبرة في نحو: ضربي زيدا قائما.
وعلى مثل هذا يحمل في الأجود قول النابغة الجعدي رحمه الله تعالى: بَدَتْ فعلَ ذي وُدٍّ فلما تبعتها... تَوَلَّتْ وأبقت حاجتي في فؤاديا وحَلّت سوادَ القلب لا أنا باغيا... سِواها ولا في حبِّها متراخيا أي: لا أُرى باغيا، فحذف الفعل، وجعل "باغيا" دليلا عليه، وهو أولى

من جعل "لا" رافعة "لأنا" اسما، ناصبة باغيا خبرا، فإن إعمال "لا" في معرفة غير جائز بإجماع.
ص: وقد يكون للمبتدأ خبران فصاعدا، بعطف وغير عطف، وليس من ذلك ما تعدد لفظا دون معنى، ولا ما تعدد صاحبه حقيقة أو حكما.
ش: تعدد الخبر على ثلاثة أضرب: أحدها: أن يتعدد لفظا ومعنى لا لتعدد المخبر عنه كقوله تعالى: (وهو الغفورُ الودودُ ذو العرش المجيدُ فعّالٌ لما يريد) وكقول الراجز: مَنْ كان ذابَتٍّ فهذا بَتِّي... مُقَيِّظٌ مُصَيِّفٌ مُشَتِّي ومثله قول الشاعر: ينامُ بإحدى مُقْلتَيْه ويَتَّقي... بأخرى المنايا فهو يَقْظانُ نائم وعلامة هذا النوع صحة الاقتصار على واحد من الخبرين أو الأخبار.
والثاني: أن يتعدد لفظا ومعنى لتعدد المخبر عنه حقيقة كقولك: بنو زيد فقيه ونحوي وكاتب.
ومنه قول الشاعر: يداك يدٌ خيرُها يُرْتَجى... وأُخرى لأعدائها غائظة أو لتعدد المخبر عنه حكما، كقوله تعالى: (اعلموا أنما الحياة الدنيا لعبٌ ولهوٌ وزينةٌ وتفاخر بينكم وتكاثرٌ في الأموال والأولاد) وكقول الشاعر: والمرءُ ساعٍ لأمرٍ ليس يدركُه... والعيشُ شُحٌّ وإشفاقٌ وتأميل

والثالث: أن يتعدد لفظا دون معنى، لقيامه مقام خبر واحد في اللفظ، كقولك: هذا حامض حلو، بمعنى مُزٌّ، وكقولك: هو أعسر يسر، بمعنى: أضبط، أي: عامل بكلتا يديه.
فما كان من النوع الأول صح أن يقال: فيه خبران وثلاثة بحسب عدده.
وما كان من النوع الثاني والثالث فلا يعبر عنه بغير الوحدة إلا مجازا، لأن الإفادة لا تحصل فيه عند الاقتصار على بعض المجموع.
ويجوز استعمال الأول بعطف ودون عطف، بخلاف الثاني فلا يستعمل دون عطف، وأما الثالث فلا يستعمل فيه العطف، لأن مجموعه بمنزلة مفرد، فلو استعمل فيه العطف لكان كعطف بعض كلمة على بعض.
وقد أجاز العطف أبو علي، فعنده أن قول القائل: هذا حلو وحامض جائز، وليس كذلك، لما ذكرته.
ص: وإن توالت مبتدآتٌ أُخْبِر عن آخرها مجعولا هو وخبره خبرَ متلوه، والمتلو مع ما بعده خبر متلوه، إلى أن تخبر عن الأول بتاليه مع ما بعده، ويضاف غيره إلى ضمير متلوه، أو يجاء بعد خبر الآخر بروابط المبتدآت أول لآخر، وتال لمتلو.
ش: توالي المبتدآت على ضربين: أحدهما بتجرد، والآخر بإضافة.
فمع التجرد يخبر عن آخرها، ويجعل هو وخبره خبر متلوه، والمتلو مع ما بعده خبر متلوه، إلى أن يخبر عن الأول بتاليه مع ما بعده، ويؤتى بعد خبر الآخر بروابط مجعولا أولها للأقرب، وتاليه لمتلو الأقرب، إلى أن يكون آخرها لأول المبتدآت، نحو: بنوك الزيدان هند عمرو الدراهم أحطته بها عندهما في دارهم.
ومع الإضافة يخبر عن الآخر، ويجعل هو وخبره خبر متلوه، والمتلو مع ما بعده خبر متلوه، إلى أن يخبر عن الأول بتاليه مع ما بعده، نحو: زيد عمه خاله أخوه أبوه قائم، فقائم خبر الأب، والأب وخبره خبر الأخ، والأخ وخبره خبر الخال، والخال وخبره

خبر العم، والعم وخبره خبر زيد، والمعنى: أبو أخي خال عم زيد قائم.
فصل: ص: تدخل الفاء على خبر المبتدأ وجوبا بعد أمّا، إلا في ضرورة أو مقارنة قولٍ أغنى عنه المقول، وجوازا بعد مبتدأ واقع موقع "مَنْ" الشرطية، أو "ما" أختها.
وهو "ال" الموصولة بمستقبل عام، أو غيرها موصولا بظرف أو شبهه، أو بفعل صالح للشرطية.
أو نكرةٌ عامة موصوفة بأحد الثلاثة، أو مضاف إليها مشعر بمجازاة، أو موصوف بالموصول المذكور، أو مضاف إليه.
وقد تدخل على خبر كُلٍّ مضاف إلى غير موصوف، أو على موصوف بغير ما ذكر.
ولا تدخل على خبر غير ذلك خلافا للأخفش، وتزيلها نواسخ الابتداء إلا إنّ وأنّ ولكن على الأصح.
ش: نسبة خبر المبتدأ من المبتدأ كنسبة الفاعل من الفعل، لأنه معمول أول الجزأين وثانيهما، فحق الخبر ألا تدخل عليه الفاء، كما لا تدخل على الفاعل، فإذا دخلت فلا بد لدخولها من سبب، والسبب على ضربين، موجب ومجوز: فالموجب تقدم أمّا، كقوله تعالى (فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحقٌّ من ربهم) ولا تحذف بعد "أمّا" إلا في ضرورة كقول الشاعر: فأمّا القتالُ لا قتالَ لديكم... ولكن سيرٌ في عِراض المواكب أو مع قول مخبر به مستغنى عنه بمقوله، كقوله تعالى: (فأما الذين اسودت وجوهُهم أكفرتم بعد إيمانكم؟ فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون) أي: فيقال لهم: أكفرتم.

والمجوز لدخول الفاء على الخبر كون المبتدأ واقعا موقع مَنْ الشرطية أو "ما" أختها، فيتناول ذلك "أل" الموصولة بما يقصد به الاستقبال والعموم، كقوله تعالى: (والسارقُ والسارقة فاقطعوا أيديهما) فلو قصد به مضى أو عهد فارق "أل" شبه من وما، فلم يؤت بالفاء.
ومثال غير "أل" موصولا بظرف قول الشاعر: ما لدى الحازم اللبيب معارا... فمصونٌ وما لَهُ قد يَضيع ومثال الموصول بشبه الظرف قول الله تعالى: (وما بكم من نعمة فمن الله).
ومثال الموصول بفعل صالح للشرطية قوله تعالى: (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم) وقرأ نافع وابن عامر: "بما كسبت" بحذف الفاء، فدل ذلك على أمرين: أحدهما: أن ما هذه موصولة لا شرطية، إذ لو كانت شرطية للزمت الفاء، لأن بما كسبت لا يصلح أن يكون شرطا، فإن الفاء لا تفارقه إلا في ضرورة.
والثاني: أن اقتران الفاء بخبر المبتدأ الذي نحن بصدده جائز لا لازم، لأنها لم تلحقه إلا لشبهه بالجواب، فلم تساوه في لزوم لحاقها، ليكون للأصل على الفرع مزية.
وقد خلا الخبر المشار إليه من الفاء بإجماع القراء في قوله تعالى: (والذي جاء بالصدق وصدّق به أولئك هم المتقون).
وقيدت الصلة التي تقع بعدها الفاء بكونها فعلا صالحا للشرطية، ليعلم أنها لو كانت فعلا خالص المضي لم تدخل الفاء، وكذلك لو قرن بما لا تدخل عليه "مَنْ" الشرطية، ولا "ما" أختها، نحو: الذي إنْ حدّث صَدقَ مكرمٌ، والذي ما يكذب

أو لن يكذب مفلحٌ.
ومثال النكرة العامة الموصوفة بأحد الثلاثة: رجل عنده حزمٌ فسعيد، وعبدٌ لكريم فما يضيع، ونفس تسعى في نجاتها فلن تخيب.
ومثال المضاف إلى النكرة المقيدة مشعرا بالمجازاة: كل رجل عنده حزم فسعيد، وكل عبد لكريم فما يضيع، وكل نفس تسعى لنجاتها فلن تخيب.
ومثال دخول الفاء على خبر موصوفٍ بالموصول المذكور قول الشاعر: صِلُوا الحزم فالخطبُ الذي تحسبونه... يسيرا فقد تَلْقَوْنَه متعسرا وقد دخلت على خبر الموصوف بعد دخول إنّ في قوله تعالى: (قُلْ إن الموتَ الذي تَفرُّون منه فإنه مُلاقيكم) فدخولها عليه مع عدم "إنّ" أحق.
ومثال دخولها على خبر كلٍّ مضاف إلى غير موصوف ما جاء في بعض الأذكار المأثورة عن بعض السلف، وهو: بسم الله، ما شاء الله، كل نعمة فمن الله، ما شاء الله، الخير كله بيد الله، ما شاء الله، لا يصرف السوء إلا الله، ما شاء الله، لا قوة إلا بالله.
ومثال دُخُولها على خبر كلٍّ مضاف إلى الموصوف بغير ما ذكر، قول الشاعر: كلُّ أمرٍ مباعدٍ أو مُدانِ فمَنُوطٌ بحكمة المتعالي وأجاز الأخفش دخول الفاء على خبر المبتدأ الذي لا يشبه أداة الشرط نحو: زيد فمنطلق.
ورأيه في ذلك ضعيف، لأنه لم يرد به سماع، ولا حجة له في قول الشاعر:

وقائلةٍ خَوْلانُ فانكح فتاتهم... وأُكْرُومةُ الحَيَّيْن خِلْوٌ كما هيا ولا في قول الآخر: أرَواحٌ مودِّع أم بكور... أنت فانظر لأيّ ذاك تصير لأن معنى الأول: هذه خولان، فخولان خبر مبتدأ محذوف.
ومعنى الثاني: انظر أنت، فأنت فاعل فعل محذوف.
على أن زيادة الفاء في مثل هذا قد سهلها كون الخبر أمرا، كما سهلها كون العامل مفرّغا في نحو: زيدا فاضرب، و: (إلى ربك فارغب) لأن الأمر يطرق إلى ما يعلق به معنى المجازاة، فالقائل: زيدا فاضرب، كأنه قال: ما يكون من شيء فزيدا اضرب، وما يكن من شيء فزيد اضربه، فلا يلزم من جواز هذا، جواز: زيد فمنطلق، إذ ليس الخبر أمرا، فيطرق إلى ما تعلق به معنى المجازاة.
وإذا دخل بعض نواسخ الابتداء على مبتدأ دخلت الفاء على خبره أزال شبهه بأداة الشرط، فامتنع دخول الفاء على الخبر، ما لم يكن الناسخ إنّ وأنّ أو لكنّ، فإنها ضعيفة العمل، إذ لم يتغير بدخولها المعنى الذي كان مع الابتداء، ولذلك جاز العطف معها على معنى الابتداء، ولم يعمل في الحال.
بخلاف كأنّ وليت ولعل، فإنها قوية العمل، مغيرة بدخولها المعنى الذي كان مع الابتداء، مانعة بدخولها من العطف على معنى الابتداء، صالحة للعمل في الحال، فقوى شبهها بالأفعال، فساوتها في المنع من الفاء المذكورة.
ومن بقاء الفاء مع دخول إن قوله تعالى: (إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يُقْبَل من أحدهم مِلْءُ الأرض ذهبا) و: (إن الذين كفروا وصدُّوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم) وقوله تعالى: (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون).
ومن شواهد بقائها مع أن المفتوحة قوله تعالى: (واعلموا أنّما غَنِمْتُم من شيء فأنّ لله خُمسَه) ومنه قول الشاعر: علمت يقينا أن ما حُمَّ كونُه... فسَعْيُ امرِئ في صَرْفه غير نافع ومن شواهد بقائها بعد دخول لكن قول الشاعر: بكل داهية ألقى العُداة وقد... يُظَن أنِّيَ في مكْرِي بهم فزِعُ كلّا ولكنّ ما أُبْديه من فَرَق... فكَيْ يُغَرُّوا فيُغْريهم بي الطمعُ ومثله قول الآخر: ولكنّ ما يُقْضَى فسوف يكون

جارٍ التحميل