باب الموصول
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن مالك
- الكتاب
- شرح تسهيل الفوائد
- المؤلف
- محمد بن عبد الله، ابن مالك الطائي الجياني، أبو عبد الله، جمال الدين (المتوفى: 672هـ)
- المحقق
- د. عبد الرحمن السيد، د. محمد بدوي المختون
- الناشر
- هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى (1410هـ - 1990م)
- عدد الأجزاء
- 4 أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
النحويين، ولا ينبغي أن يعترف به، لأن كلّ موضع ادُّعي فيه ذلك صالح للتعليل، فالقول به موقع في لبس.
وأجاز الزمخشري أيضًا في قوله تعالى (ودية مُسَلَّمَةٌ إلى أهله إلا أنْ يصدقوا) ما أجاز في (أن آتاه الله) وأن يكون حالا، كأنه قيل:
مسلمة إليهم إلا حين يتصدقون على القاتل بالعفو، أو متصدقين بالعفو.
وليس كما قال، بل التقدير: مسلمة إليهم إلا بأن يصدقوا بالعفو، وهذا التقدير موافق للمعنى والاستعمال المجمع على مثله، إذ ليس فيه إلا حذف حرف جر داخل على أن، وهو مطرد، بخلاف الوجهين اللذين ادعاهما الزمخشري.
وقد استشهد بعضهم على وقوع أنْ وصلتها موقع ظرف الزمان بقول الشاعر:
فقلتُ لها لا تَنْكِحِيه فإنه... لأول سَهْمٍ أنْ يلاقِيَ مَجْمَعا
وزعم المستشهد به أن معناه: لأول سهم زمان ملاقاته مجمعا، ولا حجة فيه لإمكان أن يكون التقدير: فإنه لأول سهم بأن يلاقى مَجْمَعًا، أي سبب ملاقاته مجمعًا، وهذا التقدير موافق للمعنى، مع الاتفاق على كثرة نظائره، فهو أولى.
وإذا وقعت "ما" المصدرية موضع الظرف لم توصل في الغالب إلا بفعل ماضي اللفظ مثبت أو منفي بلم كقول الشاعر:
ولن يلبث الجُهّالُ أنْ يَتَهَضَّمُوا... أخا الحِلم ما لم يَسْتَعِنْ بجهول
وقد توصل بمضارع خال من النفي بلم كقول الشاعر:
نُطوِّف ما نُطَوِّف ثم يأوي... ذوو الأموال منا والعديمُ
إلى حُفَر أسافِلُهن جُوفٌ... وأعلاهن صُفَّاحٌ مُقيمُ وقد توصل بجملة اسمية كقول الشاعر: واصِلْ خليلَك ما التوصلُ ممكنٌ... فَلأنتَ أو هو عن قريبٍ ذاهب وقال آخر: فعسْهُم أبا حسَّانَ ما أنت عائِسُ وقد توصل بمضارعٍ المصدريةُ غير الظرفية كقول الشاعر: وللمنية أسباب تُقَرِّبُها... كما تقرب للوحْشية الذُّرُع وقد توصل بجملة اسمية كقول الشاعر: أحلامُكم لسقام الجهل شافيةٌ... كما دماؤُكُم تشفى من الكَلَب وكذا قول الآخر: أعَلاقةً أمَّ الوُليدِ بعدما....أفنانُ رأسِكَ كالثِّغام المُخْلِس والحكم على "ما" هذه بالمصدرية أولى من جعلها كافة، لأنها إذا كانت مصدرية كانت هي وصلتها في موضع جر بالكاف في البيت الأول، وبإضافة الظرف في البيت الثاني، ولم يصرف شيء عما هو له ثابت، بخلاف الحكم بأن (ما) كافة.
وأيضًا فإن النظر يقتضي أن تكون (ما) مصدرية لكثرة استعمالها، وعملها غير مقصورة على الوصل بالفعل، بخلاف أنْ وكي، ولا تستحق ذلك (لو) المصدرية لقلة استعمالها، فإن الحاجة إلى اختلاف المصحوب في صلة وغيرها دون كثرة استعمال غير ماسة.
وأيضًا فمن مواقع ما المصدرية النيابة عن وقت واقع ظرفا، والوقت الواقع ظرفًا يضاف إلى جملة اسمية كما يضاف إلى جملة فعلية، فإذا وصلت ما بكلتا الجملتين حين وقوعها موقع ذلك الوقت سلك بها سبيل ما وقعت موقعه، فكان الحكم بجواز وصلها بجملة اسمية راجحا على الحكم بمنعه، هذا على تقدير عدم ذلك مسموعًا، فكيف وقد ظفرت به في البيتين السابق ذكرهما: أعني:
واصلْ خليلك، و: فعسهم أبا حسان.
وإذا ثبت وصل ما المصدرية النائبة عن الظرف بجملة اسمية، لم يستبعد وصلها بها إذا لم تكن نائبة عن ظرف.
وأما "لو" المصدرية فعلامتها أن تصلح في موضعها "أن"، وأكثر وقوعها بعد ما يدل على تمنٍّ كقوله تعالى (يود أحدهم لو يعمر ألف سنة) وقد تكون غير مسبوقة بتمنٍّ كقول قَتيلة أخت ضرار:
ما كان ضَرَّك لو مننتَ وربما... مَنْ الفتى وهو المَغيظُ المُحْنَق
وقال آخر:
لقد طَوَّفْتُ في الآفاق حتى... بليت وقد أنَى لي لو أبيد
وقال آخر:
وربّما فاتَ قومًا جلُّ أمرِهم... من التأنِّي وكان الحزمَ لو عَجِلوا
ولا توصل إلا بفعل متصرف ماض أو مضارع، وهذا المراد بقولي: "وصلتها كصلة ما في غير نيابة" وأكثر النحويين لا يذكرون "لو" في الحروف المصدرية، وممن ذكرها الفراء وأبو علي، ومن المتأخرين التبريزي وأبو البقاء.
وقال أبو علي في التذكرة، وقد حكى قراءة بعض القراء (وَدُّوا لو تدهن فيدهنوا) بنصب فيدهنوا، حمله على المعنى كأنه قال: ودوا أنْ تدهن فيدهنوا كما حمل (أو لم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر) على: أو ليس بقادر.
وأشرت بقولي "وتغني عن التمني فينصب بعدها الفعل مقرونا بالفاء" إلى نحو قول الشاعر:
سَرَيْنا إليهم في جموع كأنها... جبالُ شَرَوْرَى لو نُعانُ فَنَنْهَدا
فلك في نصب ننهد أن نقول: نصب لأنه جواب تَمن إنشائي كجواب ليت لأن الأصل: وددنا لو نعان، بحذف فعل التمني لدلالة لو عليه، فأشبهت ليت في الإشعار بمعنى التمني دون لفظه، فكان لها جواب كجواب ليت، وهذا عندي هو المختار.
ولك أن تقول: ليس هذا من باب الجواب بالفاء بل من باب العطف على المصدر.
لأن "لو" والفعل في تأويل مصدر، والمصدر قد يعطف عليه الفعل فينصب بإضمار أن، كقول الشاعر:
لقد كان في حولٍ ثواءٍ ثويْتَه... تَقَضِّي لُبانات ويسأمَ سائم
ومنه قراءة السبعة إلا نافعًا (إلا وَحْيا أو من وراء حجاب أو يرسلَ) بالنصب عطفا على "وحْيا".
وذهب أبو علي في "لو" التي بعدها: نعان، وشبْهها إلى أنها بمعنى الأمر وأن النصب بعدها كالنصب بعد الأمر، قال في التذكرة بعد كلامه على قراءة من قرأ "فيدهنوا" بالنصب: يجوز أن تكون "لو" هذه أجريت مجرى (لو) التي بمعنى الأمر في قوله: (لو نعان فنَنهد) أي: أعنا يا الله (فننهد).
وقال أيضا في قوله تعالى (فلو أنّ لنا كَرَّة فنكون من المؤمنين) أي: أحدِثْ لنا كرة فنكون.
هذا نص كلامه في التذكرة.
وأما الزمخشري فإنه قال: وقد يجيءُ (لو) في معنى التمني كقولك: لو تأتيني فتحدثني، كما تقول: ليتك تأتيني فتحدثني، فإن أراد بهذا الكلام ما أردته أنا فهو صحيح، وإن أراد أن (لو) حرف موضوع للتمني كليت فغير صحيح، لأن ذلك يستلزم منع الجمع بينها وبين فعل التمني كما لا يجمع بينه وبين ليت.
وذلك أن حروف المعاني مقصودها النيابة عن أفعال على سبيل الإنشاء، فالجمع بينها وبين تلك الأفعال ممتنع لامتناع الجمع بين نائب ومنوب عنه، ولهذا امتنع الجمع بين لعلَّ وأترجى، وبين إلا وأستثني، فلو كانت (لو)) موضوعة للتمني كليت لساوتها في امتناع ذكر فعل التمني معها، فكان قول القائل: تمنيت لو تفعل، غير جائز، كما أن قولك: تمنيت ليتك تفعل غير جائز، والأمر بخلاف ذلك، فصح ما قلته والحمد لله.
فإن قيل: كيف دخلت "لو" المصدرية على أنّ في نحو (فلو أن لنا كرة)؟ فالجواب من وجهين: أحدهما: أن لو داخلة على (ثبت) مقدرا رافعا لأنَّ، فلا يلزم من ذلك مباشرة حرف مصدري لحرف مصدري.
الثاني: أن يكون هذا من باب التوكيد اللفظي، وهو من أحسنه، لأنه توكيد كلمة بما يوافقها معنى دون لفظ، وهو أجود من التوكيد بإعادة اللفظ بعينه، ومنه
توكيد السبل بالفجاج في قوله تعالى (لتَسْلكوا منها سبلا فجاجا) ومنه توكيد الذين بمَنْ في قراءة زيد بن علي (والذين مَنْ قبلكم) ولتفضيل هذا النوع من التوكيد على إعادة اللفظ بعينه كان قولك: زيد كمثل عمرو، شائعا مستحسنا في النثر والنظم، بخلاف: زيد ككعمروا، فإنه مخصوص بالضرورة كقوله: ككما يُؤَثْفين، وقد اجتمعت أنْ ولو المصدرية في قول علي رضي الله عنه مخاطبا لعامله: ما كان عليك أن لو صمت لله أياما، وتصدقت بطائفة من طعامك محتسبا.
فصل: ص: الموصول والصلة كجزأي اسم، فلهما ما لهما من ترتيب، ومَنْع فصل بأجنبي إلا ما شَذَّ، فلا يُتْبَع الموصولُ، ولا يُخْبَرُ عنه، ولا يُسْتثنى منه قبل تمام صلته أو تقدير تمامها.
وقد تَرِدُ صلةٌ بعد موصولين أو أكثر مُشتَركا فيها، أو مَدْلولا بها على ما حذف إلا أل.
وقد يُحْذَفُ ما عُلِم من موصولٍ غير الألف واللام، ومن صلة غيرهما.
ولا تُحْذَفُ صلةُ حرفٍ إلاّ ومعمولُها باق، ولا موصولٌ حرْفيّ إلا "أنْ".
وقد يلي معمولُ الصّلة الموصول إن لم يكن حرفا، أو الألف واللام.
ويجوز تعليق حرف جر قبل الألف واللام بمحذوفٍ دَلُّ عليه صلتُها، ويندر ذلك في الشعر مع غيرها مطلقا، ومعها غير مجرورة بمن.
ش: للموصول مع الصلة شبَه بشطري الاسم، وأشبَه الأسماء بهما المركبُ تركيب مَزْج كبعلبك، فإن المفرد مباين لهما بعدم التركيب، والمضاف والجملة
مباينان لهما بتأثير صدرهما في عجزيهما، والمركب تركيب مزج خال من تلك المباينات، فكان شبهه أولى بالاعتبار.
والضمير من قولي (فلهما) عائد إلى الموصول والصلة، ومن قولي (ما لهما) عائد على جزأي الاسم، أي للموصول من التقدم ما لصدر الاسم المشار إليه، وللصلة من التأخر ما لعجزه، فهذا هو المراد بالترتيب، لأن الصلة لا يتقدم بعض أجزائها على بعض، كما لا يتقدم بعض أجزاء العجز على بعض، بل يجوز في الجملة الموصول بها من تقديم وتأخير ما يجوز فيها قبل كونها صلة، ما لم يعرض في الوصل مانع من بعض ما كان جائزا، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى.
وكما وجب الترتيب وجب منع الفصل بأجنبي إلا ما شذ، ولا يدخل في الأجنبي القسم لأنه يؤكد الجملة الموصول بها، كقول النبي صلى الله عليه وسلم "وأبنوهم بمَنْ والله ما علمت عليهم من سوء قط" ولا جملة الاعتراض كقول الشاعر:
ماذا ولا عَتْبَ في المقدور رُمْتَ أما... يَكْفيك بالنُّجْحِ أم خُسْرٌ وتضليل
ففصل بين (ذا) و (رمت) بلا عتب في المقدور، لأن فيه توكيدا وتشديدا لمضمون الجملة الموصول بها.
والجملة الحالية أولى ألا تعدَّ أجنبية كقول الشاعر:
إنّ الذي وهو مُثْرٍ لا يَجود حَر... بفاقةٍ تعتريه بعد إثراء
فقوله: وهو مثر، جملةٌ حاليةٌ العاملُ فيها فعل الصلة وهو يجود، وما عَمِلَ فيه فعل الصلة فهو من الصلة، فلا يكون أجنبيا.
ومما لا ينبغي أن يُعَدّ أجنبيا النداء الذي يليه مخاطَبٌ كقول الشاعر:
وأنتَ الذي يا سعد بُؤْتَ بمَشْهَد... كريم وأثوابِ المكارم والحمد
فلو لم يَله مخاطب عُدَّ أجنبيا ولم يجز إلا في ضرورة كقوله:
تَعشَّ فإن عاهَدْتني لا تخونُني... نكن مثل مَنْ يا ذئب يصطحبان
ومن الفصل الذي يعد شاذا لكونه أجنبيا محضا قوله:
وأبْغَضُ مَنْ وضعْت إليّ فيه... لسانِيَ مَعشَرٌ عنهم أذُوذُ
ففصل بين "فيه" و"لساني" وبين ما يتعلقان به وهو وضعت "بإليّ" وهو أجنبي، لأنه متعلق بما قبل الموصول وهو "أبغض" والأصل أن يقال: وأبغض من وضعت فيه لساني إليّ معشرٌ.
ومثال ورود الصلة مشتركا فيها قول الشاعر:
صِلِ الذي والتي مِنّا بآصرة... وإن نأتْ عن مدى مرماهما الرحمُ
ومثال ورودها مدلولا بها على ما حذف قوله:
وعند الذي واللات عُدنك إحنة... عليك فلا يغررك كيدُ العوائد
ومثله قول الآخر:
من اللواتي والتي واللاتي... يزعمن أني كبرت لِداتي
وإذا كان الموصول "الألف واللام" لم يجز حذفه ولا حذف صلته.
وإذا كان حرفا مصدريا لم يجز حذفه أيضا، إلا إذا كان "أنْ" فإنها فاقت أخواتها بكثرة الاستعمال، فأوثِرَتْ بجواز الحذف، لأن الشعور بها عند حذفها ممكن، بخلاف أخواتها، وهي في حذفها على ضربين: أحدهما أن تحذف ويبقى عملها، والثاني أن تحذف ولا يبقى لها عمل:
فأما الحذف الباقي معه عملها فيذكر إن شاء الله في باب إعراب الفعل.
وأما الثاني وهو الذي لا يبقى معه عملها فمنه قوله تعالى (ومن آياته يريكم البرق) فيريكم صلة (لأن) حذفت وبقي (يريكم) مرفوعا، وهذا هو القياس، لأن الحرف عامل ضعيف، فإذا حذف بطل عمله، ومن ذلك أيضا قول الشاعر: فجاءت به وهو في غربة... فلولا تُجاذبُه قد غلب أراد: فلولا أن تجاذبه، ومثله قول الفرزدق: ألا إنّ هذا الموتَ أضحى مسَلَّطا... وكلُّ امرئ لا بُدَّ يُرْمى مُقاتله وقال ذو الرمَّة: وحُقَّ لِمَنْ أبو موسى أبوه... يُؤَفقُّه الذي نَصَب الجِبالا ومثله قول الآخر: أو ليس من عجب أسائلكم... ما خطبُ عاذِلتي وما خطبي أراد أن أسائلكم، وقال الفرزدق: بحقِّ امرئٍ بين الأقارع بيتُه... وصعْصَعَةَ البحرِ الجزيل المواهب يكون سبوقا للكرام إلى العلا... إذا اتصل المقياس بين الحلائب المقياس الغاية والحلائب المسابقة ومثله: وقالوا ما تشاءُ فقلت ألهُو... إلى الإصباح آثِرَ ذي أثير
أراد أن ألْهُوَ.
ومن كلام بعض العرب: أذهبُ إلى البيت خيرٌ لي، وتزورني خيرٌ لك، وتسمعُ بالمعيدي خيرٌ لا أن تراه.
وإذا كان الموصول اسما أجاز الكوفيون حذفه إذا علم، وبقولهم في ذلك أقول، وإن كان خلاف قول البصريين إلا الأخفش، لأن ذلك ثابت بالقياس والسماع، فالقياس على "أنْ" فإنَّ حذفها مكتفًى بصلتها جائز بإجماع مع أن دلالة صلتها عليها أضعف من دلالة صلة الموصول من الأسماء عليه، لأن صلة الاسم مشتملة على عائد يعود عليه ويميل المذهب إليه، وفي ذلك مزيد على ما يحصل بالصلة.
وصلة الحرف لا مزيد فيها على ما يحصل بها، فكان الموصول الأسمى أولى بجواز الحذف من الموصول الحرفي.
وأيضًا فإن الموصول الاسمي كالمضاف، وصلته كالمضاف إليه، وحذف المضاف إذا علم جائز، فكذلك ما أشبهه.
وأما السماع فمنه قول حسان:
فوالله ما نِلتُم ولا نِيلَ منكم... بمُعْتَدلٍ وَفْقٍ ولا متقارِبِ
أراد: ما الذي نلتم وما نيل منكم.
ومنه قول بعض الطائيين:
ما الذي دَأبُهُ احتياط وحزم... وهواه أطاع يستويان
أراد: والذي هواه أطاع، وأقوى الحجج قوله تعالى (وقُولوا آمنّا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم) أي: وبالذي أنزل إليكم، ليكون مثل (آمِنُوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزّل على رسوله والكتاب الذي أنزلَ من قبل).
ومثال حذف صلة الاسم للعلم بها قول الشاعر:
أبِيدوا الألى شَبُّوا لَظى الحرب وادرَءُوا... شذاها عن اللائي فَهُنّ لكم إما
فحذف صلة اللائي للعلم بها، وهذا من الاستدلال بالمتقدم، وهو كثير في ذا الباب وغيره.
ومثله قول الشاعر:
أُصيب به فَرْعا سُلَيْمٍ كلاهما... وعزّ علينا أن يُصابا وعَزَّما
أي وعزَّ ما أصيبا به.
ومن الاستدلال في هذا بالمتأخر قول الشاعر:
نحنُ الألى فاجْمَعْ جمو... عَك ثم وَجِّههم إلينا
فحذف صلة الألى لدلالة ما بعده فكأنه قال: نحن الألى عرفت عدم مبالاتهم بأعدائهم، وفهم هذا بقوله: فاجمع جموعك ثم وجههم إلينا.
ومثال حذف صلة الحرف باقيا معمولُها قول العرب: لا أفعل ذلك ما أنَّ حِراء مكانه، وما أن في السماء نجما، أي ما ثبت أن حراء مكانه، وما ثبت أن في السماء نجما فحذفوا الفعل الموصول به وأبقوا فاعله، وهو أنّ وما عملت فيه.
ومن ذلك قولهم: أمّا أنت منطلقا، أي: لأن كنت، فحذفوا كان وهي صلة أنْ، وأبقوْا اسمها وهو أنت، وخبرها وهو المنصوب، وجعلوا ما عوضا من كان.
ومن ذلك أيضا قول العرب: كلُّ شيء مَهَهٌ ما النساءَ وذكرَهن، أرادوا: ما عدا النساءَ وذكرهن، فحذفوا صلة "ما" وهو "عدا" وأبقَوْا المنصوب به والمعطوف عليه.
وقد يلي الموصولَ معمولُ الصلة نحو قولك في: جاء الذي أعطى أبوه زيدا درهما:
جاء الذي زيدا درهما أعطى أبوه، فجاء هذا في صلة الذي، إذ لا ضرر في جوازه، بخلاف صلة الحرف وصلة "الألف واللام" فإن معمولها لا يتقدم عليها.
فأمّا الحرف فلأن امتزاجه بصلته أشدُّ من امتزاج الاسم بصلته، لأن اسميته منتفية بدونها، فلو تقدم معموله كان تقدمه بمنزلة وقوع كلمة بين جزأي مصدر، وليس كذلك تقدم معمول صلة الاسم غير الألف واللام، لأن له تماما بدونها، ولذلك جعل إعرابه إن كان معربا قبلها، والإعراب الاسمي قبل تمام المعرب.
ولما له من التمام بدونها جاز أن يستغنى عنها وعن معمولها إذا علمت، بخلاف الموصول الحرفي، فأما "الألف واللام" فامتزاجها بالصفة التي توصل بها أشد من امتزاج أنْ بالفعل الذي توصل به، لأن "أن" قد تفصل من الفعل بلا النافية كقوله تعالى (وحسبوا أن لا تكون فتنة) ولا تفصل الألف واللام من الصفة بلا ولا غيرها، لأنها أشبهت أداة التعريف، فعوملت معاملتها لفظا.
ويجوز تعليق حرف جر قبل الألف واللام بمحذوف تدل عليه صلتها كقوله تعالى (وكانوا فيه من الزاهدين) و (إني لعملكم من القالين) و (إني لك من الناصحين) أي: كانوا زاهدين فيه من الزاهدين، وإني قال لعملكم من القالين، وإني ناصح لك من الناصحين.
ويكثر هذا الحذف قبل الألف واللام داخلا عليه من التبعيضية، لأن في ذلك إشعارا بأن المحذوف بعض المذكورين بعد، فتقوى الدلالة عليه.
ويقل إذا لم تدخل مِنْ على الألف واللام، ومنه قول الشاعر:
تقول ودَقتْ صدرَها بيمينها... أبَعْلِيَ هذا بالرَّحَى المتقاعسُ
أراد: بعلي هذا كائنا بالرحى، ومتقاعسا بالرحا.
وكذلك يقل الحذف قبل غير الألف واللام، وُجِدَت مِنْ أو لم تُوجَد، ومثال ذلك مع وجود مِنْ قول الشاعر: لا تظلموا مِسْورا فإنه لكُمُ... من الذين وَفوْا في السرِّ والعَلَن ومثاله مع كون الموصول لم يجر بمن قول الشاعر: وأهْجُو مَنْ هجاني مِنْ سِواهم... وأُعْرِضُ منهم عمَّن هجاني أراد: وأعرض عمن هجاني منهم عمن هجاني منهم، على سبيل التوكيد، ثم حُذِف (منهم) من المُؤَكِّد، وحُذِف ما سواهما من المُؤكَّد، ومثال هذا والذي قبله لا يجوز إلا في الضرورة بخلاف ما تقدم.
باب اسم الإشارة
ص: وهو في القُرب مفردا مذكرا "ذا" ثم "ذاك" ثم "ذلك" و"آلك".
وللمؤنثة "تي" و"تا" و"تِهْ" و"ذي" و"ذِهْ" وتُكسَرُ الهاءان باختلاس وبإشباع.
و"ذاتُ" ثم "تِيكَ" و"تَيْكَ" و"ذِيكَ" ثم "تِلك" و"تَلكَ" و"تَيْلِكَ" و"تالِكَ".
ش: للنحويين في أسماء الإشارة مذهبان:
أحدهما: أن لها مرتبتين، قريبة وبعيدة كالمنادى.
والثاني: أن لها ثلاث مراتب، قريبة وبعيدة ومتوسطة، وهذا هو المشهور، وإن كان الأول أولى بالصواب، وسأبين ذلك إن شاء الله تعالى.
وقد سردتها على وفق المشهور لأنه السابق إلى أكثر الأذهان، فما عطفته بالواو فهو لغة فيما عطف عليه وفي مرتبته، وما عطفته بثم فهو في المرتبة التي تلي.
والحاصل أن المشار إليه في المرتبة الأولى إن كان مفردًا ولم يقصد معه تثنية فله في التذكير لفظ واحد وهو "ذا".
وله في التأنيث عشرة ألفاظ، خمسة بتاء وخمسة بذال والتي بالتاء: تي، وتا، وتِهْ بسكون أو كسر مختلس أو كسر مشبع.
والتي بالذال: ذي، وذات، وذِهْ بسكون أو كسر مختلس أو كسر مشبع.
وإن كان المشار إليه المفرد في المرتبة الثانية، ولم يقصد معه تثنية فله في التذكير لفظ واحد وهو "ذاك" وله في التأنيث ثلاثة ألفاظ وهي: تيك وتَيْك وذِيك.
وإن كان المشار إليه المفرد في المرتبة الثالثة فله في التذكير لفظان وهما:
ذلك وآلك.
وله في التأنيث أربعة ألفاظ وهي: تِلك وتَلك، وتِيلِك وتالِك، كلها مروية عن العرب إلا أن بعضها أشهر من بعض.
ص: وتلي الذّالَ والتاءَ في التثنية علامتها مجوّزا تشديد نُونِها، وتليها الكاف وحدها في غير القرب، وقد يقال "ذانِيكَ" وفي الجمع مطلقا أولاء، وقد ينون،
ثم أولئك، وقد يقصران، ثم أولالِك على رأيٍ، وعلى رأيٍ أولاءِ، ثم أولاك، ثم أولئك وأولالِكَ.
وقد يقال: هُلاءِ، وأولاءُ، وقد تُشْبَعُ الضمةُ قبل اللام، وقد يقال: هَوْلاءِ وألاَّك.
ش: لما أنهيت القول في مفرد المشار إليه، شرعت في مثناه وجمعه باعتبار المراتب، وأشرت بقولي "وتلي الذالَ والتاءَ في التثنية علامتُها" إلى أن ألفي "ذاوتا" تحذفان في التثنية، وتتصل بالذال من "ذا" وبالتاء من" تا" ألف في الرفع، وياء في الجر والنصب، بعدهما نون مكسورة، كما يفعل بالأسماء المتمكنة إذا ثنيت، إلا أن هذه التثنية مخالفة لتثنية الأسماء المتمكنة بأمرين:
أحدهما: حذف الألف التي كانت آخر المفرد لزوما، ومثل ذلك لا يفعل باسم متمكن إلا شذوذا.
والثاني: أن نون هذه التثنية يجوز تشديدها، ونون تثنية الاسم المتمكن لا يجوز تشديدها، وقد مضى الكلام على مثل ذلك في باب الموصولات.
والهاء من قولي "وتليها الكاف" عائدة على نونها.
وقلت "وحدها في غير القرب" ليعلم أن اللام تجتمع مع الكاف في التثنية كما اجتمعت في الإفراد، وأنّ لِمُثَنَّى المشار إليه في البعد ما له في التوسط، لأنهم استثقلوا اللام بعد النون.
وزعم قوم أن من قا ل "ذانِّك" بتشديد النون قصد تثنية "ذلك".
ويبطل هذا القولَ جوازُ التشديد في نون "ذين وتين" بل التشديد جابر لما فات من بقاء
الألف التي حقها ألا تحذف كما لا تحذف ألف المقصور.
ويؤيد صحة هذا الاعتبار جواز تشديد نون "اللذين واللتين" ليكون جابرا لما فات من بقاء ياء "الذي والتي" كما تبقى ياء المنقوص حين يثنى.
وإذا جمع اسم الإشارة وهو في المرتبة الأولى قيل فيه "أُولاءِ" مطلقا، أي في التذكير والتأنيث، عاقلا كان المشار إليه أو غير عاقل.
وحكى قطرب أن "أولاءٍ" بالتنوين لغة، وتسمية هذا تنوينا مجاز، لأنه غير مناسب لواحد من أقسام التنوين.
والجيد أن يقال: أن صاحب هذه اللغة زاد بعد همزة "أولاء" نونا، كما زيد بعد فاء "ضيف" نون، إلا أن "ضيفا" معرب، فلما زيد آخرَه نونٌ صار حرف إعراب فتحرك، و"أولاء" مبني فلما زيد آخره نون سكن إذ لا موجب لتحركه، فإنه آخر مبني بحركة.
وإذا كان جمع المشار إليه مجاوزا للمرتبة الأولى قيل فيه "أولئك" ثم "أولالك" على رأي قوم.
وعلى رأي آخرين أن جمع المشار إليه في المرتبة الثالثة "أولئك وأولا لك" معا، وله في المرتبة المتوسطة "أولاك"، بالقصر.
وقد حكى الفراء أن المدفى "أولاء وأولئك" لغة الحارثيين، وأن القصر فيهما لغة التميميين.
وهذا هو المأخوذ به، لأن مستنده رواية، ومستند غيره رأي، والرواية أولى من الرأي.
و"هُلاءِ" في "أولاء" من باب إبدال الهمزة هاء، وهو باب واسع.
وأما "أولاءُ" بضم الهمزتين، و"وأولاءِ" و"أولئك" بإشباع الضمة فلغتان عربيتان ذكرهما قطرب.
وذكر أبو علي الشلوبين أن من العرب من يقول (هَوْلاءِ) وأنشد:
تَجَلَّد لا يَقُلْ هَوْلاءِ هذا... بَكَى لمَّا بَكَى حَذَرًا عليك
وقال أبو علي أيضًا: حكى اللغويون (أولّاك) بالقَصْر والتشديد، وأنشد:
مِنْ بين أولّاك إلى أولّاكا
وقرأ ابن كثير في شاذ: (فذانِيك) بتخفيف النون وزيادة ياء.
ص: ومن لم يرَ التوسط جعل المجرَّد للقرب، وغيرَه للبعد، وزعم الفرَّاء أنّ تركَ اللام لغة تميم.
ش: المراد بالمجرد ما ليس معه كاف الخطاب، سواء كان معه التثنية أو لم تكن معه، وقد تقدم أن للنحويين في اسم الإشارة مذهبين: أحدهما أن له مرتبتين بعيدة وقريبة.
والثاني: أن له ثلاث مراتب.
والأول هو الصحيح، وهو الظاهر من كلام المتقدمين، ويدل على صحته أربعة أوجه: أحدها: أن النَّحويين مجمعون على أن المنادى ليس له إلا مرتبتان مرتبة للقرب تستعمل فيها الهمزة، ومرتبة للبعد وما هو في حكمه تستعمل فيها بقية الحروف.
والمشار إليه شبيه بالمنادى، فليقتصر فيه على مرتبتين إلحاقا للنظير بالنظير.
والثاني: أن المرجوع إليه في مثل هذا النقل لا العقل، وقد روى الفراء أن بني تميم يقولون: ذاك وتيك، بلا لام، حيث يقول الحجازيون: ذلك وتلك، باللام، وأن الحجازيين ليس من لغتهم استعمال الكاف بلا لام، وأن التميميين ليس من لغتهم استعمال الكاف مع اللام، فلزم من هذا أن اسم الإشارة على اللغتين ليس له
إلا مرتبتان: إحداهما للقرب، والأخرى لأدنى البعد وأقصاه.
الثالث: أن القرآن العزيز ليس فيه إشارة إلا لمجرد من اللام والكاف معًا، أو لمصاحب لهما معًا.
أعني غير المثنى والمجموع، فلو كانت الإشارة إلى المتوسط بكاف لا لام معها لكان القرآن العزيز غير جامع لوجوه الإشارة، وهذا مردود بقوله تعالى (ونزلنا عليك الكتاب تبيانًا لكل شيء).
الرابع: أن التعبير "بذلك" عن مضمون كلام على إثر انقضائه شائع في القرآن وغيره ولا واسطة بين النطقين، كقوله تعالى (ذكل ما كنا نبغي) و (ذلك ليعلم أني لم أخُنْه) و (ذلك تأويلُ ما لم تسطع عليه صبرا) و (ذلكم حكم الله).
الخامس: أنه لو كانت مراتب الإشارة ثلاثًا لم يكتف في باقي التثنية والجمع بلفظين، لأن في ذلك رجوعًا عن سبيل الإفراد، وفي اكتفائهم بقولهم "هذان وذانك" و"هؤلاء وأولئك" دليل على أن "ذاك وذلك" مستويان، وأن ليس للإشارة إلا مرتبتان.
ولا التفات إلى قول من قال: إن تشديد نون ذانك دليل على البعد، وتخفيفها دليل على القرب، لأنه قد سبق الإعلام بأن التشديد عوض مما حذف من الواحد، لأنه يستعمل مع التجريد من الكاف كما يستعمل مع التلبس بها.
وكذلك لا يلتفت إلى قول من زعم أن "أولا لك" للبعد دون "أولئك" لقلة "أولا لك" وكثرة الحاجة إلى جمع "ذلك" لأنه يلزم منه خلو القرآن من إشارة إلى جماعة بعُداء، وذلك باطل بمواضع كثيرة من القرآن، فثبت ما أردناه والحمد لله.
ص: وتصحَبُ هاءُ التنبيه المجرّد كثيرا، والمفردَ المقرونَ بالكاف دون اللام قليلا.
وفَصْلها من المجرد "بأنا" وأخواتِه كثيرٌ، وبغيرها قليل، وقد تعاد بعد الفصل توكيدا.
والكافُ حرف خطاب يُبَيِّن أحوال المُخاطَب بما يُبَيِّنُها إذا كان اسما.
وقد يغني ذلك عن ذلكم، وربما استغني عن الميم بإشباع ضمة الكاف.
ش: قد تقدم أن المراد بالمجرد ما لم تتصل به كاف الخطاب فيدخل في ذلك "ذا وذان وذي وأخواتها".
و"تان وأولا وأولاء" فيقال: هذا، وهذان، وهذي إلى العاشرة، وهاتان وهؤلا وهؤلاء.
ولا تلحق المقرون بكاف الخطاب إلا مجردًا من اللام، وعدم لحاقها إياه أكثر من لحاقها.
ومن لحاقها إياه قول طرفة:
رأيتُ بني غَبْراءَ لا يُنْكِرونني... ولا أهلُ هذاكَ الطرافِ الممدد
ومثله قول الآخر:
ياما أُمَيْلح غِزلانا شَدَنْ لنا... من هؤُليّائِكُن الضّالِ والسَّمُر
ولا تلحق المقرون باللام فلا يقال هذالك، كرهوا كثرة الزوائد ولا تلحق أيضًا المقرون بالكاف في التثنية والجمع فلا يقال: هذانك، ولا هؤلائك لأن واحدهما ذاك وذلك، فحمل على ذلك مثناه وجمعه لأنهما فرعاه
وحمل عليهما مثنى ذاك وجمعه لتساويهما لفظًا ومعنى.
وفصل هاء التثنية من اسم الإشارة المجرد بأنا وأخواته كقولك: هأنذا، وها نحن أولاء، إلى: هاهنّ أولاء.
ومنه قول السائل عن وقت الصلاة: "هأنذا يا رسول الله" وقوله تعالى (ها أنتم أولاء تحبونهم) ومثل الفصل بغير ذلك قول الشاعر:
ها إنّ ذي عِذْرَة إن لا تكنْ نَفَعت... فإن صاحبَها مُشارك النَّكد
وأنشد سيبويه:
ونحنُ اقْتسمنا المالَ نصفين بيننا... فقلتُ لهم هذا لها ها وذا لِيا
قال سيبويه: كأنه أراد أن يقول: وهذا لي، فصير الواو بين "ها" و"ذا" وزعم الخليل أن مثل ذلك: أي ها الله ذا.
وقال سيبويه: وقد تكون "ها" في: ها أنت ذا، غير مقدمة، ولكنها تكون للتنبيه بمنزلتها في "هذا" يدلك على ذلك قوله تعالى "ها أنتم هؤلاء" فلو كانت "ها" المتقدمة مصاحبة أولاء لم تعد مع أولاء.
وإلى نحو "ها أنتم هؤلاء" أشرت بقولي "وقد تعاد بعد الفصل".
والكاف حرف خطاب كتاء أنت، تدل على أحوال المخاطب في حرفيتها بما تدل في اسميتها، فيقال: ذاكَ وذاك وذاكم وذاكنّ، كما يقال: رأيتكَ ورأيتك ورأيتكما ورأيتكم ورأيتكنّ، فيستوي اللفظ بالحرفية والاسمية، كما استوى اللفظ بتاء أنت وتاء فعلت.
وقد يقال في خطاب جماعة الذكور كما يقال في خطاب الواحد، كقوله تعالى (فما جزاء من يفعل ذلك منكم) و (ذلك خير لكم وأطهر) فأغنى ذلك عن ذلكم، ولم يُغن أنت عن أنتم.
وذلك أن "الذال والألف" قد يستغنى بهما عن الكاف عند تقدير القرب أو قصد الحكاية كقوله تعالى (هذا ما توعدون ليوم الحساب) و (هذا من شيعته وهذا من عدوه) و (وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج) فجاز الاستغناء بالكاف عن مصحوبها، ولا يستغنى بالهمزة والنون عن التاء، فلم يجز الاستغناء بالتاء عن الميم.
وأشرت بقولي "وربما استغنى عن الميم بإشباع ضمة الكاف" إلى ما أنشده بعض الكوفيين من قول الراجز:
وإنما الهالك ثم التالكُ... ذو حَيْرة ضاقت به المسالكُ... كيف يكون النوْك إلا ذلكُ
أراد: ذلكم فأشبع الضمة واستغنى عن الميم بالواو الناشئة عن الإشباع.
ص: وتتَّصل "بأَرأَيت" موافقة "أخْبِرْني" هذه الكاف، مُغْنيًا لحاقُ علامات الفروع بها عن لحاقها بالتاء، وليس الإسنادُ إليها مُزالا عن التاء خلافا للفرّاء، وتتصل أيضا بحيَّهل، والنَّجاء، ورُوَيد، أسماء أفعال.
وربما اتصلت بِبَلى، وأبْصَرَ، وكَلاّ، وليس، ونعْم، وبِئْس، وحسبت.
ش: إذا أريد "بأرأيت" معنى "أخْبرني" جاز أن تتصل به كاف الخطاب وألا تتصل به، فإن لم تتصل به وجب للتاء ما يجب لها مع سائر الأفعال من تذكير
وتأنيث وتثنية وجمع، ومنه قوله تعالى (قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم).
وإن اتصلت به اسْتُغْنِيَ بما يلحق الكاف من علامة تأنيث وتثنية وجمع عما يلحق التاء، وألزمت التاء ما يلزمها في خطاب المفرد المذكر، ومنه قوله تعالى (قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله).
ولو كان الخطاب لاثنين بهذا المعنى لقيل: أرأيتَكما.
ولو كان لأنثى لقيل: أرأيتَكِ.
ولو كان لإناث لقيل: أرأيتَكنَّ.
فيلزم التاء الفتح، ويلزم الكاف التحريك.
والكاف في هذا كله حرف خطاب لا موضع له من الإعراب.
واستدل سيبويه على ذلك بقول العرب: أريتَكَ فلانا ما حاله.
ومنه قوله تعالى (أرأيتَك هذا الذي كرَّمْتَ عليَّ).
وزعم الفراء أن موضعه رفع بالفاعلية، وأن التاء حرف خطاب.
والقول الأول أولى، لأن التاء لا يستغنى عنها والكاف يستغنى عنها، وما لا يستغنى عنه أولى بالفاعلية مما يستغنى عنه.
ولأن التاء محكوم بفاعليتها على غير هذا الفعل بإجماع والكاف بخلاف ذلك، فلا يعدل عما ثبت لهما دون دليل.
فلو لم يُرَد بأرأيت معنى أخبرني وجب للتاء والكاف مجتمعَيْن ما يجب لهما منفردين فيقال: أرأيتَكَ قادرًا، وأرأيتِكِ قادرة، وأرأيتكما قادرين، وأرأيتموكم قادرين، وأرأيتنكن قادرات، كما يقال أعلمتك قادرا وأعلمتماكما قادرين، وأعلمتموكم قادرين، وأعلمتك قادرة، وأعلمتماكما قادرتين وأعلمتنكن قادرات.
ومثال اتصال الكاف المذكورة بحَيَّهَل، والنَّجاءن ورُوَيْد: حَيَّهلَك،
والنجاءَكَ ورُوَيْدَك، بمعنى: ائت، وأسرع، وأمهل.
وروى أيضًا اتصالها ببلى، وأبصر، وكَلاّ، وليس، ونعم، وبئس، وحسِب، أنشد أبو علي:
وحِنْتَ وما حَسِبْتُك أن تَحِينا
وأجاز أن تكون فيه حرف خطاب، وحمله على ذلك وجود "أنْ" بعدها، فإنه إن يكن الأمر كما قال لزم الإخبار بأن والفعل عن اسم عين، وذلك لا سبيل إليه في موضع يخبر عنه فيه بمصدر صريح نحو: زيد رضًى، فكيف به في موضع بخلاف ذلك.
ص: وقد ينوب ذو البعد عن ذي القرب لعظمة المشير أو المشار إليه، وذو القرب عن ذي البعد لحكاية الحال، وقد يتعاقبان مُشارا بهما إلى ما قد ولِياه، وقد يشار بما للواحد إلى الاثنين وإلى الجمع.
ش: من نيابة ذي البعد عن ذي القرب لعظمة المشير قوله تعالى (وما تلك بيمينك يا موسى).
ومن نيابته عنه لعظمة المشار إليه قوله تعالى (ذلكم الله ربي) ومنه قول امرأة العزيز مُشِيرةً إلى يوسف عليه السلام (فذلِكُنّ الذي لُمتُنَّنِي فيه) بعد أن أشارت إليه النسوة بهذا إذ قلن (ما هذا بَشَرًا) والمجلس واحد، إلا أن مَرْأى يوسف عند امرأة العزيز كان أعظمَ من مَرْآه عند النسوة، فأشارة إليه بما يشار به إلى البعيد إجلالا وإعظاما.
ومن نيابة ذي القرب عن ذي البعد لحكاية الحال قوله تعالى (كُلًّا نُمِدّ هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك) وقوله تعالى (فوَجد فيها رجلين يَقْتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه).
وأما تعاقب ذي القرب وذي البعد على إثر ما الإشارة إليه فكقوله تعالى متصلا بقصة عيسى عليه السلام (ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم) ثم قال (إنّ هذا لهو القَصص الحق) ومنه قوله تعالى (لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين) وقوله تعالى (وعندهم قاصرات الطرف أتراب هذا ما تُوعَدُون ليوم الحساب) ومنه (إن في ذلك لذكرى) و (إن في هذا لبلاغا).
والإشارة بما للواحد إلى الاثنين كقوله تعالى (عَوانٌ بين ذلك) أي بين الفارض والبكر، ومنه قول الشاعر:
إن الرَّشادَ وإن الغَيَّ في قَرَنٍ... بكل ذلك يأتيك الجديدان
والإشارة بما للواحد إلى الجمع كقول لبيد:
ولقد سئمت من الحياة وطولها... وسؤال هذا الناسِ كيفَ لبيدُ
ومثله قول مسكين الدارمي:
وبينا الفتى يرجو أمورا كثيرة... أتى قدر من دون ذاك مُتاح
ص: ويشار إلى المكان "بهُنا" لازمَ الظرفية أو شِبْهها، معطى ما "لذا" من مُصاحبة وتجَرُّد، وكهنالك "ثَمَّ" و"هنّا" بفتح الهاء وكسرها، وقد يقال "هَنَّتْ" موضع "هنّا" وقد تصحبها الكاف.
وقد يراد بهنالك وهناك وهَنّا الزمان.
وبُني
اسمُ الإشارة
لتَضمّنِ معناها، أو لشَبَه الحرف وضعا وافتقارا.
ش: من قال في الإشارة إلى الشخص القريب "ذا" قال في الإشارة إلى المكان القريب "هُنا" دون تنبيه ولا خطاب، ومن رأى مصاحبة التنبيه فقال: هذا، قال: "ههنا".
ومن قال: ذاك، قال: هناك.
ومن قال: ذلك، قال: هنالك.
ومن سَوَّى: ذاك وذلك، مُلْغيا للتوسط، سَوَّى: هناك وهنالك ومن لم يُسَوِّهما معترفا بالتوسط، لزمه مثل ذلك في: هناك وهنالك: ومن قال: هذاك، جامعا بين التنبيه والخطاب، قال: ههناك.
ولا يقال: ههنالك، كما لا يقال: هذا لك.
ويشار أيضًا إلى المكان البعيد بثَمَّ، وهَنّا، وهِنّا، كما يشار إليه بهنالك، وقد يقال: هَنّاك وهِنّاك.
وقد يقال: هَنَّتْ، موضع هنّا.
ومن شواهد هنّا قول الشاعر:
كأنّ وَرْسا خالطَ اليَرَنّا... خالطه مِن هَهُنا وهِنّا
ومن شواهد هَنَّتْ قول الآخر:
وذكرها هَنّت ولات هنّتِ
أراد: هنا، ولات هنا.
وكل هذه الأسماء المشار بها إلى المكان لا تفارق الظرفية إلا بدخول مِنْ أو إلى عليها، وإلى ذلك أشرت بقولي (لازم الظرفية أو شبهها) لأن حرف الجر والمجرور بمنزلة الظرف.
وقد يشار بهناك وهنالك وهنا إلى الزمان، فمن الإشارة إليه بهناك قول الأفوه الأودى:
وإذا الأمورُ تعاظمت وتَشابهت... فهناك يعترفون أينَ المَفْزع
ومن الإشارة بهنالك قوله تعالى (هناك ابتُلِي المؤمنون وزُلزلوا زلزالا شديدا) ومنه قول الشاعر:
إذا هِيَ قامتْ حاسِرًا مُشْمَعِلَّةً... نَخِيبَ الفُؤادِ رأسُها ما يُقَنَّع
وقمتُ إليه باللِّجام مُيسِّرًا... هنالِك يجزيني الذي كنتُ أصنع
ومن الإشارة إلى الزمان بهَنّا قول الشاعر:
حَنَّت نَوارِ ولات هَنّا حَنَّت... وبدا الذي كانت نَوارِ أجَنَّت
فهنّا إشارة إلى وقت، وهو منصوب على الظرفية، وحَنت في موضع رفع بالابتداء، والخبر الظرف، وهذا أحد المواضع المخبر فيها عن الفعل مؤولا بالمصدر.
وزعم بعض المتأخرين أن "هنا" اسم لات، والتقدير: ليس ذلك الوقت وقت حنت، أي وقت حنان.
وليس ما زعم صحيحا لأن هذا الاستعمال مخالف لاستعمال "لات" الملحقة بليس، ولاستعمال "هنا"، فإن "لات" إنما يكون
اسمها لحين محذوفا كقوله تعالى (ولاتَ حين مناص) أي: وليس الحين حين مناص، وهنا بخلاف ذلك، فلا يكون اسم لات.
وأيضا فإن "هَنا" لا تفارق الظرفية إلا بدخول "من" أو "إلى" عليها، وارتفاعه على أن يكون اسم لات مناف لذلك، فلا يصح.
والضمير من قولي "لتضمنِ معناها" عائد على الإشارة، فإن معناها حقيق بأن يوضع له حرف يدل عليه، كما وضع للتنبيه والاستفتاح وغيرهما من المعاني الزائدة على مدلولات الأسماء والأفعال، فاستغنوا عن وضع حرف إشارة بتضمُن أسماء لمعناها، فلذا يحد اسم الإشارة بأنه: الدال بالوضع على مسمى والإشارة إليه.
واستحق البناء لتضمنه معنى من المعاني الحرفية، وإذا كان الاسم يستحق البناء لتضمن معنى حرف لم يستغن به عن وضعه كاسم الاستفهام، فبناء ما تضمن معنى حرف استغنى عنه به كاسم الإشارة أحق وأولى.
وهذا السبب يقتضي بناء كل اسم إشارة.
ولكن عارضه في ذين وتين شبههما بمثنيات الأسماء المتمكنة، فأعربا، وقد تقدم التنبيه على ذلك وشبهه.
وأما الشبه في الافتقار فالمراد به هنا حاجة اسم الإشارة في إبانة مسماه إلى مواجهة أو ما يقوم مقامها مما يتنزل منه منزلة الصلة من الموصول، وهذا أيضا سبب عام.
وأما الشبه في الوضع فالمراد به كون "ذا" و"ذي" وأخواتها موضوعة على حرفين.
وذلك من وضع الحروف، فاستحقت البناء بذلك، وحملت البواقي عليها لأنها فروع أو كالفروع.
وإنما قلت "أو كالفروع" لأن منها "هنا" وأخواتها، وليست فروعا "لذا" و"ذي" ولكنها كالفروع، ولإمكان الاستغناء عنها "بذا" أو "ذي" والمستغنى به أصل للمستغنى عنه.
باب المُعَرَّف بالأداة
ص: وهي "أل" لا اللام وحدها، وفاقا للخليل وسيبويه، وقد تخلفها "أم" وليست الهمزة زائدة، خلافا لسيبويه.
ش: قد اشتهر عند المتأخرين أن أداة التعريف هي اللام وحدها، وأن المعبِّر عنها "بالألف واللام" تارك لما هو أولى، وكذا المعبر عنها "بأل" حتى قال ابن جني "ذكر عن الخليل أنه كان يسميها "أل" ولم يكن يسميها "الألف واللام" كما لا يقال في قد: القاف والدال.
قلت: قد عبر سيبويه عن أداة التعريف "بأل" كما فعل الخليل، فإنه قال في باب: عدة ما يكون عليه الكلم: "وقد جاء على حرفين ما ليس باسم ولا فعل" فذكر: أم وهل ولم ومن وما ولا وأن وكي وبل وقد وأو ويا، ومن ثم قال: "وأل تعرف الاسم كقولك: القوم والرجل" معبرا عنهما بأل، وجعلها من الحروف الجائية على حرفين كأم وأخواتها.
وقال في موضع آخر: "وإنما هي حرف بمنزلة قولك قد" ثم قال: "ألا ترى أن الرجل يقول إذا نسي فتذكر، ولم يرد أن يقطع كلامه: ألى، كما يقول "قدى" ثم يقول: "كأل وكأل" وهذا نصه، وهو موافق لما روى عن الخليل، فلولا أنه نسبها إلى الزيادة في موضع آخر لحكمت بموافقته الخليل مطلقا، إلا أن الخليل يحكم بأصالة الهمزة، وأنها مقطوعة في الأصل كهمزة "أم" و"أن" و"أو".
وسيبويه مع حكمه بزيادتها يعتد بها كاعتداده بهمزة "اسمع" ونحوه بحيث لا يعده رباعيا فيعطى مضارعه من ضم الأول ما يعطى مضارعه الرباعي للاعتداد بهمزته وإن كانت همزة وصل زائدة، فكذا لا يعد لام التعريف وحدها مع القول بأن همزتها همزة وصل زائدة.
على أن الصحيح عندي، قول الخليل لسلامته من وجوه كثيرة مخالفة للأصل، وموجبة لعدم النظائر:
أحدها: تصدير الزيادة فيما لا أهلية فيه للزيادة وهو الحرف.
الثاني: وضع كلمة مستحقة للتصدير على حرف واحد ساكن، ولا نظير لذلك.
الثالث: افتتاح حرف بهمزة وصل ولا نظير لذلك أيضا.
الرابع: لزوم فتح همزة وصل بلا سبب، ولا نظير لذلك أيضًا.
واحترزت باللزوم ونفي السبب من همزة "أيمن" في القسم فإنها تفتح وتكسر، وكسرها هو الأصل، ففتحت لئلا ينتقل من كسر إلى ضم دون حاجز حصين، ولم تضم لئلا تتوالي الأمثال المستثقلة.
فإن جعِلَ فتحُ همزة حرف التعريف طلب التخفيف لأجل الاستعمال لزم محذور آخر وهو أن التخفيف مصلحة تتعلق باللفظ فلا يترتب الحكم عليها إلا بشرط السلامة من مفسدة تتعلق بالمعنى كخوف اللبس، وهو هنا لازم، لأن همزة الوصل إذا فتحت التبست بهمزة الاستفهام، فيحتاج الناطق بها إلى معاملتها بما يليق بها من إبدال وتسهيل ليمتاز الاستفهام عن الخبر، وذلك يستلزم وقوع البدل حيث لا يقع المبدل منه، لأن همزة الوصل لا تثبت إذا ابتدئ بغيرهان فإذا أبدلت أو سهلت بعد همزة الاستفهام وقع بدلها حيث لا تقع هي، وذلك ترجيح فرع على اصل أفضى إليه القول بأن همزة "أل" همزة وصل زائدة فوجب اطراحه.
الخامس: أن المعهود الاستغناء عن همزة الوصل بالحركة المنقولة إلى الساكن نحو: رَزيدا، والأصل: ارْءَ، فنقلت حركة الهمزة إلى الرَّاء، واستغنى عن همزة الوصل، ولم يفعل ذلك بلام التعريف المنقول إليه حركة إلا على شذوذ، بل يبتدأ بالهمزة
على المشهور من قراءة ورش في مثل: الإخوة، وذلك في مثل: رَزيدا، لا يجوز أصلا، فلو كانت همزة أداة التعريف همزة وصل زائدة له لم يبدأ بها مع النقل، كما لا يبدأ بها الفعل المذكور.
السادس: أنه لو كانت همزة أداة التعريف همزة وصل لم تقطع في: يا ألله، ولا في قولهم: فألله لأفعلنّ، بالقطع تعويضا من حرف الجر، لأن همزة الوصل لا تقطع إلا في اضطرار، وهذا الذي ذكرته قطع في الاختيار، روجع به أصل متروك، ولو لم يكن مراجعة أصل لكان قولهم: فألله لأفعلن، أقرب إلى الإجحاف منه إلى التعويض، إذ في ذلك جمع بين ما أصله أن يثبت، وإثبات ما أصله أن يحذف، فصح أن الهمزة المذكورة كهمزة: أم، وأن، وأو، لكن التزم حذفها تخفيفا إذا لم يبدأ بها ولم تَل همزة استفهام، كما التزم أكثر العرب حذف عين المضارع والأمر من رأي، وحذف فاء الأمر من أخذ وأكل، وهمزة أمّ في: ويْلمّه.
واحتج بعض النحويين لسيبويه بأن قال: قد قيل: مررت بالرجل، فتخطى العامل حرف التعريف، فلو كان الأصل "أل" لكان في تقدير الانفصالن وكان يجب أن يقع قبل الجار، كما أن الحروف التي لا تمتزج بالكلمة كذلك، ألا ترى أنك تقول: هل بزيد مررت؟ ولا تقول: بهل زيدٍ مررت؟ فلولا أن حرف التعريف بمنزلة الزاي من زيد ما تخطاه العامل.
والجواب: أن تقدير الانفصال لا يترتب على كثرة الحروف، بل على إفادة معنى زائد على المعنى المصحوب ولو كان المشعر به حرفا واحدا كهمزة الاستفهام، فإنها وإن كانت حرفا واحدا في تقدير الانفصال، لكون ما تفيده من المعنى زائدا على مصحوبها، غير ممازج له.
وعدم تقدير الانفصال يترتب على إفادة معنى ممازج لمعنى المصحوب كسوف، فإنها وإن كانت على ثلاثة أحرف غير مقدرة الانفصال، لكون ما تفيد من المعنى ممازجا لمعنى الفعل الذي تدخل عليه.
فإنها تعينه للاستقبال، وذلك تكميل لدلالته.
وهكذا حرف التعريف غير مقدر الانفصال، وإن كان على حرفين، لأن ما أفاده من المعنى تكميل ليعين الاسم مسماه، فتنزل منزلة الجزء من مصحوبه
لفظا كما تنزل منزلة الجزء معنى، إلا أن امتزاج حرف التعريف بالاسم أشد من امتزاج سوف بالفعل لوجهين:
أحدهما: أن معنى حرف التعريف لا يختص به بعض مدلول الاسم بخلاف معنى سوف فإنه مختص بأحد جزأي مدلول الفعل.
والثاني: أن حرف التعريف يجعل الاسم المقرون به، شبيها بمفرد قصد به التعيين وضعا كالمضمر واسم الإشارة والعلم المرتجل، فلا يقدح في الامتزاج المعنوي كون المتمازجين بحرفين أو أكثر.
وسوف وإن مازج معناها معنى مصحوبها لكن لا تجعله شبيها بمفرد قصد به وضعا ما قصد بها وبمصحوبها، لأن ذلك غير موجود.
وقد ترتب على هذا امتناع الفصل بين حرف التعريف والمعرف به، ووقوعُه بين سوف والفعل المصاحب لها كقول الشاعر:
وما أدري وسوف إخالُ أدري... أقومٌ آل حِصْنٍ أم نساءُ
وفعل ذلك أيضا بقد كقول الشاعر:
لقد أرسلُوني في الكواعبِ راعيا... فقد وأبي راعي الكواعب أفْرِسُ
أراد: فقد أفرس راعي الكواعب وحق أبي، فسكن الياء وفصل.
واحتج قوم على الخليل بأن قالوا: لما كان التنكير مدلولا عليه بحرف واحد وهو التنوين، كان التعريف مدلولا عليه بحرف واحد كذلك وهو اللام، لأن الشيء يحمل على ضده كما يحمل على نظيره.
وهذا ضعيف جدا لأن الضدين قد يتفقان في العبارة مطلقا كصَعُب صُعُوبة فهو صَعْب، وسَهُل سُهُولة فهو سَهْل.
وقد يختلفان مطلقا كشَبع شِبَعا فهو شَبْعان، وجاع جُوعا فهو جائِع.
وقد يتفقان من وجه ويختلفان من وجه كرَضِيَ رِضًا فهو رَاض، وسخط سُخْطا فهو ساخِط، والاختلاف أولى بهما ليكون سبيلهما في المعنى واللفظ واحد.
وإن سُلِّم حمل الشيء على ضده فيشترط تعذر حمله على نِدِّه، وقد أمكن الحمل عليه، فتعين الجنوح إليه.
ونقول: التعريف نظير التأنيث في الفرعية، فاشتركا في استحقاق علامة، والتنكير نظير التذكير في الأصالة، فينبغي أن يشتركا في الخلو من علامة.
فإن وضع للتنكير علامة فحقها أن تنقص عن علامة التعريف، تنبيها على أنه أحق بالعلامة لفرعيته وأصالة التنكير، وذلك موجب لكون علامة التعريف حرفين وهو المطلوب.
وأيضا فإن التعريف طارئ على التنكير كطُرُوّ التثنية على الإفراد فيُسَوَّى بينهما بجعل علامة لكل واحد منهما حرفين، أحدهما يحذف في حال دون حال.
وأيضا لما كانت "مِنْ" ذاتَ حرفين، ومدلولها العموم في نحو: ما فيها مِنْ رجلٍ، وكان حرف التعريف نظيرها في العموم سُوِّي بينهما، فكان حرف التعريف حرفين، تسوية بين النظيرين.
ولما كانت اللام تدغم في أربعة عشر حرفا فيصير المعرف بها كأنه من المضاعف العين الذي فاؤه همزة، جعل أهل اليمن ومن داناهم بدلها ميما، لأن الميم لا تدغم إلا في ميم، وقد تقدم الاستشهاد على ذلك.
ص: فإنْ عُهدَ مَدْلول مصحوبها بحضور حِسِّيٍّ أو علمِيٍّ فهي عَهْدية، وإلاَّ فجِنْسيَّة.
ش: أشرت بالحُضُور الحسي إلى حضور ما ذُكِرَ كقوله تعالى (كما أرسلنا إلى فِرْعون رسولا فعصى فرعون الرسول) وإلى حضور ما أُبْصِرَ كقولك لمن سدّد سهما: القرطاسَ والله.
وبالحضور العلمي إلى نحو قوله تعالى (اليومَ أكملتُ لكم دينكم) و
(إذ هما في الغار) و (إذ ناداه ربُّه بالوادِ المقدسِ) و (إذْ يبايعونك تحت الشجرة).
ثم قلت "وإلا فجنسية" أي إن لا يكن المدلول عليه بمصحوب الأداة معهودا بأحد الحضورين المبينين بالأداة فهي جنسية.
ص: فإنْ خَلَفها كلٌّ دون تجَوُّز فهي للشُّمول مطلقا، ويُسْتَثْنى من مصحوبها.
وإن أفرد فباعتبار لفظه فيما له من نعت وغيره أوْلى.
فإن خلفها تجَوُّزا فهي لشمول خصائص الجنس على سبيل المبالغة.
ش: مثال التي يخلفها كلٌّ دون تجوز قوله تعالى (وخُلِقَ الإنسانُ ضعيفًا) والمراد بكون الشمول مطلقا عموم الأفراد والخصائص، بخلاف التي يخلفها كل على سبيل التجوز كقولك: زيد الرجل، بمعنى الكامل في الرجولية، الجامع لخصائصها، فإن هذا تجوز لأجل المبالغة.
ويستعملون كلًّا بهذا المعنى تابعا وغير تابع فيقولون: زيد كل الرجل، وزيد الرجل كل الرجل، وحكى الفراء عن العرب: أطعمنا شاة كل شاة.
والشمول الحقيقي هو الأصل، ولذلك اسْتَغْنى عن قرينة، ولم يسْتَغنِ الثاني عنها.
ومثال الاستثناء من مصحوبها قوله تعالى (والعصر إن الإنسانَ لفي خسْر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات) فلولا أن أداة التعريف اقتضت شمول الحقيقة والإحاطة بأفرادها، لم يستثن الذين آمنوا من المعرف بها وهو الإنسان.
والأكثر في نعت مصحوب الإحاطية وخبره موافقةُ اللفظ كقوله تعالى
(والجار ذي القُرْبى والجار الجُنُب) وكقوله تعالى (لا يَصْلاها إلا الأشقى الذي كذب وتوى وسيُجَنَّبُها الأتقى الذي يُؤْتي ماله يَتَزكى).
وموافقة المعنى دون اللفظ كقوله تعالى (أو الطفلِ الذين لم يظهروا على عورات النساء) وحكى الأخفش: أهْلَكَ الناسَ الدينارُ الحُمْر والدرهمُ البيضُ.
ومن موافقة المعنى دون اللفظ ما هو من الأحد، أي من الناس، أنشد اللحياني:
وليس يظلمُني في وَصْل غانية... إلا كعمرٍو وما عمرٌو من الأحدِ
قال اللحياني: ولو قلت: ما هو من الإنسان تريد من الناس أصبت.
ص: وقد تعرِضُ زيادتُها في عَلمٍ، وحالٍ، وتمييزٍ، ومضافٍ إليه تمييزٌ.
وربما زيدت فلزمت.
والبدلية في نحو: ما يحسُنُ بالرجل خيرٍ منك، أولى من النعت والزيادة.
وقد تقوم في غير الصلة مقام الضمير.
ش: عروض زيادتها في علم كقول الشاعر:
وقد جَنَيْتُك أكْمُؤًا وعَساقِلا... ولقد نهيتك عن بناتِ الأوْبَرِ
أراد بنات أوبر، وهو علم لضرب من الكمأة.
وقال آخر:
أما ودماءٍ مائراتٍ تخالها... على قُنْةِ العُزَّى والنَّسْر عندَما
أراد نَسْرًا وهم صنم.
وعروض زيادتها في الحال كقراءة بعض القراء (ليَخْرُجَنَّ الأعزُّ منها الأذَلَّ) أي ليخرجن العزيز منها ذليلا.
وكقول بعض العرب: ادخلوا الأول فالأول، أي: أولا فأولا.
ومنه قول الشاعر:
دُمْتَ الحميدَ فما تَنْفَكُ مُنْتَصِرا... على العِدا في سبيل المجدِ والكرم
وعروض زيادتها في التمييز كقول الشاعر:
رأيتُك لَمّا أن عرفتَ وجوهنا... صدَدْت وطبتَ النفسَ يا قيسُ عن عمرو
ومنه الحديث: أن امرأة كانت تهراق الدماء، والأصل: تهراق دماؤها، فأسند الفعل إلى ضمير المرأة مبالغة، وصار المسند إليه منصوبا على التمييز، ثم أدخل عليه حرف التعريف زائدًا.
وعروض زيادتها على ما أضيف إليه تمييز كقول الشاعر:
إلى رُدُحٍ من الشِّيزَى مِلاءٍ... لبابَ البُرِّ يُلْبَك بالشِّهادِ
أراد: لبابَ بُرٍّ وأنشد أبو علي:
تُولي الضَّجِيعَ إذا تَنَبَّه مَوْهِنا... كالأقحُوانِ من الرَشاش المُسْتقى
وزعم أن قائله أراد: من رشاش المستقى، فزاد الألف واللام، ولم يعتد بهما فلذلك أضاف إلى ما هما فيه.
وهذا الذي ذهب إليه بعيد، ولكن يوجه البيت على أن قائله أراد: كالأقحوان المستقى من الرشاش المستقى، فحذف من الأول، وأبقى الثاني دليلا عليه، كما فعل من قال:
تقولُ ودَقَّتْ صدرها بيمينها... أبَعْلِيَ هذا بالرَّحى المُتقاعِسُ
أراد: بعلي هذا المتقاعس بالرحى المتقاعس، ثم حذف، وهذا التوجيه نظائره كثيرة، ولا نظير لما وجه به أبو علي، فلذلك لم أقل بقوله.
وأشرت بقولي "وبما زيدت فلزمت" إلى نحو: اليسع، والآن، والذي.
وأشرت بقولي "والبدلية في نحو: ما يحسنُ بالرجل خيرٍ منك، أولى من النعت" إلى قول سيبويه في باب: "مجرى نعت المعرفة عليها" ومن النعت: ما يحسن بالرجل مثلك أو خير منك أن يفعل ذاك.
وزعم الخليل أنه إنما جر هذا على نية الألف واللام.
ولكنه موضع لا تدخله الألف واللام، كما أن الجَمّاء الغفيرَ على نية إلغاء الألف واللام نحو: "طرا وقاطبة" فحكم الخليل في المقرون بالألف واللام المتبع بمثلك وخير منك بتعريف المنعوت والنعت.
وذهب أبو الحسن إلى أنهما نكرتان، وأن الألف واللام زائدتان في نية الاطراح.
وعندي أن أسهل مما ذهب إليه الحكم بالبدلية، وتقرير المتبوع والتابع على ظاهرهما.
وأشرت بقولي: وقد تقوم في غير الصلة مقام ضمير إلى نحو: مررت برجل حسنٍ الوجهُ، بتنوين حسن ورفع الوجه، على معنى: حسنٍ وجهُه، فالألف واللام
عوض من الضمير، وبهذا التعويض قال الكوفيون وبعض البصريين، وإن كان بعض المتأخرين قد عد هذه المسألة من مسائل الخلاف بين البصريين والكوفيين.
وأنكر ذلك أبو الحسن علي بن محمد بن علي المعروف بابن خروف وقال: لا ينبغي أن يجعل بينهما خلافٌ، لأن سيبويه قد جعل الألف واللام عوضًا من الضمير في قوله في باب البدل: "ضُرِبَ زيدٌ الظَهرُ والبطنُ" وهو يريد: ظهره وبطنه، ولم يقل الظهر منه ولا البطن منه.
قلت: لما كان حرف التعريف بإجماع مغنيا عن الضمير في نحو: مررت برجل فأكرمت الرجل، جاز أن يغني عنه في غير ذلك لاستوائهما في تعيين الأول، ولذلك لم يختلف في جواز مررت برجل حسنٍ وجهُ أبيه، واختلف في جواز نحو: مررت برجل حسنٍ وجهُ أب، إذ ليس فيه ضمير ولا حرف تعريف، والمنع به أولى، وهو مذهب سيبويه.
ومن ورود الألف واللام عوضا من الضمير قوله تعالى (فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيمَ هي المأوى وأما من خاف مقام ربِّه ونَهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى) ذكر ذلك الأستاذ أبو الحسن بن خروف، وعزاه إلى جماعة من أئمة النحو، وعلى ذلك يحمل قوله تعالى (جنات عدن مُفَتّحةً لهم الأبواب) وزعم أبو علي والزمخشري أن الأبواب بدل من ضمير مستكن بمفتحة، وهذا تكلف يوجب أن يكون الأبواب مرتفعًا بمفتحة المذكور، على القول بأن العامل في البدل والمبدل منه واحد، أو بمثله مقدرا، على القول بأن العامل في البدل غير العامل في المبدل منه.
وعلى كل حال قد صح أن "مفتحة" صالح للعمل في الأبواب، فلا حاجة إلى تكلف إبدال.
وأيضا فالحاجة إلى الضمير في بدل البعض كالحاجة في السبى المرفوع بما جرى على ما هو من سببه، فقد قامت الألف واللام مقام الضمير على كل تقدير.
قال ابن خروف: "وحمل أبو علي وغيره من المتأخرين هذا المرفوع على البدل من ضمير في الصفة، ولا يطرد لهم ذلك في مثل: مررت برجل كريمٍ الأبُ، وحسن وجهُ الأخ، لا سبيل إلى البدل في هذا وأمثاله، فإذا امتنع البدل، فالباب كله على ما ذهب إليه الأئمة".
فقد تضمن كلام ابن خروف رحمه الله أن الحكم على المرفوع المشار إليه بغير البدلية هو مذهب الأئمة، وكفى بنقله شاهدًا.
وقد منع التعويضَ بعضُ المتأخرين وقال: لو كان حرف التعريف عوضًا من الضمير لم يجتمعا، إذ اجتماع العوض والمعوض منه ممتنع، وقد اجتمعا في قول طرفة:
رَحيبُ قِطابُ الجيبِ منها رفيقةٌ... بِجَسِّ النَّدامى بَضَّة المُتَجَرَّدِ
والجواب من وجهين: أحدهما: أن نقول: لا نسلم أن حرف التعريف الذي في البيت عوض، بل جيء به لمجرد التعريف، فجمع بينه وبين الضمير إذ لا محذور في ذلك.
ونظير هذا أن التاء في جهة، عوض من الواو التي هي فاء، وقد قالوا: وجهة، ولم يُجْعَلْ ذلك جمعا بين العوض والمعوض منه، بل حمل ذلك على أن التاء في وجهة لمجرد التأنيث بخلاف تاء جهة.
الثاني: أن نقول: سلمنا كون حرف التعريف الذي في البيت عوضًا، إلا أنه جمع بينه وبين ما عوض منه اضطرارًا، كما جمع الراجز بين ياء النداء والمعوض منها في قوله:
إنِّي إذا ما حَدَثٌ ألَمَّا... أقولُ يا اللهُمَّ يا اللهُمَّا
ومما يقوي كون حرف التعريف عوضا قول الشاعر في صفة صقر:
يأوِي إلى قُنَّة خَلقاء راسية... حُجْنِ المخالِبِ لا يَغْتالُه الشِّبع
أراد: حجن مخالبه، ولولا ذلك لقال: أحجن المخالب، كما يقال: رجل أحمر الثياب، وأنشد الكوفيون:
أيا ليلةً خُرسَ الدجاجِ سَهِرْتُها... ببغدادَ ما كادت عن الصُّبح تنجلي
أراد: خرسا دجاجُها، ولولا ذلك لقال: خرساء الدجاج، كما يقال: امرأة حمراء الثياب.
وإذا صح التعويض فلا يقاس عليه إلا ما سمع له نظير، ولا يقدح في صحته عدم استعماله في صلة وغيرها على سبيل الاطراد، كما لا يقدح في كون تنوين حينئدٍ عوضا من الإضافة امتناعُ ذلك في إذا وغيرها من الملازمات للإضافة.
لكن شرط التعويض المشار إليه أن يكون فيما يُسْتقْبح خلوه من الضمير والألف واللام معا، فلا يجعل من ذلك نحو: البُرُّ الكُرُّ بستين، لأنك لو قلت: كُرٌّ بستين، فأخليته من الضمير والألف واللام معا لم يُسْتَقْبَح، بخلاف ما تقدم.
فصل: ص: مدلولُ إعراب الاسم ما هو به عمدةٌ، أو به فَضْلةٌ، أو بينهما.
فالرفع للعمدة، وهي مبتدأ، أو خبر، أو فاعل، أو نائبه، أو شبيه به لفظا.
وأصلها المبتدأ، أو الفاعل، أو كلاهما أصل.
والنصب للفضلة وهي: مفعول مطلق، أو مقيد، أو مستثنى، أو حال، أو تمييز، أو مشبه بالمفعول به.
والجر لما بين العمدة والفضلة، وهو المضاف إليه.
وأُلْحِقَ من العمدة بالفضلات المنصوبُ في باب: كان، وإنَّ، ولا.
ش: العمدة عبارة عما لا يجوز حذفه من أجزاء الكلام إلا بدليل يقوم مقام اللفظ به.
والفضلة عبارة عما يسوغ حذفه مطلقا إلا لعارض، وسيأتي توضيح ذلك إن شاء الله تعالى.
ولما كان المضاف إليه في موضع يكمل العمدة نحو: جاء عبد الله، وفي موضع يكمل الفضلة نحو: أكرمت عبد الله، وفي موضع يقع فضلة نحو: زيد ضارب عمرٍو، حكم عليه بأنه بين العمدة والفضلة.
ولما كان الاهتمام بالعمدة أشدَّ من الاهتمام بغيرها جعل إعرابه الرفع، لأن علامته الأصلية ضمة، وهي أظهر الحركات.
وإنما قلنا: هي أظهر الحركات لوجهين:
أحدهما: أنها من الواو، ومخرجها من الشفتين، وهو مخرج ظاهر، بخلاف الفتحة والكسرة فإنهما من الألف والياء، ومخرجاهما من باطن الفم.
والثاني: أن الضمة يمكن الإشارة إليها بالإشمام عند سكون ما هي فيه وقفا وإدغاما بخلاف غيرها.
ولما كانت الكسرة تشبه الضمة جعلت علما للمضاف إليه، لأنه قد يكمل العمدة، ولأن الكسرة متوسطة بين الثقل والخفة، فجعلت للمتوسط بين العمدة والفضلة.
ولما جعلت الضمة للعمدة، والكسرة للمتوسط بين العمدة والفضلة، تعينت الفتحة للفضلة، وتبع كلَّ واحد من الحركات ما هو بالنيابة عنها، وقد تقدم بيان